الأربعاء، 18 مايو، 2011

نموذج للقطيعة المعرفية: من المرأة العورة إلى المرأة الإنسان

إذا كانت القطيعة المعرفية تعني القطع الواعي مع نظام معرفي معين والشروع بنظام جديد مغاير ومختلف وإذا كان النظام المعرفي هو جملة من المفاهيم والمقولات وطرق التفكير، فإن هذه القطيعة لن تتم دون مراجعة ونقد وفحص لهذه المفاهيم والمقولات وطرق التفكير كمرحلة أولى وأساسية لتجاوزها وتخطيها.

من هذه المفاهيم والمقولات التي من المهم مراجعتها ونقدها وفحصها جملة المفاهيم التي تشكل النظرة للمرأة، التفكير فيها، التفاعل والتعامل معها. هذا يشمل نظرة المرأة لذاتها ونظرة الرجل لها. ومن المهم التأكيد على أن الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يتشرب فهمه وموقفه من الأشياء وربما من ذاته من خلال الأفكار المبثوثة والمشاعة في المجتمع، التي تشكل ثقافته وتحظى بدعمه وتشكل صورته الثقافية.
من المفاهيم الأساسية التي تشكّل النظرة العامة للمرأة في المحيط العربي على الأقل مفهوم " المرأة العورة " وهذا المفهوم يعني أن التعريف الأول والأساسي للمرأة كجنس أنها عورة. ومن هنا، أي من مفهوم العورة، تنطلق كل عمليات التفكير في المرأة وتتحدد بالتالي كافة تصورات دورها في الحياة وفي المجتمع، ماذا يجب عليها أن تفعل وما لا تفعل، باختصار تتحدد مع هذا المفهوم " أولويات " عيش هذا الكائن.
من أين أتى هذا المفهوم، برأيي أنه جاء نتيجة التقاء لقضيتين. الأولى: التصنيف الجنسي أي تمييز المرأة باعتبار اختلافها الجنسي وحصر تميزها وإمكاناتها في هذا الإطار. الثانية: هي رغبة التملك من جهة الطرف الذي آلت إليه القيادة والسيطرة " الذكر ". من هنا، من تشابك المرأة بوصفها كائنا لا يعني سوى تفرده الجنسي وما يلحقه من عمليات بيولوجية ( الولادة ) وعاطفية ( الحب ) مع رغبة المسيطر على المجتمع، الذكر، في تملكها وعزلها عن الآخرين نتجت فكرة المرأة العورة، التي تعني: الكائن الجنسي الذي ينبغي ألا يراه إلا أنا.
من هذه الرغبات الغريزية والحيوانية البحتة نسج ورسّخ الإنسان الكثير من المقولات والمفاهيم التي أصبحت تعزز هذه الرؤية وتنقلها بين الأجيال وكل أفراد المجتمع، الذين هم، كالعادة، يتشربون هذه الثقافة ويؤمنون بها دون القيام بمحاولة شك وإعادة تفكير ونظر لما يدورون فيه من أفكار، لا يقوم بهذه المهمة إلا عدد محدود من الأفراد تتنبه لهم الفئة المسيطرة لتطاردهم وتحذر منهم وتحذر من كل من يشكك أو يعيد التفكير فيما تم الاستقرار عليه.
إضافة للممارسة، التي يتعامل بها الفرد الذكر مع المرأة انطلاقا من كونها عورة، أولوياته تجاهها تغطيتها وسترها ومنع الآخرين من رؤيتها لا يهم الباقي المهم هو تحقيق هذا الهدف، إضافة إلى هذه الممارسة تم التنظير الفكري لهذا المفهوم سواء في الشعر أو في القصص أو في المدونات الفقهية والتاريخية والأدبية. لن يحتاج الباحث في التراث العربي للكثير من الجهد ليعثر على المرأة في صورة العورة، بل إن هذا المفهوم أصبح بدهيا وعلى أطراف الألسن يرد هكذا دون حاجة لاستذكار واسترجاع. إذن نحن أمام نسق فكري متكامل تمثل هذه المقولة لبه ومرتكزه الأساسي وعليه فإن محاولة إيجاد حل لأزمة المجتمع، أزمة المرأة، من داخل هذا التراث لن تجدي ولن يكتب لها النجاح لأنها، وباستمرار، تحمل في داخلها هذه القيمة، المرأة العورة، مهما تزحزحت أحيانا لظروف محددة إلا أنها لا تلبث تعود إلى ذات السياق. ولذا فالطريق في هذا الاتجاه مسدود وإذا سد الطريق فابحث عن طريق آخر.
الطريق الآخر يبدأ من إحداث قطيعة معرفية مع هذا التراث المرتكز على هذا المفهوم. القطيعة مع مفهوم " المرأة العورة " تنطلق من نقده وفحصه وبيان تهافته. وهذا يحتاج إلى الكثير من التجرد، خصوصا من مسببات نشوء هذا المفهوم، خصوصا إذا كان المفكر ذكرا، والتجرد من سلطة التراث والقدَم إذا كانت المفكرة أنثى.
ما هو التعريف الأول والأساسي لهذا الكائن الذي ننتمي له جميعا: إنه الإنسان. يجب أن نتشبث كثيرا بهذا التعريف الذي يمثل جوهر وماهية هذا الكائن، يجب أن نتمسك به وننطلق منه في فهمنا لبعضنا. هذا المفهوم يمثل تعريفا بكرا نقيا من تراكمات ثقافية، صحيح أنه نتاج ثقافة محددة وربما متأخرة زمانيا، إلا أن هذه الثقافة وصلت إليه عن طريق التخلص من الكثير من تراكمات الثقافات المتتالية على مدار التاريخ. الوصول إلى مفهوم الإنسانية يحتوي في داخله على بذرة تحقيق حلم المساواة، التي ذهبت ضحية فقدانها المرأة على مدى التاريخ كما أن الرجل وهو المجرم هنا يمثل في وجه من وجوهه ضحية أفعاله وارتجاعاتها على ذاته وحياته.
ماذا يعني مفهوم " المرأة الإنسان " ؟ إنه يعني أن تمارس دورها في الحياة، السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفني دون تمييز بسبب جنسها. أي ألا تمنع من أي نشاط بسبب أنها امرأة. قد تمنع، كما الرجل، من أعمال معينة بسبب نقص في التأهيل والكفاءة المكتسبة لا بسبب جنسها. كل هذا انطلاقا من كونها إنسانا وبالتالي فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال حرمانها من حقوق الإنسان. تبدو حقوق الإنسان هذه، التي هي معروفة دوليا ووقعت عليها أغلب دول العالم بما فيها الدول العربية، تمثل خطا أحمر لا يمكن تخطيه والتعدي عليه بل ينبغي أن يكون هذا التخطي والاعتداء كفيلا بإثارة أكبر مشكلة حقوقية. إنه الإنسان ولا شيء أغلى منه. إن بناء ثقافة ومقولات وتشريعات تنطلق من هذا المفهوم، مفهوم المرأة الإنسان، هو ما يعني إحداث قطيعة مع السياق السابق وما يعني أيضا بداية السير في الطريق للتخلص من اختناق الحياة بسبب تعطيل الطرف الأهم فيها وتحطيم قدراته وإهانته باستمرار والحط من قيمته.
في الختام يمكن أن نسوق بعض الأمثلة على فهم الأمور انطلاقا من مفهوم " المرأة العورة " و" المرأة الإنسان ". فقبل أكثر من ثلاثين سنة في المملكة أثيرت قضية تعليم المرأة وتنازعتها كثير من الآراء والمواقف. الكثير بسبب وعيهم التقليدي، الذي يشكله مفهوم المرأة العورة، وقفوا ضد تعليم المرأة لأن الأولوية كانت عندهم لسترها لا لتعليمها. المفهوم حدد الأولويات وبالتالي حدد الموقف. الطرف الآخر، الأكثر وعيا وإدراكا لخطر هذا الفهم والذي هو لحسن الحظ صاحب القرار كانت الأمور محسومة سلفا فالتعليم كحق إنساني مقدم ولو كان في سبيل تحقيقه انتقاص من الستر الذي يصل في فكر المتشبع بمفهوم المرأة العورة إلى حدود السجن. وكما يهتم السجان بقضية خروج السجين وتسيطر على تفكيره، نجد عبارة " خروج المرأة " عند سجانيها تتكرر بشكل مدهش وتتكرر دلالة على التشابه في طرق التفكير والفهم.

عبد الله المطيري - الأربعاء 21 ذو الحجة 1427هـ - 10 يناير 2007م - العربية نت *نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية

0 تعليقات::

إرسال تعليق