الجمعة، 27 مايو، 2011

الحداثة وما بعدها والتنوير ـ الأنطولوجيا التاريخية

يتمثل محور هذا الكتاب ومدار بحثه المركزي في استجلاء موقف الأنطولوجيا التاريخية التي جاء بها الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» من مسائل التنوير والحداثة، استجلاء نقدياً فاحصاً، وكذلك مواقف بعض التيارات الفلسفية المعاصرة من هذه الأنطولوجيا التاريخية. ولهذا الغرض عمد المؤلف الدكتور الزواوي بغوره، في البداية، إلى إجراء تحليل نقدي، عميق لمفاهيم التنوير والحداثة وما بعد الحداثة من الزاويتين التاريخية والفلسفية كليتهما، ومن ثم قدم دراسة نموذجية لذلك من خلال تحليل السيرة التاريخية والفلسفية للأنطولوجيا التاريخية، وأجرى في الأخير مقارنة لطروحاتها الجديدة والجريئة بجملة من التيارات الفلسفية الحديثة والمعاصرة ممثلة بأسماء مفكرين بارزين من أمثال: رينيه ديكارت، وعمانوئيل كانط وفريدريك نيتشه وليوتار وكارل بوبر وغيرهم ولا سيما مع مدرسة فرانكفورت ممثلة بأبرز فلاسفتها وأقطابها: هابر ماس، هوركهايمر وأدورنو.

[ بين الحداثة وما بعد الحداثة

الخلاف بين الفيلسوفين ليوتار وهابرماس خلاف في المنطلق والمنطق، ذاك أن الأول يرى أن الأصل في الأشياء هو النزاع، في حين يرى الثاني أن الأصل هو التواصل. كما اعتبر هابرماز أن اللا أدرية النظرية في اتجاه ما بعد الحداثة، قد أفضت إلى لا أدرية سياسية، مما سمح بحصول التقاء بينها وبين الاتجاه المحافظ الجديد في التصور الاجتماعي. كما أن موت الإنسان يؤكد المؤلف الذي طالما تغنى به فلاسفة ما بعد الحداثة، ليس إلا تعبيراً عن الخوف من اتخاذ مبادرة اجتماعية تستند إلى العقل أو إلى الالتزام الأخلاقي أو إلى الذات أو إلى مبادئ عقلانية. ولذا، قد لا نجد مبرراً نظرياً للدفاع عن قضايا الإنسان، وهذا ما يقوله مانفريد فرانك عن ليوتار بمكر بخصوص جرائم النازية ضد اليهود في معتقلات الموت.
والحق حسب رأي المؤلف فان النقاش ما بين الحداثة وما بعد الحداثة يتطلب سياقاً ثقافياً وفكرياً عاماً يتصل بالحوار ما بين الفلسفة الفرنسية والفلسفة الألمانية، والذي له تاريخه ومحطاته. ومع أن فرانك قدم بعض المعطيات حول هذه العلاقة أو اللقاء بين الفلسفتين. فقد أشار إلى أن نص ليوتار كان في حوار دائم مع منظرين ألمانيتين هما لوهمان وهابرماس.
ويعتقد المؤلف انه كما أن الحداثة في تركيزها على العلمنة وفصل الدين عن الدولة، قامت بتفكيك العالم واستبعاد وتهميش الدين، لكن هذه الحداثة بقيت في إطار محدود. فبعض البلدان غير الغربية تجمع بين الحداثة والدين مثلما يحصل في الهند على سبيل المثال. من هنا يدعو البعض إلى العودة للدين على أن هذا الدين الذي يدعو إليه يختلف عن الدين الرسمي وخاصة النظرة الكلية أو الشمولية التي يتمتع بها، طارحاً سؤالاً أساسيا وهو: هل يمكن أن تكون أخلاق من غير دين؟
وبالاعتماد على ألكسيس دي توكفيل يرى البعض أن التجربة الأميركية استطاعت أن تحافظ على الدين.
فإذا كانت قيم الحداثة المتمثلة في الحرية والكرامة قد قسمت الناس وعزلتهم، فان الدين يمكن أن يلعب دور الموازن. كما أن الهوية يمكن أن تقرّب بين الناس، ولذا فان ما يطلق عليه الهويات القوية من خلال سياسة الاعتراف بالكرامة الإنسانية هي بين الأفراد، وكل هذه المحاولات هي نزاعات الحداثة.
وإذا كانت مع بعد الحداثة قد مثلت صورة نقدية جذرية. ولم تستطع أن تقدم بديلاًَ قابلاً للتطبيق يخرج الإنسانية من حالة الأزمة التي تعيشها فإن أشكال النقد الموجهة للحداثة من داخل المشروع الحداثي تؤكد على ضرورة إعادة النظر في تلك الأسس والقيام بإصلاح مناسب للوضعية التاريخية التي تمر بها الإنسانية. وبخاصة بعد التطورات العلمية والاقتصادية والثقافية الكبيرة التي تشهدها الألفية الثالثة. ويقول المؤلف» أن إصلاح مشروع الحداثة الغربية يتطلب إعادة النظر في العلاقة مع الآخر. وفي مفهوم الكونية الخاصة التي عممتها الحداثة وفي مفهوم التقدم الكمي الذي يجب أن يستجيب لأنواع التكيف المناسب للإنسان في الكون، وان يتم ذلك بالوسائل السلمية، وفقاً لقيم الحرية والمساواة».

[ فلسفة التنوير

أما التنوير فيشير من الناحية التاريخية إلى القرن الثامن عشر عموماً والى حقبة تاريخية أوروبية عرفت بصعود البرجوازية من الناحية الاقتصادية والنزعة الليبرالية من الناحية السياسية والنزعة العقلية النقدية من الناحية الفلسفية والنزعة الكلاسيكية الجديدة من الناحية الفنية والنزعة التقدمية من الناحية التاريخية. ويشير المؤلف إلى انه إذا كان الفكر الغربي الحديث قد تشكل في عصر النهضة، فان هذا الفكر قد تبلور في القرن الثامن عشر أي في تلك الفترة التي يؤرّخ لبدايتها عادة بصدور كتاب جون لوك «مقال في الفهم البشري ـ سنة 1690» وتنتهي بصدور كتاب عمانوئيل كانط «نقد العقل الخالص» سنة 1781 وإذا كان هذا القرن قد تأثر بشكل كبير بالعلم الطبيعي والاكتشافات العالمية فانه قد تأثر بالأحداث السياسية وخاصة بالثورة الانكليزية سنة 1668 التي أكدت على حق الشعب في تحديد شكل الحكومة، وأدت إلى قيام ثورة تحررية في أميركا سنة 1776 ، وتوجت بالثورة الفرنسية التي قامت سنة 1789 وأعلنت مبادئ حقوق الإنسان والمواطن. كما أدى الإصلاح الديني إلى نقد الكنيسة الكاثوليكية. وخاصة بعد ظهور طوائف دينية عديدة أهمها البروتستنتية.
وحسب اعتقاد المؤلف فان من بين المميزات الأساسية والرئيسية التي تميز بها فلاسفة عصر التنوير قولهم بمقولة الطبيعة التي كانت مفهوماً إنسياً ومحبباً، على عكس ما كان الأمر في المسيحية حيث كانت موضوع شك وارتياب ويقول كرين برينتون في هذا المجال: «لقد أضحت الطبيعة في نظر إنسان عصر التنوير هي العالم الخارجي الذي يعيش فيه عالم موجود حقاً وفعلاً ويرى في مظاهر التمايز الطبقي وآداب السلوك الاجتماعي، وامتيازات رجال الدين والنبلاء. كل هذا كان موجوداً بالفعل ولكنها أمور غير طبيعية».
لقد كان ذلك الداعية ينظر إلى ما هو طبيعي بمعنى الخيّر أو السوي والى غير الطبيعي بمعنى السيئ أو الشاذ.
من هنا فإننا إذا نظرنا إلى التنوير من الناحية الفلسفية النظرية يبدو وصف أرنست كاسيرر له في كتابه «فلسفة التنوير» حركة ثقافية فكرية تكمن في طاقة الفكر التي يثيرها وفي المشاعر والأحاسيس التي دفعتها إلى التفكير في مختلف المشاكل. وانه لا يمكن فصل هذه الحركة عما سبقها من حركات فكرية في الفكر الأوروبي الحديث وخاصة عصر النهضة وفلسفة القرن السابع عشر. ذلك أن فلسفة التنوير لا يتمثل جديدها في النظريات، لأنها بقيت مرتبطة بل وحتى تابعة لما قاله العلماء في القرن السابع عشر وخاصة نظريات إسحاق نيوتن ولوك، وإنما أهميتها تكمن في التنظيم والاختبار والتوضيح، وأنه على الرغم من أنها لم تكن شكلاً من الفكر الفلسفي الجديد والأصيل بشكل خاص، إلا أنها استطاعت أن تسطر فكرة النسق والنظام الفلسفي الذي انتشد في الفلسفات العقلية في القرن السابع عشر. ومن منظار المؤلف يُعتبر عمانوئيل كانط نموذجاً لفيلسوف التنوير ليس في ألمانيا فحسب، بل في عموم أوروبا والعالم، وذلك من خلال تأسيسه للفلسفة النقدية، التي بيّنها في ثلاثيته النقدية «نقد العقل الخالص، نقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم».

[ الحداثة الجمالية

«في تحليله لتاريخ الجنون توصل ميشال فوكو إلى خلاصة مؤداها أن الجنون في القرن التاسع عشر استعاد قوته وحضوره من خلال وجوه عديدة من الفنانين والفلاسفة أمثال: نيتشه وأرتو ودوصاد وغويا» وأصبحت له إمكانية تدمير العالم والإنسان على حد سواء، بل أصبحت تلك الصورة التي ترفض العالم وتشوّه الإنسان. فلقد سمحت الحداثة بظهور اللا عقل وأشكاله التعبيرية عند الشاعر الألماني هولردلن والشاعر نرفال وغيرهما، وتضاعف عدد الكتاب والرسامين والموسيقيين الذين غرقوا في الجنون رغم علاقتهم المعقدة باللغة والكتابة والأثر عموماً.
ويرى المؤلف إن ارتباط الحداثة بالإنسان يحيل، بين أمور أخرى، إلى السؤال الذي طرحه كانط: «ما هو الإنسان؟» وإلى العلوم الإنسانية التي ظهرت يوم فرض الإنسان نفسه في الثقافة الغربية باعتباره من يجب التفكير فيه وهو من يجب أن يعرف معاً. على أن الأركيولوجيا التي بيّنت مكانة الإنسان في العصر الحديث أو في زمن الحداثة هي نفسها التي بيّنت أن الإنسان اختراع، تظهر أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده، وربما نهايته القريبة.
وحسب اعتقاد فوكو فإن الأبستيمه الجديدة تتكون من مجالات ثلاثة هي: فقه اللغة، والبيولوجيا، والاقتصاد السياسي. هذه المجالات لم تنشأ على أنقاض المجالات الثلاثة السابقة أي تحليل الثروات والتاريخ الطبيعي والنحو العام، كما كان الأمر بالنسبة إلى تاريخ الفكر وطرقهن بل نشأت في نظر فوكو حينما لم تكن هذه موجودة، أي في المكان الذي تركته شاغراً، في عمق الأخدود الذي كان يفصل بينهما كقطاعات نظرية ثلاثة، والذي كانت تملؤه ضوضاء الاتصال الأنطولوجي. يعني هذا كما يقول المؤلف: «أن أبستيمه الحداثة قد نشأت على أساس القطيعة مع أبستيمه التمثيل للعصر الكلاسيكي».
ومن مميزات الحداثة هو ظهور فكرة التناهي. لقد تخطت ثقافة الغرب عتبة ما يُعتبر مدخل حداثته، عندما انكب مفكروه على التفكير في التناهي بارتجاع مستمر إلى ذاته. فإن صح، على مستوى مختلف العلوم، إن تعريف التناهي ينطلق دوماً من الإنسان الواقعي ومن الأشكال التجريبية التي يمكن تعيينها لوجوده، يبقى على المستوى الأركيولوجي الذي يكشف الأولوية التاريخية والعامة لكل معرفة أن الإنسان الحديث، ذلك الإنسان الممكن حصره ضمن وجوده الجسدي الناشط والناطق، غير ممكن إلا بصفته صورة للتناهي. تستطيع الثقافة الحديثة أن تفكر في الإنسان، لأنها تفكر في المتناهي انطلاقا من ذاته. وثمة ميزة أخرى للحداثة الغربية، ويتمثل في جمعها بين التجريبي والمتعالي، حيث أننا نتعرّف فيه على ما يجعل كل معرفة ممكنة. والسبب في ذلك كما يقول فوكو: «إن عتبة حداثتنا لا تقع في اللحظة التي تمت فيها محاولة دراسة الإنسان بمنهجيات موضوعية، بل يوم نشأ الازدواج التجريبي ـ المتعالي، الذي سمّي إنساناً». إلا أنه لا يجب أن يخدعنا هذا الظهور المتألق للإنسان، ولا أن ينسينا أنه لم يكن قبل هذا التاريخ إلا مجرّد كائن بشري، وعلينا في نظر الفيلسوف الفرنسي أن ندرك قيمة نيتشه وكل تلك الطاقة المزعزعة التي كانت لفكر نيتشه، والتي حفظته لنا كذلك عندما أُعلن بشكل الحدث المداهم، والوعد، والنذير، عن أن الإنسان سيندثر ويحل مكانه الإنسان الأسمى. وهذا ما يعني، في فلسفة العودة، أن الإنسان قد أُبيد منذ أمد بعيد، وما يزال يتابع اختفاءه، بينما فكر الغرب الحديث عن الإنسان واهتمام مفكريه المفرط به وإنسانيته تنام بكل صفاء وهناء فوق لا وجوده الراعد.
أما بالنسبة إلى الحداثة الجمالية فيظهر اهتمام فوكو بها في دراسته لأعمال الرسام مانيه والشاعر بودلير. «ويمثل الرسام مانيه في تاريخ الفن، وفي فن القرن التاسع عشر، الرسام الذي غيّر وحوّل وبدّل تقنيات وأنماط التصوير الفني، بطريقة وكيفية جعلت من ظهور الحركة الانطباعية أمراً ممكناً». والحداثة في نظر فوكو مرتبطة، اسما ومعنى وتاريخاً، بالشاعر والناقد شارل بودلير، وبالتالي فإنه لا يمكن الحديث عن الحداثة من دون الحديث عن بودلير. فمع رسام الحياة الحدثية أصبحت الحداثة توجهاً وموقفاً، وهو تصور قريب من تصور كانط للتنوير.
إن الحداثة الفنية كما بلورها بودلير تجعل من وجهة نظر المؤلف الفن في أزمة دائمة، لأنه في مواجهة دائمة مع الحاضر، ولأنه يطالب الفنان بتعيين الجمالية الهاربة، وذلك بفعل بطولي أو بنوع من البطولة والبسالة والنبوغ والسمو. وهو موقف قريب من موقف كانط الذي يؤكد على ضرورة الفعل الحر، في ما يتعلّق بالاستعمالين الخاص والعام للعقل.
ولقد أصبح بودلير عند فوكو مثالاً للموقف من الحاضر، يسمح بتأسيس الخصوصية الإبداعية للموقف الجمالي، وذلك بسبب القوة الخيالية. وهو ما يؤكد سلطة الخيال في الحداثة الفنية. كما أن الفن الحديث. في نظر فوكو، يؤكد على ضرورة الاهتمام بالذات، وهو ما يطرح المسألة الأخلاقية في الحداثة.

وفيق غريزي - المستقبل - الأحد 12 نيسان 2009 - العدد 3275 - نوافذ - صفحة 14

0 تعليقات::

إرسال تعليق