الخميس، 5 مايو، 2011

مراجعة كتاب "حرب لبنان" لعبد الرؤوف سنو


33 سنة على 13 نيسان 1975: "بـداية تـفـكك الـدولة وتصدع الـمجتـمع"


المنظمات الفلسطينية المسلحة عسكرت الجماعات اللبنانية بعد اتفاق القاهرة عام 1969

قبل 33 سنة بالتمام والكمال، بدأت الحروب الأهلية الملبننة، وكان النهار نهار أحد واقع في 13 نيسان 1975. وفي الذكرى الـ33 لبدء الحرب، أصدر الدكتور عبد الرؤوف سنو عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، عملاً بانورامياً موسوعياً في عنوان "حرب لبنان، 1975-1990: تفكك الدولة وتصدّع المجتمع"، يقع في مجلدين ضخمين ويستغرقان 1800 من الصفحات. يروي هذان المجلدان مسارات الحرب ومقدماتها ونتائجها، بناء على مئات المصادر والشهادات والدراسات المتوافرة التي استغرق جمعها وتبويبها وصوغها رواية متشعبة في 16 فصلاً، جهد سنوات طويلة من البحث والتقصي والكتابة. فمجتمع الحرب الذي صار إليه المجتمع اللبناني طوال 15 سنة، طاول وجوه الحياة كلها، من سياسية واجتماعية واقتصادية، إضافة إلى الوقائع الحربية التي حصدت نحو 72 ألف قتيل ومئات آلاف أخرى من الجرحى والمعوقين والمخطوفين. وقد تغيرت في هذه السنوات أحوال لبنان على مختلف الصعد، من ديموغرافية - سكانية، كالتهجير والهجرة، وتركيب المجتمع السياسي والنخب الاقتصادية والثقافية، وصولاً إلى الحياة السياسية والدستورية، ناهيك عن الحياة الاقتصادية والعلاقات الأسرية والعلاقات بين الجماعات الطائفية. وهذه كلها يتناولها المجلدان، بدءاً من "عوامل التفجير الداخلية" والخارجية، وصولاً إلى "الأنشطة الاجتماعية للإدارات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني" في أزمنة الحرب. ولمناسبة صدور هذا العمل في الذكرى 33 لبدء الحرب، ننشر هنا مقتطفات من الفصل الخامس عشر من المجلد الثاني، في عنوان "عصر الميليشيات" الذي يروي وقائع عسكرة المجتمع في لبنان، منذ عشايا الحرب، مع تمدد السلاح والنفوذ الفلسطينيين في بعض المناطق اللبنانية.

بعد إنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1964، وتحديداً منذ حرب عام 1967، أخذت المنظمات الفلسطينية الرئيسية تمارس عملياتها الفدائية انطلاقاً من الأردن، وجزئياً من لبنان، ثم جعلت من البلد الأخير منطلقاً مهماً لأنشطتها ضد إسرائيل بعد عام 1970. فكان الفلسطينيون يتسللون من سورية إلى منطقة العرقوب في جنوب لبنان، وتأتيهم الإمدادات والأسلحة والذخائر من هذه الدولة بشكل منظّم. وفي عام 1967، بلغ عدد العمليات الفدائية الفلسطينية ضد إسرائيل عبر الحدود اللبنانية عمليتين اثنتين، ثم ارتفع إلى 29 عملية في العام التالي، وإلى 150 في عام 1969. وبعد "اتفاق القاهرة" بين "منظمة التحرير الفلسطينية" والدولة اللبنانية عام 1969، شُرعّت العمليات الفدائية الفلسطينية ضد إسرائيل من المناطق التي خُصصت للفلسطينيين في منطقة العرقوب، أي "فتح لند"، على الرغم من تناقض هذا الاتفاق مع "اتفاق الهدنة" بين لبنان وإسرائيل لعام 1949. وبطرد المقاومة الفلسطينية من الأردن عام 1970، ولجوء آلاف الفدائيين إلى لبنان، أصبح هذا البلد المعقل العسكري والسياسي الوحيد والأخير المتبقّي للمقاومة الفلسطينية، التي استبدلت هدفها الوطني السامي (= تحرير فلسطين) بالصراع الداخلي اللبناني وتوطيد نفوذها على اليسار والمسلمين. وقد سمحت لها سيطرتها على أجزاء واسعة من لبنان، أرضاً وشعباً ومرافق وموارد، بحرية استقبال ما يحلو لها من حلفاء سياسيين وأمنيين وعسكريين ومنظمات معارضة أوروبية وآسيوية، فأضحى لبنان مستوعباً لكل إيديولوجيات العالم ومنظماته.

السلاح الفلسطيني

http://img189.imageshack.us/img189/2862/post271208202798.jpg
جدول بالمنظمات الفلسطينية في لبنان خلال الحرب الأهلية

عملت "منظمة التحرير الفلسطينية" على إنشاء بنيتها التحتية في لبنان: مكاتب، مركز التخطيط، مؤسسة الأبحاث، "الهلال الأحمر"، "المجلس الأعلى للتعليم"، "المجلس الأعلى للمناطق المحتلة"، "الصندوق المالي"، "دائرة الشؤون الخارجية"، "إذاعة صوت فلسطين"، "وكالة وفا"، "مؤسسة صامد للصناعة"، إضافة إلى المعسكرات والأجهزة الأمنية. كما تمكنت من أن تنشئ مؤسسات اقتصادية وإعلامية ومصانع حربية. كل هذا بفضل ما أغدقته عليها الدول العربية النفطية وبلدان المعسكر الشرقي من مساعدات عينية ومالية. فعلى سبيل المثال، تلقت منظمة التحرير الفلسطينية بين تشرين الأول 1975 وآب 1976، تحويلات مالية من حكومات عربية بقيمة 40 مليون دولار أميركي استخدمتها لدعم مخططاتها في لبنان، وتجميع الأنصار من الأحزاب والقوى اللبنانية حولها.



وفي ضوء ضعف الحكومة اللبنانية والخلافات السياسية الداخلية والانقسام المجتمعي، أمست المنظمات الفلسطينية المسلحة "دويلة داخل دولة" تتخذ من بيروت الغربية "عاصمة" لها، ومن أكثريتها الإسلامية درعاً سياسياً وعسكرياً، ومن جنوب لبنان ذريعة إثبات وجود على نضالها لتحرير فلسطين. هذا "التمدّد" الفلسطيني على لبنان، أرضاً وشعباً، وهو ما أعطى الموارنة بحق، الذريعة للادعاء بأن الحكومة اللبنانية فقدت سيادتها على أجزاء من أراضيها.

تحالف اليسار اللبناني مع المنظمات الفلسطينية وحصل منها على التدريب والسلاح والمال. أما النخب الإسلامية، وخصوصاً السنّة وزعامتهم التقليدية التي لم يكن لديها أي اهتمام بتأسيس الأحزاب والتنظيمات قبل الحرب، فحاولت استخدام الورقة الفلسطينية على خلفية أن نسبة 95 في المئة من الفلسطينيين من السنّة، في اللعبة السياسية الداخلية لتحقيق مكاسب على حساب الموارنة، وخصوصاً ما يتعلق بمشاركة أكبر في السلطة وفي المنافع الاقتصادية. وفي المقابل، وعلى الرغم من تقديمها الدعم (التسليح والتدريب والمال) إلى زعماء الأحياء من الشبان في المناطق الإسلامية، إلا أن المقاومة الفلسطينية سعت في الوقت نفسه إلى الحفاظ على مكانة الزعامات الإسلامية التقليدية في بيروت والجنوب، وفي المناطق التي بسطت هيمنتها عليها. ومن جانبهم، سعى الشيعة بدورهم إلى الاستفادة من الخبرة القتالية للفدائيين الفلسطينيين ("فتح" أساساً)، فأسسوا منظمة عسكرية (= حركة المحرومين) تحولت في ما بعد إلى "حركة أمل" الشيعية. إلا أن إحساس الشيعة بخطر الوجود الفلسطيني عليهم في الجنوب منذ نهاية الستينات بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، جعلهم يلجأون إلى التعبئة العسكرية.

تسبّب نمو المقاومة الفلسطينية وتمدّدها خارج المخيمات في العاصمة والجنوب، وإقامتها حواجز التفتيش، وتعاظم المد العربي والشيوعي واليساري الدولي في لبنان، بقلق المسيحيين، وخصوصاً الموارنة منهم، على الدولة ومركزهم المهيمن في السلطة، ما جعلهم يشعرون أكثر من ذي قبل بأنهم محاطون ببحر إسلامي - يساري، ومهددون جسدياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً. ففي 25 آذار 1970، خُطف بشير الجميّل من قبل فلسطينيين من مخيم تل الزعتر، ثم أُطلق سراحه في ما بعد. كما أسهمت ضربات الثأر الإسرائيلية الموجعة ضد لبنان بدورها في زيادة التناقضات بين السلطة اللبنانية (- القيادات المارونية) من جهة، وبين المقاومة الفلسطينية وحلفائها من اللبنانيين من جهة أخرى. فدقّت الاعتداءات الإسرائيلية على مرافق حساسة في الاقتصاد الخدماتي اللبناني، ناقوس الخطر، مثل، الاعتداء على "مطار بيروت الدولي" عام 1968 ومهاجمة القرى والبلدات اللبنانية والبنى التحتية. وتبعاً لمصادر رسمية لبنانية، بلغ عدد القتلى من اللبنانيين نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية 800 شخص ما بين عامي 1968 و1974. وفي نيسان 1973، اغتالت وحدات كوماندوس إسرائيلية قادة فلسطينيين ثلاثة في قلب العاصمة اللبنانية، مما فجّر الوضع السياسي والحكومي في لبنان.

القلق المسيحي

وفي عام 1970 لم تعد المخيمات الفلسطينية ومحيطها في بيروت (صبرا وشاتيلا وجسر البابا وتل الزعتر وضبيه) مجرد مناطق ذات كثافة فلسطينية مرتفعة، بل أصبحت قلاعاً عسكرية للمقاومة تخضع لزعماء الفدائيين. فكان مخيم تل الزعتر مثالاً على تلك القلاع الفلسطينية المحصنة، ذات التسليح الكثيف، والخنادق المموهة، وضم مصانع ذخيرة حيث كان يقيم فيه مطلع الحرب حوالي 15 ألف فلسطيني و13 ألف شيعي لبناني. وكان المخيم يُشرف على أحياء بيروت الشرقية المسيحية، وعلى ساحل المتن الشمالي وطرقاته التي تصل بيروت بالجبل. وقد كبرت مساحته خلال سنوات قليلة من 2 كيلومتر مربع إلى 10 كيلومتر مربعة. وجُهّز عسكرياً بملاجئ تحت الأرض، ما يسمح له بالصمود لفترة طويلة في وجه أي حصار وإلى جانب ميليشيا "حزب الكتائب" و"القوات اللبنانية"، كانت هناك ميليشيا "النمور" التابعة لحزب الوطنيين الأحرار، وميليشيا "حراس الأرز".

في المناطق المسيحية خارج بيروت، ظهرت ميليشيات مسيحية في إطار ضمان الأمن الذاتي والقتال ضد القوى المضادة. ففي البقاع ظهرت ميليشيا "التجمع الزحلي العام" بقيادة جوزيف سكاف و"الكتائب" و"الوطنيين الأحرار" وعدد من السياسيين للدفاع عن عاصمة البقاع ضد القرى والبلدات الإسلامية المجاورة المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية.

وفي شمال لبنان، أنشأت العائلات المسيحية التقليدية النافذة، فرنجية وطوق وحرب في زغرتا وبشري وتنورين، ميليشياتها للدفاع عن الجبل الماروني في وجه الساحل الإسلامي الممتد على طول 50 كلم من أطراف الضنية مرورا بتخوم مدينة طرابلس وصولا إلى أطراف منطقة الكورة. وعقب المعارك بين زغرتا وطرابلس توحدت الميليشيات الزغرتاوية، ووقع عبء القتال على لواء المردة التابع لآل فرنجية.

وعلى خط مواز مع العسكرة المسيحية، سيطر الضابطان اللبنانيان سعد حداد وسامي الشدياق بالتعاون مع الدولة العبرية على حزام أمني في جنوب لبنان متاخم للحدود الدولية الإسرائيلية منذ عام 1976. وكانت تل أبيب تهدف من وراء ذلك إلى إنشاء منطقة حامية لحدودها الشمالية. وبعد الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، توسعت أراضي الحزام الأمني، وأعلن الرائد سعد حداد في 17 نيسان 1979 عن قيام "دولة لبنان الحر". شكل انتخاب بشير الجميل قائدا عاما لمجلس الأمن الكتائبي في 13 تموز 1976، اثر مقتل وليم حاوي، نقلة نوعية في العمل العسكري – السياسي للمعسكر المسيحي. فوضع هذا القائد الشاب هدفا واضحا أمامه، وهو توحيد كل القوى العسكرية تحت قيادته. وكانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي تأسيس مجلس قيادة مشترك لكل الميليشيات المسيحية في 30 آب 1976 (الكتائب، الأحرار، التنظيم، حراس الأرز، جيش التحرير الزغرتاوي [المردة]، حركة الشبيبة اللبنانية [تجمع شباب الدكوانة/ مارون خوري])، أُطلق عليه اسم "القوات اللبنانية". استطاعت "القوات اللبنانية" "توحيد البندقية المسيحية" تحت قيادتها في 7 تموز 1980، وذلك عقب "مجزرة الصفرا" وتصفية "نمور الأحرار" التي سبقتها مجزرة إهدن في حزيران 1978 باغتيال طوني فرنجية زعيم "المردة".

ومن خلال حروبها الشرسة داخل المنطقة الشرقية تمكنت "القوات اللبنانية" من أن تؤسس منظمة عسكرية تتبعها مؤسسات وأجهزة فاعلة ونشطة، ففرضت الضرائب على السكان وعلى الفاعليات الاقتصادية في مناطق هيمنتها في بيروت الشرقية والمتن الشمالي وكسروان، وان تُنمي اقتصادا خاصا بها. واعتبرت "القوات اللبنانية" نفسها المسؤولة عن مصالح المسيحيين و"امن المجتمع المسيحي" بعامة والموارنة بخاصة.

العسكرة في المجتمع الإسلامي

http://img822.imageshack.us/img822/771/post271208203034.jpg
مركز لتدريب الفلسطينيين في الأراضي اللبنانية


على عكس المنطقة الشرقية، ساد المعسكر اليساري – الإسلامي في المنطقة الغربية شعور بالتفوق على المسيحيين نتيجة التحالف مع المقاومة الفلسطينية، وما يقدمه العمق الاستراتيجي العربي من دعم للمسلمين. لكن هذا المعسكر اختلف عن مثيله المسيحي، بأنه كان شارع الجميع، وذلك لكثرة المنظمات والحركات والميليشيات. فتعايش "القبضاي" و"الأزعر" مع الطالب المقاتل، والزعيم التقليدي مع القوى اليسارية. وقد تكتلت القوى الحزبية والتنظيمات خلف "الحركة الوطنية اللبنانية"، إلى جانب "جبهة الأحزاب والقوى القومية والوطنية في لبنان" المؤيدة لسوريا: "اتحاد قوى الشعب العامل (شاتيلا) و"منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي" (قانصوه)، و"الحزب السوري القومي الاجتماعي) (قنيزح) و"منظمة الطلائع التقدمية" (محمد زكريا عيتاني). وعلى الرغم من تكتل القوى اليسارية والإسلامية في "الحركة الوطنية" إلا أن هذه لم تستطع أن تؤسس جبهة عسكرية موحدة، إذ أصر كل تنظيم على استقلاليته ما قلل من فعاليتها على الصعيد العسكري وجعلها تعتمد على المقاومة الفلسطينية. كما شهدت الساحة "الوطنية" ظهور تنظيمات وحركات عابرة كـ"صقور الزيدانية"، و"نسور البقاع" و"حركة الشباب العلويين" و"الأنصار" و"جند الله". وفي عام 1986 وجد في بيروت الغربية أكثر من 120 مكتبا ميليشياوياً أو "دكاناً"، فكان يحدث التنافس والتسابق والتقاتل بين أنصار مختلف "القبضايات" (= الزعران) والرجال الأشداء على فتح "مكتب" أو على "غنيمة" دسمة. وفي ضوء غياب مرجعية واحدة لهذه الميليشيات، كان من الطبيعي أن يحصل التنافس على النفوذ، وعلى فرض الخوات على التجار والسكان.

ظلت "الحركة الوطنية اللبنانية" حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 هي الأكثر فعالية على الأرض فبلغ عديدها مع باقي المنظمات اللبنانية المؤيدة للفلسطينيين أكثر من 22 ألفا. وبسبب الهيمنة الفلسطينية على اليسار والمسلمين، وتلقيها ضربة شديدة على أيدي السوريين عام 1976، لم تتمكن "الحركة الوطنية" من إنشاء مؤسسات وأجهزة شبيهة بتلك الخاصة بالقوات اللبنانية. فبرجوازية بيروت السنية، التي أظهرت ولاء للبنان، شاءت البقاء بعيدة عن الحرب بانتظار قطف ثمارها (مشاركة أكبر في السلطة)، تاركة الشأن العسكري للفصائل الفلسطينية التي سمحت لبعض التنظيمات الناصرية واليسارية بالعمل تحت إشرافها لإظهار الطابع الداخلي لحرب لبنان. كان هاجس السنة في بيروت هو تكاثر أعداد الشيعة في "مدينتهم"، وهو ما جعلهم يرتمون في أحضان المنظمات الفلسطينية لتصحيح "الخلل" ويصبحون بالتالي تحت رحمتها، قبل أن يرحبوا في ما بعد بخطة أمين الجميل عام 1983 لنشر الجيش في مناطقهم. وعندما أُجبر الفلسطينيون على مغادرة بيروت الغربية نتيجة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لم يعد أمام سنّة بيروت سوى تقديم دعمهم لتنظيم "المرابطون" وقوامه حوالي 3 آلاف عنصر ما بين متفرغ ومتطوع في مختلف أنحاء لبنان، والمرتبط بعلاقات وطيدة بحركة "فتح" الفلسطينية. ويقال أن عناصر من "فتح" حاربت في معارك الفنادق في بيروت وفي اجتياح الدامور مطلع عام 1976 تحت اسم "المرابطون" وعلى أيدي "أمل" و"الاشتراكي" و"الشيوعي"، جرت تصفية "المرابطون" في نيسان 1985، ما جعل قسما من سنة بيروت يتحولون من زعاماتهم التقليدية إلى معسكر وليد جنبلاط، الذي استطاع بناء قاعدة شعبية قوية داخل طائفته وخارجها، فيما اقتصرت زعامة نبيه بري بعد "انتفاضة" 6 شباط 1984" على الطائفة الشيعية وحدها، فاستطاع أن يؤلف ميليشيا معتمدا على دعم سوريا، ما جعله يدور في فلكها ويصبح تحت حمايتها. أما "حزب الله" فنشأ بدعم إيراني عام 1982، من أعضاء سابقين في "حزب الدعوة" (العراقي) ومنشقين عن "حركة أمل". وكان التثقيف الديني يردف التدريب العسكري في محاولة للتلاحم بين المقاتلين ورجال الدين. فلا يصبح الشيخ مقاتلا والمقاتل شيخا فحسب، بل يصبح الشيخ قائدا ومرشدا ومرجعا ومتدخلا في حياة العنصر، يتلقى الخمس والزكاة ويوزعهما فرديا. فكان استشهاديو "الحزب" يقومون بعملياتهم العسكرية بناء على فتاوى يصدرها مشايخه. لكن "الفتاوى" لم تقتصر على الشأن العسكري، بل شملت الحياة الاجتماعية اليومية لمواطني الضاحية الجنوبية.

استمد "حزب الله" شرعيته من تصديه للسياسة الأميركية والأوروبية وعملياته ضد إسرائيل وطرحه "فلسفة الاستشهاد" في سبيل القضية "(الحالة الجهادية) وتوسيع عمله الخدماتي والاجتماعي في الضاحية الجنوبية والمناطق الشيعية. فأصبح منذ عام 1985 منافسا لحركة "أمل" في بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية. فكان حي البسطا الفوقا ومنطقة برج أبي حيدر معقلين له، إضافة إلى ثكنة عسكرية (ثكنة فتح الله) الواقعة على مقربة منها سجونه ومكاتب تحقيقه. وقد تمكن من استقطاب العديد من مقاتلي "حركة أمل" بسبب الأجر الشهري الذي كان يدفعه إلى المقاتلين ويعادل ثلاثة أضعاف ما تدفعه الميليشيات الأخرى لأفرادها. وكان الحزب على علاقة سياسية ومالية بإيران، وقدرت الأموال السنوية التي كان يتلقاها من تلك الدولة بـ60 مليون دولار أميركي. فكانت السفارة الإيرانية في دمشق هي المسؤولة عن تمويله. ويستدل على دورها في "تغذية" صندوقه من ميزانيتها البالغة أكثر من 400 مليون دولار في عام 1983.

أما الدروز فكانت لهم نواة تنظيم عسكري يعود إلى ما قبل السبعينات، إلا أن تعبئتهم العسكرية الجادة بدأت مع دخول "القوات اللبنانية" إلى الشوف عام 1982. فأسس "جيش التحرير الشعبي"، الذي حمل بداية اسم "قوات التحرير الشعبية" والمؤلف في أكثريته من دروز الشوف، إضافة إلى قوة مشتركة له مع حركة "فتح".

أما الأحزاب اليسارية الأخرى، وفي مقدمها "الحزب الشيوعي اللبناني" و"منظمة العمل الشيوعي" فقامت بعملية التعبئة مكرهة، لأن معظم أعضائها كانوا من المسيحيين، ويرفضون بالتالي، بحكم مفهومهم العلماني، إعطاء الطابع الطائفي لتلك التعبئة. لكنها سرعان ما تخلت عن ذلك وبدأت تستقطب مسلمين في صفوفها، غير أن عديدها لم يتجاوز بضعة مئات من المقاتلين.

وفي نهاية عام 1975، بلغ عدد المنظمات الفلسطينية في لبنان 28 منظمة، وعدد المقاتلين الفلسطينيين ما ين 20 ألفا إلى 25 ألفاً، ومكاتب التعبئة أو التدريب حوالي 60 مكتباً. وقد انعكست كثرة المنظمات وتشرذمها على الساحة اللبنانية تشرذماً في التنظيمات الوطنية والإسلامية اللبنانية، التي تبعت كل واحدة منها واحدة هذه المنظمات. فبلغ عدد المنظمات الفلسطينية على الساحة اللبنانية خلال الحرب، أكثر من 40 منظمة، وعكس بوضوح حالة الوضع الداخلي اللبناني، خصوصاً إذا علمنا أنها كانت تنتمي إلى جبهات متنافسة، سياسياً وإيديولوجياً، وتتبع دولاً إقليمية ودولية. كما وصلت إلى لبنان وحدات من "جيش التحرير الفلسطيني" في سورية ومصر والعراق، نقلتها كل من الدول الثلاث مطلع الحرب في إطار التنافس في ما بينها لأهداف مختلفة عن الأخرى. إلى جانب ذلك، كان لكل من العراق وسورية منظمة فلسطينية تابعة لها (*).

وتمكنت منظمة التحرير من أن تُخضع كل المناطق الموجودة فيها في لبنان لسيطرتها. وكانت تُغدق الأموال، في "حرب السنتين" وحتى مطلع الثمانينات، على القيادات الحزبية والميليشياوية اللبنانية الخاضعة لها. وقد اعترف أبو داوود، الذي كان مسؤولاً عن بيروت الغربية، من المتحف إلى المزرعة حتى "مرفأ بيروت" أثناء "حرب السنتين"، بأن التنظيمات اللبنانية الحليفة للفلسطينيين ما كانت سوى "واجهات لبنانية" و"فلاشات إعلامية" للمقاومة، وأن "فتح" كانت "الذراع العسكري الحقيقي" للقوى اللبنانية الحليفة. وبدوره، أقرّ ياسر عرفات، رئيس "منظمة التحرير الفلسطينية"، بقيام دولة فلسطينية داخل الدولة اللبنانية، حين قال: "إن الوضع هناك (لبنان) كان أكثر تعقيداً... كانت هناك ميليشيات وحرب أهلية وعلى الرغم من ذلك، نجحتُ في إدارة الوضع سنوات عدة".

وبفضل المنظمات الفلسطينية، وُجدت على "الساحة" اللبنانية منظمات شبه لبنانية وغير لبنانية جعلت من لبنان مقراً لها. مما جعل لبنان مستقراً ومسرحاً لمختلف الإيديولوجيات والأنشطة السياسية، وزاد من حالة الفوضى والتسيب في البلاد، حيث أمكن إحصاء أكثر من 40 منظمة كردية وليبية وناصرية ومصرية وإيرانية وعراقية وسورية وخليجية وصومالية واريترية وأرمنية وفرنسية وايطالية ويابانية كانت موجودة على "الساحة" اللبنانية، سبع منها إرهابية. وكانت جميع هذه المنظمات تنفّذ على الأرض اللبنانية مصالح الدول التي تموّلها. فأثناء التدخل الليبي في تشاد خلال الثمانينات، أرسل أحمد جبريل و"الحزب التقدمي الاشتراكي" متطوّعين للقتال هناك.

العسكرة في المجتمع المسيحي

تعود عملية التعبئة العسكرية في المجتمع المسيحي اللبناني إلى ما قبل عام 1975. فبعد المواجهات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين عامي 1969 و1973، بدأ المسيحيون ممثلين بحزبي "الكتائب" و"الوطنيين الأحرار"، بعملية التعبئة بسبب إحساسهم بالخطر من محيط عربي - إسلامي يتغذى على الإيديولوجيات اليسارية ويستقوي بالمنظمات الفلسطينية. وقد نصح الرئيس فرنجية كلاً من كميل شمعون وبيار الجميل اثر الصدامات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية في أيار 1973، بألا يعتمد على الجيش، وقال لهما: "إتكلوا على أنفسكم". واستطاعت هذه التعبئة المنطلقة من إيديولوجيات تاريخية وفكرية أن تُوحّد ردود الفعل تجاه "العدو" و"الوطن" و"الغريب" وان تُعسكر المجتمع المسيحي. فبلغ عديد الميليشيات المسيحية المقاتلة في الحرب أكثر من 19 ألف مقاتل خلال سنوات الحرب.

ففي 17 آب 1971، قرر "حزب الكتائب اللبنانية"، الذي كان لديه نواة ميليشيا سابقة أكثريتها من الموارنة، إنشاء قوة نظامية حسنة التدريب للتصدي لـ"الخطر الفلسطيني" ودعم الجيش اللبناني ضد "أعداء الوطن". وفي عام 1974، أسس بشير الجميل قوات "بيار الجميل" (ب. ج.) التي لعبت دوراً رئيسياً في "حرب السنتين"، ثم أصبحت في ما بعد نواة "القوات اللبنانية". وبعد الاشتباكات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين عام 1969، تأسس "حزب التنظيم" كميليشيا من قبل فؤاد الشمالي، ولحق به "حرّاس الأرز" في العام نفسه على يد إتيان صقر. وكان أول ظهور علني للتنظيمين في 13 نيسان 1975، ثم ما لبثا أن خاضا معارك الكرنتينا وتل الزعتر عام 1976 وانضما إلى "القوات اللبنانية" بزعامة بشير الجميل. فضلاً عن ذلك، أخذت الميليشيات المسيحية تستورد الأسلحة من كل المصادر المتوافرة عبر "مرفأ بيروت" أو "نادي اليخوت" في جونيه، وعن طريق مطارات مستحدثة في مناطق سيطرتها، في الوقت الذي كان فيه السلاح يتدفق على خصومها.

وعند اندلاع الحرب عام 1975، وبوساطة من الملك الأردني حسين، قامت قيادات كتائبية مارونية باتصالات بالسفارتين الإسرائيليتين في روما وباريس في سبيل الحصول على دعم تل أبيب. لكن إسرائيل رفضت التدخل في تلك المرحلة. وشهد عام 1976، إنشاء البناء التحتي العسكري لحزب الكتائب. وأول كتيبة عسكرية، أسسها بشير الجميل هي "ب.ج." التي تألفت من 122 عنصراً مقاتلاً، لحقتها كتيبة مغاوير في العام نفسه، والشرطة العسكرية (SKS)، وسلاح الإشارة، فضلاً عن الثكن والمنشآت العسكرية والمؤسسات الإعلامية والمالية في المناطق المسيحية. وما لبثت القوى المسيحية في بيروت وجنوب لبنان أن حصلت على أسلحة من الدول الأوروبية الشرقية: رومانيا وبلغاريا، ومن ألمانيا الاتحادية وبلجيكا في أوروبا الغربية. ثم بعد ذلك على بعض الأسلحة العربية التي سبق لإسرائيل أن استولت عليها في الحروب العربية – الإسرائيلية، إضافة إلى دبابات سوبر شيرمن الأميركية. كما حصلت من الدولة العبرية على تموين ومواد غذائية وطبية، فضلاً عن التدريب على أيدي ضباطها.

http://img545.imageshack.us/img545/6420/post271208202707.jpg
معبر المتحف خلال الحرب الأهلية

وفي نهاية "حرب السنتين"، بلغت قيمة المساعدات العسكرية الإسرائيلية إلى "الجبهة اللبنانية" 100 مليون دولار أميركي، في الوقت الذي كانت إسرائيل تعمل على تسليح وتدريب الميليشيات المسيحية في جنوب لبنان. لكن المساعدات العسكرية الإسرائيلية للمسيحيين في لبنان لم تكن تهدف إلى مساعدتهم على حسم الحرب لصالحهم، بل إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف المقاومة الفلسطينية وحلفائها. وعبّر عن ذلك دوري شمعون لأحد الديبلوماسيين الأميركيين عام 1983 بالقول أن: "الإسرائيليين كانوا يؤمّنون لنا السلاح والتدريب بالقدر الذي يساعدنا على الركوع على ركابنا فقط وليس للوقوف على أرجلنا مطلقاً".

ومع تدهور الوضع العسكري للمسيحيين مطلع عام 1976، أخذ "حزب الكتائب اللبنانية" يلعب كل الأوراق المتوافرة لديه: اتصالات بإسرائيل (زيارتنا بشير الجميل إلى إسرائيل عام 1976، وزيارة بيار الجميل وكميل شمعون عام 1978) والتقرّب في الوقت نفسه من المملكة العربية السعودية (زيارة أمين الجميل إلى الرياض 1976)، ودعوة سورية للتدخل في الأزمة اللبنانية. لكن نجاح الميليشيات المسيحية في التصدي للقوات الفلسطينية - اليسارية المشتركة، جعلها أكثر إصرارا على إكمال تصفية "الجزر" الإسلامية - الفلسطينية في مناطق سيطرتها، كالمسلخ والكرنتينا والنبعة وضبيه وجسر الباشا وتل الزعتر، ثم بعد ذلك التنافس في ما بينها على القرار المسيحي تحت شعار "توحيد البندقية".

وخلال "حرب السنتين"، نزلت البورجوازية المسيحية والرهبانية المارونية – الكسليك إلى ساحات القتال نتيجة الإحساس بالخطر على وجود المجتمع المسيحي، بعدما تبين أن الجيش اللبناني لا يستطيع وحده أن يحسم الأمر ويؤمّن بالتالي الحماية له. فعمل أبناء الطبقة الراقية في الأجهزة العسكرية للأحزاب والميليشيات، وفي أجهزة الدعم العسكري، وقامت سيدات يتمتعن بمكانة مرموقة بالإشراف على إعداد الطعام للمقاتلين والعناية بالمصابين. ولكن منذ عام 1977، عندما تبين أن حرب لبنان لن تنتهي في وقت قريب، والرهان على الجيش اللبناني فقد جدواه، بدأ عدد كبير من طلبة المدارس والجامعات والمهجّرين الريفيين ينخرطون في الميليشيات المسيحية ويتلقّون تدريباً على يد ضباط مسرّحين من الجيش اللبناني، أو يلتحقون بدورات تدريبية في إسرائيل. فجرى التركيز على الطاقة الشبابية المسيحية لتجنيدها في أعمال القتال.

عبد الرؤوف سنو - النهار - 14 نيسان 2008

مراجعة كتاب "حرب لبنان" لعبد الرؤوف سنو

"حرب لبنان" كتاب ضخم في جزأين وفي 1800 صفحة وضعه الدكتور عبد الرؤوف سنو سنة 2008 (الدار العربية للعلوم – ناشرون) يوثّق فيه الحرب اللبنانية (1975 – 1990). وقد نال أخيراً جائزة الشيخ زايد للكتاب لموضوع التنمية وبناء الدولة. والكتاب يتألف من 16 فصلا مع مقدمة واستنتاج عام.
عمل جبار يحتاج إلى بذل جهد كبير من جمع وتقصٍ للأحداث التي جرت على مدى هذه السنوات الخمس عشرة التي أدت إلى بروز الميليشيات وتفكك الدولة وتصدع المجتمع.
وهو يقول في مقدمة الكتاب: "اعتبرت حرب لبنان المختبر التاريخي والاجتماعي والسياسي لتناقضات المجتمع اللبناني التي سبقت تقاتل بنيه، وتجلت في النظام السياسي وما يقدمه من مكاسب وفوائد لطائفة على أخرى، وحدثت في إطار صراع داخلي بين اللبنانيين أنفسهم حول المسار التاريخي الذي كان على وطنهم أن يأخذ به في مرحلة تاريخية دقيقة أتت في سياق النزاع العربي – الإسرائيلي، وتحوّل المنظمات الفلسطينية الموجودة على أرضه إلى عامل مؤثر وفاعل في خلق التجاذبات الطائفية بين اللبنانيين، فضلا عن تعاظم الخلافات بين الأنظمة العربية وتدخلها مع القوى الإقليمية والدولية في الأزمة اللبنانية".
وهذه الحرب التي كما كتبتُ عنها في سنة 1976 كان لها مئة سبب وسبب مهمل أهمها حزام البؤس الذي كان يلف بيروت من الكرنتينا إلى المسلخ إلى النبعة، دع عنك البؤس والحرمان المتفشيين في مناطق عدة من لبنان من أقصى عكار في الشمال إلى أقصى الهرمل وقرى الجنوب. وبسبب ذلك فشل الحكم في تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش لهذه المناطق المحرومة.
ولا جدال في أن للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان دوراً بارزاً في هذا الصراع خاصة انه قد انحاز إلى جانب دون آخر. ولكن وبعد أن خرج من الساحة اللبنانية سنة 1982 استمرت الحرب واستمر النزاع ولم ينته. ذلك يدل على أن الوجود الفلسطيني لم يكن العنصر الأوحد لنشوب هذا النزاع. دخلت الساحة اللبنانية عناصر مختلفة منها خارجية ومنها داخلية: الصراع العربي - الإسرائيلي، الخلافات بين الدول العربية، دخول إيران على الخط، والتدخل الأجنبي من الغرب والشرق.
وهو يقول: "إن إطلاق صفة حرب لبنان على مرحلة النزاع بين عامي 1975 و1990، وليس الحرب الأهلية اللبنانية، أو الحرب اللبنانية، أو حروب الآخرين على ارض لبنان هو، في رأينا، الأكثر صحة علمياً وموضوعياً. لأن هذه الحرب لم تكن في كثير من مراحلها صراعاً داخلياً صرفاً بين اللبنانيين. لقد استطاع العامل الخارجي (الفلسطيني، الإسرائيلي، السوري، العربي، الإيراني، الدولي) أن يستغل تناقضات المجتمع اللبناني وضعف تماسكه، وانعدام سيطرة الدولة عليه والإمساك به، وهشاشة بناه المؤسساتية والسياسية، للتلاعب بالتوازنات الداخلية في سبيل تحقيق مصالحه".
وهو يرى أن هذه الحرب (1) طرحت شرعية الكيان اللبناني، ومدى ولاء اللبنانيين لوطنهم (2) كانت صراعاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً بين المناطق والطوائف وحتى داخل الطوائف (3) أدت إلى تصدع في العلاقات الاجتماعية بين اللبنانيين (4) تسببت بتعطيل الدولة وشل مؤسساتها وإحداث سلطات رديفة هي سلطات الميليشيات والأمر الواقع.
وهو يقول إن الغاية من إصدار هذا الكتاب الذي استغرق العمل عليه عشر سنوات، ليس استحضار ما حملته هذه الحرب من أحقاد دفينة وذكريات أليمة وآثار مريرة وهواجس لم تخمد في النفوس بعد، أو نبش الماضي أو إلقاء التهم... بل القيام بقراءة عقلية واعية لمعرفة جذور هذه الحرب القذرة وأسبابها ودوافعها واستيعاب دروسها لكي نتعلم من تجاربنا لنبني وطناً صلباً قادراً على الحياة ويعمل حقاً على التغيير والإصلاح. الغبيّ وحده هو الذي لا ينظر إلى ما يجري على الساحة العربية اليوم من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى البحرين إلى اليمن إلى العراق إلى السودان إلى كل مكان، بل والى فريق من الشباب اللبناني الذين أخذوا يطالبون بإلغاء الطائفية التي سببت وتسبب تخلف لبنان وتحجره.
وحول الزعامات والنظام العشائري والعائلي يقول (ص 489): "منذ الاستقلال، سيطرت كبريات العائلات التقليدية، من زعامات وعشائر ووجهاء ورجال دين ورجال أعمال، على الحياة السياسية في لبنان، وتجلى نفوذها بشكل واضح في المجالس النيابية والوزارية والرئاسات الثلاث، فبين عامي 1920 و1972 احتل 425 نائباً ينتمون إلى 245 عائلة 965 مقعداً في 16 مجلساً. وارتبطت نسبة 62% منهم برباط القرابة المباشرة أو البعيدة. كما أن 300 نائب من أصل 365 احتلوا مقاعد المجلس النيابي في الفترة نفسها، توارثوا هذا المنصب".
ومما تجدر الإشارة إليه أن عدداً كبيراً من هؤلاء توارثوا النيابة عن الأب وعن والجد بحيث أننا نجد في المجلس النيابي اليوم عددا من هؤلاء أمثال آل عسيران وأرسلان والجميل وحبيش وسلام وغصن وكرامي والزين وجنبلاط وفرنجية وسعادة وزوين وشمعون والحريري الخ...
وحتى الأحزاب التي نشأت كانت في مجملها – ما عدا الحزب الشيوعي والحزب القومي – أحزابا ذات صبغة طائفية طاغية.
ومنذ القديم كان معروفاً أن عدداً من النواب يدفعون الأموال إلى زعماء اللائحة لكي يحصلوا على مقعد نيابي... وأما اليوم فالي بضع عائلات تتوارث "الزعامة" من جميع الطوائف جاءت "المحادل" و"البوسطات" وجاء المال إلى الساحة السياسية بحيث أن عدداً من السياسيين المسيطرين على مقدرات البلد استخدموا المال للوصول إلى السلطة ومنهم من استخدم السلطة للوصول إلى المال. وهناك من فاز بالاثنين معاً: السلطة والمال. ومنهم من دفع حياته ثمناً أو ضحى بشرفه! فعمّ الفساد وزادت السرقة وازدهرت العصبية الطائفية والمذهبية فكيف نرجو إصلاحا في ظل هذا الواقع المزري؟ وحدّث ولا حرج عن نظام الانتخابات الفاسد والذي يُعتمد قبل الانتخابات بأيام – رغم أن معالي الأستاذ فؤاد بطرس قد وضع مع اللجنة التي ترأسها قانوناً أكثر إنصافا للانتخابات لم يؤخذ به. والأشد نكاية أن الميليشيات، التي اغتصبت السلطة أثناء الحرب على مدى 15 سنة، عادت لتشارك في السلطة شرعاً عندما أصبح لها نواب ووزراء يشاركون في الحكم!!
وفي (ص 149) يقول: "هكذا، تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية قسّمت اللبنانيين إلى فريقين: فريق يدّعى الغبن السياسي والحرمان الاجتماعي ويريد تحسين مواقعه في السلطة عبر نزع امتيازات الفريق الآخر، أو الانقلاب على النظام الطائفي اللبناني وتمسّك بهوية ممتدة إلى خارج صدور "الوطن" وفريق يدّعي أن الدولة دولته ويخشى على إنجازاته ويتمسّك بامتيازاته. ولكن الفقر والحرمان والبؤس ليس لها طائفة بل هي موزعة على جميع الطوائف دون استثناء.
يتناول المؤلف العوامل الخارجية وعلى رأسها العامل الفلسطيني واتفاق القاهرة سنة 1969 وتداعياته وانعكاس السياسات الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية والصراع العربي – الإسرائيلي.
يقول (ص 187 – 188): "اعتبر المسلمون السنّة عموما أن المقاومة الفلسطينية هي حركة قومية عربية، ولم ينظروا إلى أن وجودها ونشاطها العسكري يمسّ بسيادة بلدهم، معتبرين إياها رأس حربة عربية ضد إسرائيل، أما زعاماتهم التقليدية، فرأت في المقاومة الفلسطينية ورقة للتخويف يمكن استخدامها في اللعبة السياسية الداخلية لتحقيق مكاسب على حساب الموارنة، خصوصا في ما يتعلق بمشاركة أكبر في السلطة والمنافع الاقتصادية".
ثم يتناول العلاقات اللبنانية السورية في مدها وجزرها، ودور سوريا الملتبس في الحرب اللبنانية وكذلك دور كل من في مصر والعراق وليبيا والسعودية والكويت والأردن... والسياسات الدولية تجاه لبنان وخاصة فرنسا وأميركا وحتى الفاتيكان. وحرب إسرائيل على لبنان سنة 1982 والمقاومة اللبنانية التي استطاعت أن تقف في وجه إسرائيل.
ثم يتناول في الفصل السابع الجهود التي بذلت لحل الأزمة اللبنانية أو تقريب المواقف بين الفرقاء اللبنانيين المتنازعين ويورد مختلف وجهات النظر والأسباب التي أدت إلى فشل هذه المحاولات والمبادرات والمساعي لجمع الشمل وتحقيق الحوار. وهو يستنتج من ذلك كله (ص 720 – 721): "أدّت شدة التناقضات الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية إلى تحولها إلى عامل رئيسي من عوامل عدم توصل اللبنانيين إلى حلول لأزمة بلدهم بقواهم الذاتية، كذلك الحال، فان كثرة المبادرات الخارجية لحل هذه الأزمة، لم تساعد لبنان على ولوج طريق السلم الأهلي".
وفي الفصل الثامن يتناول اتفاق الطائف (1989) الذي لم يطبّق بحذافيره حتى اليوم. وهو يستخلص نتائج هذا الاتفاق (ص 803 – 804): وإذا كان "اتفاق الطائف" قد أرضى السنّة بسبب تقوية صلاحيات رئيس مجلس الوزراء (السنّي) تجاه رئيس الجمهورية، وانتزاع صلاحيات من الأخير لصالح مجلس الوزراء مجتمعا، إلا أن قسما من الشيعة اعترض على الاتفاق، بحجة أنه لا يحقق آمال الطائفة، على الرغم من أن مركز رئيس المجلس النيابي قد تحسن بموجبه. كان "حزب الله" أكثر القوى الشيعية اعتراضا على الاتفاق، لأنه حد من طموحاته في إلغاء النظام الطائفي السياسي واعتماد نظام الأكثرية، الذي يمكن أن يؤدي إلى قيام حكم إسلامي في لبنان... من هنا، نفهم سبب تخوف المسيحيين من إلغاء الطائفية السياسية، ليس خشية من دولة إسلامية في لبنان فحسب، بل أيضا بسبب الاعتقاد أن ديموقراطية الأكثرية قد تتحول إلى اضطهاد للأقلية وتهميشها، كما هو حاصل في البلدان العربية. كما نفهم في الوقت نفسه سبب تحفظ السنّة على ديموقراطية الأكثرية التي يكون للشيعة الدور القيادي فيها".
وهو لا يترك شاردة أو واردة إلا ويتناولها في الجزء الثاني من الكتاب كالميليشيات وخطوط التماس والوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والإذاعي والصحافي والإعلامي والإداري وتأثير الحرب على الأسرة اللبنانية والهجرة والتهجير... وانهيار مستوى التعليم وتفريع الجامعة اللبنانية وتراجع مستواها والتي وصل الفساد فيها إلى تزوير شهادات في كلية الطب وكتابة بعض الأساتذة رسائل لبعض الضباط السوريين وسرقة أموالها.
وفي الفصل الخامس عشر يتناول الميليشيات التي اغتصبت السلطة وقد أحصى 260 حزبا وتنظيماً مسلحاً عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 وهذا رقم مرعب يدل على التمزق والتسيب الذي حصل في المجتمع اللبناني.
ولم يهمل الشعارات والملصقات التي كانت توضع على الجدران وأعمدة الهاتف وحتى في وسط الشوارع والهدف منها ذر الفتنة والتحريض على التفرقة والتنابذ والاقتتال. حتى أنه يورد لائحة بأسماء الشخصيات التي جرت تصفيتها وخطفها بدءا بمعروف سعد سنة 1975 وانتهاء بداني شمعون وزوجته وابنته سنة 1990، ويحصي حتى خطف الأجانب أو تصفيتهم وكذلك السيارات المفخخة وعدد القتلى والجرحى في كل حادثة ودور الميليشيات في الاتجار بالمخدرات وجباية الأموال والضرائب والخوات. ويذكر (ص 1471) أن الميليشيات قد حققت من تجارة المخدرات ما بين نصف مليار ومليار دولار أميركي سنويا، و2,5 ملياري دولار تبعاً لمصادر أخرى.
إلى أن يقول (ص 1472): "والجدير بالملاحظة، أن الاتجار بالمخدرات (زراعة وتجارة وتصديرا وحماية) استلزم تركيب شبكات تهريب مختلطة طائفياً، بعيدة عن خلافات الإيديولوجيات والخصومات السياسية والمذهبية، تتوافق فيما بينها على هذا الربح غير المشروع".
أضف إلى ذلك كله المرافئ غير الشرعية والتهريب على أنواعه حتى الأسلحة، والسوق السوداء التي يقدر ريع الميليشيات وقوى الأمر الواقع منها خلال سنوات الحرب بحوالي 14,5 مليار دولار أميركي كما يقول في الصفحة ذاتها. كل ذلك وكثير غيره أدى إلى تفكك الدولة وتقلص دورها وفقدان سيادتها. وهو يلخص ذلك في (ص 1679): "أن سلب الدولة سيادتها على شعبها وعلى أراضيها من قبل الأحزاب والميليشيات وقوى الأمر الواقع التي أفرزها النظام الطائفي السياسي، جعل من المستحيل على الدولة اللبنانية الادعاء أنها تصنع قرارها بنفسها". ويتابع (ص 1680): "ومن الواضح، أن العوامل الداخلية والخارجية للأزمة اللبنانية قد تضافرت معاً لتؤدي في النهاية إلى القضاء على مقومات الدولة اللبنانية بشكلها الهش المعروف. وان وجود دولة لبنانية ضعيفة، مكّن الفلسطينيين من السيطرة على توجهات القوى اليسارية والإسلامية وجعلها تسير في فلكهم، وبالتالي في إقامة دويلة لهم داخل الدولة اللبنانية".
ومهما يكن فان الداء الذي يشكو منه لبنان هو الطائفية السياسية التي أنتجت نظاماً سياسياً متحجراً غير قابل للإصلاح يستشري فيه الفساد وهذا النظام أنتج مجلساً نيابياً يستنسخ نوابه ذاتهم ما دام يأتي بهم "زعماء" لا أحزاب علمانية متطورة تعمل على تأسيس دولة مدنية ديموقراطية تقدس الحرية وتملك مفهوماً واضحا للمواطنية تحافظ على حقوق المواطن بدلا من حقوق الطوائف.
هل سيصمد هذا النظام الطائفي إلى الأبد؟ بعد أن وضع فريق من الشباب شعار إسقاطه؟ متى يصبح اللبناني مواطنا ينتمي إلى وطن وليس مجرد فرد ينتمي إلى طائفته؟
وهل نستفيد من قراءة سيرة الحرب اللبنانية القذرة والمجرمة لنعتبر ونتّعظ ونبني وطناً ديموقراطياً بعيداً عن الطائفية السياسية البغيضة؟ ومن قال أن جميع اللبنانيين منقسمون بين 8 و14؟
وبعد، لقد بذل الدكتور عبد الرؤوف سنو جهداً كبيرا في تأليف هذا الكتاب الضخم الذي يضم 179 جدولاً وآلاف الهوامش ومئات المراجع والمصادر العربية والأجنبية بحيث بات مرجعاً موثوقاً لا غنى عنه لكل من يؤرخ للحرب اللبنانية تضاف إليه الوثائق التي سيكشف عنها في المستقبل. هل سيكشف عنها؟ وهل يهبنا الله "ويكيليكس" جديداً يكشفها جوليان أسانج جديد؟
وإلى متى سيبقى ممنوعا على اللبنانيين – وهم شعب ذكي ومتفوق – أن يكونوا شعباً وأن تكون لهم دولة، بدلا من أن يكونوا تابعين لزعماء الطوائف والمذاهب مهدَّدين بالفتنة كل حين؟!

ميشال جحا - النهار 10 نيسان 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق