الأحد، 19 يونيو، 2011

الدستور الجديد للمغرب: احتفاظ الملك بسلطات سياسية ودينية مقابل صلاحيات موسعة لرئيس الحكومة

الأمازيغية لغة رسمية.. وتجريم التعذيب والاعتقال التعسفي.. وضمان حرية التعبير.. وسلطات تشريعية واسعة للبرلمان

الملك محمد السادس خلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء، لمناقشة الدستور الجديد للبلاد، في الرباط، أول من أمس (رويترز)
تضمن مشروع الدستور الذي عرضه العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في خطاب للأمة، الليلة قبل الماضية، توسيع صلاحيات الحكومة والبرلمان، مقابل احتفاظ الملك بسلطات سياسية وأمنية ودينية. كما تضمن الحفاظ على «إسلامية الدولة» واعتبار الدين الإسلامي مصدرا للتشريع، ونص من ناحية أخرى على أن اللغة العربية لغة رسمية للبلاد إلى جانب الأمازيغية.
ودعا الملك محمد السادس في خطابه، الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني إلى تعبئة الشعب من أجل التصويت لصالح الدستور الجديد خلال الاستفتاء الذي سيجري في الأول من يوليو (تموز) المقبل. وأعلن العاهل المغربي، أنه سيصوت بـ«نعم» لمشروع الدستور الذي قال إنه يوطد دعائم نظام «ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية»، مشيرا إلى أنه «سيعطي دفعة قوية لإيجاد حل نهائي لنزاع الصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي. وسيعزز الموقع الريادي للمغرب في محيطه الإقليمي».

وأبرز أن الدستور الجديد يتفرد بـ3 مميزات تتمثل في منهجية إعداده وفي شكله وفي مضمونه. وقال إنه لأول مرة في تاريخ المغرب كان هناك حرص أن يكون الدستور «من صنع المغاربة ولأجل جميع المغاربة»، ومن حيث الشكل لأنه «يعتمد على هندسة جديدة شملت كل أبوابه من الديباجة، كجزء لا يتجزأ من الدستور، إلى آخر فصوله، التي ارتفع عددها من 108 إلى 180 فصلا». وقال إنه سيظل مؤتمنا على استمرارية الدولة وهي «دولة إسلامية يتولى فيها الملك إمارة المؤمنين (مفهوم ديني)» وحماية الملة والدين وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، كما يكرس مكانة البلاد، كجزء من المغرب الكبير، والتزامها ببناء اتحاده وبتوطيد علاقات الأخوة العربية والإسلامية والتضامن الأفريقي وتوسيع وتنويع علاقات التعاون والشراكة مع جوارها الأوروبي والمتوسطي ومع مختلف بلدان العالم.

أما الدعامة الثانية فتتجلى في تكريس مقومات وآليات الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأوضح العاهل المغربي أن من معالم فصل السلطات، تقسيم الفصل 19 في الدستور الحالي إلى فصلين، فصل مستقل يتعلق بالصلاحيات الدينية للملك كأمير للمؤمنين ورئيس المجلس العلمي الأعلى (مجلس ديني) الذي تم الارتقاء به إلى مؤسسة دستورية، وفصل آخر يحدد مكانة الملك كرئيس للدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة والضامن لدوام الدولة واستمرارها واستقلال المملكة وسيادتها ووحدتها الترابية، والمؤتمن على الخيار الديمقراطي وعلى حسن سير المؤسسات الدستورية. ويمارس الملك مهامه السيادية ودور التحكيم الواردة في هذا الفصل، استنادا إلى مقتضيات فصول أخرى، علما بأن التشريع يظل اختصاصا حصريا للبرلمان. واستعرض الملك محمد السادس في خطابه المحاور الـ10 الأساسية في الدستور الجديد، وجاء حديثه عنها كالتالي:

المحور الأول: التكريس الدستوري للملكية المواطنة والملك المواطن وذلك من خلال النص على أن شخص الملك لا تنتهك حرمته، وعلى الاحترام والتوقير الواجب له كملك ورئيس للدولة. تحديد بلوغ الملك سن الرشد في 18 سنة بدلا من 16 سنة، أسوة بكافة المغاربة. تخويل رئاسة مجلس الوصاية لرئيس المحكمة الدستورية، باعتبارها مسؤولة عن احترام الدستور. وكذا جعل تشكيلته تضم كافة السلطات الدستورية، وذلك بإضافة عضوية كل من رئيس الحكومة والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فضلا عن الارتقاء بتمثيلية العلماء من خلال عضوية الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.

المحور الثاني: النص في الدستور على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة، إلى جانب اللغة العربية، على أساس التلاحم بين مكونات الهوية بتعدد روافدها العربية والإسلامية والأمازيغية والصحراوية والأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. وقال الملك إن مشروع الدستور يكرس اللغة العربية لغة رسمية للدولة، وينص على التعهد بحمايتها والنهوض بها، وأوضح أنه سيتم «تفعيل الأمازيغية ضمن مسار متدرج، بقانون تنظيمي، يحدد كيفية إدماجها في التعليم وفي القطاعات ذات الأولوية في الحياة العامة، إضافة إلى النهوض بكافة التعبيرات اللغوية والثقافية المغربية، وفي مقدمتها الحسانية كثقافة أصيلة للأقاليم الصحراوية، والانفتاح على تعلم اللغات العالمية الأكثر تداولا وإتقانها».

المحور الثالث: النص دستوريا على كافة حقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميا بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها. وقال العاهل المغربي إن من شأن ذلك أن «يجعل من الدستور المغربي دستورا لحقوق الإنسان»، وفي هذا الصدد تم النص على المواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب وعلى التشريعات الوطنية، ومساواة الرجل والمرأة في الحقوق المدنية، وكذا تكريس المساواة بينهما في كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

وقال إن مشروع الدستور يكرس كافة حقوق الإنسان، بما فيها قرينة البراءة وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتجريم التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وكل أشكال التمييز والممارسات المهينة للكرامة الإنسانية، وكذا ضمان حرية التعبير والرأي، والحق في الوصول إلى المعلومات وحق تقديم العرائض، وفق ضوابط يحددها قانون تنظيمي.

المحور الرابع: ويتعلق بالسلطة التنفيذية، حيث سيتم الارتقاء بالمكانة الدستورية للوزير الأول إلى رئيس للحكومة وللجهاز التنفيذي الذي يتم تعيينه من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، تجسيدا لانبثاق الحكومة عن الاقتراع العام المباشر. وتكريسا للمسؤولية الكاملة لرئيس الحكومة على أعضائه، فإن الدستور يخوله صلاحية اقتراحهم، وإنهاء مهامهم، وقيادة وتنسيق العمل الحكومي، والإشراف على الإدارات الحكومية، حيث تم تخويله صلاحية التعيين في المناصب المدنية وفقا لقانون تنظيمي يحدد مبادئ وتكافؤ الفرص بالنسبة لكافة المغاربة في شغل الوظائف الحكومية على أساس الاستحقاق والشفافية.

ولرئيس الحكومة كذلك أن يقترح على الملك بمبادرة من الوزراء المختصين، في مجلس وزاري، تعيينات في بعض الوظائف الحكومية الكبيرة مثل الولاة والعمال (المحافظين)، والسفراء والمسؤولين عن الإدارات الحكومية، علما بأن التعيين في الوظائف العسكرية يظل من اختصاص الملك باعتباره القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية. كما يخول المشروع لرئيس الحكومة صلاحية حل مجلس النواب، وضرورة استشارة الملك له قبل إعلان حالة الاستثناء (الطوارئ) وحل البرلمان، ويحدد ضوابط كل حالة ضمانا لفصل السلطات وتوازنها وتعاونها.

ولتمكين الحكومة من أساس دستوري لممارسة مسؤولياتها نص الدستور على «مجلس الحكومة» وتحديد وتوضيح اختصاصاته والفرق بينه وبين «مجلس الوزراء»، إذ ينعقد المجلس الوزاري برئاسة الملك بمبادرة منه أو بطلب من رئيس الحكومة، وللملك أن يفوض رئاسته على أساس جدول أعمال محدد لرئيس الحكومة، تعزيزا لسلطته التنفيذية. أما مجلس الحكومة فينعقد برئاسة رئيسها وبمبادرة منه وبتركيبة تشمل كافة أعضائها. ويخول مجلس الحكومة صلاحيات تنفيذية واسعة ذاتية تقريرية وأخرى تداولية تحال إلى المجلس الوزاري ليبت فيها ضمن ما تم الاحتفاظ له به من صلاحيات استراتيجية وتحكيمية وتوجيهية بما فيها الحرص على التوازنات الاقتصادية والمالية التي صارت قاعدة دستورية.

المحور الخامس: سلطة برلمانية، تمارس اختصاصات تشريعية ورقابية واسعة، إذ يكرس مشروع الدستور سمو مكانة مجلس النواب، بتخويله الكلمة الفصل في المصادقة على النصوص التشريعية وتعزيز اختصاصاته في مراقبة الحكومة لا سيما بتكريس مسؤولية الحكومة الحصرية أمام المجلس. ويحتكر البرلمان سلطة التشريع وسن القوانين وتوسيع مجال القانون ليرتفع من 30 مجالا حاليا، إلى أكثر من 60. وينص المشروع على منع الترحال البرلماني (الانتقال من حزب إلى آخر) وحصر الحصانة البرلمانية في التعبير عن الرأي فقط، وعدم شمولها لجنح وجرائم الحق العام. كما تم التنصيص على حذف المحكمة العليا الخاصة بالوزراء، تكريسا لمساواتهم مع المواطنين أمام القانون والقضاء.

أما بالنسبة لمجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) فإن الدستور ينص على أن يتراوح عدد أعضائه بين 90 و120 عضوا، وينص المشروع على تمثيلية نقابية مناسبة، وكذا للهيئات المهنية الأكثر تمثيلية. وبشأن المغاربة في الخارج أعلن العاهل المغربي أنه سيتم تخويلهم تمثيلية برلمانية متى نضجت الصيغة الديمقراطية لذلك، علما بأنهم يتمتعون بحق الانتخاب في مجلسي البرلمان.

المحور السادس: تخويل المعارضة البرلمانية نظاما خاصا وآليات ناجعة تعزيزا لدورها ومكانتها في إثراء العمل البرلماني تشريعا ومراقبة حيث تم تمكينها من حق التمثيل النسبي في كافة أجهزة البرلمان، وتقرر أن يقدم رئيس الحكومة عرض مرحلي حول العمل الحكومي وإجابته على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، وكذا تخفيض النصاب القانوني لتقديم سحب الثقة وتكوين لجان التقصي وإحالة مشاريع القوانين على المحكمة الدستورية، وكذا منح اللجان البرلمانية صلاحية مساءلة المسؤولين عن الإدارات والمؤسسات الحكومية تحت مسؤولية الوزراء المعنيين.

المحور السابع: ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية تكريسا لاستقلال القضاء الذي يضمنه الملك، وذلك بالنص صراحة في مشروع الدستور الجديد، على أن النطق بالحكم حتى وإن كان يتم باسم الملك، فإنه يتعين أن يصدر بناء على القانون. وصيانة لحرمة القضاء، فقد تم تجريم كل تدخل للسلطة أو المال أو أي شكل من أشكال التأثير في شؤون القضاء.

كما تم إنشاء «المجلس الأعلى للسلطة القضائية» كمؤسسة دستورية يترأسها الملك لتحل محل المجلس الأعلى للقضاء وتمكينها من الاستقلال الإداري والمالي وتخويل رئيس محكمة النقض مهام الرئيس المنتدب، بدلا من وزير العدل حاليا، تجسيدا لفصل السلطات. وبموازاة ذلك تم تعزيز تشكيلة المجلس الجديد وذلك بالرفع من عدد ممثلي القضاة المنتخبين ومن نسبة تمثيل المرأة القاضية وبما يضمن انفتاحه على عضوية شخصيات ومؤسسات ذات الصلة بحقوق الإنسان والدفاع عن استقلال القضاء. كما تم توسيع اختصاصات المجلس لتشمل، إضافة إلى تسيير الحياة المهنية للقضاة، مهام التفتيش وإبداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالقضاء وتقييم منظومته.

وتم الارتقاء بالمجلس الدستوري إلى «محكمة دستورية» ذات اختصاصات واسعة تشمل علاوة على صلاحياته الحالي، مراقبة دستورية الاتفاقيات الدولية، والبت في المنازعات بين الدولة والجهات (المناطق)، وتخويل هذه المحكمة صلاحية البت في دفاع المتقاضين بعدم دستورية قانون تبين للقضاء أن من شأنه المساس بالحقوق والحريات الدستورية.

المحور الثامن: جعل بعض المؤسسات الأساسية دستورية، مع ترك المجال مفتوحا لإنشاء هيئات وآليات أخرى لتعزيز المشاركة الديمقراطية بنصوص تشريعية أو تنظيمية، وهذه المؤسسات هي: «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، و«مؤسسة الوسيط»، و«مجلس الجالية المغربية بالخارج»، و«الهيئة العليا للاتصال المرئي والمسموع»، و«المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي»، وتوسيع اختصاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي لتشمل القضايا البيئية. كما تم تعزيز المكانة الدستورية للأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمهنية، ومنظمات المجتمع المدني بتخصيص عدة فصول لكل منها. كما تم إنشاء مجلس للشباب سيكون دوره استشاريا.

المحور التاسع: تعزيز آليات الحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد، وذلك من خلال تعزيز دور المجلس الأعلى والمجالس الإقليمية للحسابات في مراقبة المال العام، وفي ترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وإضفاء صبغة دستورية على «مجلس المنافسة» و«الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة والوقاية منها».

وأعلن الملك محمد السادس إنشاء مؤسسية استشارية في شكل «مجلس أعلى للأمن» يتولى رئاستها ويضم في عضويته رؤساء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والوزراء والمسؤولين، والشخصيات المعنية، كما يختص بمعالجة القضايا الأمنية الاستراتيجية الداخلية والخارجية الهيكلية والطارئة ويشكل مؤسسة للتقييم وتقديم اقتراحات لترسيخ الحكامة الأمنية الجيدة في البلاد.

المحور العاشر، يتعلق بالتكريس الدستوري للجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي)، وسيعتمد على لا مركزية واسعة ذات جوهر ديمقراطي في خدمة التنمية المندمجة البشرية والمستدامة، وذلك في نطاق وحدة الدولة والوطن ومبادئ التوازن والتضامن الوطني والجهوي، حيث تم تخصيص باب للجماعات الترابية (البلديات)، وللجهوية المتقدمة على أن يتولى قانون تنظيمي تحديد اختصاصات الدولة والجهات وموارد وآليات وتنظيم الجهوية.

الرباط: لطيفة العروسني - الشرق الأوسط 19 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق