الثلاثاء، 17 مايو، 2011

سلاح "فتح" وفتيانها وأقنعتها في مجتمع قروي إبان حرب السنتين (1975 – 1976)

Free Image Hosting at www.ImageShack.us
 مشهد عام لقرية شبعا اليوم. (أرشيف "النهار")

تستعيد هذه الرواية – الشهادة بعضاً من وقائع حياة قروية في حرب السنتين (1975 – 1976) في لبنان. القرية هي شبعا الجنوبية الحدودية التي أنشأ فيها العائدون إليها من بيروت وضواحيها، مجموعة حزبية حصلت على السلاح من منظمة "فتح" الفلسطينية.

حين بدأت الحرب في لبنان ربيع 1975، وتوالت جولاتها في بيروت وضواحيها، ثم توسعت رقعتها وجبهاتها إلى مناطق لبنانية كثيرة، لم يكن للأحزاب والميليشيات المسلحة التي باشرت الحرب، جماعات ومناصرون منظمون في شبعا. وحدها مجموعة "إتحاد قوى الشعب العامل" الناصرية، المحلية أو البلدية في القرية، كانت ناشطة تنظيمياً ودعوياً، وتضم عدداً من معلمي المدرسة الرسمية وفتياناً من تلامذتهم وشباناً من أقاربهم، لكن من دون أي نشاط مسلح أو دورات تدريبية على السلاح. لكن الظاهرة الأبرز في ما شهدته الحياة العامة في القرية أثناء حرب السنتين، هي ظاهرة إقدام شلة من شبان "أهل بيروت" ورجالهم العائدين، على إنشاء تجمع حزبي في الضيعة سموه "التجمع الوطني". كانت الشلة يسارية التجربة والهوى في الشياح التي عادت منها، فجمعت بين شبانها ورجالها علاقات القربى المستأنفة كركيزة لنشاط تجمعهم الحزبي في القرية. شاب من الشلة مكنته صلاته الوثيقة بمجموعات "فتح" الطالبية اللبنانية اليسارية المقاتلة في الشياح، من الاتصال بضابط "فتحاوي" فلسطيني من قوات أبو خالد العملة المرابطة في شرق الحاصباني أو "فتح لند"، فحصل منه على أسلحة رشاشة وبعض مسدسات وذخائرها، إضافة إلى عدد من القنابل اليدوية. كان هدف إنشاء "التجمع" وتسليحه، هو نصرة "فتح" وحروبها الملبننة، والوقوف في وجه جماعة "اتحاد قوى الشعب العامل" الناشطة والنافذة في الضيعة، وجبه نفوذها. فالجماعة الناصرية القروية هذه وقيادة منظمتها في بيروت وفروعها في بعض المناطق السنّية، كانت توالي السياسات السورية في لبنان، شأن منظمة "الصاعقة" وغيرها من الجماعات والمنظمات الناشطة في المناطق الإسلامية اللبنانية، كمنظمة "أمل" الشيعية.


فتيان "فتح"

بنادق الكلاشينكوف "الفتحاوية" المصدر، تلك التي حصلت عليها جماعة "التجمع الوطني"، وأحضرتها إلى شبعا في نهايات صيف 1975، كانت البنادق الحربية الأولى التي أخذت تظهر في الضيعة ظهوراً علنياً منظماً، يتوسل مناسبات بلدية لربط المجتمع القروي المحلي بمجريات الحرب العامة وانقساماتها في لبنان. فمنشئو "التجمع" كانوا جميعاً أصحاب دعوة حربية "نضالية" حملوها معهم من ضواحي بيروت وحروبها التي حملتهم على العودة إلى الضيعة، وبث دعوتهم فيها. وهم، لهذه الغاية، أنشأوا تجمعهم على مثال ميليشيوي عرفوه في الضواحي، وبعضهم خبره هناك، قبل عودتهم إلى ضيعتهم. لذا بدا "التجمع" ودعوته وسلاحه ونشاطاته ونسيج العلاقات الداخلية، التضامنية والمنظمة، بين أعضائه، ظاهرة جديدة غير مسبوقة في مجتمع الضيعة القروي ونسيج علاقاته العائلية والقرابية وتوازناتها المحلية، التي حاول منشئو "التجمع" السانحون عن هذه العلاقات والتوازنات، إما توسلها واستعمالها لاستمالة الأنصار واستقطابهم وتأطيرهم، وإما نبذوها ووصموها بـ"الرجعية والتخلف" في ميزان دعوتهم "النضالية" الراغبين في استدخالها في نسيج المجتمع القروي.
أنا وبعض من فتيان الضيعة المقيمين فيها إقامة دائمة، والمنتمين إلى "اتحاد قوى الشعب العامل"، كان افتتاننا بحضور "التجمع الوطني"، وبأشخاصه وسلاحه ودعوته، افتتاناً جديداً ومضاعفاً. فإلى فتنة الحصول على بندقية كلاشينكوف والتباهي بها، في حال الانتساب إلى "التجمع" الجديد – وهذا ما لم يكن يوفره انتماؤنا إلى "الاتحاد" الناصري، غير المسلح أصلا، أو غير المقبل على استعمال السلاح في دعوته وشبكة علاقاته المنسجمة مع العلاقات الأهلية والقرابية في الضيعة – فتننا أيضاً أشخاص "التجمع" القيمون عليه ومتصدروه الوافدون من بيروت، حاملين معهم دعوتهم "النضالية"، ونمطاً من السلوك والعلاقات الشخصية الجديدة الحميمة والحارة في ما بينهم، ومع من يستقطبونهم من فتيان الضيعة. هذا كله لم يكن مألوفاً في ضيعتنا من قبل. وجدّته أطلقت فينا حمية الفتوة واندفاعها وطيشها، والرغبة في الخروج على ركود حياتنا القروية وألفتها. لذا اندفعنا متحمسين في تيار الدعوة التي بثها "التجمع"، ومأخوذين بشبكة العلاقات الجديدة التي نسجها ما بين المنتسبين إليه.
لم تكن فتنة السلاح وحرارة العلاقات وحدهما من بواعث التحاقنا بـ"التجمع" البلدي "الفتحاوي" المسلح. ذلك أن منشئيه بثوا في القرية أيضا حمية غير مسبوقة في تصديهم لبعض شؤونها الحياتية العامة. ففي صيف 1976، أقدموا على فتح أبواب المدرسة الرسمية، لإيواء اسر فقيرة من الضيعة هجّرتها الحرب من بيروت، من دون أن تمتلك في الضيعة بيوتاً تؤويها، ولم تقوَ علاقات القربى وشبكات التضامن القروي على استيعابها وإيوائها.
وبين قاعات التدريس الفارغة التي غصت بأسر من فقراء المهجرين، افتتح "التجمع الوطني" مكتباً أو مقراً حزبياً له في إحدى القاعات، فزودها احد مؤسسيه بمجموعة كتب متنوعة احضرها من مكتبته الخاصة في بيروت، واخذ يدعو الفتيان والشبان "التجمعيين" إلى استعارتها، ويحضهم على قراءتها ومناقشتها أحيانا. وسرعان ما تحولت القاعة المدرسية مقراً لاجتماعات "التجمع" الحزبية اليومية، وملغىً يومياً لأنصاره وأصحابهم وأقاربهم. وأزمة الطحين والمحروقات التي نجمت عن فوضى الحرب في لبنان، حملت "التجمع" على إنشاء "لجنة تموينية" من أعضائه، فمكنتها شبكة علاقاتها بـ"فتح" و"جيش لبنان العربي" المنشق عن الجيش اللبناني، من الحصول على تموين للضيعة، من الطحين الذي اتخذت اللجنة من مبنى البلدية، مركزاً لتوزيعه على الأهالي بأسعار متهاودة.
أثارت هذه المبادرات وغيرها من نشاطات "التجمع" بلبلة ووساوس وعداوات في المجتمع القروي. وهذا، كغيره من مجتمعات شبكات التضامن الأهلي والعصبي، يسوس شؤونه العامة وتباين الرأي فيها والتفاوت بين جماعاته المتباينة، سياسة مدارها النزاع على التصدر والمكانة والرئاسة، مهما صغر شأن هذه الأخيرة، ومهما أثار الصراع عليها من ضغائن وأحقاد تتناسل وتتضخم بين الجماعات. و"التجمع" في نشاطاته وسعيه إلى استقطاب المحازبين والأنصار، لم يكن في منأى عن مثل هذه السياسة. فهو استغل، مثلاً، بعض المناسبات القروية لإقامة مهرجانات وعراضات مسلحة وخطابية. وأقدم وجيه مقرب منه على نحر خراف في ساحة الضيعة، استقبالاً وتكريماً لوفد من مقدمي ميليشيات الحرب و"جيش لبنان العربي".
استنهض هذا وغيره نعرات وشقاقاً في بعض الدوائر الأهلية القروية، واستفز عدداً من وجهاء العائلات الذين اخذوا يتذمرون من حضور "التجمع" ويبثون الأحقاد ضده بين الأهالي، لأن الحظوة التي تراءى لهم أن منشئيه الوافدين من بيروت، اخذوا يكتسبونها، إنما ينتزعونها من رصيد مكانه الوجهاء المقيمين. وبدورهم اخذ ناشطو "التجمع" – وهم أصلا من اليساريين العاميين المكتسبين يساريتهم هذه في ضاحية بيروت الجنوبية – يناصبون الوجهاء المحليين العداء، ويحرّضون الفتيان من أنصارهم عليهم باعتبارهم "حصون الرجعية". كأنما سلاح "فتح" الذي وزعوه على أولئك الفتيان، وجعلوه من مصادر نفوذهم في الضيعة الجردية الحدودية النائية، سيحررها ويحرر فتيانها من تلك "الحصون" الوهمية، في بلاد أغرقتها سياسات "فتح" الأمنية والميليشياوية في حروب أهلية مدمرة، بعدما استجابت جماعات لبنانية واسعة إلى هذه السياسات واندفعت في ركابها.

رواية محمد نبعة / كتابة محمد أبي سمرا - (mohamad.abisamra@annahar.com.lb )  النهار - الأحد 15 أيار 2011 - السنة 78 - العدد 24389

0 تعليقات::

إرسال تعليق