الأحد، 1 مايو، 2011

خطاب المعلم القائد الشهيد كمال جنبلاط في افتتاح مدرسة العرفان التوحيدية في قرية السمقانية في لبنان سنة 1947

أيها المشايخ الأفاضل،أيها الأخوان

في غمرة انهماك الدنيا الحضارية الصناعية بأغراض الاستهلاك وفي طفرة انتشار العلم وتوزع التعليم وشموله وفي مرحلة اختلاط القيم والمفاهيم خيرها وشرها، في كأس العيش الواحد، وكما لم نرى ذلك سابقا في التاريخ القديم والجديد إلا في باكورة عصور الانحطاط الحضاري، قامت في هذه الفسحة من هضبات الجبل نهضة مباركة لإخوان لنا من أرباب مسلك العرفان، تميزوا بالتقوى والبركة وصفاء القصد، لتأسيس هذا الصرح الصغير من صروح التربية السليمة التي سبق وأشادها بعض أرباب النهى الآخرين في ظل شعار أركان مناقب الأحدية الدرزية والتقليد المعنوي الحميد.

فالتعلم ليس هو شحن الفكر بالمعلومات بل هو ترويض العقل وتهذيب الحواس العشر (حواس الإدراك والحركة) وتنمية الجسد السليم وشحذ الهمة وتوضيح مشاركة الإنسان الفرد وعلاقته بالعائلة وبالمهنة وبمجتمع الدين وبجماعة الأمة، وبالدولة، والبشرية.

بوركت هذه المساعي وعمت بإذن الحق هذه الأعمال والمشاريع الرامية، مع سواها مما هو في حقل المبادرة أو التدبير إلى إحداث الإصلاح المنشود،والنهضة المرجوة في معالم ومؤسسات هذا المسلك الأحدي الشريف الذي جمع لنا (بذور الحكمة القديمة) التي امتازت بها ثقافة العصور، وكان زبدتها وذخيرتها في كل زمان وفي كل قطر، وحفظها لنا بعد أن أقامت الشرائع الدينية السماوية بدور تجميع الأمم في محاريب الأنبياء والرسل وفي كور الشمول شبه الكوني، واختتمت بذلك عهود العقائد ذات الطابع الجماعي الشعبي المحدود بأمة وبمصر من الأمصار، كما كان عليه الوضع قبل النصرانية وقبل الإسلام.

وكل بعث للتراث وكل نهضة حقيقية توجب أن يكون عود إلى الأصل الشريف، وينبوع الأصل، خاصة وأن مورد الحكمة والعرفان كان منذ بدء الزمان ولم يزل على حاله دون تغيير ولا تبديل جوهراً وفكراً وإن تعددت الفروع والجداول والمجاري.

وإنما التربية الحقيقية تحوّل وصيرورة... فهذه النفوس الطرية البريئة المشبعة بعطر ربيع الحياة ونشوتها، والتي ترعونها في معهدكم فتلبسون منها الأجساد بهذه الأثواب البسيطة المحتشمة الجميلة، وكأنها أشكال حية لإزهار جنة القلوب، هذه النفوس لأولادنا وإخواننا وأجزاء نور الإبداع المتجسد في رواية سمعنا وبصرنا هي التي تسعون لتحويلها من طور الكثافة الموروثة عن الأجيال السابقة والمخطوط قدرها في لوح الفكر والشعور والغريزة، إلى صور الطاقة قبل أن تبرز بذور الفكر الباطن فتفعل فعلها في جذب التفكير والتخيل والإرادة إليها... ففي هذا السن البكور تكون نزاعات النفس مستبطنه، متغلفة في بذور الذهن اللطيفة ولذا فهي قابلة للتهذيب والتشذيب والاستنارة والتحول وقديما كان القول المأثور (العلم في الصغر كالنقش في الحجر).

إنني أغتبط لما أراه من بداية نهضة نبش التراث،وتمحيص لحقيقة التوجيه ومبادرة الإصلاح والصلاح، أخذت تنسم رياحها وتتفتق براعمها منذ أن صدر كتاب (أضواء على مسلك التوحيد) الذي شاركنا الأخ الدكتور سالم مكارم في تأليفه وتقديمه، منذ أن وزعت على المجالس وعلى مشايخ الدين وبعض المفكرين والمثقفين والأتقياء وطالبي الحقيقة، بعض كنوزها المخطوطة تنويرا لمعالم الحكمة الشريفة.

والبعث التراثي والروحي لا يكون إلا في مستوى هزة تعيد الحرف إلى معناه الحقيقي وتجلي في قالب الظاهر فيما انطوى عليه نور الباطل... فلا يصلح الشكل بما يقارنه أو يشابهه من أشكال وكلها مظاهره للكثافة بل يقوم صلاح الشكل في استيعابه لقصده اللطيف، ومناله الباطن وغايته في العودة إلى بساطة الجوهر والمبدع، ولكن هذه النهضة المباركة، يجب أن يرافقها ويلازمها:

1- توسيع رقعة استيعاب هذه المدارس وذلك بمدها بعون مال أوقاف المقامات (النبي أيوب (ع) الست شعوانه، النبي هابيل، مقام شمليخ ......الخ) وبمساعدة أرباب الرأسمالية والثروة في الطائفة الدرزية.

2- فتح مدارس مماثلة في سن التعليم التكميلي والثانوي، يجب أن يسبقها ويكملها في نظرنا إنشاء معهد جامعي لتخريج المعلمين والمثقفين الذين يرغبون في الاستنارة والاقتباس لأجل توثيق صلتهم بما يرغبون فيه من معرفه تؤهلهم أنهم تابعوا المسيرة لحظوه كشف معالم الدين على يد المشايخ العارفين الأجلاء ومن الاندراج في مسالك هؤلاء ويكون هذا المعهد على شاكلة (دار العلوم)التي أنشأها الحاكم الحكيم في القاهرة المعزية بالنيابة إلى عامة الدروز بينما (دار الحكمة) كانت تختص بمن رغب في التعرف إلى حقيقة وجوهر المعرفة الدينية ومسلك الأحادية.

3- تزويد المدارس العلمانية والدينية الخاصة والحكومية بمعلمين يشرحون للطلبة الدروز بعض ما بتيسر عرضه وما تفرضه ضرورة التثقيف الروحي والتوجيه الأخلاقي فلا يعرف في يومنا هذا التلاميذ والطلاب الدروز شيئا عن معالم مذهبهم فلا يتركون هكذا في جهلتهم أو عميتهم، تتجاذبهم الأديان وهم لا يدركون أن زبدة الأديان موضوعة ومستودعة ومستأمنة في مسالك الحكمة والعرفان كمن يسعى في طلب ضوء الشمس متجها إلى الغرب وهو يدير ظهره - وهو لا يدري - إلى دائرة القرص النوري الذهبي الصاعد في هودجه المثير في الشرق. 

ويجب أن ندرك في هذا الباب خلاف لما يفتي بعض المتدينين ضيقي التصور، أن كل مذهب ومسلك باطن يعتمد مبدأ التدرج في المعرفة وعلى هذا قامت الدعوة الإسماعيلية والدعوة الفاطمية الدرزية وقبلها دعوة العرفانيين والهرمسيين قبلها وإنما نحن ورثة مسلك عرفان الهرمسة وحكماء اليونان والصوفية العارفين في الإسلام.

فهنالك ما يمكن وما يجب أن تعرفه العامة وهناك ما يمكن وما يجب أن تعرفه الخاصة من معالم التوحيد العرفاني وهنالك ما لا يكشف وما لا يجب أن يعرفه سوى خاصة الخاصة.... إذ أن في كل عقل، في انفتاحه إلى النور طاقة استيعاب تختلف عن سواها في عقول الآخرين، فليس الأعمى في الموضع المبصر ولا شحيح النظر في مقام الذي لا يشوب عيونه قصور أو كثافة....

4- يجب أن يوضع لأجل التعليم الديني بالنسبة إلى الأطفال وثم بالنسبة إلى الصبية، وثم بالنسبة إلى الشبان كراريس تدريجية في الشرح والفهم، يتداولونها ويستقصون حقائقها ويناقشون مضمونها، ويتفهمون مقاييسها وتسطع عليهم أنوار حقائقها إلى أن يتداخلهم اليقين والتصور الثابت أو الرأي الصواب والنزوع الحازم، وفعل الصدق.

فيجب أن لا ننسى أبداً أن ما يختلف به مسلك التوحيد العرفاني الدرزي عن المعتقدات الدينية، أنها تعتمد الإيمان وأنه يعتمد المعرفة أي الاختبار فاليقين الذي نجم عنها. 

5- يتوجب انتهاج سياسة بالنسبة إلى سوّاس المجالس تعتمد على تدريبهم وتعليمهم دورياً من جانب الرئاسة الروحية تماما كما يفعل اليوم في حلقات التدريب الدورية أرباب المؤسسات ألاقتصاديه والثقافية.... فكيف يدير مجلسا من لم تتوفر فيه المعرفة إلا في بعض صورها الجزئية أكان ذلك في حقل الدين الشريف أم في حقل بعض علوم العصر واقلها معرفة اللغة الفصحى والتصويب في اللفظ وفي القراءة....

ويجدر التنبه الدائب إلى أننا أمام تحدي جيل من الشبان والمثقفين كثر عددهم ويزداد باستمرار متصاعد وإننا أمام تحدي الحضارة المادية بكامل معارفها وجاهليتها وصواب أو انحراف اتجاهاتها .فلا يجوز أن نبقى مكتوفي الأيدي والناس في ضياع والشبان تتقاذفهم أمواج غلبة الأثرة والجهل والانحراف والقلق.

6- من المفروض أن تقوم محاضرات وندوات ومؤتمرات فكرية وثقافية ينشر مضمونها على الدروز فتزيد رغبتهم في معرفة الحقيقة وتساهم في ردهم عن الغوايا والجهل وتحولهم عن الانجذاب إلى ما اسمية معتقدات الظاهر وهي حكم الشرائع وعبادات الاسم وممارسات الطقوس والقول الصوفي الإسلامي المأثور (عابد الله دون معرفه كعابد هواء).

7- لا بد من ذكر حقل آخر للنهضة التراثية المعروفية يجب أن يشمل التاريخ والعادات والتقاليد السليمة ورواية القصص وسرد الأمثال الدارجة وجمع الأدب والشعر الديني والفن الشعبي وحصر الألحان بما يساهم في إحياء هذا الريف الشعبي الذي استقى الدرزي حيويته وتوازنه وآماله وبعض توجهاته وخلقه منه .

8- وفي مواجهة أعباء هذه النهضة بالتراث العرفاني في جميع مستوياته كان يعزنا إنشاء صندوق مالي محترم يتغذى من الأغنياء في الطائفة الدرزية وقد أصبح لكثرة منهم ثروات كثيرا جداً فيساهم هذا الصندوق في المصاريف التي تستهلكها سنويا هذه الاهتمامات التي أشرنا إليها ومن جهة ثانيه تستمر في مد العون المادي لأرباب الحاجة من إخواننا الموحدين هذا لمصيبة أصابته وذلك لحادث طرأ عليه والآخر لمساعدته في بناء دار والإبقاء على أرضه أو شراء وسائل مادية لحرفة أو الاستثمار بغرسه وزرعه ...الخ.

إنني عندما أفكر فيما يجب أن افعله كجماعه لهذا الباب ولم يفعل أرى نفسي مرغما دائما وأبدا على إعلان التخطيط بقصد أثاره الهمم لكي تقوم لجنه من إخواننا تتمثل فيه عموم الكفايات والاتجاهات فتباشر إلى جانب عملنا السياسي ونشاطنا الثقافي والروحي مسؤوليه تنفيذ هذا المخطط .

أختم كلمتي بتوجيه صغير أدفعه إليكم جميعاً. 

بعد خبرة أكثر من ثلاثين سنة في حقل التنقيب والتأمل والمناقشة والبحث والمقابلة ويأذن لي أن أستوحي روحها من الحكمة الشريفة.
فمن الأكيد الذي لا يرقى إليه الشك أن المسلك الأحدي الدرزي هو استبرار تراثي وروحي للمسلك العرفاني الهرمسي عند القدماء المصريين ولمذهب الحكمة اليونانية ويوم انقراض الدين المصري الفرعوني القديم وقد أقفلت أبواب آخر هيكل مصري في منتصف القرن الثالث للميلاد وقضي قبل ذلك وبعد ذلك على منائر الحكمة اليونانية في اليونان القديم وفي مدرسة الإسكندرية الهيلينية (مدرسة أفلاطون)عن طريق الدين النصراني المنتشر قيض للمذهب الهرمسي أن يجمع بذور الحكمة القديمة على حد تعبير الحكمة الشريفة وفضل الحاكم الحكيم أنه أفضى عليه تأليفا جامعا جديدا .

وكان هذا من نتائج مناقشات وأبحاث دار الحكمة الشهيرة في القاهرة المعزية وهذا التراث الحكمي ليس وليد المرحلة الفاطمية في الإسلام ولا تلك المرحلة من النصرانية بل هو تركه للأجيال الغابرة كلها من التاريخ منذ أن نشأ الإنسان على هذه الأرض والحكمة كانت ولا تزال الباطن الحقيقي والجوهر الأصلي لكل شريعة.

وهذه البذور هي في عهدتنا وفي موضع أمانتنا فلا نهملها ولا نستخف بها ولا نجعل أثرها يضعف وتأثيرها يخف في عصر نواجه فيه تحديات كل عصر.. وهذا النداء العاصم يرن في آذاننا فلنصغي إليه (حرام على من أعز فقرب وسكن حرم المعبود أن يعطل سبل بيوت الحكمة ويسكن إلى غيرها ويعطل الحرم المعبود) وقصد بالحرم قلب الدار وصحنه وقدس أقداسه.. فكيف يترك الساكن الحرم ليقطن في خارجه أي في دار الشريعة بعد أن تعرف إلى قدس أقداس الدار؟؟
وأضيف إلى هذا القول... حرام على اللذين يهملون كل ما يعني ببذور الحياة والمعرفة فلا يجعلونها تتفتح في كل قلب قابل لها وتضيء بسراجها كل عقل..

وإنني أحيي عمل ونشاط وإخلاص الإخوان المشايخ والمدنيين الذين ساهموا في بناء هذه المدرسة الابتدائية على مثال ما يريدون أن يكون عليه بداية غرس بعض هذه البذور في صدور الأطفال لعلها تنبت وتستقيم على ساقها زهرة فواحة من الإهليج البهي.

0 تعليقات::

إرسال تعليق