الأربعاء، 18 مايو، 2011

انعطاف حاد في العلاقات السعودية – الأمريكية وسط ربيع العرب

ثمة تحول كبير طرأ على العلاقات الأمريكية – السعودية على ما يبدو، فعلى الرغم من الضغط المهم الذي مارسته إدارة أوباما على الرياض كي تبقى على الحياد، أرسل زعماء السعودية قواتهم إلى المنامة في مارس الماضي للدفاع عن مملكة البحرين، وإنهاء الاضطراب الذي هز هذا البلد في الآونة الأخيرة.
والواقع أن المملكة العربية السعودية، التي تلتزم منذ أكثر من 60 سنة بتفاهم غير مكتوب مع أمريكا يستند إلى مبدأ النفط مقابل الأمن، كانت غالباً ما تحتج ثم تتغاضى بالنهاية عما ترى أنه كان سياسات أمريكية مضللة.
لكن من الواضح أن الخطوات الأمريكية غير الموفقة منذ 9/11، ورد واشنطن غير المفهوم تماماً على حركات الاحتجاج العربية بالإضافة لرفضها غير المعقول لمساءلة إسرائيل في قضية بناء المستوطنات اللا قانونية، أوصل ذلك التفاهم إلى نهايته.
لذا مع قيام السعوديين الآن بضبط شراكتهم مع أمريكا، تعتزم الرياض انتهاج سياسة خارجية حازمة حتى ولو أدى هذا إلى تضاربها أحياناً مع المصالح الأمريكية.

من الواضح أن سبب هذا التغيير هو زيادة التدخل الإيراني في شؤون المنطقة والسياسات غير المثمرة التي مارستها الولايات المتحدة فيها منذ 9/11 وحتى اليوم.
غير أن أبرز تخبط أمريكي في هذا المجال تمثل في غزو العراق مما أدى إلى خسارة كبرى في الأرواح وفتح الطريق أمام إيران لتوسيع دائرة نفوذها وتأثيرها. فمن المعروف أن طهران سعت منذ سنوات لإثارة الخلافات من أجل تنفيذ طموحاتها الجيوبوليتيكية في المنطقة، لكن من الملاحظ أن نطاق محاولات تدخلها اتسع في الآونة الأخيرة ليشمل شؤون الدول العربية بدءاً من اليمن وحتى المغرب. ويمكن الإشارة هنا إلى موقف رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز أبادي الذي انتقد بحدة هذا الشهر الرياض لتدخلها في البحرين حيث زعم أن هذا العمل سوف يثير شرارة انتفاضات جماهيرية داخلية.
على أي حال، إذا كانت مثل هذه التعليقات ليست سوى أمنيات، إلا أن جهود إيران لزعزعة استقرار دول الجوار لم تتوقف. لكن في الوقت الذي تخوض فيه الرياض حرباً باردة مع طهران، أظهرت الولايات المتحدة عدم استعدادها في الأشهر الأخيرة لأن تكون شريكاً مؤثوقاً أمام هذا التهديد. ويحدث هذا في وقت يشير فيه الواقع السياسي الآن إلى أن العالم العربي الذي تقوده السعودية اليوم هو الذي يتحمل عبء مواجهة إيران ووكلائها.
لذا، لن تسمح المملكة العربية السعودية للاضطراب السياسي في المنطقة بزعزعة استقرار الممالك العربية – دول الخليج، الأردن والمغرب، وفي هذا الإطار يؤكد السعوديون على ضرورة البدء بمرحلة انتقالية منظمة للسلطة في اليمن تتضمن خروجاً مشرفاً للرئيس علي عبد الله صالح «مثل هذا العرض لم يتم تقديمه للرئيس المصري السابق حسني مبارك على الرغم من أنه كان حليفاً قوياً لواشنطن لسنوات طويلة».
وبالنسبة للعراق، سوف تستمر الحكومة السعودية في موقفها المتشدد من حكومة المالكي لأنها تعتبرها مجرد ألعوبة بيد إيران.
وسوف تعمل السعودية في لبنان لكبح حزب الله حتى لا تهيمن هذه المجموعة التابعة لإيران على الحياة السياسية في البلاد.
وفيما يتعلق باضطرابات سورية، ستعمل السعودية لضمان أن يكون أي تحول محتمل لفترة ما بعد الأسد سلمياً وخالياً من أي تدخل إيراني.
وسوف تبقى الرياض فيما يتصل بإسرائيل مصرة على التوصل لتسوية عادلة تستند إلى تنفيذ خطة السلام التي اقترحها الملك عبد الله، وهي تتضمن قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. والحقيقة أنه لم يعد بمقدور الولايات المتحدة القيام بدور الوسيط النزيه في المسألة الفلسطينية لأنها فقدت مصداقيتها بعد أن صوتت في مجلس الأمن الدولي ضد قرار يعنف إسرائيل لبنائها مستوطنات غير مشروعة في الأراضي الفلسطينية.
والواقع أن هذا الموقف الأمريكي شكل نقطة فاصلة في العلاقات السعودية – الأمريكية فهو لن يدفع القادة السعوديين الآن للضغط على الفلسطينيين من أجل تقديم المزيد من التنازلات.
إن المملكة العربية السعودية لا تزال قوية ومستقرة وهذا ما يعزز سياستها الخارجية. فهي تلعب روحياً دوراً فريداً لمسلمي العالم البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة في كونها مهداً للإسلام وموطناً لمدينتين هما الأقدس في العالم الإسلامي.
كما يتمتع زعماء المملكة سياسياً بتأييد داخلي واسع وبشعور وطني يجمع تاريخياً كل قبائل البلاد في نسيج واحد.
وهذا ما جعل الاحتجاجات واسعة النطاق، التي تنبأت بها الصحافة ووسائل الإعلام الغربية في مارس الماضي، لم تتجسد على أرض الواقع في المملكة.
وفي مواجهة التهديدات الصادرة عن إيران وشبكات الإرهاب، خصصت القيادة السعودية أكثر من 100 مليار دولار من النفقات العسكرية الإضافية من أجل تحديث قواتها البرية وقدراتها البحرية. كما تعمل المملكة على مضاعفة عدد طائراتها المقاتلة المتقدمة وزيادة عدد قوات وزارة الداخلية بمقدار 60.000 رجل.
وما من شك في أن لدى المملكة الإرادة والإمكانات اللازمة التي تمكنها من توسيع نطاق مسؤولياتها العالمية. وفي هذا السياق سوف تستمر المملكة في العمل كشريك قوي للولايات المتحدة في مسائل معينة مثل مكافحة الإرهاب والتصدي لعمليات غسيل الأموال، لكنها – المملكة – سوف تنفذ سياستها الخاصة بها عندما يتعلق الأمر بأمنها الوطني أو عندما تتعرض مصالحها الإستراتيجية للخطر.

الوطن الكويتية 18 أيار, 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق