الثلاثاء، 24 مايو، 2011

الجنس المقدّس

Free Image Hosting at www.ImageShack.us
الجنس المقدس
كيف نكتب عن علاقة الجنس بالدين؟ من أي باب ندخل في لب هذا الموضوع المعقد والشامل؟ كيف نصل إلى الاستنتاجات الوافية حول موضوع يعتبر إلى جانب الأكل أهم الأمور في الحياة؟ بل كيف نفسر صورة الجنس الضائعة بين المقدس والمدنس؟ تلك هي المعضلة. لنبدأ من حيث طُرد ادم وحواء من الجنة وسكنا الأرض. هل سقطا بسبب المعصية أم لسبب آخر؟ يقال إن الله طردهما بعدما كساهما، لكن المفسرين التقليديين لم ينظروا إلى الطرد في وصفه برهانا على الإغواءات أو الفحش الجنسي، بل إن السرد ينص صراحة على أن الاتحاد الجنسي بين آدم وحواء حصل لاحقا. لم تحدَّد الثمرة التي أكلتها حواء على نحو مؤكد باعتبارها تفاحة، بل قد تكون تينة أو خوخة ذات رمزية جنسية. وقد أدرك آدم وحواء بعد أكلها أنهما عاريان فأعدا لنفسيهما مآزر من أوراق التين لستر عورتيهما. هكذا في البدء كان الجنس، وهكذا الجنس كان.


أسطورة الصعود والنزول

في أفريقيا ثمة أسطورة يجري تداولها في أوساط الـ أشانتي الغانيين (من غانا)، تفسر أصل الجنس والعائلة ربما لا تختلف عن الأسطورة التوحيدية. قيل إنه منذ زمن هبط رجل وامرأة من السماء، وطلع أيضا رجل وامرأة من الأرض، وفي وقت لاحق أرسل الإله الاسمي ثعبان الأصلة وبنى بيته في النهر. في البدء كان الرجال والنساء يتعايشون معا من دون اتصال جنسي، ولم تكن لديهم فكرة عن الحمل والولادة. وذات يوم سألهم الثعبان ما إذا كان لديهم أطفال، وبعدما أجابوه بالنفي أبلغهم أنه سيعلمهم كيف يتم الحمل. جعلهم يصطفون أزواجا، وجها لوجه، ثم رش الماء على بطونهم بالترافق مع تلاوة طقسية، ثم طلب إليهم أن يعودوا إلى بيوتهم ويتضاجعوا. من هذا المثال الذي يرمز إلى القضيبية تعلم هؤلاء الجماع وأنجبوا الأطفال الأوائل في الكون. بين التوراة والحكايات الأفريقية نجد رمزي التفاحة والثعبان، والبلاغة المشتركة تكمن في الأسطورة التي تحاك عن الجنس سواء في التوراة أو في القصص. اقترن بالجنس بالأسطورة والأسطورة بالدين والدين بالجنس، هكذا دواليك في عالم لا ندري كيف جرى بناؤه. أسقطت التفاحة (أو الثمرة) آدم وحواء وقيل إن حواء هي التي أكلتها، وصارت رمز الرغبة في العالم مثلما كان الدراقن رمزا أساسيا للأنثى، كذلك المشمش في الهند، والرمان في اليونان القديمة. واعتبر الأرز رمزا أنثويا، كما كان يستخدم سابقا في طقوس الطهارة. قصة سقوط آدم وحواء من الجنة تبين أن الجنس والدين هما من أكثر الاهتمامات شيوعا بين البشر. وهما متعارضان في أغلب الأحيان، فالأول جسداني زائل، والثاني روحي سرمدي. وكلاهما يشغل حيزا مختلفا. وهذا ما يبينه الكاتب جيفري بارندر في دراسته عن الجنس في أديان العالم . يقول إنه رغم توافر عدد لا يحصى من الكتب التي تناولت الأديان في العالم، يبدو أن جل هذه الأعمال تقريبا يستخف بالعناصر المرتبطة بالجنس على وجه التحديد، رغم الاعتراف بأهمية الجنس في ما يخص الدين. كما أن العديد من الدراسات المقارنة التي تناولت أسفار الأوبانيشادية في صدد الطقوس الخاصة بالاتصال الجنسي، غالبا ما تحذف من النصوص المترجمة. وهناك نصوص حول اليوغا تنزع إلى إهمال التمرينات الجنسية التي يمكن استخدامها، وكذلك النظريات الفيزيولوجية المتصلة بالسلوك الجنسي، والتي تشكل العنصر الأساسي المكوّن لطرائق اليوغا الهندية والصينية.

البغاء... مقدّساً

التقارب بين الدين والجنس يبدو أشد وضوحا في الهند، حسبما ورد في الملاحم والنصوص الهندية الكلاسيكية، إذ اعتبرت أن العلاقات الجنسية، خارج نطاق الرباط الزوجي، في ما يخص الرجال طبعا، امرأ مقبولا في وصفه جزءا لا يتجزأ من الحياة. فقد كان ثمة محظيات من منزلة رفيعة، مكرسات لإشباع الحاجات الشهوانية لدى الذكر، وكانت الفتيات بمنزلة الهيتيري عند اليونان، و فتيات الغيشا لدى اليابانيين. كن على ثقافة عالية، وينبغي أن تدفع الدولة لمعلميهم. ومن المهام التي كن يضطلعن بها الرقص، الغناء، التمثيل، الخياطة، تنسيق الأزهار، وسواها من الفنون المنزلية. ويتوضح أن تاريخ البغاء قد أولته الديانات القديمة احتراما قبل أن ينقلب تحقيراً وإنكارا. فقد كان هناك البغاء المقدس حيث كان يقام لفض بكارة العذراء احتفال مقدس تمنح الفتاة فيه نفسها لمن منحه الإله قوة الإخصاب وقدسية الجنس، ولم تكن الفتاة تحصل على اكتمال أنوثتها إلا بمنحها نفسها لهذا الشخص، ويحق لها بعد ذلك الزواج. البغاء المقدس، على ما نعلم، هو تلك العلاقة الانفصالية ذات الطبيعة المختلفة عن الحب العذري، وهي تقابل بالتفعيل والجانب الجسمي في مقابل كبت الجانب النفسي أي التعلق الوجداني بالآخر. لم يبق البغاء المقدس على سمت واحد، فقد تبدل بتبدل أنماط الحياة. تلفت الدراسات إلى احتجاز العذارى في المعابد إذ كانت وظيفتهن الترفيه عن الكهنة من جانب ومضاجعة الحجاج من جانب آخر لقاء اجر، وقد تطور البغاء المقدس فأصبح من حق البغي المقدسة أن تحتفظ بجزء من مال بغائها ليعينها عند الزواج. في ملحمة المهابهارتا كان الملك يوديشترا يحظى ليس فقط بعدد من الزوجات، بل كان يبعث تحياته إلى النساء المتأنقات. ومن جهة أخرى تبرز التوترات في الحياة وفي التعاليم الهندية من خلال ما ذكر في الملاحم أيضا من حملات مضادة للبغاء العادي. فقد كانت تفرض رقابة صارمة على المباغي وصالات الشراب، لأنها تتسبب بالأذى للملكة. أما الديفا - داسيز (أي خادمات الله) فكن محظيات من منزلة رفيعة، مكرسات لخدمة الآلهة في المعابد الهندوسية. هذه الممارسات ترقى إلى عهود غابرة، حين كانت الفتيات يتلقين دروسا في فنون الإثارة الشهوانية حتى يصبحن مؤهلات لخدمة زوار المعبد لقاء أجر، لأن واجباتهن كانت تشتمل على الرقص والغناء، وغالبا ما كان يُنظر إلى الرقص في وصفه عملا لا أخلاقيا، إلى أن ساهمت الإصلاحات الحديثة في نزع هذه الصفة عنه. لقد ساءت سمعة البغاء المقدس في المعابد الهندية، وبات الحجاج يتشكون أحيانا بسبب إغواءات فتيات المعبد التي كانت تلهيهم عن العبادة. أما إلغاء البغاء في المعابد فتقرر على يد البريطانيين وبدعم من الإصلاحيين الهندوس، وترافق ذلك مع حظر حرق الأرامل. الكتاب الأشهر في الثقافة الهندية والذي صوّر الشهوانية بحذافيرها هو الكاماسوترا ، أي مذهب الشهوة أو الحب، واقتبس عنه الكثير من الكتاب وأهل الفن. يؤكد هذا الكتاب أنه ينبغي للنساء أن يتعلمن فنون الغرام كما الرجال تماما. ويسرد فنون الباه التي يتعلق معظمها بالتدبير المنزلي، بما في ذلك طبعا القراءة والشعر وإتقان اللغة الرمزية والملغزة. أما في ما يخص الرجال فيقر بضرورة أن يكونوا مهرة في أنواع الرياضة واستخدام السلاح والمراهنة. ويمكن المحظيات أن يكن بارعات في هذه الفنون، كما يمكن النساء المتزوجات أن يزدن من جاذبيتهن عبر الإلمام بهذه الطرائق، حتى إذا انفصلن عن أزواجهن وجدن وسيلة يعتمدن عليها. يعنى الجزء الرئيسي من الكاماسوترا بتقديم أمثلة حول عملية الاتصال الجنسي، مميزا بين الشريك المناسب وغير المناسب. ويتطرق أيضا إلى أنواع العناق، والتقبيل في مختلف أشكاله، والهصر والخمش والعض. ويورد تفاصيل عن وضعيات متعددة الأنماط، بعضها يتميز بمهارة بهلوانية ويتطلب الكثير من التدريب. وتتجلى هيمنة الذكر حين ينعم الرجل بمضاجعة امرأتين في وقت واحد أو نساء عديدات معا. ويمكن المرأة أن تتخذ دور الرجل حين يكون متعبا من قبيل التغيير. غير أن الممارسة الفموية مقتصرة على الخصيان المتنكرين بهيئة ذكور أو إناث. وهنالك أجزاء أخرى من الكاماسوترا تبحث في موضوع المغازلة، من خلال زرع الثقة في الفتاة الساعية إلى الظفر بقلب رجل، وعلى يد فتاة أخرى، وكذلك موضوع الخطبة وأنماط الزواج. لقد تركت الكاماسوترا أثرها في الفنون والرسم وصنوف الأدب، واستمرت حوالي ألف عام نموذجا أدبيا معياريا حول الجنس، كان ملموسا في الأنواع الأدبية، بما في ذلك الشعر التعبدي. أما التانترا فقيل إنها إعادة اكتشاف لأغوار المرأة. وبحسب الشعائر اليوغية فإن المرأة اليوغية تمارس التمرينات وهي عارية، وتمثل الأعضاء الجنسية، من وجهة نظرها، القوى الكونية التي يرمز إليها بعضو شيفا الذكوري. وسعى بعض التانتريين إلى المضي أبعد من حدود الطقوس الجنسية العادية التي كان الهندوس يؤدونها، معتبرين أن المحرمات كانت صائبة في ما يخص آخرين وينبغي تحطيمها بغية إحراز قدرات استثنائية. إن السمة العامة للجماع التانتري هي احتجاز المني، الذي كان يعتقد أن له قوة سحرية. فإذا ما بقي محتبسا في الجسد، لن يكون هناك خوف من الموت. ما نجده عن الجنس في الهند يختلف عنه لدى البوذيين، إذ كان الجنس مثار خوف عند هؤلاء لأنه قد يغدو ندا للسكينة التي ينشدها الراهب بطريقته التي اختارها لنفسه في إنكار الذات. وكم من قصص رويت عن قمع الرغبات الجنسية، وعن فتنتها لدى الرهبان البوذيين، وتأثرت مجتمعات الصين واليابان بالطقوس البوذية، والتغيرات التي طرأت عليها، ومن بين هذه الطقوس التي كان لها تأثيرها في الجنس، ولو بشكل هامشي، طقس عبادة الشاي الذي أدخل في القرن الثالث عشر ليصبح بمنزلة طريقة ذات فاعلية لتدريب النساء الشابات على قواعد اصطلاء الموقد.

العالم العائم

استخدم تعبير العالم العائم في اليابان في أواخر القرن السابع عشر للدلالة على المجتمع السعيد ولكن غير المستقر. وثمة أمثلة بارزة عن الأوكيو أو الفن القصصي لعالم المومسات، ظهرت في مؤلفات إيهارا ساياكاكو الذي رصد القضيتين الأكثر حضورا في العالم وهما المال والجنس. فروايته الأولى، الرجل الذي أنفق عمره في ممارسة الحب، تحكي عن بطل كان يطوف البلاد، ممارسا العشق مع آلاف النساء ومئات الغلمان. وفي روايته الأكثر واقعية، خمس نساء عاشقات لمحبوب واحد ، كان سايكاكو شاعريا وشعبيا في آن واحد. وبدلا من البلاط ثمة البيوت وغرف الاستحمام والمسارح والمباغي وبيوت العامة. وفي روايته مرآة الحب الذكوري، عالج سايكاكو قضية اللواط. فقد كان لتنامي الحياة الرهبانية البوذية دور في شيوع الجنسية المثلية بين المعلم والمريد.وقد اعتبر صاحب الرواية أن المعابد البوذية بمنزلة ملاذ مفضل لممارسة الجنسية المثلية. اشتملت كتب الأوكيو على كتابات مبهجة، وأحيانا داعرة. مع ذلك، هناك على ما يبدو، أعمال مشابهة تعارض تلك التي تنطوي على نية صريحة لـ تشجيع الفضيلة ومعاقبة الرذيلة وسادت الكثير من الرسوم الجنسية في اليابان. وقد رسم أوتامارو مغنيات ومومسات وسابحات عاريات. وكانت هذه الأعمال تصور فتيات بيوت الشاي وهن عاريات الصدور، أو هنّ يدخنّ بنهم، أو ينغمسن في المتع الجنسية. وثمة لوحات لمتعبات ذاهبات إلى السرير. كان هذا العالم العائم بمنزلة رد على شكلانية الحياة المنزلية التي يتخللها المنع والقمع. وحدهم رجال الطبقات العليا في وسعهم تحمل نفقات الخليلات والمحظيات، بينما يجد رجال الطبقة الوسطى متنفسهم عند فتيات الغيشا أو لدى المومسات. كانت فتاة الغيشا بارعة، راقصة، وعلى نحو أدق كانت راقصة ومغنية ومحترفة. وكان ارتياد بيت الغيشا يوفر التسلية لكنه لا يمنح بداهة الحق في الجماع. ولهذا كان يترتب على الرجل أن يوقع عقدا تغدو فتاة الغيشا بموجبه خليلته.

الجنس لدى اليهود

Free Image Hosting at www.ImageShack.us
الجنس المقدس
كانت مواقف قدماء العبرانيين من الحياة في وجه عام ومن الجنس طبيعية على الفطرة، وكانت دينية من ناحية قبول الجنس في وصفه من عند الله. واعتبرت أن الله دائما فوق البشرية بطريقة غير تقليدية. فبدلا من أن تنظر إلى الإنسان في وصفه مقياسا لكل الأشياء، صورته هو نفسه في حضرة الإله. كانت الغاية من الاتصال الجنسي عند اليهود وسيلة للحفاظ على النوع. نجد في الدين اليهودي ميتولوجيات جنسية غريبة، من الختان إلى قصة زليخة ويوسف وصولا إلى العبادة القضيبية، وبيّن فيلم قادش ما يكتنف الأصولية اليهودية حيال الجنس. تبدو الأمور معقدة ولا تحتمل، فأنبياء اليهود، على ما تقول الحكايات، لهم فحشهم في النوازع الجنسية. ربما لا يصدق القارئ أن يكون ثمة نبي من الفاحشين في الجنس على نحو يتجاوز الأعراف. لكن ما ينبغي التنبه إليه أن الجنس من المقدسات في غالبية الأديان. خير دليل على ذلك نشيد الأناشيد الذي كانت مكانته في شرعة الكتاب المقدس اليهودي موضع نزاع حتى أتى رجال اللقاء الكبير وفسروه تفسيرا روحانيا . ودار النقاش حول الكتاب هل هو قصيدة حب، أو أنه حكاية مجازية عن العلاقة بين الله وإسرائيل، تقدم الإنساني - المقدس بلغة رمزية. وقد سادت وجهة النظر الأخيرة وقيل إن السفر كتبه سليمان بإلهام من الروح الإلهي. عند قدماء العبريين كانت توجد طوائف من النسوة يزاولن البغاء في المعابد وكن يعتقدن أنهن يجلبن الخير والبركة لمن يتصل بهن. وظل هذا التقليد الديني سائدا إلى أن حرّمه سفر التثنية. وعند قدماء الكنعانيين كانت توجد طائفة من النسوة وهبن جسومهن للبغاء المقدس. ومن أشهر أنواع البغاء المقدس عند الشعوب ما كان يجري عليه العمل في معابد بابل وقد أفاض المؤرخ اليوناني هيرودوت في وصف هذا النظام، فذكر أن كل بنت تولد في تلك البلاد كان يجب أن تذهب إلى معبد الآلهة ميليتا حيث تقدم نفسها لرجل أجنبي عن البلاد. فكانت تجلس في ساحة المعبد حتى يمر بها أجنبي ويضع على ركبتيها قطعة فضية من النقد. وكان يعتقد أن هذا الضرب من العبادة نوع من القربان، وأنه مصدر خير وبركة للفتاة نفسها.

النبي المزواج

ماذا عن الجنس في الإسلام؟ كيف كانت صورته؟ الواقع أن الإسلام عنى بهذا الجانب الفطري من حياة الإنسان، ووضع فيه من القواعد والأحكام والتوجيهات ما يضمن أداءه لوظيفته. تركز الآراء التي كثيرا ما تعتمد في العالم غير الإسلامي على زيجات محمد المتعددة، مدعية أن ذلك لا يتناسب مع مرتبته كنبي. فالدين والممارسة عند النبي محمد أساسيان لفهم العلاقات بين الدين والجنس في الإسلام، إلا أن هذه الوقائع ينبغي توثيقها بالاستناد إلى القرآن والسيرة النبوية وكذلك الأحاديث النبوية. يتكرر القول إن محمدا كان لديه الكثير من الزوجات، وتبين الوقائع أنه لم يتزوج حتى بلغ الخامسة والعشرين من العمر، وخديجة أولى زوجاته وكان عمرها أربعين عاما. ومن بين زوجات محمد، عائشة هي الوحيدة لم تكن متزوجة من قبل، وكانت الثالثة بينهن. الجنس في الإسلام له قصصه التي لا تنتهي ولا يكتمل الحديث عنها بمقالة أو كتاب. ذلك لأن الجنس يحضر في كل شيء وقد اشتمل القرآن على آيات عديدة عالجت العلاقات بين الجنسين، فهناك آيات تقول بالزواج من واحدة إلى أربع نساء. ويتردد القول تقليديا أن هذا الإقرار قد منح بعد مقتل عدد كبير من الرجال في معركة احد مخلّفين وراءهم أرامل ويتامى بائسين. وكما هي الحال لدى شعوب كثيرة، كان الهدف من الزواج إنجاب ذرية. ثمة نقطة ينبغي التركيز عليها إذا قارنّا بين الجنس في الدين الإسلامي والجنس في الدين المسيحي وحتى في الدين اليهودي، فكثيراً ما ارتبط اسم محمد بتعدد الزوجات وقيل إنه ولد مختونا. أما المسيح بحسب ما تقول الميتولوجيا الدينية فقد ولد من سيدة عذراء، أو ولد من غير أب، ولهذا دلالته في الجنس. كان يسوع يهوديا وكانت كلماته عن الجنس والزواج مأخوذة من الجذور التاريخية العبرية. أكد يسوع حالة الزواج الأحادي في اعتبارها مفروضة من الرب. إن المثال الذي ضربه عن الوحدة الزوجية وعدم الافتراق كان متوازيا مع مثله الأخرى. فهو لم ينتقد فعل الرغبة الجنسية فحسب، بل انتقد أيضا هذا الفعل في الخيال. ولن تناقش قضايا الجنس والزواج بصورة واسعة في الكنيسة القديمة، لكن موقفها انطوى على إعراض عن الدنيا وهي شاطرت الكثيرين من مناوئيها مشاعر الغنوصية والعداء للجنس. صحيح أن الكنيسة لم تدن الزواج لأن المسيح باركه، إلا أن الزواج عدّ أدنى درجة من العذرية، وكان التبتل مثال من يود أن يكون كاملا، لكن العلمانيين طرحوا آراءهم لمواجهة محاولات الإكليروس تنظيم حياتهم.

الجنس عند العرب

Free Image Hosting at www.ImageShack.us
الجنس المقدس
في المقابل يبدو الجنس عند العرب غريبا وغرائبيا وبمعزل عن الأحاديث الشريفة وتفسيراتها التي قدمها فقهاء الشرع. فقد ظهرت أعمال أدبية ضخمة تناولت كل جوانب الحياة. واتسعت صناعة الأدب عندما امتد الإسلام ليشمل الشرق الأوسط. وقد شكل بلاط هارون الرشيد خزانا من الحكايات الظريفة النادرة، وقصص الغرام التي نهلت منها حكايات ألف ليلة وليلة الشهيرة. وعلى رغم مما تشتمل عليه هذه من مغامرات جنسية، وتصور النساء غالبا وهن يتمتعن بالجنس كما الرجال، فإنها ليست في أي حال مرجعا جنسيا، وإنما هي انعكاس للحياة والخيال الجامح المتحرر من كل قيد. إن ظهور المؤلفات الجنسية في العالم العربي والإسلامي يرجع إلى بداية القرن الثالث الهجري. ورغم أن أسباب هذا النوع من الكتابات متنوعة ومختلفة، فقد لخصها احدهم في النقاط الآتية: تطور الحضارة العربية والإسلامية وامتزاجها بالحضارات الشرقية، الهندية والفارسية على وجه الخصوص. وقد أدى التثاقف إلى حركة ترجمة واسعة شملت المؤلفات الجنسية كذلك". قدوم الجواري من مختلف أنحاء الإمبراطورية الإسلامية ساهم في انتشار تقنيات وممارسات جنسية جديدة دخيلة. وتطور الذوق في ما يتعلق بجمال المرأة، وساهم في ذلك وجود طبقة مترفة تعيش البذخ والمجون، وفي بحث مستمر عن الجديد في الميدان الجنسي. وهذا ما يبين أن معظم المؤلفات الجنسية كتبت استجابة لرغبة الأمراء والملوك والأعيان. هذه العوامل أدت مجتمعة إلى انتشار الخطاب الجنسي، والمعروف انه يمتد من الجاحظ إلى ابن كمال باشا صاحب كتاب"رجوع الشيخ إلى صباه". كان هناك مراجع مختصة بموضوعات الجنس، في مصر على وجه الخصوص، حتى أن العلامة والمؤرخ جلال الدين السيوطي نسب إليه تأليف كتاب "تفسير الجماع"، ومما فيه دعاء "الحمد لله الذي زين صدور العذارى بالنهود...". وثمة عناوين أخرى لكتب جنسية بينت كيف يمكن الرجال والنساء أن يحققوا المتع عبر الجنس. ويذكر السيوطي ما قاله العرب من أسماء عضو الرجل وعضو المرأة وهي تبدو مضحكة إذ ما قرأها المرء اليوم، وتخفي عنفا لفظيا وصوتيا وسلوكيا. فكأن الجنس عند العرب عراك وليس شغفا وحبا واتصالا. ورغم أن كتاب السيوطي عن الجنس بطرفيه الرجل والمرأة، إلا أنه يركز كثيرا على المرأة الكاملة الأوصاف. يذكر في كتابه "الكنز المدفون": "قال بعض العرب: أفضل النساء أطولهن إذ قامت وأعظمهن إذا نامت". وفي "تحفة العروس" نقرأ أن إعرابيا جلس في حلقة يونس بن حبيب فتذاكروا النساء فقالوا للإعرابي أي النساء أفضل عندك، فقال: البيضاء العطرة، اللينة الخفرة، العظيمة القاع، المشهية للجماع، إذا ضوجعت أنّت، وإذا تركت حنّت". في القرن التاسع عشر كتب الشيخ النفزاوي من تونس، "الروض العاطر" ويشتمل على قصة غرامية خيالية وإرشادات جنسية. ويفتتح بالدعاء: "الحمد لله الذي جعل اللذة القصوى للرجل في الأعضاء الطبيعية للمرأة، وقدر أن تمنح الأعضاء الطبيعية للرجل المتعة القصوى للمرأة". لكن الكتاب، في سياقه اللاحق، ينفي أن تكون المرأة قادرة على الشعور باللذة إلا إذا طاف بها الذكر، ويؤكد أن الرجل لا يعرف الراحة والهدوء ما لم يتحد بالمرأة. ويواصل الكتاب عرض موضوعاته وقصصه المشابهة لحكايات ألف ليلة وليلة. وبعد بحث موجز للخصائص البدنية التي تتطلع النساء إلى توافرها لدى الرجال، يروي حكاية مفعمة بالتصوير الحي للمضاجعات التي تتم بين مهرج البلاط وزوجة الوزير حمدونة التي تطارحه المتعة بالكفاءة نفسها، ثم يلي ذلك وصف لامرأة فاتنة، وقصة زنجي يسعى إلى إغواء زوجة الوزير وتنتهي به الحال إلى بتر أوصاله وإعدامه. أكثر من ذلك، فالميتولوجيا الإسلامية تزخر بأوصاف الحور العين والجنس في الجنة. يقول الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي إن كتاب "الروض العاطر" ليس بالضبط نصا خليعا، كما يفهم الغرب الخلاعة على الأقل، أي كلاما قذرا، لا قداسة له. إنه تركيب خاضع لتقاطع مكثف بثلاثة قوانين، هي القانون الحمدلي، والقانون الحكائي، ثم ثالثا القانون الرمزي. القانون الحمدلي يفتتح النص ويختمه. والقانون الحكائي وهو قانون النادرة والطرفة والمكيدة، ومحدد الكلام المتعارف عليه أثناء التحادث وجريان الزمن الحكائي، وهو الذي يزين حكمه، أو يطور حجة شبقية بأسلوب وظيفي. القانون الرمزي الذي يدل على بلاغة اللعب بالكلمات. ولنص النفزاوي خاصية نادرة (وهذا ما جعله شعبيا) تستند إلى لغته السهلة التي تقلص المسافة بين الأدب الشفوي والأدب المكتوب، كما أن معرفة النفزاوي تعتمد على الطب الشعبي. وقد ركزت على الجانب الحسي في الموضوع، عارضة أحواله وأبوابه، مطعمة بنظرات اجتماعية، ووصفات طبية علاجية، ومسوغات دينية، مدونة في كتاب. والكتاب يظهر قدرة النفزاوي في توظيف الكلام في وصف الجنس بل أنه يختم الحكاية الجنسية بالحكمة المقدسة، أو أن بلاغته هي في معنى آخر مشرعنة. وهذا يذكرنا بـ"نشيد الإنشاد" الذي ورد في الكتاب المقدس والذي وضع، رغم تأكيده الشؤون الدنيوية، نواظم ذكورية وصارمة للعلاقات بين الجنسين، يحتوي بين دفتيه نصا غنائيا وغراميا، يبدو أكثر انسجاما مع البيئة الهندوسية، كالقصائد الغرامية لـ"كريشنا" أو لـ"رادا"، كما قورن مع غيتا غوفيندا. ويلعب الجنس دورا مسيطرا في التصور الشعبي الإسلامي للجنة والنار، الأمر الذي يجعل هذا التصور موضع اهتمام وذلك لسببين: الأول، الاعتقاد أن في الجنة متسعا لكل متع الجنس، والثاني، ما تنطوي عليه صور النعيم والجحيم. تناولت أحاديث الرسول بدورها شرح الأمور المتعلقة بالثواب والعقاب، موضحة كيفية اكتساب رضي الله ورضوانه في الدنيا والآخرة. وتبعا للسيوطي، فالعبد المؤمن يتزوج بسبعين حوراء، إلى جانب زوجاته الآدميات، ولا تقتصر النشوة على الحور، بل تنعم الأزواج الآدمية بمتع الحب الإلهي. وعكفت بعض الدراسات التاريخية الجادة على إبراز بعض أوجه الشبه بين التراثين الإسلامي والمسيحي في مسألة الحياة الأخرى. الإسلام من جانبه يقدم استمرارا مدهشا من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة عبر رؤية كلية غنية بأدق التفصيلات، بحيث يجعلها عقيدة صحيحة ثابتة. في حين يفسر بعضهم أن المسيحي يكون في الفردوس غير جنسي، على حين ينعم المسلم في المقابل باللذة المطلقة. ويرجع السبب في ذلك إلى أن البعث في المسيحية يعد جزءا من سر المسيح حيث يعتبر الإنجيل الحياة الآخرة غر خاضعة للمعرفة أو الخيال. وعند اليهود، السعادة في الحياة الآخرة تتوقف على أزمنة الخلاص. ويقتصر التلمود - أكثر النصوص دقة في المعتقد اليهودي - على الإشارة إلى أن الحياة الآخرة تخلو من الطعام والشراب والتناسل والتجارة والغيرة والكراهية والمنافسة. يستقر المؤمنون فحسب، تكللهم التيجان لينعموا بالحضور الإلهي، فهناك وعد ما لكنه محجوب تماما. ويحض الإسلام على تحقيق الرغبات وليس العكس، ولا يقمع الغريزة، ففي الجنة تلبّى كل رغبات الإنسان وتؤخذ برمتها على محمل الجد، وقال بعضهم إن الإسلام أعطى الحرية الجنسية لجمهوره، وقمعه في السياسة أو صادرها منه.

تحولات

لقد تبدلت الثقافة الجنسية عبر العصور، وأكثر من ذلك كشفت أعمال الأنتروبولوجيين بين الشعوب البدائية عن اتجاهات جديدة في صدد الاتصال الجنسي، ولعب الرجال والنساء في مجتمعات متنوعة أدوارا مختلفة. وعثر على كميات ضخمة من الأدب الذي يتناول الموضوعات الجنسية، بصرف النظر عن الطابع الخيالي للأوصاف، وعن الغرابة في التعبير. وكانت رواية دي إتش لورنس، عشيق الليدي تشاترلي ، إحدى الروايات الأكثر شهرة، وبقيت لفترة طويلة ممنوعة في البلاد التي كتبت فيها. وكتب لورنس في مقدمة طبعة متأخرة، عن الطاقة الجنسية المثيرة للعواطف وللذكريات الكامنة وراء الكلمات التي يطلقون عليها اسم الفاحشة. هذا غيض من فيض عن الجنس في أديان العالم، ولا يبدو أن هذا الغيض يغلق الباب

فرح جبر - جريدة النهار - حرر في: Mar 18 2007, 10:17 PM

1 تعليقات::

غير معرف يقول...

الكلام غير مسند وهو مجرد سرد

إرسال تعليق