الثلاثاء، 19 يوليو، 2011

ميشال زكور رائد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي

النائب ميشال زكور نائب جبل لبنان
تذكارات بعلبك في المؤتمر الطبي صيف 1925 ويبدو جبران أندراوس تويني في القلعة ومعه ميشال زكور وأسعد عقل. 
ميشال زكور مع زملاء عاصروه.
كثيراً ما ننسى، في عالمنا العربي، وبسرعة مخيفة، رجالاً صنعوا تاريخ بلداننا العربية أو ساهموا في صنعها.
من هؤلاء: ميشال زكور الصحافي والسياسي الذي ولد في الشياح عام 1896 وتلقى دراسته في معهد "الحكمة"، ثم درس الحقوق في بيروت حتى السنة الجامعية الثانية فقط، ليختار بعدها دخول معترك الحياة من أوسع أبوابها.
قال عنه رئيس الحكومة الأسبق صديقه رياض الصلح في كلمة ألقاها في حفلة "الجمعية اللبنانية" في باريس في 13/ 1/ 1929: "عرفت صديقي الأستاذ ميشال زكور في أصعب الأوقات وأحرجها والتي اجتازتها بلادنا، تلك كانت أوقات الاحتلال الأولى، يوم كانت الحاجة تدفع الناس إلى بيع ضمائرهم ومبادئهم. عرفته في ذلك الحين فقيراً لا يملك شيئاً، لكنه كان أبيّ النفس كريمها لا يباع ولا يُشرى، ويدافع عن مبادئه بعقيدة وإخلاص ونزاهة جعلت أشد خصومه في السياسة يحترمونه الاحترام كله. صدقوني أيها السادة، إنه يستحق تقدير كل اللبنانيين".
هذه الشهادة تلخص جيداً وكلياً مبادئ رجل أمضى عمره في خدمة وطنه بكل الوسائل التي أتيحت له، خصوصاً في ميدان الصحافة. فهو دخل هذا المجال في سن مبكرة وكتب في صحف ومجلات كانت تصدر آنذاك. ثم أسس جريدته "المعرض" في 1/ 5/ 1921 واستمرت في الصدور حتى عام 1936. تعرضت للضغوط مرات عدة بسبب جرأة مقالاتها ومناهضة صاحبها الانتداب الفرنسي آنذاك. ومتى تذكّرنا إعلان وزير خارجية بريطانيا جيمس بلفور عام 1917 إقامة "وطن" قومي يهودي في فلسطين، والحرب العالمية الأولى التي تركت آثارها وانعكاساتها على لبنان خصوصاً، والعالم العربي عموماً، ندرك تأثير تلك الأجواء والظروف التاريخية على تكوين زكور وجعله مسانداً تيارات كانت تدافع عن الكرامة الوطنية وعن الحرية والديموقراطية.
يقول الكسندر نجار في كتابه "الفتى المتمرد": "ثلاثة أحداث ساهمت في بلورة إرادته في المقاومة، وحددت مشواره: معاينته شنق العثمانيين صديقه سعيد فاضل عقل على ساحة البرج في 6/ 5/ 1916، حل الجنرال ساراي مجلس النواب في شكل عنيف وتعيينه ليون كايلا "حاكم لبنان الكبير" في عام 1925، وتعطيل المفوض السامي هنري بونسو الدستور اللبناني في عام 1932".
أراد زكور لبنان مستقلاً يحس قادته بمشكلات اللبنانيين ولا يتناسون العالم العربي وهمومه. وهو ترشح للانتخابات النيابية في عام 1924، لكنه لم يفُز بسبب التزوير. وفي ذلك قال صديقه الصحافي نجيب الريس في "القبس": "عار على منطقة جبل لبنان أن تستبدل ميشال زكور الشاب النزيه المتعلم برجل، كل مزاياه، أنه رجل غني يشتري بأمواله أصوات الناخبين".
عاد زكور إلى الصحافة يواصل معاركه الأدبية والفكرية والسياسية، ثم ترشح ثانية، ففاز في عام 1929 وأعيد انتخابه عام 1934، وكان مجلس النواب يضم 45 نائباً، 30 منتخَبون و15 تعيّنهم سلطة الانتداب. وفي 14/ 3/ 1937 عُين وزيراً للداخلية.
عايش زكور مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى وأحداثها، ثم الانتقال من العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي، الذي بموجب أحكام المادة 22، الفقرة الرابعة، من عصبة الأمم، قررت له الدول المتحالفة انتداب فرنسا على أراضي لبنان وسورية.
بلْور زكور مواقف حاسمة في الدفاع عن لبنان واستقلاله والدستور والديموقراطية. كان يعارض الانتداب الفرنسي وطالب بأن يكون رئيس الحكومة اللبنانية، لبنانياً لمصلحة الانتداب نفسه، حتى في نظر عصبة الأمم، لأنه لم يسمع في تاريخ العالم أن جمعية انتخبت رئيس دولة أجنبياً عنها.
دخل زكور المعترك السياسي شاباً قبل أن يؤسس، مع كميل شمعون وفريد الخازن، ما سماها حنا غصن في "الديار" "الكتلة الدستورية"، وهدفها المطالبة بالاستقلال التام والتخلّص من كل وصاية أجنبية على لبنان وانفتاحه على التعاون مع كل بلد عربي. وكانت تلك الكتلة مدرسة وطنية تطلب الاعتراف بلبنان بلداً حراً مستقلاً بحدوده الدولية ومميزاته الخاصة، ودولة قادرة على أن تقود شعبها بنفسها. كما نادت بإقرار دستور لبناني يضمن الديموقراطية والتعددية. وكانت تلك القناعات السياسية تتجلى في ممارسات زكور اليومية وأعماله، السياسي منها والصحافي والنيابي. وهو اشتهر بشجاعته، حيث وقعت بينه وما بين الحاكم الفرنسي ليون كايلا مشكلات أدت بهما إلى التقاضي في قاعات المحاكم، وبعد جلسات عدة خرج كايلا من المعركة خاسراً وغادر لبنان. انتقد زكور كايلا لقيامه بوضع قانون انتخابات للبنان ألغته الحكومة الفرنسية، وانتقده لتدخل حكومته في لبنان و"إقامته وليمة كبيرة ليلة مذابح مرجعيون (15/ 10/ 1925) وإهماله مسألة الحدود". وطالب زكور باستقلال القضاء عن كل تأثير خارجي دفاعاً عن الحصانة القضائية واستقلال المحاكم ونزاهة القضاة.
وعمل زكور على إنجاز معاهدة بين لبنان وفرنسا في 13/ 11/ 1936، وقال عنها: "تعلّمنا الحرية في الكتب الفرنسية أن كل شعوب الأرض حرة ويجب أن تطالب بحريتها في المدارس الفرنسية أيضا، وشعرنا بلذة الاستقلال عندما حفظنا تاريخ فرنسا"، وكأنه يقول للفرنسيين: "طبّقوا على الشعور ما تنادون به ولا تقولوا بما لا تمارسونه، فأين الحرية التي تنادون بها، وأين حرية الشعوب التي تحثون عليها"؟
عُيّن زكور وزيراً في 14/ 3/ 1937 إبان رئاسة إميل إده ونشط فيها حتى وفاته المفاجئة ليلة 18- 19/ 6/ 1937 بعد 97 يوماً من تسلّمه الوزارة، وكان له من العمر 41 عاماً فقط. وأدت وفاته إلى أزمة حكومية حادة دامت ثلاثة أشهر.
خلال تلك المدة القصيرة نظّم زكور الهيكل العام للوزارة وشمل نشاطه كل لبنان. من إنجازاته: إصدار قانون يحترم حقوق الصحافة ويضمن حقوق المواطن، الاهتمام بالقضايا الاجتماعية، من مستشفيات وفئات اجتماعية مهمّشة، محاربة البيروقراطية، الدفاع عن حقوق المرأة، الاهتمام بتطوير الجنوب اللبناني. ووضع هيكلاً حقيقياً للوزارة، وكان يلتقي المواطنين ويستمع إلى مشكلاتهم وهمومهم، وهو من قرّر أن يكون يوم 6 أيار كل عام عيداً وطنياً رسمياً للشهداء.
دخل زكور السجن سبع مرات في عهد العثمانيين بسبب دعاوى صحافية، وأوقفت جريدته مرات عدة، ومع ذلك بقي عنيداً صلباً في إدارة الصراع ومن أبرز من ساهموا في استقلال لبنان، ووقّع مع النائبين كميل شمعون وفريد الخازن الرسالة المشهورة إلى الحاكم الفرنسي في 28/ 10/ 1934، مطالبين لإعادة العمل بالدستور اللبناني الذي كان المفوض السامي الفرنسي عطّله عام 1932.
شغل زكور منصب وزير الخارجية في أول حكومة لبنانية قبل تأسيسها رسمياً. وهو أول وزير من بلدة الشياح، وأول لبناني نال وسام الأرز من درجة فارس منحه إياه الرئيس إميل إده بعد وفاته، اعترافاً من الدولة اللبنانية وتقديراً لجهوده وإنجازاته في مجالات كثيرة.
كان ميشال زكور أول من انشأ في بيروت جريدة مصورة و"أول صحافي يُدخل، على الصحافة اللبنانية، الطباعة الحديثة والملونة الرسم الكاريكاتوري في جريدته "المعرض"، التي كانت أول مطبوعة مصورة في لبنان، وربما في العالم العربي في مطلع القرن العشرين. وهي جمعت بين السياسة والأدب والفنون والعلوم وأخبار المجتمع والاقتصاد والشؤون اللبنانية والعربية، وفتحت باب المناقشات والسجالات الحرة والنقد، واهتمت بالتحقيقات وفي جوانب الحياة اللبنانية، كالسياحة والاقتصاد والمدارس والحركة العلمية والتربية والنهضة النسائية، وكانت سجلا مصورا ووثائقيا من تاريخ لبنن. وجاء في افتتاحية زكور العدد الأول: "من لبنان واليه، وفي سبيل لبنان، هذه الجريدة، ووقفا على خدمته، ومن ينشئها ومن ينشر فيها. إن كاتب هذه السطور لبناني بكل ما يندرج في هذه النسبة من المعاني، يعبد لبنان ولكنه لا يعبد دون الله". وأطلق زكور على جريدته اسم "المعرض" بمناسبة تنظيم أول معرض تجاري في بيروت عام 1921، ساهمت فيه عشر دول وأكثر من ألف مشارك.
رفض زكور تمويل الجريدة من مساعدات عرضتها عليه سلطة الانتداب الفرنسي، واعتمد على نفسه وعلى شقيقه المغترب في كولومبيا وعلى أصدقائه وكل من كان يؤمن بخط الجريدة في المناداة باستعادة الكرامة الوطنية اللبنانية والانفتاح على العرب عموما وعلى سوريا خصوصا "على أساس الجوار والمصالح المشتركة"، واعتماد حكم وطني ثمرة الإرادة والقرار الوطني الحر والدفاع عن مصالح الشعوب وحقوقها.
صدر من الجريدة 1106 أعداد. كانت يومية ثم نصف أسبوعية فأسبوعية، وأوقفتها السلطة عن الصدور عام 1936.
ومع انصرافه إلى العمل البرلماني أبقى على بطاقته عبارة "صحافي ونائب"، أي أنه كان يضع الصحافة والسياسة بالتساوي، وحافظ على صفته صحافيا قبل مسؤوليته كنائب.
خلال تلك المرحلة تكوّنت "عصبة العشرة" بمثابة هيئة تحرير لـ"المعرض" من الياس أبو شبكة وفؤاد حبيش وخليل تقي الدين وميشال أبو شهلا، وهم اتصفوا بالجرأة في نقد الكتاب والشعراء إلى درجة تعريتهم أدبيا، ونشطت العصبة في مجال الأدب والسياسة والحياة العامة.
اجتذبت "المعرض" أهم الأقلام اللبنانية والعربية من احمد شوقي إلى الياس أبو شبكة وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وإبراهيم طوقان وقدري قلعجي وآخرين.
وجاء في شهادة سليم الخوري ما يلخص حياة الرجل ونشاطه: "كان ميشال زكور رجل الاستقلال في وجه الانتداب، ونصير الدستور والحرية والديموقراطية، والمدافع عن القضايا الشعبية في جريدته "المعرض" وتحت قبة البرلمان وفي سدة الحكم. وكان من أبرز أركان الكتلة الدستورية إلى جانب الشيخ بشارة الخوري الذي كان يثق بمواهبه وشجاعته الخلقية والوطنية".
وبرغم أهمية زكور ودوره الريادي في تاريخ لبنان، نطرح الملاحظات الآتية:
- عند وفاته قرر المسؤولون اللبنانيون إقامة نصب تذكاري له في بلدته الشياح، لكن هذا المشروع لم ير النور إلى أن تكفلت أسرته في إنجازه.
- ظل مطويا مشروع تأليف كتاب تذكاري عن حياته حتى ظهر على نفقة أنجاله عام 1988 وضعه الصحافيان فاضل سعيد عقل ورياض حنين، ومنه معظم الاستشهادات في هذه المقالة.
- مشروع إطلاق اسمه على شارع في بيروت لم يتحقق حتى اليوم.
ولاحظنا ضآلة التنويه بدوره في كتب تاريخية وقانونية عن حقبة من لبنان، ومن ابرز المدافعين عن الدستور فيها.
كما لاحظنا غياب سيرته في:
- موسوعات ومعاجم عالمية أو عربية كـ(الموسوعة الكونية، وموسوعة لاروس، والمنجد، ودائرة المعارف...) إلا الموسوعة العربية العالمية (الرياض 1996) ذكرته في مجلدها الحادي عشر ص 583.
- غياب اسمه من موسوعات متخصصة كالموسوعة السياسية (بيروت – المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
- غياب اسمه أو المرور عليه سريعا في كتابات تؤرخ مرحلة عاش فيها وشارك في معاركها وانتصاراتها عربيا ولبنانيا.
- تغييبه من البحوث الأكاديمية فلا كتاب علميا عنه تناول أعماله وسيرته، رجلا فذا من لبنان.
- غياب تحليل "المعرض" عن أكثر الكتب مؤرِّخة الصحافة في العالم العربي عموما أو في لبنان خصوصا.
- السياسيون معاصروه وعارفوه وزملاؤه في "المعرض" لم يقفوا وقفة اعتراف بدوره.
لا يمكن أن يبقى ميشال زكور منسيا هكذا، وهو "المدافع عن الحكم الوطني والكرامة الوطنية والنظام الديموقراطي والدستور وحقوق الشعب ومصلحته، ووحدة الشعب اللبناني" كما قال الدكتور باسم الجسر مدير "معهد العالم العربي" سابقا في مقدمة ملف وثائقي أصدرته مكتبة المعهد عند تنظيم معرض حول الزجل، وفي تلك المناسبة قدم مكرم ميشال زكور مجموعة "المعرض" الكاملة إلى مكتبة المعهد، التي في معرض "لبنان الضفة الأخرى " (1998) عرضت عشر لوحات حول زكور في ثلاث مراحل: نشأته، حياته السياسية، والتعريف بـ "المعرض". ويمكن بلوغ مجموعة "المعرض" الكاملة في مكتبة المعهد الرقمية على العنوان الآتي: http://ima.bibalex.org/IMA
والى جهد مكرم زكور في توفير الوثائق للباحثين والمهتمين، صدر أخيرا في الفرنسية للروائي والكاتب اللبناني الكسندر نجار كتاب "الفتى المتمرد"، قاطفا معلوماته من المراجع ومن أرشيف العائلة الذي استثمره الكاتب في شكل ممتاز في انجاز عمله.
كم من ميشال زكور ينساه الناس أو يتناسونه من دون أن نعرف السبب! ألأنه أغضب فرنسا، أو "أغضب معاونيها"؟ ولماذا لم يكتب لهؤلاء الرجال أن يأخذوا حقهم ومكانتهم اللائقين بهم؟ وهل ذوو "القربى" نسوهم أو تناسوهم لأسباب يصعب على المرء تخيلها؟ ألا يشير التمزق الذي يعرفه العالم العربي إلى عدم التصالح مع الذات؟
وأذكر بالإجلال هنا "الست روز" زوجة المناضل ميشال زكور، وهي تعهدت مواصلة تربية أولادها الثلاثة والسهر عليهم بمساعدة شقيقه رجل الأعمال في أميركا اللاتينية. وهي توفيت في باريس (10/ 12/ 1996) ولم تتزوج ثانية رغم مقاربات شخصيات لبنانية وعربية يذكر منهم ألكسندر نجار محمد عبد الوهاب الذي كان التقاها مع زوجها في القاهرة عند أمير الشعراء أحمد شوقي أثناء تمضيتهما شعر العسل. وبعد وفاة زوجها أظهر رغبته في الزواج منها لكنها رفضت، فقدم لها مجموعة من الأغاني التي يذكرها فيها.
ولا أختم قبل أن أحيي مكرم ميشال زكور على عناده في التعريف بصفحة ناصعة من صفحات تاريخ لبنان، لأننا حينما نتكلم عن ميشال زكور نتحدث عن كل لبنان.

(*) كاتب وباحث جزائري – حاليا مدير قسم المكتبة في "معهد العالم العربي" – باريس.

(**) عشية الذكرى الثمانين (1921 – 2011) لتأسيس "المعرض" والذكرى الخامسة والسبعين (1936-2011) لاحتجابها، يقيم مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية معرضا كبيرا لوثائق صحافية وسياسية وشخصية من حياة ميشال زكور ومسيرته وجريدته "المعرض"، ولقاء عنه يشارك فيه رئيس الجامعة الدكتور جوزيف جبرا، نقيب الصحافة محمد البعلبكي، الكاتب الصحافي سمير عطاالله، السفير فؤاد الترك، والكاتب الكسندر نجار صاحب كتاب "ميشال زكور الفتى المتمرد" الذي تصدر للمناسبة طبعته العربية وتوزع هدية لجميع الحضور، بعد الندوة التي يفتتحها مدير المركز الشاعر هنري زغيب عند الساعة 6:30 مساء الاثنين 8 تشرين الثاني 2010 في قاعة مكتبة رياض نصار – كلية الإدارة والأعمال – مبنى الجامعة الجديد – الطابق الأرضي قريطم – بيروت.

باريس – الطيب ولد العروسي (*) - النهار - الخميس 23 كانون الأول 2010 - السنة 78 - العدد 24078

0 تعليقات::

إرسال تعليق