الأحد، 1 مايو 2011

طوائف عقارية

دخل قطاع العقارات العصر الطوائفي. 
يأتيه متأخراً قياساً لمكانة القطاع وسمعته وملاءته. وهو الذي تعزى إليه المسؤولية الأولى عن النمو الاقتصادي البالغ 7,5% بالمئة (في حده الأدنى) الذي يفاخر به المصرف المركزي ومعظم الاقتصاديين من دون أن يعرف اللبنانيون لماذا لا ينعكس عليهم ذلك النمو الذي يفوق المعدلات الدولية بأضعاف الأضعاف إلا بغلاء معيشة وارتفاع معدلات البطالة وأزمة السكن وشحة المياه وانقطاع التيار الكهربائي وبوار الزراعة وصعوبات الصناعة... 
مهما كان الأمر، فلم يكن القطاع يوماً محروماً من المنافسات والمحاصصات والمنازعات والجيوبوليتيكا الطوائفية والمذهبية (الحقيقية منها والافتراضية). إلا أنه يهمّ الآن بولوج العصر الطوائفي من بابه العريض، عن طريق مشروع القانون الذي أعلنه الوزير بطرس حرب بتحريم بيع الأراضي بين الطوائف لمدة 15 سنة. وسوف ينال المخالفون عقوبات تصل إلى عقوبة سجن أقسى وأطول من العقوبة على جرائم «الشرف»، أو يفرض عليهم الجزاء المادي بما يصل إلى ضعفي ثمن العقار. 

هاكم محام ومشرّع عريق يتقدم بما يعادل فضيحة في علم القانون. لا يكاد يخفي أن المقصود من مشروعه منع المسيحيين من بيع أراضيهم من غير المسيحيين، مع أنه يريد إلباس هذا التحريم الجزئي صفة القانون الذي يسري على جميع اللبنانيين.
أما سائر التبريرات فتدخل في باب العذر الأقبح من ذنب. وإن يكن الذنب هنا منسجماً كل الانسجام مع الذنوب السائدة. 
يبرّر الوزير المشرّع حصر العقوبات بالبيع بين الطائفتين بالافتراض أنه يمكن استرداد العقار المباع داخل الطائفة الواحدة عن طريق توسيط رجال الدين أو علمائهم. هذا يعني أن رجال الدين وعلماءه، وهم المعوّل عليهم لأن يكونوا قدوة في الرأفة والمحبة والتسامح، سوف يتعصّبون لا محالة لأبناء طائفتهم ضد أبناء الطائفة الأخرى. وهو اجتهاد لا يحمل الكثير من الودّ لرجال الدين وعلمائه، رغم المهمة القانونية الإضافية التي يلقيها على عاتقهم. هذا بالإضافة إلى أنه يشي بأن الوزير حرب لا يزال يعيش في عصر ما قبل الدوحة. 
مهما يكن، هناك عذر التنوّع والتعايش. يمنع على ابن طائفة بيع أو شراء عقار من ابن طائفة أخرى لأن ذلك يخرق مبدأ التنوّع ويُضعف من التعايش بين اللبنانيين. كيف ذلك؟ إذا باع مواطن كسرواني شقة في جونية لمواطن سني من إقليم الخروب، أو باع مواطن من بنت جبيل شقة لمواطن من أهالي قضاء زغرتا، وسكن هذا وذلك في عقاره، هل يكون ذلك من قبيل التشجيع على التنوّع والتعايش الطوائفيين أم على الفصل والعزل؟ 
على أن الأعجب من مشروع الوزير حرب هو ردود الفعل عليه. اتهم المشروع بالـ«فصل العنصري» (لماذا «عنصري»؟ هل المسيحية والإسلام تحوّلا إلى عرقين أو عنصرين؟) وبأنه «مخالف للدستور». إنه مخالف لأي دستور؟ الدستور الذي ينهى عن «فرز الشعب» في مقدماته أم دستور المواد 9 و10 و95 الذي يعرّف اللبنانيين بما هم «أهلون» ينتمون إلى جماعات دينية ويخضعون لقوانينها في مناصب الحكم والتمثيل السياسي والوزاري وفي الوظيفة العامة ناهيك عن الأحوال الشخصية والتعليم؟ 
«هرطقة وطنية». ربما ولكنها ليست هرطقة من ضمن النظام الطوائفي. 
وقد تصل الاتهامات إلى ما هو أقسى من ذلك مع وصف المشروع بأنه «آخر النفق المسدود للمارونية السياسية». هذا يفترض أننا مقتنعون بأن سائر الطوائفيات والمذهبيات السياسية تتبختر في رائعة النهار تحت نور الشمس الساطعة! 
طبعاً، جاءت أعنف ردود الفعل على مشروع قانون الوزير بطرس حرب من أقرانه وزملائه وخصومه من وزراء ونواب وسياسيين وأفراد الطبقة السياسية الموسّعة عموماً. كلهم نفض اليد من دم هذا الصدّيق. ومعظمهم قد خوّض عميقاً في دماء اللبنانيين. 
كأن هؤلاء النقاد ليسوا مَن كرّس النظام الطوائفي في اتفاق الطائف وألحقوه بنظام النقض المذهبي في الدوحة! ولا هم مَن أسهم في التأزيم الدموي للمسألة المذهبية في 5 و7 أيار 2008! أو ليسوا هم الذين صوّتوا على إعفاء المؤسسات الطوائفية والمذهبية من الرسوم والضرائب؟ ولا هم الذين يهبون أملاك الدولة والبلديات للأوقاف هنا وهناك؟ أو كأن نقّاد الوزير حرب ليسوا هم مَن يسهم في تدمير التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية ومَن يرخّص لعشرات المعاهد العليا والجامعات المذهبية الخاصة؟ أو كأنهم ليسوا هم الذين فرضوا التعليم الديني في المدارس الرسمية؟ وأخيراً ليس آخراً، كأن الذين يتهمون الوزير حرب لا ينتمون إلى سلك رجال الدين وعلمائه ممّن يرتضي بالإفتاء في خلافات ومنازعات لا تزال من اختصاص المحاكم المدنية المشتركة بين اللبنانيين. 
مهما يكن، فالعذر الأبلغ لدى المدافعين عن تحريم البيع بين الطوائف هو... السياسة، طبعاً. وكل شيء في لبنان سياسة كما لا يخفاكم. المبادلات العقارية سياسة حسب المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي حرّم على المسلمين بيع الأراضي من غير المسلمين، في فتوى صدرت العام 1984. وبيع الأراضي ظاهرة سياسية وليست ظاهرة عقارية في عرف الرئيس أمين الجميل، في خطبة أخيرة أمام مهرجان حزب الكتائب. 
هكذا لن تلقى صعوبة في أن تقنع أحداً بأن دفع مبلغ من المال لقاء استملاك قطعة أرض أو شقة أو بيت ليست عملية اقتصادية ولا علاقة لها بذلك الفرع من الاقتصاد المسمّى القطاع العقاري طالما أنت تسمّي العملية بأنها... سياسية. 
انتبه! 
لا أحد في لبنان يبيع أرضه لأنه محتاج اقتصادياً. 
ولا أحد يبيع بيتاً قديماً في مدينة ليشتري شقة له أو لابنه المتزوج حديثاً (أو لابنته) في ضاحية ما. 
وما من أسرة تبيع عقاراً من أجل تسفير ابن إلى دنيا الاغتراب. 
لا أحد في لبنان يبيع عقاراً لسداد دين. ولا أحد يستردّ عقاراً تسديداً لدين. 
لا تصدّق هذه التخرّصات كلها. 
لا أحد يشتري عقاراً لأجل المضاربة العقارية. ولا أحد يبيع عقاراً من قبيل المضاربة العقارية. 
لا أحد يبيع عقاراً لأنه صار في الهجرة العميقة ولا يفكّر في الرجوع إلى وطن النجوم الذي يطرد أبناءه وبأسرع من سرعة «الإشعاع والنور». 
فلا تصدّق هذه التخرّصات الاقتصادية. السياسة تخدمك بأنها تبسط لك المشكلات. التبادل العقاري سياسي، مثلما كل شيء سياسي. الفارق فقط هو أن البعض (من فئة البائعين) يعتبر نفسه متضرراً من السياسة والبعض الآخر (من فئة الشارين) يضحك في سرّه. 
هكذا توفّر عليك السياسة أن تعرف شيئاً عن المبادلات العقارية الحقيقية بين لبنانيين حقيقيين. مثلما توفّر عليك وجع الرأس جراء البحث في مشكلاتها ودلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. 
باختصار، توفر عليك السياسة في القطاع العقاري، بما توفره عليك من وجع رأس، الاهتمام برغيف الخبز والعمل والسكن والماء والكهرباء وحماية الصناعة وتشجيع الزراعة وارتفاع المديونية والفساد وسواها من القضايا التي باتت كلها... سياسية. 

فواز طرابلسي - السفير - 05 يناير 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق