الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

السوريون في المنفى: الجيش الإلكتروني للانتفاضة في سورية.. هرّبوا مئات الهواتف الجوالة المتصلة بالأقمار الصناعية والمرسلات الرقمية تفاديا لقطع الإنترنت

في أكثر أيام الثورة السورية دموية كانت أصابع رامي نخلة تتحرك على لوحة المفاتيح في غرفة لا يتردد فيها سوى صوت قناة «الجزيرة» الإخبارية، بينما تتحرك الصور الصاخبة على شاشة الكومبيوتر.
ومع توالي الأحداث يوم الجمعة الماضي بدأت أسماء المستخدمين تظهر وتختفي ويمتلئ موقع «تويتر» بالدعايات الشيوعية والكلام البذيء. كذلك بدأت الرسائل ترد على البريد الإلكتروني لنخلة على «جي ميل» و«سكايبي» من موقع الـ«فيس بوك»، حيث انضم نخلة إلى مجموعة من السوريين في المنفى الذين ينشرون رسائل غاضبة وأخبارا، والأهم من ذلك يشكلون أكبر تحدٍّ لعائلة الأسد التي تحكم سورية منذ أربعة عقود. ويصرخ نخلة وهو يعرض مقطعا مصورا لهتافات تنادي بإسقاط النظام: «هل يمكنك سماع ذلك؟ هذه هي سورية بحق. إنه أمر لا يصدق».


وعلى عكس الثورات التي شهدتها مصر وتونس وليبيا والتي ظهرت صورها على شاشات التلفزيون حول أنحاء العالم، تتميز الثورة السورية بقدرة طلائعها في الخارج على نشر الصور والأخبار التي تتسم بالفوضى والتنوير وإن كانت غير كاملة.
قام عدد محدود من النشطاء في الشرق الأوسط وأوروبا الولايات المتحدة بالتنسيق معا لأسابيع رغم اختلاف التوقيت في كل بلد، وتمكنوا من تهريب مئات الهواتف الجوالة والمتصلة بالقمر الاصطناعي والمرسلات الرقمية (المودم) وأجهزة الكومبيوتر المحمولة وآلات التصوير إلى داخل سورية. وقام أصدقاؤهم في سورية بتضليل جهات الرقابة ببرامج مرسلة بالبريد الإلكتروني وتحميل مقاطع مصورة من خلال الاتصال بشبكة الإنترنت عن طريق الهاتف. لقد حققوا ما كان يعد مستحيلا يوما ما. عام 1982 استطاع النظام السوري لفترة من الزمن إخفاء أمر المذبحة التي راح ضحيتها نحو ألف شخص في حماة خلال عملية وحشية لإحباط ثورة إسلامية. لكن يوم السبت الماضي كان العالم كله يشاهد هتافات الغضب والصرخات التي تنعى الموتى، بينما تفتح قوات الأمن النار على مواكب تشييع جثث من قتلوا يوم الجمعة الماضي وقت حدوثها.
لقد أذهل النشطاء نظام بشار الأسد وأجبره على مواجهة الواقع بحيث تخلى عن الخطاب الموجه ضد المعارضين داخل وخارج سورية. قال جوشوا لانديس، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما: «بات أسلوب النظام الذي يتسم بالشعور بالاضطهاد واضحا. هؤلاء النشطاء قلبوا ميزان القوة ضد النظام بفضل المواقع الاجتماعية».
لكن رغم عدم تشكيك البعض في انتشار الاحتجاجات، هناك اختلاف حول مدى عمقها في المدن والقرى. ورفع النشطاء على شبكة الإنترنت خارج سورية شعارات ثورية عن الوحدة التي يقول النظام إنها مستلهمة من الإسلاميين المسلّحين. كان لأصوات المحتجين المنتشرة في الخارج تأثير كبير على مشاعر مؤيدي الرئيس، ومن ضمنهم النخبة المنعمة والأقلية الخائفة من مسيحيين وطوائف أخرى من المسلمين. ورأى نخلة البالغ من العمر 28 عاما أنه ليس في مكان يسمح له بشن صراع، فقد غادر قريته ورأسه يمتلئ بمثالية شابة عام 2006 متجها إلى دمشق، حيث اكتشف عالم الإنترنت، ووصفه بأنه: «عالم جديد تماما بالنسبة إلي»، وسرعان ما امتد نشاطه ليشمل القيام بحملات على شبكة الإنترنت تدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء قانون الطوارئ. واختلق اسما مستعارا على شبكة الإنترنت هو ملاذ عمران، الذي يشير إلى نكتة أساسها الأسماء المستعارة للعائلات، ووضع صورة على حسابه بموقعي «تويتر» و«فيس بوك» يظهر بها 32 رجلا.
وبنهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) كانت الشرطة السرية تلاحقه، وقال: «كل ما يحتاجون إليه هو الشكوك». وخلال رحلة مرعبة في الشهر التالي ساعده بعض المهربين على الوصول إلى الحدود بواسطة دراجات بخارية، حيث اختفى عن أنظار الشرطة وقضى ليلته في وادي وعر قبل أن يعرف طريقه إلى حي للطبقة المتوسطة في لبنان. إن الكماليات قليلة هناك في الشقة التي لا تحتوي على الكثير من الأثاث، حيث لا يوجد سوى سجائر وشاي ونسكافيه وسكر ومشروب المتة على الطاولة. وقال: «إنني ناشط على شبكة الإنترنت. يكفيني أن أكون متصلا بشبكة الإنترنت».
تصفح نخلة بعينين حمراوين لونهما ما بين الأزرق والأخضر كمية كبيرة من المعلومات يوم الجمعة الماضي، وأجرى محادثة حماسية من خلال برنامج «سكايبي» مع 15 شخصا في سورية، وشاهد أجزاء من مقطع مصور من طرطوس، وتلقى مكالمة هاتفية من صديق في دمشق، وأسئلة من صحافيين عن طرق الاتصال بمعارف في مدن نائية. وأرسل شخص يعتقد هو أنه ضابط من الشرطة السرية إليه رسالة مخيفة مفادها: «هناك أخبار عن قبض قوات الأمن على أحد أفراد أسرتك». قام نخلة بتغيير الشريحة الموضوعة في هاتفه الجوال واتصل بأسرته دون أن يبعد عينيه عن شاشة جهاز الكومبيوتر، وتبين أن هذا الخبر غير صحيح. ووردت رسالة إليه عن طريق «سكايبي» تفيد بفضّ إحدى المظاهرات في حلب. وقال بثقة الشخص العليم: «لن أنشر هذا الخبر».
ويعد نخلة جزءا من شبكة تنتشر فعليا حول العالم وتضم سيدة أميركية من أصل سوري في شيكاغو، قالت إنها سئمت الاكتفاء بمشاهدة قناة «الجزيرة»، وأسامة منجد، وهو ناشط في لندن سوري المولد، يقود سيارته وجهاز الكومبيوتر المحمول المتصل بشبكة الإنترنت على المقعد الأمامي، بينما يعمل برنامج يحول الحديث إلى نص مكتوب على شاشة الكومبيوتر.
ويتراوح عدد المنخرطين في تنسيق وتغطية الاحتجاجات على مدار الساعة بين 18 و20 شخصا بحسب تقديرات منجد، رغم إشارته إلى أنه يفتخر بقدرته على العثور على شخص يترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية في الرابعة صباحا. ويعرف منجد شخصا في كل منطقة في سورية، وكل شخص منهم يعرف 10 أشخاص آخرين. ويقول منجد: «لا يستطيع النظام أن يفعل أي شيء حيال ذلك». يقول الكثيرون إنهم اعتمدوا على تمويل رجال أعمال سوريين خارج أو داخل سورية لأنشطتهم المذهلة.
وبعد رؤية نجاح النظام المصري السابق في قطع الاتصال بشبكة الإنترنت وشبكات الهواتف الجوالة في يناير (كانون الثاني)، حشدوا الجهود من أجل تفادي اتخاذ مثل هذا الإجراء من خلال تهريب الهواتف الجوالة المتصلة بالقمر الاصطناعي والمرسلات الرقمية إلى سورية. ويقدر عدد تلك الهواتف بمائة على حد قول عمار عبد الحميد، وهو ناشط في ولاية مريلاند، فضلا عن مئات آلات التصوير وأجهزة الكومبيوتر المحمولة. وقد أتيح لهذه الشبكة العفوية أن تدير الفعاليات المناهضة لنظام حكم يتبنى فكر وزارة الإعلام والتصريحات الرسمية إبّان الحقبة السوفياتية.
أصبحت صفحة على موقع «فيس بوك» باسم «الثورة السورية» تدار من خارج سورية منبرا للثورة، حيث يمثل ما ينشر عليها سياسة الأمر الواقع للثورة. وقال نخلة إنه شجّع الناس على استخدام شعارات تخلو من أي نزعات طائفية أو دينية تتسم بها شعارات الإسلاميين. وقال: «علينا أن نقلق من هؤلاء الناس».
لكن أزعجت القدرة غير المسبوقة للنشطاء الذين تفصلهم عن سورية مسافات على كتابة الرسائل، كاميل أوتراكيج، وهو مدون سياسي ولد في دمشق ويقيم في مونتريال. فبينما يرى البعض أن هذا نوع من التنسيق يراه كاميل استغلالا، مشيرا إلى أن تصدر النشطاء المشهد يجعل الثورة طائفية أكثر منها وطنية ولا تلتفت إلى مخاوف الأقليات.
ويقول أوتراكيج الذي يبدو صوتا وحيدا وسط صخب شبكة الإنترنت: «أرى أن هذا خداع، فهو مثل غلاف لا يمت بِصلة إلى ما بداخله. هناك استغلال سيئ لما يحدث».
* خدمة نيويورك تايمز
*شاركت كاثرين زوبف في إعداد هذا التقرير من نيويورك، وشارك أحد صحافيي «نيويورك تايمز» من دمشق

بيروت: أنتوني شديد* الشرق الأوسط 25 أبريل 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق