الاثنين، 23 مايو، 2011

سوريات ولبنانيات وإسرائيليات في تجارة الجنس التلفزيوني والمحروم يظل محروماً

تجارة الجنس التلفزيوني
انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعة من القنوات الفضائية المتخصصة بالإعلان الجنسي والدعوة إليه عبر طرق شتى من إغراء المشاهدين وإقناعهم بحجم المتعة الكبير الذي سيتحصلون عليه لو اتصلوا على رقم هاتفي معروض على الشاشة. وتكاد تكون من المرات القليلة التي يظهر في هذه القنوات صوت عربي يكلم المشاهدين مباشرة ويحثّهم على محاولة الاتصال الى رقم هاتفي معيّن، وعادة مايجلب هذا الاتصال فوائد مالية جمة للقناة إذ تتقاسم وشركة الهاتف جزءا كبيرا من تعرفة الدقيقة.

تعتمد هذه القنوات على أساليب متعددة لإغراء المشاهدين بالاتصال، طبعا بعد التأكد من أن الضحية/المشاهد قد وقع بالفخ واستجابت غريزته لمثل هذا النوع من الاستدراج. أول أسلوبية تعتمد من قبل القناة الجنسية الرخيصة في كل الأحوال، تعتمد على مبدأ المشافهة الجنسية، إذ يتسلل صوت امرأة من خلفية صورة معروضة ويقول للرجل إن المرأة تلك تنتظره على "أحر من النار"، وتأتي امرأة أخرى وتقدّم نفسها بأنها ثلاثينية وان زوجها "غبي وساذج" ولايفهم "حاجتها الكبيرة لممارسة الجنس على مدار الساعة" وأنه وحده الضحية المشاهد "هو الذي سيلبّي حاجتها" . صوتٌ آخر لفتاة تقدّم نفسها فيلسوفة إيروتيكية فتتحدث عن "حرمانها الجنسي" وكيف أن الآخرين "يحرّمون على النساء التمتع بالجنس" وأن تلك المراهقة تحتاجه هو ذلك الضحية المشاهد ليخلصها من حرمانها.

قناة أخرى تعتمد تقنية تسجيل المكالمات وإعادة عرضها على الشاشة مع صور موحية مصاحبة للمكالمة، وعلى الأغلب هي مكالمات مفبركة هي الأخرى، ويقصد من هذا العرض تعريف الضحية على حجم "المتعة الكبير الذي فاته" وفي الحقيقة ومن التسجيلات التي يعاد بثها أو فبركتها فإن مستوى الرخص الذي تظهر فيه المسألة تصل إلى الدرك الأسفل في كل المعايير. فهي مكالمات اعتمدت على توفير مجموعة كبيرة من الألفاظ غير المستخدمة علناً ثم تدبيج المكالمة بها على طريقة الحشو المقرف مما يدفع الى التساؤل عن نوعية الأشخاص الذين قد يقعون ضحية هذا الابتذال.

لكن الأكثر لفتاً للانتباه هو لهجات الفتيات اللواتي يتحدثن من خلفية الصورة المعروضة أو الكليب المعروض. وعادة ماتقوم الفتيات بتغيير لهجاتهن كيلا يتم التعرف الى البلد الأصلي العربي الذي تنحدر منه الفتاة. تبدو اللهجة خليطا صوتيا متعددا بسبب تقصد كسر النطق وحرف اللسان تهربا من كشف الهوية "الوطنية" للمتكلمة التي تعرض على ضحيتها حاجتها للتخلص من حرمانها. لهجات الفتيات تمزج اللهجة السورية على اللبنانية والفلسطينية وشيء من النطق المصري للكلام، في طريقة تذكر بطريقة "النَّوَر" أو القرباط بنطق اللفظ العربي. أحياناً تتسرب مفردة من إحداهن تدل على أنها قادمة، مثلاً، من مدينة حلب السورية، ثم تردفها بكسر لحرف الألف كي توهم المشاهدين الضحايا بأنها لبنانية أو فلسطينية إن استطاعت إجادة نطق اللهجة الفلسطينية. وأحياناً يفلت لسان واحدة منهن فيتبين، مثلا، أصلها الفلسطيني أو اللبناني، فتردفها على الفور بنطق مختلف للعبارة يشي بأنها مصرية أو سورية. وهكذا. عموما اللهجة المستخدمة في كلام الفتيات هي أقرب إلى لهجة الشوام مع مزيجها الشامل المتضمن لهجات الإقليم كله بسورييه ولبنانييه وفلسطينييه. لكن أكثر محتوى صوتي للفظ يكون محصورا في نطقه السوري واللبناني والفلسطيني. وهناك قناة واحدة تكثر من إظهار اللهجة الفلسطينية الصافية وأغلب الظن أن الفتاة تلك هي إسرائيلية صرف بسبب ظهور الفونيم الدال على المنطوق العبري للكلام. ولا يوجد أي شك بأصلها الإسرائيلي العبري وخصوصا عندما تضطر الفتاة لنطق حرف القاف مكسورا من خلال نطقه "آف" فتظهر اللهجة العبرية كاملة في النطق. مثلا لو أرادت القول "اتصل فورا على الرقم" فتقول كلمة الرقم مقطّعةً مكشوفة الفونيم فتبدو الكلمة هكذا: الـ رأ ءاااام.

على الرغم من الرخص البادي في هذه القنوات، على أنها مجرد تجارة جنسية بذيئة تقوم على الاستفراد بمشاهد من نوع خاص وعلى درجة كبيرة من الحرمان والنقص العاطفي، إلا أنها تعكس مجموعة كبيرة من الأزمات السياسية من خلال اللعب على توريط لهجة أخرى بهوية الفتاة، ومجموعة من الأزمات النفسية والعاطفية من خلال الإفادة من أن هناك شريحة واسعة من الشباب العربي لمّا تتوفر له سبل الحياة الجنسية الطبيعية أو الممكنة. ويستطيع المراقب أن يعيد قراءة خريطة الجسد العربي من خلال طريقة العرض والتوصيل والجذب والإغواء. خصوصا أن القنوات تلك يعمل فيها عربٌ قادمون من بلدانهم بكل ماتحمله من أزمات روحية واقتصادية عميقة. فيتم إعلان أسرار البيت العربي المأزوم لاقتناص مجموعة معينة من الشباب والشابات وجني نقودهم وإغراقهم في حرمان جديد لم يكونوا يظنون انهم سيعودون اليه مرة أخرى. نعم، إن قنوات كهذه لن تنقذ المحروم من حرمانه، ولعل الضحية لم يسأل نفسه سؤالا كهذا. إذا تخلص المحروم من حرمانه فهو حتى لن يشاهد هذه القناة أو تلك وبالتأكيد لن يتصل مجددا ويضيّع نقوده على إشباع جنسي لفظي سيؤجج نار حرمانه في كل يوم. وهي رسالة الى الشباب العربي، وشاباته، الى الانتباه والحذر من كذب مكشوف ورخيص ومبتذل كهذا، تقوم به مجموعة من أحط الناس وأقذرهم وأكثرهم قسوة ولا رأفة بالمشاهد. والحل دائماً بالاكتشاف الطبيعي لمشاكل الحرمان الجنسي، فهو أمر يحتاج ثقافة وإطارا عاما وتبدلات جذرية بطرق التفكير، وريثما تتم هذه التبدلات العميقة ماعلى الشاب العربي، أو الشابة، إلا أن يجد أكثر السبل حقيقيةً وصدقا ممكنةً في التعبير عن الدافع الأقوى والأكثر فاعلية في الكائن وهو الدافع الجنسي. عدا ذلك فإن الإشباع من التمتيع اللفظي لن يكون إلا بالقدر الذي يمنحك إياه البحر وأنت تطفئ ظمأكَ من مائه. فاحذرْ .. يمكن للإشباع اللفظي أن يتم في إطار علاقة متحققة بالفعل، لاعلاقة أصلا هي غير قائمة. أمّا والحالة هذه فالإشباع اللفظي هنا هو مجرد إعادة إنتاج للحرمان الجنسي مرة جديدة.

د. مديحة . نون . المارتقلي - 7/8/2008 3:26:00 AM GMT

0 تعليقات::

إرسال تعليق