الخميس، 8 سبتمبر، 2011

"لحظة" الإخوان المسلمين في المنطقة؟

يعتقد عدد من الأصدقاء الأتراك الذين اتصلت بهم هاتفياً في الـ 48 ساعة الماضية وبينهم الأكاديمي والصحافي والديبلوماسي – أن "ظهور" القياديين الرئيسيين من "الإخوان المسلمين" السوريين في تركيا يوم السبت المنصرم وإدلاءهما بتصريحات علنية لا يحملان أي "تواطؤ" ضمني من الحكومة التركية، حكومة "حزب العدالة والتنمية"، ضدّ أصدقائها في القيادة السورية وعلى رأسهم الرئيس بشار الأسد.
ومع كل أسئلتي التشكيكية لكل واحد منهم – وهم متابعون جدّيون لشؤون العالم العربي – فإن أقصى تفسير سلبي لهذا الظهور العلني الذي يحصل للمرّة الأولى قطعاً هو تشديد البروفسور والمعلّق سولي أوزيل أنه كان هناك دائماً في "حزب العدالة والتنمية" جهة وثيقة الصلة بـ "حركة الإخوان المسلمين" السوريين لكن من المستبعد أن يكون حضور القياديين الإخوانيين بتحضير مباشر أو غير مباشر من زعامة "الحزب"... حتى لو كان المبرر المعلن لوجودهما في اسطنبول هو حضور مؤتمر دعت إليه منظمتان غير حكوميتين إحداهما تهتم بـ"حقوق الإنسان" وتعتبران قريبتين من "حزب العدالة والتنمية" (AKP). غير أن الدكتورة فولي أتاسان تطرح السؤال عن احتمال أن يكون الزائران المثيران للجدل قد جاءا بهدف توسطي... أي نوع من"وساطة" ما تتولاها قيادة AKP بسبب حرصها على الوضع السوري القائم وعلاقتها المميزة مع نظام الحكم فيه وليس العكس؟
بين هذين الحدين السلبي والإيجابي تراوحت الإجابات "العفوية" للأصدقاء الأتراك الذين فوجئ بعضهم بخبر "الظهور" وطلب مهلة لسؤال آخرين ثم عاد إلى الاتصال بي.
الملاحظة التي أرغب بتسليط الضوء عليها عبر سرد هذه التفاصيل هي أن هذه "العينة" التركية التي تضم متابعين مختلفي الحساسيات السياسية وإن كان لونهم الغالب علمانياً وليبرالياً وبعضهم يأتي من "حجذور" يسارية لم تمنعه من الاقتراع في دورتين متتاليتين لـ "AKP”... هذه "العينة" لا تستسهل، إن لم أقل، لا تقبل، فكرة دخول الحكومة التركية الحالية في مسار سلبي ضد دمشق رغم مواقفها المعلنة – عبر رئيسها رجب طيب أردوغان - والتي تدعو الرئيس بشار الأسد إلى التسريع بحلول إصلاحية لمعالجة الأزمة الناشبة في سوريا، بل رغم نقدها له لما تعتبره تباطؤاً في الجواب الإصلاحي المطلوب.
كان هذا النوع من "الظهور" الإخواني السوري الحدث الأكثر دلالة في الأيام الأخيرة على مشهد بانورامي يشكّل اليوم إحدى الحقائق الأكثر وضوحاً في العالم العربي.
فأياً تكن "كواليس" وجود القياديين الإخوانيين السوريين في تركيا، فهو "ظهور" ما كان يمكن تخيله قبل كانون الأول المنصرم، شهر بدء اندلاع الانتفاضات العربية. وإذا كنت أشارك الأصدقاء المراقبين الأتراك رأيهم بأن العلاقة التركية – السورية كما ارتسمت في السنوات الأخيرة تملك عناصر متانة سياسية واقتصادية مهمة، فإني لا أشاركهم ميلهم إلى تخفيف احتمال مساهمة القيادة الحكومية الحالية في توفير حضورهما إلى تركيا. إذ أظن أنه من المستحيل أن يحصل ما حصل حتى في هذه الحدود الضيقة (مؤتمر منظمات غير حكومية – وتصريحات نأت بنفسها عنها وزارة الخارجية) مع ما يعني ذلك – مباشرة أو غير مباشرة – من متغيرات عميقة في المشهد ليس السوري فقط، بل العربي العام.
وعلى الرغم من الاختلافات النوعية – وأشدد على كلمة "نوعية" بين حركات الإخوان المسلمين في كل بلد عربي... ليس فقط في وزن كل منها الداخلي، بل أيضا في قابلياتها الإيديولوجية والسياسية أيضا... على الرغم من ذلك فان بعض أولى نتائج موجة الانتفاضات العربية المتلاحقة هي وضعها الفوري لتيارات الإخوان المسلمين في واجهة كل تحرك... ولو بدرجات مختلفة جداً.
ففي مصر تشكل حركة الإخوان المسلمين منذ اللحظة الأولى ركيزة أساسية للوضع السياسي إلى حد يمكن معه ملاحظة أن هناك نوعا من التفاهم العميق – إن لم يكن التحالف – بين الحركة والمؤسسة العسكرية في الضبط التدرجي لمرحلة ما بعد تنحي الرئيس حسني مبارك.
لكن على الوجه الآخر للصورة – ولعله الوجه المتمم بمعنى من المعاني – فإن الإخوان المسلمين المصريين هم جزء من تيار أكثري واسع يمثل التقاليد والثقافة الدينية المصرية وفي مقدمه "الأزهر" بدأ يخوض حاليا صراعا ضد السلفيين الذين ظهروا بقوة مهددة بعد الانتفاضة... وهذا الموقع الذي يتشارك به "الإخوان" مع قوى أخرى لم تكن تنظر تقليديا إلى أدوارهم بارتياح كـ "الأزهر" أو كالأقباط هو إعلان طبيعي عن كون "الإخوان" أصبحوا الآن جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المجتمع التعددي المصري الذي تهدد السلفية تقاليده التعددية، هذه التعددية التي ستصبح قريبا ديموقراطية برلمانية أو رئاسية راسخة دستوريا وواقعيا.
في الأردن، وبدون تعقيد، تحول الإسلاميون الأردنيون إلى قوة المعارضة الأولى في مواجهة مفتوحة ولكن أيضا لا تزال محكومة بضوابط الوضع الشرق أردني ونظامه السياسي.
في سوريا... المجهول على هذا الصعيد هو السائد بسبب التاريخ "السري" لحركة الإخوان المسلمين السوريين من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الطبيعة التعددية القومية والدينية والمذهبية للمجتمع السوري نفسه ذي الأكثرية السنية، ولعله في سوريا تكمن أصعب الاختبارات وأخطرها قطعا، خصوصا أنه لا يبدو هناك تعدد حزبي جدي على مستوى المعارضة، مثلما هي هذه التعددية راسخة، رغم تفوق الإخوان الظاهر، في مصر.
... إنها لا شك "لحظة" الإخوان المسلمين من تركيا إلى مصر إلى المغرب دون أن ننسى أن الإسلام السياسي الشيعي هو الحاكم في بغداد... وحركة "حماس" الأصولية في غزة، فهل هي لحظة "عابرة" بمعنى أنها الموجة الأولى للمد الديموقراطي العربي التي لا يمكن تلافيها... ستتراجع بعد أن ينفجر احتقانها فتعود إلى أحجام عادية عندما يترسخ البناء الديموقراطي في هذا البلد أو ذاك... أحجام عادية أو طبيعية كما كانت في مصر الأربعينات أو سوريا الخمسينات أو أردن الثمانينات... أو أنها، كما يتخوف بعض الغربيين، وربما بعض الليبراليين العرب، ستتحول إلى سيطرة أحادية طويلة الأمد، كما فعلت الحركات القومية بعد عام 1948 وهي التي يطال بعضها التغيير الآن؟
بين "الإسلاميين" الأتراك الذين تطوروا إلى حزب ديموقراطي على غرار أحزاب المسيحيين الديموقراطيين في أوروبا وبين السلفيين السعوديين الذين تحولوا إلى "تنظيم القاعدة"... كيف سيتجه الإسلاميون بين هذين الحدّين؟

جهاد الزين – النهار 6 نيسان 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق