الأربعاء، 6 يوليو، 2011

نجِّنا من هؤلاء «الأصدقاء»! «مؤتمر ليفي» السوري: نجوم وكومبارس ومبايعة

برنار هنري ليفي
برنار هنري ليفي متحدّثاً خلال مؤتمر عن سوريا في باريس أمس (برتران غاي ــ أ ف ب)
برنار هنري ليفي
هنري ـــ ليفي متحدثاً عن سوريا في باريس أول من أمس (برتران غاي ــ أ ف ب)
شهدت باريس أول من أمس مؤتمراً نظّمه نجم «الفلاسفة الجدد»، الفرنسي المعروف بـ«صداقته» العزيزة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، برنار هنري ـــــ ليفي، كان يفترض أن يكون تضامنياً مع المعارضة السورية. مؤتمر يصلح لأن يكون سيناريو لفيلم ساخر، نظراً لما تخلّله من مزايدات كاريكاتوريّة.
باريس| استقطب «مؤتمر التضامن مع سوريا»، الذي نُظم مساء أول أمس في باريس، بدعوة من مجلة «قاعدة اللعبة» La règle du jeu»، التي يديرها الكاتب الفرنسي برنار هنري ـــــ ليفي، جمهوراً غفيراً، غصّت به قاعة سينما «سان جيرمان»، في الحي اللاتيني من عاصمة الأنوار. وكانت المحطة الأبرز في هذه الفعالية شهادات مؤثرة عن عمليات القمع والتنكيل كتبتها مجموعة من أطفال درعا وشبابها، قرأتها النجمة السينمائية جين بيركين والمخرج كزافييه بوفوا (صاحب «بشر وآلهة»).

ككل نشاط ينظمه عرّاب «الفلاسفة الجدد»، هنري ـــــ ليفي، لم يخل هذا المؤتمر من المفارقات المثيرة للجدل. فرغم أن شخصيات معارضة سورية بارزة اعترضت عليه ودعت إلى مقاطعته (راجع «الأخبار» عدد 1452)، افتتح هنري ـــــ ليفي المؤتمر بالقول إن هذا أول تجمع من نوعه يلتئم فيه شمل المعارضة السورية بمختلف أطيافها، ليعود في نهاية المؤتمر، ويعتذر لأنّ العديد من رموز المعارضة السورية الذين حضروا اللقاء، لم يتمكنوا من الكلام، بحجة... ضيق الوقت!
المغالطات الكثيرة التي حفل بها المؤتمر بدأت بشريط عُرض في الافتتاح، على أساس أنه يصوّر أعمال قمع المتظاهرين في سوريا، وإذا به يتحوّل إلى مرافعة ضد القومية العربية، بوصفها «سبب التسلط والاستبداد»!. لم يقتصر الأمر على انتقاد حزب البعث السوري، بل تم إقحام جمال عبد الناصر، بحجة أن الوحدة مع مصر (لا الانقلابات العسكرية) هي التي قضت على الديموقراطية في سوريا، لأن شرط عبد الناصر للوحدة كان وضع حد للتجربة البرلمانية التعددية في سوريا! وقارن الشريط ذاته بين أعمال قمع المتظاهرين في سوريا مع الإبادة النازية. الشيء الذي أثار حفيظة برنار شالشا، الكاتب المعروف بميوله الصهيونية، وشريك برنار هنري ـــــ ليفي في تنظيم هذا المؤتمر وتنشيطه، فاعتذر الأخير عن ذلك، قائلاً إنه «لا يجوز مقارنة ما هو غير قابل للمقارنة»!. وأضاف: «نحن نأسف لذلك، فنحن لسنا من أعدّ هذا الشريط، ولا تتحمل اللجنة المنظمة مسؤولية ما ورد فيه».
لا شك في أن دافع برنار شالشا هنا لم يكن الحرص على الموضوعية أو الاعتراض على المبالغة الواضحة في مقارنة القمع في سوريا ـــــ رغم ما يتسم به من عنف ودموية ـــــ بالمحرقة النازية. إلا أن سبب الاعتراض، بالنسبة إلى هذا الصهيوني المتطرف، أن «آلام «الشعب اليهودي» لا يمكن مقارنتها، لأنها فوق كل آلام البشرية».
هذه الخلفية الصهيونية لم تلبث أن برزت مجدداً في أروقة المؤتمر، حين قامت فتاة سورية من الجمهور، وغادرت القاعة قائلة بغضب: «لا يوجد أي معارضين سوريين في هذه القاعة، كل من هنا صهاينة»!. ورغم أن غالبية الحضور قابلت ذلك بالضحك والسخرية، لم يتمالك برنار شالشا عن التعليق قائلاً: «أودّ التذكير بأن كلمة صهيونية هي المصطلح المهذب الذي يُستعمل في أدبيات البعض بدل كلمة يهودي»!. عندها، انبرى شخص فرنسي من الجمهور للرد على شالشا بحدّة: «عمَّ تتحدث؟ لا أحد تحدث عن اليهود! أودّ أن أذكّرك أن من يتحدث عن الصهيونية لا يتحدث من فراغ، فسوريا لديها أراض محتلة من دولة صهيونية اسمها إسرائيل!».
وجرياً على عادته، سعى برنار هنري ـــــ ليفي إلى استقطاب الأضواء، مركزاً على كون هذا المؤتمر قد حظي بتأييد أبرز الشخصيات السياسية الفرنسية، من اليمين واليسار على السواء. أما المعارضون السوريون، فقد كانوا أشبه بالكومبارس، حيث أُفسح المجال لسبع شخصيات فرنسية للتحدث طويلاً، وقُرئت خطابات تأييد من ست شخصيات فرنسية أخرى لم تتمكن من الحضور، بينما تم التحجّج بضيق الوقت لعدم إفساح المجال للشخصيات السورية المعارضة كي تتناول الكلمة.
تحدث ليفي في البداية عن بيان قال إنه اشترك في صياغته مع عدد من الشخصيات الثقافية المرموقة، من سلمان رشدي إلى أمبرتو إيكو، ومن وودي ألن إلى عاموس عوز، لمطالبة مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار يدين أعمال القمع في سوريا. ثم وعد بأن «يكون هذا المؤتمر بداية حملة لن تتوقف سوى يوم يغادر بشار الأسد الحكم».
وفي كلمته، اعترض وزير الخارجية الفرنسي السابق، برنار كوشنير، على الفكرة الرائجة التي ترى النظام السوري عامل توازن واستقرار في المنطقة، مشيراً إلى أنّ الديموقراطية هي أفضل خدمة يمكن تقديمها للسلام في الشرق الأوسط، لذا يجب دعم التحول الديموقراطي من أجل كسر محور سوريا ـــــ إيران ـــــ حزب الله». وفي السياق، شدّد كوشنير على أن «من المغالطة القول إن الديكتاتورية تحمي الأقليات، فالديموقراطية تعني التعددية لا الطائفية». وختم بالدعوة إلى مزيد من الضغوط والعقوبات على النظام السوري، زاعماً أن دولاً عربية عدة تؤيد رسمياً المطالب الغربية برحيل بشار الأسد عن الحكم. وأمام تململ القاعة، أضاف: «يمكن أن أعطيكم نموذجاً عن ذلك: تركيا مثلاً»!.
بدوره، اختار الرئيس الأسبق للحكومة الفرنسية، الاشتراكي لوران فابيوس، الفكاهة قائلاً: «حين بدأت الاحتجاجات في سوريا، لم يكن أحد يتصور أن الأمور ستأخذ مثل هذا المنحى الدموي، وأذكر أن دبلوماسياً مرموقاً أكد لي أن الرئيس بشار الأسد لا يمكن أن يكرّر ما حدث في تونس أو مصر أو ليبيا، وكانت حجته أن الأسد اختار دراسة طب العيون، لأنه الاختصاص الجراحي الأقل دموية!».
من جهة ثانية، دعا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي أكسل بونياتوفسكي إلى إشهار سلاح العقوبات في وجه النظام السوري، على قاعدة أن العقوبات الاقتصادية أثبتت فاعليتها في إيران، حيث «النظام في طهران يحتضر ويشارف على الانهيار، بفضل العقوبات الدولية التي حطّمته اقتصادياً».
في غضون ذلك، كانت الناشطة النسائية ذات الأصل الجزائري، فضيلة عمارة، التي شغلت منصب وزيرة شؤون المدينة في بداية عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، الوحيدة التي جازفت بالحديث عن القضية الفلسطينية، إذ أكّدت دعمها لـ«الربيع الديموقراطي العربي»، وعبّرت عن اعتزازها بالأدوار التي تقوم بها النساء العربيات في الثورات الجارية، داعيةً إلى «دعم التطلعات المشروعة لجميع الشعوب العربية نحو الحرية والديموقراطية، بمن في ذلك الشعب الفلسطيني الذي يجب علينا تأييد حقوقه في التحرر والعيش الكريم».
لكن النبرة الصهيونية سرعان ما عادت إلى الواجهة مع مداخلة دومينيك سوبو، رئيس جمعية SOS Racisme، الذي هاجم بشدة من وصفهم بـ«المندسّين» في القاعة من «أذيال النظام السوري»، في إشارة إلى بعض من حاولوا التعبير عن وجهات نظر مغايرة. وجزم سوبو بأن «الذين يتحدثون هنا عن الصهيونية، يزرعون بذور معاداة السامية المقيتة فوق قبور وأجساد شهداء الثورة السورية».
ثم جاء الدور لرمز آخر من رموز «الفلاسفة الجدد»، أندري غلوكسمان، الذي يلتقي مع برنار هنري ـــــ ليفي في توجهاته الصهيونية المقربة من التيار الليكودي. لكن غلوكسمان، بخلاف هنري ـــــ ليفي، الذي يدّعي اليسارية، يشتهر بفكره اليميني المتطرف، حيث تنصبّ أعماله أساساً في محاربة الماركسية. وقد اشتهر، خلال الستينيات والسبعينيات، باشتراكه في الحملات الدعائية المموّلة من الاستخبارات المركزية الأميركية لمعاداة الاتحاد السوفياتي، وتبرير جرائم الطُغم العسكرية في أميركا اللاتينية.
وتخللت هذه المداخلات قراءات لرسائل تأييد من عدد من الشخصيات السياسية الفرنسية التي لم تتمكن من الحضور، وفي مقدمتها مرشحو الرئاسة مارتين أوبري وفرانسوا بايرو وفرانسوا هولاند، فضلاً عن عمدة باريس، برتران دي لانويه، الذي وجّه كلمة للمؤتمر قال فيها إن «باريس تعدّ المعارضين واللاجئين السوريين من أبنائها، وتفتح لهم ذراعيها». كلام دفع بالسينمائي غزافييه بوفوا إلى التعليق، في ختام تلاوته لشهادات أطفال درعا، قائلاً: «خلال النشاطات التي قمنا بها في منطقة كاليه، تضامناً مع اللاجئين الأفغان، سُجن بعض رفاقنا لمجرد أنهم شحنوا هواتف بعض اللاجئين. لذا، حين يقول دي لانويه إن باريس ستحتضن اللاجئين السوريين، أود أن أقول له إن بين الأفعال والأقوال هوّة شاسعة».
وقد اقتصرت مداخلات المعارضين السوريين على لمى الأتاسي (ابنة عبد الحميد الأتاسي)، رئيسة جمعية «سوريا ـــــ فرنسا: ديموقراطية»، وأشرف المقداد، خال الطفل الشهيد حمزة الخطيب، ومحمد كركوتي، الكاتب الإعلامي المقيم في لندن، ورضوان باديني، ممثل الأكراد في جمعية Change Syria for democracy المنبثقة عن «مؤتمر أنطاليا».
وكانت شهادة خال الطفل حمزة الخطيب لحظة مؤثرة جداً، وكانت أقوى من كل الخطب السياسية التي طغت على المؤتمر. بدأت بالاستشهاد بمقولة جان جاك روسو عن أن «المجتمع يجب أن يُحكم من جميع مكوناته». وعبّرت عن رفضها للمقاربات والتلاعبات الطائفية، قائلة: «ما يحدث في سوريا ثورة شعبية، لا خلفيات طائفية أو عرقية لها. وهي ثورة تهدف إلى بناء سوريا حرة وديموقراطية، لا مكان فيها للتسلط أو الطائفية».
لكن المداخلات السورية سرعان ما وقعت هي الأخرى في الطابع التراجي ـــــ كوميدي، الذي كان السمة الغالبة على فعاليات هذا المؤتمر. ففي مداخلته، قال رضوان باديني، الذي تحدث بوصفه ممثلاً للأكراد في ائتلاف المعارضة السورية المنبثق عن «مؤتمر أنطاليا»، قائلاً «أنا ككردي محروم منذ 34 سنة من أبسط حقوقي كمواطن سوري». لكنه بعد دقيقتين، كال مديحاً مستفيضاً لرئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان!
أما الإعلامي محمد كركوتي، فقد اتسمت مداخلته بطابع إنشائي من النوع المضحك ـــــ المبكي، إذ افتتح كلامه بشكر «فرنسا القِيم، شعباً وحكومة، على وقفتها المشرفة إلى جانب الشعب السوري». تحيات أرفقها بكلام أدبي من نوع «في سوريا اليوم ظلام يعمّ في عز النهار، وسيل متدفق من الدماء الغزيرة، فيما الطاغية يقف باسم الثغر، كما لو كان يتأمل أسراباً من الفراشات الجميلة التي تحلق بسلام». وفيما كانت المترجمة تحاول جاهدة إيصال الفكرة إلى الجمهور الفرنسي بأقل «الخسائر» الممكنة، أضاف أنه «في بلدي سوريا انطلق الربيع خريفاً، واستمر إعصاراً. كأن الطاغية يريد أن يغير حتى قوانين المناخ». هنا، ما كان من أحد الظرفاء الفرنسيين إلا التعليق بـ «كأن البلد يعاني مشكلة كهرباء، لا ثورة شعبية».
وفي ختام المؤتمر، فاجأ هنري ـــــ ليفي الجميع باعتلائه المنصة مجدّداً، لتلاوة بيان سماه «قَسَم باريس»، داعياً الحضور إلى الاقتراع برفع الأيدي على هذا النص الذي اختتمه بالدعوة إلى «شرق أوسط حر، شرق أوسط مسالم، تعيش فيه سوريا الحرة بسلام مع جيرانها».
فشل تام لمؤتمر ليفي، والسبب الرئيسي الحملة التي قادها مثقفون وناشطون سوريون على الفايسبوك ضد المؤتمر ومقاطعة رموز المعارضة السورية المقيمين في باريس وإصدارهم بياناً يدين اللقاء، مما عزل المشاركين السوريين، ومنهم جماعة الإخوان المسلمون في شخص ملهم الدروبي.

«حماة الطغاة في موسكو وبكين»

كانت «النهفات» والسخرية من أبرز عناوين مؤتمر باريس. على سبيل المثال، افتتح أندري غلوكسمان مداخلته بمقولة نسبها إلى مثله الأعلى، المعارض الراحل للنظام الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، ألكسندر سولجنستين: «امتحن نفسك باستمرار». وغاب عن «الفيلسوف الجديد» أن صاحب «أرخبيل الغولاغ» استعار تلك المقولة من سقراط! وفوجئ الحضور بأن غلوكسمان في مداخلته صبّ جام غضبه على روسيا لا على سوريا، حتى ساد الانطباع للحظات طويلة بأن الأمر يتعلق بزلة لسان من مخلّفات أيام الحرب الباردة، وأن الهجوم يستهدف نظام دمشق لا موسكو. لكن غلوكسمان لم يلبث أن كشف عن مقاصده، قائلاً: «لا جدوى من إدانة الطغاة، ما لم تشمل الإدانة حُماة هؤلاء الطغاة ورعاتهم، وحماة الطغاة العرب اليوم يوجدون في موسكو وبكين». أما رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي أكسل بونياتوفسكي، فلم يعر اهتماماً للقهقهات والتعاليق الساخرة من كلامه، وواصل مرافعته الحماسية، ليختم قائلاً: «لقد حان الأوان لوضع حد للاستبداد الشرقي»! مما وضع منشّط النقاش، ألكسي لاكروا، في حرج. فحاول تدارك الأمر، قائلاً: «يجب أن ندين الاستبداد بكل أشكاله».

عثمان تزغارت: الأخبار العدد ١٤٥٤ الاربعاء ٦ تموز ٢٠١١

0 تعليقات::

إرسال تعليق