الاثنين، 20 يونيو، 2011

تحمل أسراراً كثيرة وتختصر مراحل سياسية وثقافية وحضارية.. الطوابع البريدية والمالية مختلفة... شغف وأكثر


الطوابع البريدية والمالية
الطوابع البريدية والمالية
الطوابع البريدية والمالية
Free Image Hosting at www.ImageShack.us
الطوابع البريدية والمالية
الطوابع البريدية والمالية
الطوابع البريدية والمالية
هو أكثر من ضريبة أو أجرة نقل، وأكثر من مجرد قصاصة صغيرة تُوضع على الطرود والمغلّفات والمراسلات... انه الطابع البريدي الذي تحوّل قيمة حقيقية، و"سفيراً طائراً" يجوب العالم أجمع.
الطابع البريدي يحمل في طيّاته أسراراً كثيرة، وتاريخاً يختصر المراحل السياسية والثقافية والحضارية التي يمر بها كل بلد. فما هو الطابع البريدي وكيف يصدر، ومن هي الجهة التي تصمّمه، وكيف تحوّل من ورقة رسمية إلى "شغف" في ذاته؟
يُعرّف رئيس مصلحة الشؤون المالية في المديرية العامة للبريد في وزارة الاتصالات جوزيف عواد الطابع البريدي بأنه "عبارة عن أجرة تخليص ومعالجة خدمة بريدية مقابل بدل مادي يُغطي وضع الرسالة أو المادة البريدية ونقلها وإيصالها إلى المورد بعد توزيعها. وتشكّل كل هذه العناصر مجتمعة رسم كلفة البريد ومعالجته. وهو نوع من الضرائب غير المباشرة التي تفرضها الدولة على الخدمات التي تقدّمها".
يختلف الطابع البريدي عن الطابع المالي، وبحسب رئيس مصلحة الضرائب غير المباشرة في وزارة المال غازي رمّال، "هناك فارق كبير بين رسم الطابع المالي والبريدي، إلا أنهما يصبّان في الإطار نفسه، ويُستفاد منهما كبدل خدمات تقدمها الدولة. فالطابع البريدي هو رسم خدمة البريد للمواطن، وتحدد قيمته استناداً إلى الأسعار التي تحددها الدولة حيث تتولى شركة "ليبان بوست" إدارة هذا القطاع مقابل عمولة تدفعها للدولة بشكل سنوي. أما الطابع المالي فهو وسيلة لاستيفاء رسم على بعض الخدمات التي تقدمها الدولة عبر مؤسساتها الرسمية من جهة، وعلى بعض المستندات والأوراق المالية التي ينظّمها الأشخاص في ما بينهم من جهة أخرى. وتذهب هذه العوائد إلى وزارة المال وخزينة الدولة، بينما تمثّل وزارة الاتصالات الجهة الوحيدة المخوّلة إصدار الطوابع البريدية عبر اعتماد آلية معينة تنفّذ وفق الأصول".
بين التذكاري والعادي... قرار
ثمة نوعان من الطوابع البريدية: العادي والتذكاري. "الأول يصدر بقرار من وزير الاتصالات وبناء على اقتراح المديرية العامة للبريد وجهات أخرى، ويتم ذلك من دون الحاجة إلى طرحه على طاولة مجلس الوزراء، بينما لا يمكن إصدار الثاني إلا بعد طرحه على مجلس الوزراء والتصويت عليه لأنه يتضمّن شيئاً من السياسة. ويمكن الوزير أن يقرر نوع الطابع نظراً إلى السلطة الاستنسابية التي يتمتّع بها.
عندما يتم وضع الطابع العادي في التداول، يُباع في الوكالات البريدية وفي المكاتب المعتمدة، وخصوصاً في فروع "ليبان بوست" المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية. ويبقى مطروحاً في الأسواق إلى أن ينفد، أو إلى أن يُسحب لسبب أو لآخر، إما لتغيّر التعرفة، أو بعد كشف تزوير معين لهذه الأوراق".
إصدارات تلخّص تاريخ لبنان
وعادة ما تطرح الدولة كل مرة إصدارات جديدة من الطوابع التذكارية لتكريم عدد من الشخصيات السياسية والثقافية والفنية، أو لمناسبة إحياء ذكرى أو حدث وطني أو دولي مهم. وعلى سبيل المثال فقد أصدرت الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس إميل إده عام 1937 طابعاً تذكارياً يمثّل البيت اللبناني التقليدي للدلالة على صورة لبنان الثقافية سعياً إلى نشرها في العالم أجمع. وعام 1944 وبعد سنة من نيل الاستقلال من سلطات الانتداب الفرنسي، أصدرت الحكومة 10 طوابع تذكارية كتب عليها الرئيس بشارة الخوري بخط اليد تاريخ الاستقلال". وتباعاً، أصدرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة مئات الطوابع التذكارية والعادية التي لخصت أبرز المحطات التي مرّ بها "وطن الأرز". من مؤتمر الطب العربي  الذي عقد في بيروت أواسط الثلاثينات، مروراً بمؤتمر سان فرنسيسكو الذي أنهى الحرب العالمية الثانية، وافتتاح مطار بيروت الدولي، ومؤتمر القمة العربية غداة الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956، ودورة الألعاب الاولمبية التي نظمت في ميونيخ، من دون إغفال عشرات الطوابع التي جسدت أبرز المعالم التاريخية والحضارية للبنان، وتلك التي استذكرت الفنانين والشعراء وملكات الجمال والفلاسفة.
من يصمم الطوابع البريدية؟
يلفت عواد إلى أن "شركة ليبان بوست هي الجهة التي تتولى عملية صنع الطابع البريدي بحسب العقود الموقعة مع وزارة الاتصالات، وتشمل العملية التصميم والتنفيذ بعد عروض الأفكار وموضوع الإصدار وأهدافه، وعادة ما يتم تكليف فنان أو رسام أو متخصص لتصميم الطابع في مقابل بدل مادي معين".
عام 1925 استقدمت سلطات الانتداب الفرنسي فناناً فرنسياً لتصوير وتصميم أكثر من 13 طابعاً بريدياً تبين المعالم التاريخية والطبيعية البارزة في لبنان، ومن بينها بيت الدين وبيروت وبعلبك وصيدا والمختارة وطرابلس. وفي أعقاب الاستقلال، عهدت الحكومة اللبنانية إلى الرسام الروسي بول كورولسف الذي استقر في بيروت مهمة رسم الطوابع وتصميمها، ليعمد بعدها إلى تكليف مجموعة من الفنانين اللبنانيين القيام بهذه المهمة، وكان من بينهم مصطفى فروخ الذي يعتبر من أشهر الرسامين التشكيليين العرب في القرن العشرين، وأحد رواد الفن اللبناني الحديث.
عام 2001 أطلقت "ليبان بوست" بالتعاون مع وزارة الاتصالات مسابقة مفتوحة لتصميم طابع بريدي يتناول الذكرى الأولى لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. حينها فازت هبة مكداشي بالمنافسة، وتم اعتماد تصميمها في طابع يُخلّد ما قامت به المقاومة والشعب اللبناني على الجبهة الجنوبية.
مكداشي التي تدرّس اليوم مادة "الغرافيك ديزاين" في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت تستمر في "صناعة التاريخ" عبر تصميم الطوابع البريدية للدولة اللبنانية منذ أكثر من 10 سنين. وتؤكد مكداشي لـ"النهار" اهتمامها الكبير بالطوابع "باعتبارها جواز سفر لبنان إلى الخارج، ورسالة حضارية ترفع اسم لبنان ومكانته ودوره وصورته في كل أقاصي الأرض". نفذت مكداشي منذ عام 2001 حتى اليوم أكثر من 48 طابعاً تناولت أكثر من فكرة وذكرى. وتجري عملية التنفيذ بحسب مكداشي على مراحل عدة: "فبعد صدور قرار الإصدار وتحديد الموضوع، يُعمد إلى مناقشة الشكل الأساسي للطابع عبر عقد جلسات من العصف الذهني بالتعاون مع المعنيين، وبعد تحديد الفكرة والألوان والإخراج تبدأ مرحلة التصميم، على أن يصار إلى اختيار الطابع المناسب واعتماده بعد تقديم عينة من الاقتراحات والأعمال".
هواية تجميع الطوابع... شغف وأكثر
يُعرف عن هواية جمع الطابع أنها "هواية الملوك" نظرا إلى كلفتها المادية الباهظة في شراء الطوابع القديمة النادرة، إضافة إلى أنها تتطلب الكثير من البحث والجهد والوقت.
يشير عواد إلى أن "عدداً كبيراً جدا من الهواة يمضون عشرات السنين في جمع الطوابع البريدية النادرة لكل بلد، وعادة ما يكون سعر هذه الطوابع مرتفعاً جداً نظرا إلى ندرتها ولعدم توافرها في السوق، إذ يمكن أن يصل سعر الطابع الواحد إلى نحو مليون دولار".
وتعتبر هواية جمع الطوابع مفيدة للغاية. فهي تضيف إلى الهاوي (الذي يتحول مدمناً) المعلومات الجغرافية والتاريخية والسياسية لمختلف بلدان العالم، إضافة إلى أنها معرفة في ذاتها تضاف إلى سلسلة المعارف التي تجعل الإنسان يطّلع عليها. فكلما ازداد الولع في هذه الهواية زادت المعرفة والثقافة والتعلق والتوق لاستكشاف المزيد من المخزون التاريخي البشري الضخم.
شفيق طالب وثقافة البريد
على مدى عقود أربعة أدرك نائب رئيس "الأكاديمية العالمية للطوابع" شفيق طالب أن الطوابع البريدية أو "الوثائق المنمنمة" السهلة التداول والجماهيرية الاستخدام هي خير نموذج لإظهار الحقائق ولسرد الوقائع، ولعرض وجوه من مجريات الحياة اليومية، وللتذكير بالمناسبات والتواريخ المشرق منها والمؤلم، فجعلها على رأس انشغالاته وهواياته. ومع الوقت، تحولت "هواية" طالب في جمع الطوابع وتوثيقها "شغفاً وأكثر"، فأصدر عام 2001 بالتعاون مع ابنته هدى كتاب "لبنان في طوابعه" عن "دار النهار"، حيث تم تصنيف عمله المميز كـ"كتاب رائد" من جانب إدارة متحف البريد في باريس، ليتحول منزله في عاصمة الجنوب صيدا إلى ما يشبه متحفاً مصغراً يضم مجموعة هائلة من الطوابع البريدية من مختلف دول العالم.
يُطلعنا طالب على طوابع المملكة العربية السعودية حيث التمور وصور الصحارى والجمال والحياة البدوية، إضافة إلى الطوابع الخاصة بعائلة بن سعود وبن عبد العزيز والأسرة الحاكمة. وفي مكتبته مجموعة كاملة تختصر تاريخ اليمن وليبيا ومصر والأردن وسائر الدول العربية، إضافة إلى مجموعات بريدية لعدد من الدول الأوروبية والغربية والشرق آسيوية، فبدا الأمر وكأنه بحثا في التاريخ وعودة مذهلة إلى الوراء.
وبدافع "الحشرية" اطلعت "النهار" عن كثب على المجموعة الخاصة بالجماهيرية الليبية التي تعيش اليوم ثورة غاضبة على نظام العقيد معمر القذافي الذي يواجه الثوار. وما أشبه اليوم بالأمس، إذ تذكر بعض الطوابع التي تصور المقاوم الليبي عمر المختار في مواجهة الاحتلال الايطالي بما يقوم به الشعب الليبي اليوم من رفض لاستمرار الاستبداد الداخلي على حساب كرامته ومستقبله. واللافت في الأمر آلاف الإصدارات التي تجسد "عظمة" القذافي وصورته الناصعة بجانب الخيمة التي ينصبها أينما حل. وقد نالت ممرضاته وحارساته من الجنس اللطيف إلى جانب صور الدبابات والقاذفات حصة الأسد من هذه الإصدارات "الغريبة" تماماً كشخصية "ملك ملوك أفريقيا".
يعتبر طالب أن نشر ثقافة الطابع أمر في غاية الأهمية، "لأن المساهمة في تعريف الناس على هذه الهواية تعزز صورة التبادل الحضاري والثقافي بين الشعوب بمختلف انتماءاتها وأعرافها وعقلياتها". فالطابع "أصبح دليلاً عالمياً بامتياز ترعاه مؤسسات كبيرة عبر الجمعيات والمنظمات العالمية المختصة". وانطلاقاً من هذا الحرص، يُنظّم طالب مجموعة من المعارض المفتوحة لكل الناس والشباب وطلاب المدارس والجامعات "لحثهم أكثر على التعرف على الحوادث التي شغلت العالم في أزمنة مختلفة من خلال الطابع البريدي"، الذي تحوّل "إلى كتاب تاريخ مفتوح يحكي ويُخبر عن الماضي".
"النهار" زارت برفقة طالب معرض "ذاكرة لبنان" الذي يقيمه في "دهاليز" خان الإفرنج التاريخي على مقربة من منزله الصيداوي. المعرض غني بمضمونه التوثيقي والتاريخي. فتأخذك القصاصات الصغيرة المعلّقة سنوات وسنوات إلى الوراء، تتعرّف من خلالها على لبنان الحقيقي برجالاته وانجازاته ونكساته وأبرز أحداثه بعيداً من أي تحوير أو التباس.
من الأبجدية الفينيقية مروراً بفخر الدين والإمام الأوزاعي وجبران خليل جبران وجبال الأرز وهياكل بعلبك وقصر بيت الدين، ومن مئوية الجامعة الأميركية، إلى تكريم الصليب الأحمر اللبناني ومكسيم شعيا وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض ورفيق الحريري وأبطال المقاومة... جولة ممتعة في أرجاء "الخان" يستمر فيها طالب بالإشارة إلى أهمية ما تم تنفيذه. فيقول بين كلمة وأخرى بحماسة شديدة: "هيدا لبنان... هيدا تاريخ لبنان الحقيقي". ويضع طالب مجموعته اللبنانية في تصرف الجيل الشاب "الذي يفترض به دخول هذا العالم المميز للتعرف على كبار الأدباء والفلاسفة، وعلى المعالم السياسية والسياحية والطبيعية، وعلى موقع لبنان الثقافي من خلال الطابع البريدي الذي يحمل في طيّاته فنّاً راقياً ورسالة مهمة للتبادل الحضاري العالمي".
إصدارات جديدة
وكان وزير الاتصالات قد اقرّ نهاية العام المنصرم، وبناء على طلب "جمعية الميدان" إصدار أكثر من مليون وخمسمئة ألف طابع بريدي عادي لرئيس الجمهورية سليمان فرنجية من فئة 1000 ليرة لبنانية. كما تم التوقيع على قرار إصدار مجموعة من الطوابع البريدية لعدد من الفنانين والشعراء والممثلين اللبنانيين تكريماً لانجازاتهم، ومن بينهم الفنانون فيروز وصباح ووديع الصافي والممثل نبيه أبو الحسن وحسن علاء الدين وفرقة كركلا والشاعر سعيد عقل (...) ويجري حالياً وضع اللمسات الأخيرة على شكل هذه الطوابع وتصميمها قبل طرحها في الأسواق في اقرب وقت ممكن. وفي انتظار "جديد" الطوابع البريدية التي شارفت هبة مكداشي الانتهاء من تصميمها، يشير عوّاد إلى أن "الثورة المعلوماتية والتكنولوجية التي تجتاح العالم بشكل غير مسبوق أدت إلى تقلّص قطاع البريد وخدماته إلى أدنى مستوياته، ليتحول البريد الالكتروني خدمة بديلة ورديفة على حساب الرسائل والطرود". ويبدي خشيته من أن تؤدي هذه الثورة إلى "الإطاحة بهذا القطاع نهائياً بعد فترة من الزمن". أما طالب فشاء أن يكرر دعوته المفتوحة للشباب إلى ضرورة الاهتمام بالطابع البريدي، مُطالباً السلطات اللبنانية "بإدخال الطوابع البريدية في المناهج التربوية ليصار إلى تدريسها والاطلاع على محطاتها وللإفادة من مخزونها التاريخي الغني".

سلمان العنداري – النهار 19 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق