الأربعاء، 4 مايو، 2011

أزمة النظام السياسي اللبناني بين فساد النصوص وعجز القضاء


إذا كنا نقصد بالنصوص القانونية الفاسدة تلك المتعارضة أو المتناقضة مع نصوص الدستور اللبناني، وبأن عجز القضاء ناجم عن إلزامه بالخضوع لتطبيق تلك النصوص الفاسدة، فهل يمكن القول إن معاناة النظام القائم تعود إلى هذه الصلة التي يقيمها الدستور بين النصوص المذكورة وعمل القضاء؟
من اجل تقديم الإجابة عن هذه الإشكالية لا بد من إلقاء بعض الأضواء على ما يحمل القانون اللبناني من قواعد تسمح بالتمييز بين المواطنين ومن ثم بانتهاك حقوقهم وحرياتهم التي يكفلها الدستور أو تخرج عن القاعدة الدستورية الديموقراطية التي تقضي بأن تحمل نصوص القانون في طياتها القيود الكافية لمنع أي انتهاك لحقوق المواطن المنوه عنها من قبل السلطة التنفيذية أو أعضائها.


كيف اعتمدت هذه القاعدة وما هي أسباب اعتمادها بشكل غير صحيح وغير متكامل من قبل المشترع أو المشترعين اللبنانيين عبر مختلف العهود؟ وما هو مدى انعكاسها على عمل القضاء اللبناني لجهة حتمية تطبيق النصوص المتناقضة مع الدستور اللبناني أو المخالفة له؟ المقولة التي كان يرددها الكثيرون من كبار رجال السياسة في لبنان تتمثل بالعبارة التي تشير إلى ضرورة (إصلاح النفوس قبل النصوص) من أجل استقامة الحكم وإزالة بواعث الفساد وكأن الهدف منها كان إبعاد الأنظار عن التناقض المشار إليه! ولكن الواقع الديموقراطي ينفي كل ذلك لأنه ينطلق في اتجاه مختلف يمكن تبين خطوطه عبر العبارة التالية لأحد كبار منظري الفكر الديموقراطي الحديث (سان جيست): On ne peut gouverner innocemment (إنه لا يمكن لأحد أن يمارس الحكم ببراءة)(1).

من هنا نشأت القاعدة الديموقراطية الدستورية أن صح التعبير وهي التي تقضي بإقامة النصوص التي تحمل من القيود ما يكفي لمنع السلطة التنفيذية من الاعتداء على حقوق وحريات المواطنين لأن الإنسان ميال بطبعه إلى تحقيق مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة.
وبعد هذا الكلام هل يمكن القول إن نصوص القانون اللبناني القائمة حاليا تختلف عن تلك التي تعتمد في ظل الأنظمة الديموقراطية العريقة لكونها خالية من القيود المشار إليها أعلاه والتي تحد من صلاحيات أعضاء السلطة التنفيذية أو أن القيود الموجودة غير كافية بالمطلق لمنع الانتهاكات المذكورة أعلاه؟
هذا ما يشير إليه أو يجيب عنه وزير المال السابق جورج قرم عندما يرى أن "عدم إعادة النظر في التشريعات والقوانين القائمة سيفشل أية عملية إصلاحية مهما بلغ تفاني الراغبين في إجرائها"(2). كما يشير إلى الكره الأعمى لأي نوع من أنواع التغيير التحديثي النظري والتطبيقي الذي من شأنه أن يتصدى تدريجا للعبة المصالح في البلاد في "أبشع صورها المضرة بالمجتمع" وهو عبر هذا الكلام يضع يده على الجرح القديم الحديث الذي أوصل النظام السياسي القائم إلى حالة النزف الشديد التي نشهد فصولها في هذه الأيام، والتي منعت قيام أية حركة إصلاحية لتحقيق أي هدف في هذا المجال!
وإذا كان الرجل يطرح مسألة التصدي للعبة المصالح في البلاد عبر أبشع صورها المضرة بالمجتمع اللبناني ككل فانه كمسؤول سابق يقر بأن هذه اللعبة تتم عبر التسهيلات التي تقدمها القوانين المعمول بها في لبنان، ويطلب من أجل إصلاح هذا الخلل السياسي (إعادة النظر في التشريعات والقوانين) (3).
لماذا كان يطلب إعادة النظر في النصوص القانونية القائمة وهل تؤلف السبب الوحيد للخلل القائم في النظام السياسي اللبناني؟ هذا ما لا يتسع له المقام والمقال لأن الأسباب متعددة ولو كانت كلها على اتصال وثيق بمسألة تناقض النصوص.
وإذا كانت الأزمة موضوع هذا المقال لم تدرج في مجال اهتمامات وزارة التنمية الإدارية الوريثة الشرعية لوزارة الإصلاح الإداري التي لاقت وجه ربها دون إصلاح إداري ولا غير إداري بعد سنوات قليلة من إنشائها! ولما كانت مهام وزارة التنمية الإدارية قد شملت مهام وزارة الإصلاح الإدارية مع زيادة طفيفة جدا، فإن مسؤوليتها عن مسيرة الإصلاح لا بد أن تكون أساسية لا سيما لجهة القوانين التي صدرت متناقضة مع النصوص الدستورية حتى إذا كانت لا تملك الصلاحيات التي تمنحها حق التصدي لتلك التناقضات فإن بإمكانها مطالبة مجلس الوزراء باستعمال هذا الحق من اجل التصدي لما كان ولا يزال يؤلف ابرز ما يعترض الإصلاح الإداري من عقبات.
المهم أن إزالة التناقضات القائمة بين بعض نصوص الدستور اللبناني ونصوص قانونية لا يزال تطبيقها ينعكس سلبا وضررا على حقوق المواطن اللبناني التي يكرسها الدستور، تقع في أساس أي حركة إصلاحية يراد لها النجاح عبر إزالة الخلل القائم في الإدارة اللبنانية وفي غيرها من المؤسسات، وبعض تلك النصوص في ظروف اجتماعية وسياسية لحقها الكثير من التغيير والتطور دون أن يصار إلى إقامة قوانين جديدة تتلاءم مع الأوضاع الجديدة ومع تطور الحياة السياسية المستمر. أن نصوص القانون اللبناني التي أقيمت عام 1959 لم تتغير ولم يتغير منها على الأقل تلك التي تتناقض مع الدستور اللبناني أو مع أبرز مبادئه إن صح التعبير!

1- راجع كتاب المؤسسات السياسية والقانون الدستوري تأليف موريس ديفرجيه طبعة ثامنة – باريس ص 203
2- جريدة "السفير" عدد 30 آب سنة 2000
3- المرجع السابق

حسن الزين elzein.h@hotmail.com (الدكتور حسن الزين مختص في القانون العام) النهار - السبت 04 كانون الأول 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق