الجمعة، 6 مايو، 2011

على خط القلق السوري... حمص: في الشارع دم ورعب وأمل


http://img593.imageshack.us/img593/9656/57233927.jpg
الطفل بشار العلي

http://img864.imageshack.us/img864/9756/57233931.jpg 
سوريون أمام مطعم كريش في حمص

حمصي لبنان بطل نكات البساطة والتهكم، أما حمصي سوريا فهو من بين حملة أعلى الشهادات وأكثر شباب سوريا تفوقا. حمصي «الانتفاضة السورية» هو من بين الشهداء الشباب الذين شيّعتهم مدينتهم في أيام الجمعة المتسلسلة في الشهر الأخير لأنهم صرخوا للحرية. أما حمصي «المؤامرة على سوريا»، فهو العالم عيسى عبود صاحب عشرات براءات الاختراع الذي استشهد يوم عيد الجلاء في «حي النزهة» مودّعاً أعوامه السبعة وعشرين. وهو أيضا العميد المتقاعد عبدو التلاوي الذي قتل وتم التنكيل بجثته هو وجاره وابنيه وابن عمّهما، لمجرد «ذنب» أنهم كانوا يستقلّون سيارة عسكرية في منطقة تطرّف مذهبي. وهم أبناء المذهب ذاته لكنهم قتلوا...



ظهراً في حمص، تحاول الشوارع أن تستعيد نبضها القديم، ولكن كل الوجوه والمفترقات تصرخ بالفاجعة. يعجّ رمز المدينة التقليدي مطعم «كريش»، بالطلاب والعمال المسرعين. نساء سافرات ومنقبات، بالجملة والمفرّق، ينتظرن «الشيش» بينما ينظر كل وجه إلى الوجه الآخر بعيون فيها قلق، وفيها أيضا غضب. في وسط المدينة، وتحديداً على تقاطع سوق «الدبلان»، يقاوم التجار كساد شهر بسبب الدماء والأزمة ومحاولات الفتنة بين أهل المدينة. برغم تعاطفهم مع الدماء، يغضبهم كل حراك يطيل مدة إغلاق المحال ويكثر من الدماء البريئة، فيصرخون للأمن أولاً ومن ثم للحرية. أما في الساحة القريبة، ساحة «الساعة الجديدة»، فللمشهد الكلام: مصارف حجبت واجهاتها الزجاجية بألواح خشبية لحمايتها من الرصاص، سيارات قليلة جداً، ورجال أمن بالعشرات يتجمعون زمراً على العشب الأخضر، ويجلس سلاح كل واحد في حضنه... هكذا كان وسط المدينة عصر الخميس.

أسرارها من صغارها

تمتلئ شوارع حمص بعمالة الأطفال، من المطاعم إلى المتاجر إلى بيع العلكة. بعضهم يذهب إلى المدرسة المجانية ليعود بعد الظهر إلى العمل وبعضهم لا، ولكنّهم مختلفون، وأذكياء، ويجيبون بحنكة حين تسألهم.
إذا أردت العثور على باسل، البائع الصغير الحزين، تستطيع أن تجلس في منتزه الدبلان قليلاً ليأتي إليك بتهذيب، وإذا لم يحدث اللقاء، سيعثر عليك مساءً في المقهى في الجهة الأخرى من المدينة. يأتي من منطقته البيّاضة التي تعد الأكثر حساسية وجيشاً واحتجاجاً ليجوب المدينة ويرتزق من بيع العلكة. تسأله لماذا اسمه باسل، فلا يجيب تيّمناً بالأسد، بل يجيب سريعاً بنبرة خوف وتبرير «هناك كثيرون اسمهم باسل»، ويهم بالرحيل. وإذا أعدت السؤال بطريقة أخرى «ألست على اسم باسل الأسد؟» فيعود ويجيب بابتسامة «أبي سمّاني باسل... وربما على اسمه».
أما بشار العلي (7 أعوام)، ابن محافظة إدلب الصغير، فيجلس على قارعة الرصيف خلف ميزانه ويجني رزقه من المارة الذين يتفقدون وزنهم لقاء ليرات سورية قليلة. حزن يشبه حزن باسل في عينيه، ولكنه أكثر جرأة فيقول بعد سؤال: «اسمي بشار على اسم الرئيس، أبي أطلق عليّ هذا الاسم، أنا أسكن في البيّاضة ولا أنزل إلى الشارع كي لا يطلقوا عليّ النار». ومن هم هؤلاء؟ فيجيب «الأشرار الذين يريدون أن يخربوا سوريا». كيف تعود إلى بيتك والجيش يمتلئ حولها؟ «أعود مع إخوتي الكبار».
يزَن: سلفي لا يعرف نفسه
في شارع الحميدية الحمصي حيث تخرج التظاهرات أيام الجمعة، تبدو الحركة بطيئة والمحال مغلقة باستثناء قلة قليلة. من بين هذه القلة، وكر احتجاج نواته ثلاثة رجال ومراهق. الرجال الثلاثة يسخرون من الدولة وينتقدون الفساد بمزحة وضحك. أما المراهق، «يزن لابيد، فغضبه أكثر عنفاً وكلامه أشد حدة، وهو الوحيد الذي أقر بمشاركته في كل المسيرات في منطقة «باب السباع». ترتفع صفارات الإنذار في أحاديثهم جميعاً: يدافعون عن القرضاوي، وحتى عن بن لادن، لأنهم رموز دينية. أما شيوخ الطرف الآخر كالشيخ البوطي، فهم برأيهم خاضعون للتهديد ولذلك يقفون مع الدولة. في كل ما يقولون، يبدو حديثهم خطيرا، وتتعارض مواقفهم وأجوبتهم، وتدل على عدم دراية كاملة بالأفق. لا يعرفون ما يريدون، يعرفون فقط من لا يريدونه. ينطقون بالكفر: «خلصونا من فزاعة إسرائيل وعملوا سلام»... لكنهم ليسوا أصحاب لحى طويلة أو ذقون متدينة، ولا ثيابهم توحي بالسلفية، وكذلك، لا توحي نظرات عيونهم إلى الأنثى السافرة ومزاحهم بالشر أو التطرف. كل ما فيهم غير سلفي، مطالبهم فيها الكثير من الحق عندما ينتقدون المسؤول الفاسد وانعدام الوظائف وقانون الطوارئ.
احدهم مثلاً يعمل خبازا، محكوم بثلاثة أشهر غيابياً ولكن لماذا؟ يعرض لنا محضر الضبط الأخضر ومفاده: عاينت الخبز الذي تبيعه هيئة من وزارة الصحّة، فاكتشفت أنه يشكو من الرطوبة لأنه يصنع العجين بعشوائية من دون الاستعانة بالآلات المخصصة لفحصه. لا حكم على الورقة، لكنه يصر على انه محكوم بسبب الخبز، ويكمل الحديث «لو أنني قدمت رشوة للقاضي أو الهيئة، كما فعل صديقي بائع الفرّوج، لمرّت قضيتي من دون رقابة، وأنا لا املك أن اشتري الآلة لأنها باهظة الثمن».
لا تعرف الحق من الباطل في حديثهم. ما هو واضح أنهم ليسوا خطرين، ولكن ربما هناك تعبئة خطيرة يتعرضون لها، وربما هناك تقصير من الدولة العلمانية الحاكمة، ولد تطرّفاً وغياباً للوعي الوطني المطلوب. وربما لهم قريب أو صديق قتل، فازداد موقفهم حدةً... المراهق أكثر صدقاً من الرجال. وفي حديثه، يبرز كره يزن الواضح لطائفة أخرى. ويتّهم الطائفة كلّها بإطلاق النار على التظاهرة، ويصف تظاهرات التأييد بأنها مدفوعة بالخوف أو بالمال، ويقول واضحاً وللعلن أنه يريد السلاح ليقاتلهم لأنهم يقتلوه، ولأن كل رجال الأمن «منهم». يصوّر عدوّه في المكان الخطأ، عندما يستشهد بالحديث النبوي «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، لتبرير عدم ممانعته للسلام مع ....إسرائيل !.
بعد الزيارة المقلقة ، نغادر إلى الجهة الأكثر «اعتدالا» من المدينة، بينما يهم يزن بالرحيل للمشاركة في تظاهرة ما بعد صلاة المغرب في منطقة «باب سباع». يصلّي، يسمع خطبة شيخه، ثم يخرج في التظاهرة السلمية. يصرخ «الشعب يريد إسقاط النظام» ثم يعود إلى بيته آمناً من دون طلقة رصاص واحدة. فمساء أمس، خرج مئات في باب السباع وهتفوا أمام عيون الأمن، ثم تفرق الجمع بعد نصف ساعة.

يعارض الجهتين ويتمسّك بالرئيس خشبة خلاص

«بصراحة لا أثق بأحد»...هذا حال طالب السنة الثالثة هندسة ميكانيك لقمان خضور. يهوى الصحافة لكنه لن يمتهنها في ظل الإعلام السوري الذي يصفه على الشكل التالي: «سخيف، غبي، متخلّف»، ولذلك يكتفي بإعطاء الصحف السورية لوالدته كي تمسح الزجاج، ويتابع الصحافة اللبنانية. يعرف أسماء معظم الكتّاب اللبنانيين ويواكب الحدث. وكل يوم جمعة، يتنقّل من جامع إلى جامع ليرى الأحداث عن كثب. ترتجف يديه كثيراً «أنا عصبي». تفيض عيونه وكلماته بالقلق وبكثير من الغضب من طريقة تعامل النظام مع الاحتجاجات الأولى ويحمّل الفاسدين مسؤولية ما يحدث. لكنه يتمسّك بالرئيس، لا لشيء سوى لحكمته، «أثق به هو فقط، هو وحده». المحافظ القديم كان «أسوأ ما يمكن» والمحافظ الجديد «سكّر». «نعم أنتقد النظام، أريد مزيدا من الحريات العامة، والحريّات السياسية، ولكن هذا الحراك واضح إلى أين سيذهب، أنا أراهم، وأسمع هتافهم، وأعرف طبيعة ذهنيتهم، فهم أولاد مدينتي، بسطاء، أخاف عليهم، لا منهم، أخاف على ما يمكن أن يحاك لسوريا بيديهم».
ويضيف «لم أتوقع أبدا أن تنتقل عدوى إلى سوريا، فللرئيس شعبية واضحة حقيقية في الشارع والشعب، غير أنها انتقلت ولكن بشكل خطير وغير واضح وغير منظم ولا برنامج لها، وهناك من يعمل على الحقد وهذا واضح من خلال هتافات الدعوة للجهاد التي ظهرت في المسيرة فأرعبت أهل حمص وسمّرتهم في بيوتهم خلف الستائر المغلقة». لقمان يعيش يوماً بيوم مع القلق. قلق على سلامة مدينته وأهلها، لا على سلامة الفاسدين من النظام، وعلى سلامة الجيش السوري، لا على حزب البعث.
أما الكاتب المسرحي الشاب أحمد محمد، فمتفائل. يرى أن الحل الوحيد هو «القوة». هذا التطرف ليس جديدا، وحله وحيد: القوة، ومن ثم الإصلاح والتغيير الحقيقي في بنية النظام، على يد «السيّد الرئيس».

سيدات أعمال في المقهى

تجلس نجوى معروف وصديقتاها، وهما في الخمسينيات، في المقهى مساءً بثياب أنيقة ووجوه متبرّجة وشعر مصفف مع النرجيلة. «الجيش أولادنا وإخوتنا»، «نثق بالسيد الرئيس»، «التطرّف المذهبي يعالج بالوعي». تضرب الطاولة بأظافرها ثم تقول «المشكلة في الإعلام، فنحن نحارب إعلاماً ذكياً يملك أجندة واضحة، وإعلامنا أغبى ما يكون». تجزم بأن التحرّك عرضة للتوظيف الخارجي، وتشدد على أن الحق والحرية يستخدمان لجذب الفئات البسيطة المتديّنة تديّناً خاطئاً وأعمى. وتقول بصراحة، فلتضع المعارضة برنامجها، وليمشِ خلفها الشارع. عيب على المثقفين أن تسوقهم طبقة ينقصها الوعي، الآن قبل الغد، لتضع المعارضة السورية برنامجها، وليلحق بها الشارع، لا العكس، وذلك تحت لواء السيّد الرئيس. الشعب السوري لا يهين رموزه، إنه الحقد المذهبي يتكلّم، والتجييش الطائفي. في حمص، مقارنة مع اللاذقية، يبدو الشارع أكثر توترا، والتطرّف أكثر خطورة. فتلك مدينة بحرية تتميز بانفتاح مجتمعها عموما، بينما حمص، المدينة الداخلية، قلقها اكبر على الوحدة الاجتماعية، كما على الحق والحرية.

غدي فرنسيس - حمص :  السفير 6/4/2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق