السبت، 4 يونيو، 2011

1200 دولار كلفة اختطاف طائرة في لبنان

</span>وسط غياب المراقبة، يصبح الوصول الى مدرج المطار يسيرا<span class=
وسط غياب المراقبة، يصبح الوصول إلى مدرج المطار يسيرا (مصطفى جمال الدين)
يكشف تناحر الأجهزة الأمنية، مدى انكشاف لبنان أمنياً، وفداحة تداخل صلاحيات الأجهزة بعضها ببعض، لأسباب سياسية - طائفية، فحادثة «الطابق الأسود» الأخيرة، جاءت ضمن سياق طويل لم يبدأ بالإشكال الذي وقع بين عناصر فرع المعلومات وبين الجيش اللبناني، قبيل اندلاع معارك نهر البارد بساعات، في العام 2007.

ولا تقتصر الأضرار الناجمة عن تناحر الأجهزة الأمنية، على نقاط ربح أو خسارة سياسية لهذا الفريق أو ذاك، بل أن استمرارها يكمل الإجهاز على ما تبقى من هيكل للدولة في البلاد، من مناصب وصلاحيات ومؤسسات. ومن بين الفضائح الأمنية «الكامنة»، التي يمكن أن تتفجّر في أي وقت، فضيحة تتعلق بأمن المطار التي تستدعي تحرّك الدولة لمعالجتها، قبل وقوع الواقعة، والوقوف على الأطلال، واتهام هذا الفريق لخصمه، أو اقتصار الحل باستقالة وزير معني.

تبدأ الفضيحة بسؤال بسيط: «هل يستطيع أي فرد، إرهابيا كان أم مصاباً باضطراب عقلي، أن يقدم على اختطاف طائرة من مطار رفيق الحريري الدولي؟». تجيب مصادر أمنية وثيقة الصلة بأمن المطار: «تستوجب العملية فقط... توفر مسدس حربي (يبلغ ثمن المسدس العادي في السوق حوالى 1200 دولار)».

إذ يسمح غياب عناصر أمن المراقبة عن سور المطار، بتسهيل دخول أي شخص أو مجموعة إلى مدرج المطار، وفي غياب أي أسلاك شائكة بين المركز والآخر، تكون حركة انتقال الخاطف - أو من يريد تفخيخ طائرة بالمتفجرات - مرنة.

وفي غياب آلات تصوير مراقبة لسور المطار وحده (وليس خارجه)، يستطيع الخاطف أن يتسلل من سلالم الطائرة الخلفية، إلى الجناح المخصص لخدمات الطائرة، في خلال دقيقة واحدة.

أما التسلل من السلالم الأمامية، فربما يكون محفوفاً بالمخاطر، نظراً لوجود عنصر أمن بمحاذاته، لكن الخاطف يستطيع تهديد عنصر الأمن بمسدسه، في حال قرر التسلل من السلالم الأمامية.

ويمتد سور المطار على نحو 15 كيلومترا، تتوزع في داخله مراكز عسكرية مراقبة، يفصل بين المركز والآخر مسافة تُقدّر بكيلومترين. وفي كل مركز، يتوجب تواجد عنصري أمن للمراقبة، غير أن مصادر أمنية تؤكد تقاعس العناصر عن المراقبة، فضلاً عن عدم توافر آلية عسكرية واحدة تتجوّل بين المراكز، والافتقار إلى كاميرات مراقبة.

وتجزم المصادر بـ«استحالة الرؤية بالعين المجرّدة من مكان المركز العسكري، في حال أراد خاطف الطائرة أن يتخطى السور للوصول إلى الطائرة، والدليل هو ما حصل مع الشاب فراس حيدر في شهر تموز من العام الفائت، عندما تسلل إلى صندوق عجلات الطائرة التابعة لشركة «ناس» السعودية، وقضى نحبه».

عندما قضى فراس، قامت قيامة الدولة اللبنانية، بكافة أجهزتها الأمنية بشكل عام، وجهاز أمن المطار بشكل خاص، حيث استقال رئيس الجهاز العميد وفيق شقير (استلم مركزه بالإنابة العميد في قوى الأمن الداخلي ياسر محمود)، واقتصر الموضوع على عقد اجتماع أمني ـ وزاري في المطار، ترأسه رئيس الحكومة سعد الحريري، من دون اتخاذ أي تدابير مسلكية بحق المسؤولين.

ويقول المعنيّون بملف أمن المطار أن حادثة مقتل فراس كانت تستوجب سدّ الثغرات الأمنية في المطار، والتي تبدأ من السور، وتصل إلى مداخل التفتيش «التي باتت تشهد انفلاتاً أمنياً قلّ نظيره في دول العالم، حيث يستطيع أي شخص نافذ سياسياً أو متموّل مادياً، أن يمرّ مرور الكرام، من دون تفتيش أمتعته أو حقائب يده».

ولا تخفي المصادر «سهولة اختراق أمن المطار من داخله، أي أن خاطف الطائرة يستطيع وضع المسدس في صندوق صغير، ويدفع مبلغاً من المال لعنصر أمني، لقاء توصيل الصندوق إلى داخل الطائرة، من دون أن يُصار إلى تفتيشه. ويستطيع الخاطف أن يحمل مسدسه عند الحاجز الأخير قبل الوصول إلى مدخل الطائرة، حيث لا توجد أجهزة تفتيش عبر «الأشعة السينية»، خلافاً لبقية مطارات العالم».

وتؤكد المصادر «سهولة إقناع عنصر أمني بتمرير هذه الحقيبة أو تلك، من دون أن يعرف محتواها»، متسلحة بـ«نماذج نعرفها بالأسماء، غير أنه لا يُصار إلى محاسبتها لأنها مدعومة سياسياً. كما أن شبكات التجسس الإسرائيلية التي تم كشفها مؤخراً، تثبت سهولة اختراق بعض الضباط لقاء مبالغ مادية».

ويطرح تعاطي الأجهزة المعنية مع موضوع تسلل فراس، منذ عام إلى يومنا هذا، أسئلة تكاد أجوبتها تؤدي إلى وجود تعمّد بتسيّب أمن المطار، إذ لم يُصار إلى معالجة الثغرات التي استطاع فراس اختراقها، والتي «للأسف، تتمثل بالقفز من فوق السور، والتوجه إلى الطائرة بسهولة. علماً أن حل الثغرات لا يستدعي عملاً بطولياً، بقدر ما يحتاج إلى متابعة ودعم في عديد العناصر، وتوحيد مرجعيتهم الأمنية» كما تشير المصادر.

وتلفت تلك المصادر إلى أن «انشغال عناصر الأجهزة باستقبال فلان، وتوديع فلان، فتحت كوة في إمكان اختراق أمن المطار، كما أنها سمحت بدخول سيارات دبلوماسية غربية، بين اليوم والآخر، إلى مدرج المطار، واستلام حقائب من الطائرة مباشرة، من دون الخضوع للتفتيش الروتيني. وفي حال أراد المعنيون الاستفسار، يأتيهم الجواب من دوائر سياسية نافذة: إنهم محسوبون علينا».

حالياً، تنقسم العناصر الأمنية إلى مجموعات، تُكلّف بمهامها من قبل الجهاز الذي تتبع إليه، أي أن العناصر المنضوية في قوى الأمن الداخلي تتلقى أوامرها من المديرية العامة، وعناصر الأمن العام من مديريتها، وكذلك الجمارك والجيش، فيما تقضي المعاهدة المبرمة بين «منظمة الطيران المدني العالمية» (الإيكاو) وبين الدولة اللبنانية، بتشكيل «البرنامج الوطني للطيران المدني».

وتنصّ أولى بنود البرنامج، الذي أحال العميد شقير دراسة موسعة عنه إلى مجلس الوزراء في العام 2005 ولم يتم تنفيذه، على توحيد الأجهزة الأمنية في جهاز واحد ورأس هرم مستقل، أسوة ببقية مطارات العالم، لضمان «عدم نشوب صراعات بين الأجهزة المولجة بأمن المطار، كما يحصل الآن. فكل جهاز يغنّي على ليلاه، ولكل منهم علاقات تؤدي إلى تمرير وساطات مقابل مبالغ مادية، أو إرضاءً لجهات دبلوماسية غربية».

ويجزم المعنيّون بأمن المطار أن التوزع الطائفي لعناصر الأجهزة، يساهم إلى حد كبير بافتقاد الأهداف الموحدة حول ضرورة التشدد في الأمن، إذ «أصبحت اهتمامات عناصر الأجهزة تنصب على إرضاء الجهات السياسية - الطائفية المحسوبة عليها، عوضاً عن التفكير بضرورة تنفيذ حلول تساهم في سد الثغرات، قبل وقوع مصيبة أمنية في المطار».

وتطرح قضية «سهولة» اختطاف طائرة من مطار رفيق الحريري الدولي، أسئلة يُفترض الإجابة عنها من خلال سدّ الثغرات عملانياً، عوضاً عن الاكتفاء بعقد اجتماعات تناقش أسباب الانفلات الأمني، قبل أن يتسلل «فراس حيدر» آخر إلى إحدى الطائرات، ليس بهدف الهروب من بلده بسبب عوزه المادي، بل من أجل تنفيذ مخطط إرهابي في ظروف سياسية معينة، أو بغية التهديد لقاء الحصول على مبالغ مالية. وغيرها من الدوافع التي لن تجدي نفعاً معرفة أسبابها... في حال وقوعها.

جعفر العطار: السفير 03-06-2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق