السبت، 21 مايو، 2011

أماتوا الماركسية مراراً... فَلِمَ لا تزال حية؟ (1)

لست أدري كم مرة أعلنت فيها وفاة الماركسية وأقيمت المآتم. لكني أعرف أنه في كل مرة، يتبيّن أن الجثة في صحة جيّدة وأن المرحومة قامت من بين الأموات قبل اليوم الثالث. وأعرف أن آخر مرة أشهر فيها حفارو القبور معاولهم والرفوش كانت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

صورة كارل ماركس الأثيرة عن الشيوعية هي حيوان الخلد. يختفي ليعود إلى الظهور في الأوقات والأماكن غير المتوقعة. تنطبق الصورة أيضاً على النظرية التي أنتجها الفيلسوف الألماني الملتحي الذي لقّبه أهله بـ«العربي» بسبب سمرة بشرته.

مثل الخلد، غارت الماركسية في تلك السنوات وأخذت تحفر السراديب ببطء تحت الأرض. وفي أقل من عقد من الزمن، عادت للظهور أقلاً في ثلاث أمكنة مفاجئة. وبينما كان الناس يطمرون الجثة في أوروبا، ظهر الكائن الحي في أميركا الجنوبية، ووصل عدد من الحركات اليسارية والشعبوية المتأثرة بالماركسية إلى السلطة في البرازيل وفنزويلا وبوليفيا والباراغواي عن طريق الانتخابات النيابية، ومن خلال حركات اجتماعية منظمة وفعالة تضم ملايين من البشر. يمكن تسمية تلك العودة عودة لجثة أخرى ساد الظن أنها قد دفنت وانتهى أمرها بعد اكتشاف بقاياها في مطار بوليفي. هي عودة تشي غيفارا من بين الأموات.

وكان هذا في الوقت الذي يحتفل فيه العالم الرأسمالي بنهاية التاريخ حسب رواية السيد فوكوياما.

من جهته، أعلن صموئيل هانتنغتون نهاية التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ والمجتمع وانتصار التفسير الثقافوي. أفتى بأن البشر ينقسمون ثقافات وحضارات مغلقة ومتصارعة أساسها الدين. وهم متراتبون وفاقاً لما تحمله ثقافاتهم ذات الجواهر الفريدة من قيم تساعد على التقدّم أو تعيقه. جاء الرد على هانتنغتون على شكل فوران من الإنتاج النظري والأكاديمي والثقافي والأدبي، المستوحى من الماركسية، غمر الحياة الفكرية الغربية، وخصوصاً في البلدان الأنغلوساكسونية. تكفي الإشارة إلى النفوذ الكاسح لتيار «الدراسات الثقافية» الذي أطلقه يساريو جامعة برمنغهام البريطانية وإلى مفرقعات السلوفيني سلافوي زيزك النظرية، وقد أعاد الوصل بين ماركسية خلاقة والثورة التي أطلقها جاك لاكان في علم النفس الفرويدي، ناهيك عن نظريات الأميركي فريدريك جايمسون اللامعة في دور الثقافة في «الرأسمالية المتأخرة» وأهمية الطوبى في فكر البشر وسلوكهم.

وفيما كان هذا التيار اليساري في الثقافة ينازع ثقافوية هانتنغتون في عقر دارها، لاح شبح الماركسية مجدداً في خلفية الأزمة المالية الأخيرة التي هزّت العالم الرأسمالي. أكدت الأزمة صحة نظريات ماركس عن دورية الأزمات في الرأسمالية وعن أحد مصادرها انتقال رأس المال من القطاعات الإنتاجية إلى القطاعات المالية. فجأة صار كتاب «رأس المال» مرجعاً لرجال الأعمال علّهم يكتشفون فيه أسباب الأزمة وسبل تجاوزها.

فؤاد خليل من الذين يؤمنون بقيامة الماركسية.

يضم كتابه مجموعة نصوص متفاوتة من حيث طبيعتها ـ بين مقالة ودراسة وبحث ـ ومن حيث الموضوع وزمن الكتابة. مؤلفها عالم اجتماع يرتقي من التحليل السوسيولوجي إلى التأملات الفلسفية ليختم على مقترحات عن النهضة الفكرية العربية ومهمات تجديد اليسار في لبنان. ولكن يجمع بين هذه النصوص همّ رئيسي هو إثبات شمولية الماركسية وراهنيتها عبر مفاصل ثلاثة: الأول هو إعادة الاعتبار النقدي للنظرية الماركسية بما هي نظام معرفي موجّه نحو التغيير. والثاني، تحريرها من المركزية الأوروبية. والثالث، السعي لحلّ إشكالية العلاقة بين الماركسية والعالم العربي.

تلقي هذه المقدمة الأضواء على عدد من المقولات المميزة في إسهام فؤاد خليل في هذا الجهد، قبل أن تسجّل ملاحظات نقدية مقتضبة تطمح إلى أن تكون مقدمة لحوار.

في التنقية النقدية

يبدأ فؤاد خليل شغله النظري بجملة من عمليات التنقية النظرية. يميّز الماركسية عن التفسير الاقتصادوي الاختزالي السائد، فيؤكد على أن الإنتاج الاقتصادي عملية تتم في «مركّب من العلاقات الاجتماعية» هي موضوع المعرفة في الماركسية. ويعرّج على الصورة الدارجة عن القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية السياسية والأيديولوجية ليثبت علاقة التفاعل بينهما. ففي الدولة ـ أي في البنية الفوقية ـ يعاد إنتاج التمايزات الطبقية؛ وفي الدولة يجري تعديل البنية الطبقية؛ وأخيراً في الدولة يجري إنتاج علاقات طبقية جديدة متوسلة العنف أو الموقع السلطوي.

بناءً عليه، يجري فؤاد خليل جردة حساب لما للماركسية وما عليها. فيرى عناصر راهنيتها في مبدئها المادي وفي منهجها السوسيولوجي وحداثتها وطبيعتها التغييرية وعدم تمييزها بين البشر وفي اكتشافها قوانين الرأسمالية التي لايزال معظمها فاعلاً في الرأسمالية المتعولمة المعاصرة. لكنه من بين هذه العناصر المكونة للماركسية يعطي الأولوية لطابعها التاريخاني.

في المقابل يأخذ المؤلف على الماركسية عدم تعمقها في دراسة نمط الإنتاج الآسيوي، وثنائية التحليل الطبقي، وعدم كفاية مفهوم التناقض للتعبير عن حركة الواقع الاجتماعي، فيضيف إليه «الاستقطاب» و«التكامل» و«التسوية». ويعارض خليل لجوء ماركس إلى النبوءة واختزال الأيديولوجيا بـ«الوعي الزائف» مشدداً على الجدل بين المعرفي والأيديولوجي. وأما عن الدولة الطبقية فيعارض القول إنها تقوم على القمع فقط فيضيف «نيل الاعتراف والشرعية». وهو نقد يشوبه التباس. ذلك أن دور الدولة الطبقية في مزج العنف والطواعية هو في صلب الماركسية (أنظر غرامشي مثلاً). علماً أن المؤلف نفسه يعود فينتكس عن هذا التعيين الثنائي في نصه عن الدولة حيث يخلص إلى أن «العنف هو المضمون الطبقي للدولة» (ص255-).

المساواة

تقول إحدى الطروحات البارزة في الكتاب إن مقولة المساواة هي المقولة الأساس في الماركسية. قد لا يوافق ماركس على اعتبار المساواة أساساً فلسفياً لمذهبه لأنه يرى إلى ذاته عالماً يكتشف قوانين اجتماعية وتاريخية ويدعو إليها. وفي دعوته تلك يتحول العلم إلى عقيدة.

مهما يكن من أمر، ففؤاد خليل يلقي هنا ضوءاً كاشفاً على زاوية من الماركسية يغشاها الظل. إذ يصعب فهمها بما هي منظومة متكاملة بمعزل عن محورية مفهوم المساواة فيها. والحقيقة إن أبرز مميزات الماركسية هي أنها تقوم على الربط بين مفهومي وقيمتي الحرية والمساواة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون المحطة الفاصلة في التاريخ بحسب رؤية ماركس هي العبور من «مملكة الضرورة» إلى «مملكة الحرية». ذلك أنه رأى أن لا حرية ممكنة للبشر إلا بعد تحررهم من الحاجات المادية الأساسية. والحال فإنَّ الرأسمالية مهّدت الطريق أمام تلك الإمكانية لأنها نمط الإنتاج الوحيد الذي تجاوز حالة الندرة، أي أنه سمح أخيراً بأن تنتج البشرية من الفوائض ما يسمح بسدّ الحاجات الأساسية لجميع البشر من غذاء وسكن وصحة وعلم وحد أدنى من الحياة الكريمة، لكن بشرط إزالة العائق الأكبر أمام تحقيق هذه الأهداف الذي هو الرأسمالية ذاتها وركيزتها الأساسية: الملكية الفردية. وهكذا، فمملكة الحرية تلك هي هي مملكة المساواة حيث تزول الطبقات وتضمحل الدولة بحيث ينتهي التناقض بين الفرد والمجتمع وينظّم البشر حياتهم في نظام تعاوني حيث «التطور الحر للفرد هو التطور الحر للمجموع».

ومن دون حسبان مبدأ المساواة على أنه المبدأ الأساس في الماركسية لن يمكننا فهم معنى الثورة الإنسانية الكونية التي تحملها الماركسية. ولن يمكننا، كذلك، فهم تحليل ماركس النقدي للديمقراطية السياسية. ففي تشريحه للتناقض الذي تقوم عليه الديمقراطية في ظل المجتمع الرأسمالي، يطرح أن المساواة القانونية والسياسية للمواطنين في الدولة الديمقراطية إن هي إلّا الوجه الآخر للامساواة ـ أي للتمايزات والفروقات الطبقية ـ السائدة في المجتمع. بل يمكن القول إن الديمقراطية السياسية هي ذلك الشكل من المساواة في الدولة الذي يسمح باستمرار وإعادة إنتاج اللامساواة، الفوارق الطبقية، في المجتمع. هكذا كان مؤسسو الماركسية يرون إلى الاشتراكية بما هي تجاوز للديمقراطية السياسية بواسطة الديمقراطية الاجتماعية. مثلما رأوا إلى الديمقراطية الاجتماعية على أنها النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يسمح بتجاوز الديموقراطية السياسية، القائمة على التمثيل النيابي المحدود وغير المباشر، إلى الديموقراطية الشعبية المباشرة. ومن هنا فإنّ الأحزاب العمالية الأولى التي تبنّت الماركسية تسمّت أحزاباً «ديموقراطية اجتماعية» أو «ديموقراطية اشتراكية».

وجرياً على ذلك، كان ماركس، داعية الثورة الديموقراطية السياسية، يؤكد على أن أكبر خطر يتهدد ذلك النظام هو لاديمقراطية العلاقات الاجتماعية، أي طابعها الطبقي. وكان يمثّل على ذلك بالقول إن التجارة هي الخطر الأكبر الذي يتهدد حرية الصحافة وحرية الرأي. وهو حكمٌ يكتسب أحجاماً مضاعفة من الأهمية مع ثورة الاتصالات والمعلوماتية في عصر العولمة والمجمعات الإعلامية الاحتكارية الجبارة التي تتحكم بما نعرف ولا نعرف من أخبار وأنباء وتعليقات عن المجريات اليومية لكوكبنا.

ومهما يكن، فليس من قبيل التفصيل على الإطلاق أن نستدرك بالقول إن الماركسية هذه ارتبطت، في الممارسة العملية، بوأد الحرية بحجة المساواة أو هي شرعنت تأجيل الحرية باسم أولوية المساواة. ولا بد لأي جهد في تجديد الماركسية وتنقيتها من أن يعيد الاعتبار إلى العلاقة العضوية بين الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية. تتم الثانية في كنف الأولى. تحصّنها وتتحصّن بها.

الدين

يتناول فؤاد خليل نقد ماركس للدين بما يؤكد أن منهجية ماركس في هذا الموضوع تتجاوز المنهج العقلانوي الذي لا يرى في الدين إلا نور العقل يبدد ظلمات الغيب. فالإسهام المميّز للماركسية في مسألة الدين هو أنها تبحث في وظيفة الدين. تنقّب عن أسباب حاجة البشر إلى الدين. وتجيب في ذلك المقطع الشهير عن الدين بما هو «الزهرة الوهمية على قيد العبد»، «زفرة المقهور»، «روح عالم بلا روح»، «أفيون الشعب». للمناسبة، الذين يفسرون عبارة «الدين أفيون الشعب» على أنها تعني الدور التخديري للدين، يتناسون أن الأفيون كان ولا يزال دواءً بالغ الفاعلية لتخفيف الأوجاع. ثم لا بد من ملاحظة عبارة «روح عالم بلا روح»: إنها تصفع الذين يخلطون بين المادية والمثالية، فيفسرون المادية تعلّقاً بالماديات بمعناها المبتذل ونقيضاً للروح التي يجري تقديمها على أنها تكثيف للقيم الأخلاقية والمثل العليا. يقلب ماركس الآية: الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، فيحرر الروح في ضربة واحدة من الاحتكار الديني والرأسمالي للسمو والتعالي والقيم الأخلاقية. وكم هي صحيحة هذه اللفتة للتأمل في الردة الحالية نحو التديّن تحديداً بسبب خواء رأسمالية عصر العولمة القيمي وفسادها الأخلاقي وفقرها الروحي.

لا يكتفي فؤاد خليل بالخلاصة التي يتوصل إليها ماركس من أن الحاجة إلى الديانات تزول بزوال الظلم والاستغلال بين البشر. يضيف إلى حاجة البشر إلى الدين حقيقة أن الدين يملك إجابة على لغز حتمية الموت، وفي ذلك يكمن الأساس الدائم لاستمرار الديانات واستمرار الحاجة إليها (ص79). نقول «إجابة» الدين عن لغز حتمية الموت والأحرى الحديث عن حكاية أو رواية أو تخييل أو تعويض أو وعد.

إلى هذا يذكّر المؤلف بأن الدين، في وظائفه، يتجاوز أحياناً دور التخفيف من الأوجاع، ليصير طاقة تعبئة للبشر ودفعهم إلى النضال من أجل حقوقهم وطموحاتهم وأحلامهم في معارك تحررهم الوطني والسياسي والاجتماعي. اكتشف ماركس وانجلز هذه الوظيفة للدين عندما انتقلا من النقد الفلسفي للدين في المطلق إلى معاينة الديانات في حركتها التاريخية، أي الدين بما هو حركات اجتماعية. فاكتشفا أن كل ديانة تتمظهر وتتقولب حسب الزمان والمكان والمجتمع الذي تشتغل فيه وتنحكم تأويلاتها المختلفة بالمواقع والشرائح الاجتماعية التي تحمل تلك التأويلات أو تستغلّها. فثمة دين للحكام ودين للمحكومين ودين للمستغلّين والمستغلين وهلم جرا. وتجدر الإحالة في هذا الموضوع إلى كتاب انجلز عن الحروب الفلاحية في المقاطعات الألمانية في القرن السادس عشر حيث يروي، بوضوح، كيفية تصدّع الوفاق الاجتماعي للجماعة البروتستانتية جراء الصراع الطبقي بين الفلاحين والنبلاء الحكام. فتستولد الثورة الفلاحية تياراً هرطوقياً هو الأنابَبْتية، لا يلبث أن ينشقّ عن الحركة البروتستانتية بعدما انحاز مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية الرسمية، إلى صف الأمراء الحكّام.

(للبحث صلة)

فواز طرابلسي - السفير 14/8/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق