الجمعة، 29 أبريل، 2011

الشر والعقاب بين تولستوي ودوستويفسكي وبولفاكوف وشامالوف.. الأدب الروسي في عين الشر الستاليني... ليكن القصاص.. ليكن الآن هنا

يكتب فارلام شالاموف في قصته (انبعاث الشربين)، التي تدور حول رمزية انبعاث الحياة في غصن شربين مرسل إلى موسكو من منطقة المعتقلات في الكاليما، يكتب ساخراً من دعوة ليف تولستوي إلى مقاومة الشر بفعل المزيد من الخير ومن مواعظ دوستويفسكي، ملمّحاً إلى ما جاء في (الأخوة كارامازوف) مما سنتوقّف عنده لاحقاً: <<بعد بلاغة الواعظ تولستوي، ومواعظ دوستويفسكي الثرة كانت الحروب والثورات وهيروشيما ومعسكرات الاعتقال والوشايات والإعدامات..>> (انظر شالاموف، القادم من الجحيم، الحصاد، دمشق،2001) وفي مكان آخر من القصة ذاتها يكتب داعيا إلى ما يستطيعه كل أحد خارج مقاييس الشجاعة والجبن، المقاومة والاستسلام، أي إلى أداء واجب الحد الأدنى الإنساني، عدم نسيان ما تعرّض له ضحايا القمع من فظائع وأهوال، وفعل ما من شأنه أن يحفظ أنينهم في الذاكرة. وإذا كانت الذاكرة البشرية قصيرة، فمن شأن الذاكرة الجمعية إذا ضغطت على التاريخ أن ترغمه على إفراد حيّز من ذاكرته الطويلة الأمد، حيّز يحفظ فيه صور المعذَّبين والجلادين من أجل أن يتذكّر البشر فظاعة أن يطغوا وفظاعة أن يستسلموا للطغيان، وربما من أجل يوم يدفع فيه كلٌّ ثمن ما اقترفت يداه. يكتب شالاموف: <<تنفّست الشربينة في الشقة الموسكوفية لتذكّر البشر بواجبهم الإنساني، كيلا ينسوا جثث ملايين المقتولين في الكاليما. لقد كانت تلك الرائحة الضعيفة الراسخة صوت الأموات، وباسم هؤلاء الأموات تشجّعت الشربينة على التّنفّس والنطق والحياة>>. وفي مكان ثالث: <<حين يرسل الرجل غصنا كاليميا بالبريد الجوي، فهو يريد أن يذكّر ليس بنفسه. هو لا يرسل الغصن ذكرى عن نفسه، إنما ذكرى عن ملايين المعذّبين، المعدومين، المرميين في المقابر الجماعية شمال ماغادان. يرسل هذا الغصن القاسي واللين في آن معاً لمساعدة الآخرين على التذكّر، لإزاحة ذلك الحمل الثقيل عن الروح: أن ترى ذلك كله وتجد في نفسك القوة على أن تسكت عنه، وألا تنساه>>. ومع أن فارلام شالاموف، إذا ما قورن بكتّاب المعتقلات الآخرين وخاصة ليف رازغون، لا يدعو إلى الحقد، فإنّه يدعو بقوة إلى عدم النسيان، ويجد من غير المعقول أن يدعو عارف بفظاعات أنظمة الطغيان وعذابات البشر تحت سلطة الطغاة إلى الصفح. 

لكن، هناك من العارفين بعذاب البشر من يدعو، رغم ذلك، إلى الصفح. ألم يدعو ليف تولستوي إلى التحلّي بأخلاق مسيحية تقول بالصلاة من أجل (العدو) و(الصديق)، على أساس أنّ (الخير) لا يمكن أن يمارس (الشر)، ولا يمكن مجابهة الشر إلا بفعل المزيد من الخير؟ ومع أن دعوة تولستوي هذه تأتي ثمرة لتجربته الروائية مع (الحرب والسلم)، التجربة التي تكاد لا تقل بملموسية الواقع الذي تخلقه عن تجربة أهوال الحرب الواقعية المعيشة. فهل على الفنان أن يختبر كل شيء على جلده ليشعر به ويعبّر عنه فنيّاً؟! إذن، فعلى الرغم من أن دعوة تولستوي تأتي من واقع حياتي معيش وآخر روائي معيش هو الآخر، انتهى من خلال إعادة إنتاج الأول فنيّا وفلسفيا إلى إعادة إنتاج الراوي نفسه، ليتحوّل في نهاية المطاف إلى واعظ، فإنّ ذلك لم يمنع كاتبا آخر مهمّا مثل بولغاكوف من الاعتراض على هذه الدعوة بأسلوبه الساخر المعهود. ففي المشهد الرابع من مسرحية بولغاكوف المقتبسة من رواية (الحرب والسلم) والتي تحمل العنوان نفسه (ت. هاشم حمادي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997) تُرفَع الصلاة من أجل العدو والصديق: <<عمّن يكرهنا، عن أعدائنا سنصلّي لله>>. وما أن يتساءل صاحب الصوت: من عساه يكون العدو؟ حتى يجيب نفسه: <<من سبّبَ لي الشر. إنني أصلي عنه بفرح>>. لكن بولغاكوف لا يلبث أن يجد تناقضاً في ذلك يعرضه من خلال صلاة الكونتيسة وردّ نتاشا عليها. فالكونتيسة تدعو بعد الصلاة الأولى المرفوعة لأجل العدو مبتهلة: <<يا إلهي.. اضرب أعداءنا، والقِ بهم بين أقدام المؤمنين بك..>>، فيأتي صوت نتاشا معترضا: <<لكنني لا أستطيع الصلاة عن سحق أعدائي تحت الأقدام ما دمت قبل عدة دقائق من هذا قد صلّيت لأجلهم... اعف عنهم يا إلهي وعنّي..>>. أمّا اعتراض بولغاكوف على الدعوة إلى الصلاة من أجل العدو فتجده أيضا في مواضع أخرى من النص المسرحي. ففي المشهد السادس يقول غلينكا: <<يجب أن تصد جهنّم بجهنّم>>! وفي المشهد العاشر يقف بولغاكوف عند معضلة أن يكون الرب قادراً على تقبل صلوات الشكر لقاء مساعدته في قتل أولئك الذين رفعت الصلاة لأجل حيواتهم من قبل. يقول بولغاكوف على لسان أندريه: <<سيتلاقون غداً، وسيقتلون عشرات الآلاف من الناس، ومن ثم سيؤدون صلوات الشكر. فكيف ينظر الرب من هناك ويصغي إليهم ..>>. وسخرية بولغاكوف المبطّنة هنا لا تلبث أن تبحث عن حجة عقلية في غير مكان، فتجدها في المشهد الثلاثين مع القائد كوتوزوف، حين راح جنوده ينكسون رايات العدو المنهزم ويأتون على فلوله. يقول كوتوزوف مخاطباً جنوده: <<.. حين كانوا أقوياء لم نشفق على أنفسنا. أمّا الآن فإنهم يستحقون الشفقة. هم بدورهم بشر. أليس كذلك يا شباب؟>> لكنه سرعان ما يعلن أن لا مكان للرأفة بالعدو فيقول بعد صمت قصير: <<.. لكن والحق يُقال من دعاهم إلينا؟ إنّهم يستحقون هذا، ثكلتهم أمهاتهم...>>.
تولستوي الواعظ
وإذا كان بولغاكوف قد اكتفى كعادته بالسخرية مما جاء لدى تولستوي، فإنك تلاحظ في تعبير شالاموف في (انبعاث الشربين) اعتراضا قاسيا، اعتراضا مفاده أنه إذا كان بمقدور كاتب مترف مثل تولستوي أن يتحوّل إلى واعظ أخلاقي، متنقلا في الأرياف، متفرجا على قشرة البؤس، داعيا إلى التسامح، فليس يستطيع ذلك من خاض تجربة الموت المرير في المعتقلات ألْفاً قبل أن يستعيد شبه حياة أو بقايا حياة. ثم، ما الذي يضير تولستوي في الدعوة إلى الخير والتسامح! فلماذا لا يدعو إلى التسامح من ليس في حياته من العذاب ما يثير الحقد! فمقارنة بعذابات شالاموف الذي أمضى في جحيم المعتقلات الستالينية أكثر من عقدين من الزمن يبدو تحوّل تولستوي إلى واعظ ديني وداعية خير، أشبه بمتفرّج على فيلم عن العذاب، خطر بباله فجأة أن يدخل الشاشة ويتفرّج من هناك على الناس. ولو أن تولستوي أشفق، من داخل شاشته، على المتفرّجين على عذاب الآخرين، غارقين في نعيم عجزهم، لاختلف كنه دعوته، فمثل هؤلاء الناس يمكن أن يثيروا الشفقة، ذلك أنهم يضحكون ويبكون ويتبادلون القبل والتحيات محتفين كلّ مرّة بلا حولهم ولا قوتهم. وهكذا تجد شالاموف في سخريته المبطّنة من (مواعظ تولستوي) يحاول وضع حد فاصل وصارم بين الحياة العامة التي تسمح بتقديم النصائح والمواعظ وحياة المعتقل التي يبدو معها مضحكا النصح بالتسامح والغفران والنسيان. فليس أدعى إلى السخرية من أن يدعو متنعّم بالراحة والأمان شخصاً سلخت روحه وديست كرامته إلى مسامحة الجلاد والصلاة لأجل راحته! وإذا كان هذا يبدو ممكناً بالنسبة للبعض، فإن فيه إهانة لأرواح البعض الآخر وكراماتهم. فالصفح كما التضحية فعل فردي لا ينوب فيه أحد عن أحد آخر، وليس من حق أحد أن يسامح عن عذاب أحد آخر، ناهيك عن أخلاقية أن يتشفّع داعية لجّلاد عند شعب مجلود!
أمّا مع دوستويفسكي فتجد الأمر مختلفا. فعلى الرغم من اعتراض شالاموف على ما يسميه (مواعظ دوستويفسكي)، إلا أن موقفه يأتي منسجما مع وجهة نظر الأخير التي تقول بأن ليس هناك فكرة أو غاية يسوّغ تحقيقها شقاء الناس وعذابهم، ولعل ما سيأتي يوضح سقوط فكرة المصالحة التولستوفية عند دوستويفسكي. يقول دوستويفسكي في (الأخوة كارامازوف) (ترجمة سامي الدروبي، مج1، ص:518 519 ) مدافعا عن فكرة عدم التضامن في التكفير عن الخطايا، وضرورة أن يدفع كل امرئ ثمن ما اقترفت يداه: <<... حين سيهتف جميع الأحياء وجميع من كانوا أحياء قائلين ( أنت على حق يا رب وقد فهمنا طرقك!) سوف تعانق الأم عندئذ الجلاّد الذي أمر الكلاب بتمزيق ابنها وسوف يقول الثلاثة عندئذ من خلال دموع الحنان (أنت على حق يا رب)، ستنجلي عندئذ جميع الأسرار وسيكون ذلك اليوم تمجيد المعرفة. ولكن ذلك بعينه هو العقدة، لأنني لا أستطيع أن أقبل حلاً كهذا الحل. وأنا أسارع إلى اتخاذ إجراءات ما زلت في هذا العالم. قد يحدث يا أليوشا حين أشهد ذلك الانتصار النهائي للحقيقة أو حين أُبعث حيا لأشهد ذلك الانتصار أن أصيح مع الجميع إذ أرى الأم والجلاّد والطفل يتعانقون ويتصالحون (أنت على حق يا رب!) ولكنني لا أريد أن أفعل ذلك عندئذ، وأحرص على أن أحمي نفسي سلفاً من ذلك الاستسلام، ولهذا السبب تراني أتنازل تنازلا حاسما عن الانسجام الأعلى. إن هذا الانسجام لا يعادل في رأيي دمعة واحدة من دموع ذلك الطفل المعذّب حتى الموت (..) نعم ما من انسجام مقبل سيكفّر عن تلك الدموع ولا بدّ من التكفير عنها، وإلا فلا يمكن أن يقوم انسجام..>>. ثم يتساءل إن كان التكفير هو القصاص الذي يجب أن ينزل بالجاني ؟ أمّا إذا كان ثمة ما يُترك للسماء أن تقوم به فهو أن تنتقم (الآن وهنا) للمعذبين، أن تنتقم لهم قبل انقضاء الحياة وفوات الأوان. وإذا كان موقف دوستويفسكي من الجاني في (الأخوة كارامازوف) يبدو واضحا باتجاه المطالبة بالقصاص، فإن الأمر يختلف عنده في (الجريمة والعقاب) حيث الجاني راسكولنيكوف نفسه من صنف المعذَّبين المقهورين الذين تجرأوا مرّة على ملامسة القوة فانتهى بهم الأمر إلى القتل. يقول راسكولنيكوف لصونيا (ترجمة سامي الدروبي، مج.2، ص. 255): <<لقد أحسست يا صونيا أن السلطة لا توهب إلا لمن يجرؤ أن يطاطىء ليتناولها. تكفي الجرأة: الجرأة كل شيء! ووافتني عندئذ، لأول مرّة في حياتي، فكرة لا شك أنها لم تخطر ببال أحد حتى الآن في يوم من الأيام، لا أحد! لقد بدا لي واضحاً وضوح النهار، على حين فجأة، أنّه ما من أحد قد تجرّأ ولا يتجرّأ، حين رأى بطلان العالم، أن يمسك الشيطان من ذيله ببساطة، فيرسله إلى جهنم! أمّا أنا، أمّا أنا ... فقد أردت أن أجرؤ فقتلت!>>. وإذا كان تحليل نفسية (الجاني) راسكولنيكوف يشغل دوستويفسكي على مدى الرواية فإن ما يشغل التحليل ذاته هو إبراز (الضحية) في راسكولنيكوف، مما يقودنا، بالنتيجة، إلى التردّد، كما هو حال دوستويفسكي، في الحكم على راسكولنيكوف وفي النظرة إلى العقاب الذي أُنزل به. ويبدو ذلك أكثر صعوبة على خلفية ما أكده دوستويفسكي في نهاية المجلّد الثاني من أنّ الناس عموما ما عادوا يستطيعون التفاهم <<على ما ينبغي أن يعدّ شراً وما ينبغي أن يُعدّ خيراً>> (ص482). وبالتالي تجد دوستويفسكي الصارم حيال مسألة القصاص من صاحب سلطة ظالم، حتى وإن كان التصالح مع ظلمه ينطوي، كما يرى البعض، على حكمة إلهية بانتظار قصاص سماوي، تجده أقل حزماً حين يتعلق الأمر بإنسان ضعيف (أراد أن يمسك الشيطان من ذيله ويرسله إلى جهنم). ولكن ماذا يستطيع الضعيف أن يفعل حيال حاكم مستبد ظالم؟ لعلّ بعضا مما جاء في قصة (ويسماني) لشالاموف التي تدور أحداثها في معتقل الكاليما يجيب عن هذا السؤال: <<همس أومانسكي في إذن أندرييف، وهو يكاد يختنق: أهم شيء أن تعيش إلى ما بعد ستالين. كل من سيبقى حياً إلى ما بعد ستالين سيعيش. أتفهمون؟ لا يمكن إلا أن تتحوّل لعنات ملايين البشر على رأسه إلى شيء مادي. أتفهمون؟ هو سيموت بلا شك من كره الجميع له. سيصاب بالسرطان أو بشيء ما آخر مميت، أتفهمون؟ أمّا نحن فسنعيش>>. لكن، للأسف، فلا الانتظار ولا الصلوات السرّية ولا اللعنات ولا أي شيء آخر من هذا القبيل يجدي نفعاً، ذلك أن الموت الذي يزرعه ستالين وأمثاله أبقى من المعذّبين وأطول عمراً من أعمارهم البشرية القصيرة. ولمّا كانت آلية الشر تعمل، دوما، باتجاه واحد، باتجاه الأضعف، فما الذي يمكن فعله!؟ ألا يمكن أن تكون محاولة البحث عن إجابة عن سؤال كهذا هي التي قادت ميخائيل بولغاكوف إلى معالجة مسألة الشر والقصاص منه بالسخرية التي تستحقها في روايته (المعلّم ومرغريتا).
يحلو للبعض أن يرى ستالين في شخصية بطل الرواية فولند من خلال علاقته بالمعلّم، كما فعلت تشوداكوفا في كتابها (سيرة حياة بولغاكوف) الصادر في موسكو عام 1988 (ص:541,543)، ويحلو للبعض الآخر أن يرى في شرور فولند خيراً، كما فعل نيكولايف في المقال الذي قدّم به الطبعة العربية من (المعلّم ومرغريتا)، مستنداً إلى مقبوس مأخوذ عن (فاوست) لغوته ابتدأ به بولغاكوف الفصل الأول من الرواية: <<أنا من تلك القوة التي تريد دائماً الشر فلا تفعل دائماً إلا الخير>>. بينما تجد البعض الثالث يتمسك بالمذهب التولستوفي مصراً على أن العقاب ليس من سمات الخير، كما جاء في مقدمة النسخة الإلكترونية من كتاب (دراما الفناء الذاتي) لفاديم فلاديميروفيتش كوجينوف: <<فولند في الرواية يقتص من الشر بمختلف صوره، ولكن هذا لا يعني البتة أنّ فولند نفسه يجسّد الخير. ذلك أن الخير لا يمكن أن يقوم بالعقاب وذلك ما يجعله خيراً! ففي فولند طبيعة شيطانية>>. وقبل الخوض في موقف بولغاكوف من الشر في (المعلّم ومرغريتا)، لا بدّ من التوقف عند معلومة جاءت في كتاب كوجينوف المذكور أعلاه مفادها أن بولغاكوف كتب في 23 نيسان 1937 (عام الإرهاب العظيم كما يسمّيه الروس اليوم) كتب فرحاً بنبأ عزل الجلاّد ياغودا (قوميسار الداخلية بين عامي 1934 و1936): <<أجل، جاء القصاص>>! وكانت إيلينا سيرغيفنا زوجة بولغاكوف قد كتبت في دفتر مذكراتها معلّقة على النبأ نفسه في الرابع من نيسان من العام ذاته: <<ثمة أخبار في الجرائد عن عزل ياغودا وإحالته إلى التحقيق ...إنه لمن دواعي السلوى التفكير بأن نيميزيدا (إلهة القصاص الإغريقية) موجودة حقاً..>>. أمّا موقف بولغاكوف وزوجته فيعكس إيمانا عاما، تجده لدى غالبية الناس، بقانون طبيعي ينتقم للمظلومين، إيمانا يحمّل التاريخ أو الله مسؤولية القصاص. ولكن في الوقت الذي يجعل فيه هذا القانون البعض يؤمنون بحتمية زوال الظلاّم والمتجبّرين والطغاة وبعدم الحاجة إلى التدخّل لفعل ما سيفعله الزمن أو التاريخ أو الله، فثمة أناس آخرون غير قلائل يؤمنون بأن البشر هم صنّاع التاريخ وراسمو مسارات الزمن، أناس يؤمنون بضرورة رسم مسار للتاريخ يكون فيه القصاص ممكناً، وخلق ظروف تحتّم إنزال العقاب بالجناة، فتقوّض الأساس الذي يرتكزون عليه وتخلخل من تحتهم العروش. أمّا والحال كذلك، ففي أي الصفين يقف بولغاكوف في روايته (المعلم ومرغريتا)؟
العبث
يقوم بولغاكوف في الرواية بصنع جديلة من ثلاث أمراس مشكّلاً حبلاً يمتد من الأرض إلى السماء، حبلاً يصل المعلّم ببيلاطس ويشوع وفولند ويصلنا نحن القرّاء بهم، حبلا يعيش الشيطان فولند بين طرفيه، حبلا يكاد يتحول إلى أنشوطة تخنق الحلم البشري بالخير والعدالة. أمّا خيوط هذا الحبل فمنسوجة بحِرَفية درامية رفيعة المستوى لتقوم بفضح الواقع المعيش الشرير، وتقوم إلى جانب ذلك بالسخرية من عناصره ومن شبكة علاقاته، وتخلق واقعا شريرا موازيا قادرا على مجابهته، واقعا لا ينجو بدوره من سخرية الراوي بكل ما فيه ومن فيه. أمّا عملية خلق الواقع الشرير الموازي ووضعه في مواجهة الواقع المعيش فتأتي تأكيدا على ما كان غلينكا قد قاله في مسرحية (الحرب والسلم): <<جهنم بجهنّم>>، وتحقق الوظيفة ذاتها. وبالتالي فإن خيار الراوي بخلق عالم الشيطان فولند والواقع الذي تشكّله حركته وأفعاله برفقة كوروفييف وأزازيل والقطّ يفصح، في حدّه الأدنى، عن تشكيك بمقولة القصاص الإلهي أو العدالة الإلهية أو انتقام التاريخ. ففولند وأعوانه لا يختلفون بطبيعتهم وأفعالهم عن الفئة التي يحاربونها. وحتى مرغريتا، التي يرى فيها النقّاد زوجة بولغاكوف إيلينا سيرغيفنا، لا تستطيع شيئا لإعادة المعلّم الذي أوصله رفض روايته عن بيلاطس البنطي ومحاربتهم له جرّاء كتابتها إلى حافة الجنون، لا تستطيع شيئا لإعادته دون اللجوء إلى القوة الشريرة التي يترأسها فولند، الذي سبق أن أشرنا إلى ما تراه تشوداكوفا من تجسيده لشخصية ستالين. وربما يكون في قصة الرسالة التي وجّهها بولغاكوف إلى ستالين (أنظر: رسالة بولغاكوف إلى ستالين السفير الثقافي 27/12/2002) وإعادته إلى المسرح على يديه ما يدفع النقّاد إلى رؤية ستالين في شخصية فولند الذي يعيد جمع المعلم بمرغريتا. بيد أن هذا اللقاء يترافق مع الموت. والموت الذي يتم اللقاء في عالمه يشكّل بالتالي نتيجة، نتيجة وإن كانت تتوّج القضاء على عناصر الواقع الشريرة، مختَزَلة فيمن يجمعهم الشيطان فولند عند اكتمال البدر، إنما هي تتوّج أيضاً مسيرة التحالف مع الشيطان. إنما، وبصرف النظر عن هذه النتيجة يبدو الموت نعيماً للمعلم ومرغريتا، نعيما يعيد إليه الرواية ويعيده هو إلى مرغريتا بما يشبه امتلاك الحرية. وهنا لا بد من السؤال عمّا يكون بعد امتلاك الحرية بالموت. ما يكون هو التالي فما إن يتحرر المعلّم حتى يقوم بأمر من الشيطان فولند بتحرير بيلاطس قاتل يشوع، بيلاطس الذي لم تجد شفاعة يشوع بالذات بفك أسره. يقول فولند للمعلم: <<والآن تستطيع أن تنهي روايتك بجملة واحدة!>> وكأن المعلّم كان ينتظر هذا وهو واقف دون حراك ينظر إلى الحاكم الجالس. فعقد يديه على شكل بوق وصرخ حتى أخذ صدى صراخه يقفز على الجبال المقفرة الجرداء: أنت حر! حر! إنه في انتظارك>>. (ترجمة يوسف حلاق، رادوغا،0991، ص 458). وهنا لا بد من التوقف عند مسألة مزدوجة أحد شقيها في أن المعلّم استطاع بعون من فولند ما لم يستطعه يشوع نفسه، وثاني شقيها في أن يشوع نفسه تشفّع للمعلم ومرغريتا فكان تحقيق الشفاعة على يدي فولند. فثمة حلقة شيطانية مغلقة يقع يشوع أسيراً لها، كما يقع المعلم، حلقة تنتهي إليها حياة شخصيةٍ نصفها في الأرض ونصفها في السماء يشكّلها المعلّم ويشوع معا في روايتين متوازيتين. وإذا كان الواقع الموسكوفي الشرير يشكل بوتقة لاندماج الروايتين، فإن الشيطان نفسه، أي فولند هو بوتقة اندماج شخصيتي المعلّم ويشوع!
فإذن، يكون ما تفضي إليه مواجهة بولغاكوف (الشر بالشر) سؤالا كونيا أكبر من الواقع الموسكوفي، سؤالا الإجابة عنه أبعد ما تكون عن انتصار الخير على الشر. فليس في اكتشاف طبيعة علاقة فولند بيشوع إلا خطوة أولى لدخول القارئ إلى فضاء العبث، الفضاء الذي كان بولغاكوف قد زينه بالسخرية وبكرنفال من الألعاب الشيطانية انتقم عبرها من بيت غريبويدوف للكتّاب ومن العاملين في مسرح فاريتيه وغيرهم ممن سمّموا حياته وحاصروا إبداعه، مدخلا مرغريتا في لعبة الانتقام والتخريب. فمما تقوله الرواية: إذا كان كل شيء ينتهي إلى الشيطان فليس أجدر بهذه الحياة من السخرية والعبث. وهكذا، يكون بولغاكوف، مع إنجازه (المعلّم ومرغريتا)، قد توّج نفسه ساخرا عظيما لا يرى في الحياة ما لا يستحق السخرية، وفنانا عظيما أكسب المكنسة شرا خاصّا جميلا لم تعرفه من قَبْل الساحرة الشريرة (بابا ياغا) في القص الروسي الشعبي. فهذه المكنسة التي كانت الساحرة تستخدمها لخطف الأطفال والعشّاق، طاوعت مرغريتا، بإذن من الشيطان فولند، وأعانتها على تخريب مساكن الكتّاب والنقّاد المبتذلين.
وأخيرا، ورغم وجود الكثير مما يغري بالحديث عنه في الرواية، لا بد من طرح سؤال يكون بمثابة الخاتمة: أيكون في رواية (المعلّم ومرغريتا) دعوة، من خلال تحرير الحاكم الظالم بيلاطس في الآخرة، دعوة إلى تحرير الحكّام الظالمين والصفح عما اقترفوه بحق الداعين إلى الحقيقة من أمثال المعلّم ويشوع؟ أم يكون فيها دعوة إلى عدم انتظار الآخرة ويوم الحساب، ذلك أن في ذلك عبثا لا طائل منه؟ فإذا كان الانتظار ينتهي إلى تعاون فولند ويشوع، فلا يكون ثمة معنى لعقاب، بل لا يكون ثمة عقاب!! إذن، فالرواية تقول: ليكن القصاص هنا والآن. وهكذا فلا يرضى بولغاكوف بأقل من قتل يهوذا، رغم حرص حاكم اليهودية الظالم بيلاطس على حمايته. فيهوذا يُقتل في الرواية بخلاف ما تقول الأناجيل. ولست أدري إن كان قتله يرضي تولستوي !!

منذر بدر حلّوم - السفير - 31.10.2003

0 تعليقات::

إرسال تعليق