السبت، 4 يونيو، 2011

ما تيسر من سورة الارتياب

1- بداية الكلام -

أعترف مجددا بأنني لست بمحلل سياسي، ولست بخبير استراتيجي كذلك، كما أنني لست بمنظر حزبي أو من أولئك الشعراء الذين يتبعهم الغاوون. وأعترف بأن علاقتي بالسياسة والأحداث الجسيمة لا يحركها موقف عقائدي أو فكري ... ولا مادية ديالكتيكية أو تاريخية ... ولا علاقة لها بالمدرحية ولا بنشوء الأمم، بل، بما وهبتني أرضنا الطيبة من إحساس فطري بالخطر إذ يتهددها. ولذلك، فان ما في قلبي على لساني، وما على لساني أكتبه حبرا ينزف قطرات ندى على حبة عنب، عسى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

2- تضامن -

أثناء حصار بيروت في العام 1982، كانت القيادة الفلسطينية وشقيقتها الحركة الوطنية اللبنانية مصابة بحالة من الاندهاش، بل الصدمة، من الصمت الشعبي والرسمي العربي تجاه الاجتياح بعامة وحصار بيروت، عروس العواصم العربية، خاصة.

وبما أن رحمة الرب واسعة، فقد وقع ما لم يكن بالحسبان، إذ تمخضت إحدى العواصم العربية عن مظاهرة لم تشهدها البلاد منذ استقلالها. وبالطبع، تهلل المحاصرون واستبشروا بعض الخير والأمل الذي كان قد بدأ بالنفاذ. وكي تتهلل في بيروت وتستبشر خيرا لا بد من ممارسة الطقوس اللازمة لتلك المناسبة، وهذا يعني إطلاق النار على السماء.

لقد تهللنا لدرجة أننا "بخّشنا" أبواب السماء ونوافذها من كثرة رصاص الابتهاج الذي أطقناه، وأكاد أجزم أن الرصاص الذي أطلق في ذاك اليوم على السماء فاق ما أطلقناه على العدو، حتى أن بعض الأسلحة، التي لم نعرفها من قبل، استخدم للمرة الأولى ابتهاجا بتلك المظاهرة العرمرمية.

دقائق نشوة قليلة مرت على "تبخيشنا" زجاج السموات السبع قبل أن يغضب علينا ملكها ويعيدنا إلى حالة الاحتضار والترقب والاندهاش مرة أخرى ... فقد انهمرت أخبار المظاهرة العرمرمية العربية على رؤوسنا بشكل أكثر بربرية من الحذاء الذي أصاب شرف أمريكا عبر رئيسها جورج بوش الابن، إذ لم تكن تلك المظاهرة سوى ابتهاجا بفوز فريق كرة قدم بإحدى مباريات المونديال.

وبما أنه لا يأس مع رحمة الله، فقد فازت الشقيقة إيطاليا بكأس العالم، وقام الفريق الايطالي الشقيق الفائز بكأس العالم، وعلى الرغم من أنه من بلد "عقر الصليبية"، بتقديم انتصاره والكأس إلى فلسطين ولبنان وإلى مقاتلي الحرية المحاصرين في بيروت.

عاشت إيطاليا حرة عربية ...

وسقطت الدول العربية ...

3 – كرامة كانت نائمة –

واليوم ... وبعد إحباطات الانسحاب من بيروت وفشل المشروع الوطني وما تلاه من مجازر في صبرا وشاتيلا والبنية وعبية وكفرمتى الخ ... ومن ثم اغتيال الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وبعد الاكتئاب القومي الجماعي الذي أحدثه اتفاق أوسلو ... مرورا بمجزرة قانا الأولى والثانية أيضا وصولا إلى محرقة غزة، حتى كدنا نميل إلى الاعتراف بأن الله لا بد من أن يكون يهوديا ... يفاجئنا القادر على كل شيء برحمته مجددا.

لكنني، وبكل ما أوتيت من حاستي الشك والريبة، تلك الميزة التي ورثتها عن المرحومة الثورة الفلسطينية وشقيقتها الحركة الوطنية اللبنانية، فقد تفاعلت بحذر مع الرحمة الهابطة فجأة علينا من تونس. وكيف لا، ومنذ نعومة أظفارنا يتم تلقيننا أن الخلاص يأتي دائما من فلسطين أو من شمالها.

أأكون جاحدا وخائنا لدم من سقطوا إذا ما قلت أن ضربة كف ليست كافية لإقناعي بأنها السبب المباشر في سقوط المتصابي زين العابدين؟

أأكون ناطقا كفرا إذا ما تساءلت كيف لمأساة أسماء، الطفلة الجنوبية اللبنانية التي فقدت والديها ونصف دماغها في عدوان عناقيد الغضب.... وكيف لابتسامة أمل وهي ميتة، أمل حجو، الطفلة الفلسطينية التي لم تكمل الشهرين من عمرها والتي فجر صدرها رصاص جندي يهودي ... كيف لم تستطع تلك النجمتان الملائكيتان من تحريك ضمائر وشوارب الأمة؟

هل كان ضروريا أن يحرق البو عزيزي نفسه بسبب صفعة أنثى كي يكتشف الشباب العربي بأنه يعيش بلا كرامة؟

ولولا "أن بعض الظن إثم" ... لتماديت في القول بأن الإحساس بامتهان ذكوريتنا هي الدافع الأقوى لانتفاضاتنا وثوراتنا المحدثة.

أعلم مسبقا بأن ما أقوله سيسجل علي ... كما أنني متيقن بأن ما أكتبه سيؤدي إلى حذفي من قائمة اتصال الكثيرين من المناضلين الأشاوس والأصدقاء والمعارف ... بل، وسيفتح أبواب العداء والمكيدة والتشفي المفتوحة أصلا.

لكن تساؤلاتي طفولية ... بل وساذجة ... وعلى الرغم من ذلك لم أحصل على إجابات عنها من أصحاب الشأن.

4- ثورة وثوار –

بإحساس عفوي لا يحتاج إلى دراسة النظرية الجدلية، ومنذ اللحظات الأولى التي استتبعت ضربة الكف الأنثوية السيئة الذكر، قلت بأن نبوءة جورج بوش الابن ومن قبلة الأب في طريقها نحو التجسد . لقد نجحت دوائر الاستعمار القديم الجديد في تنفيذ مشروع الفوضى الخلاقة والمنظمة، بعد فشلها الذريع في العراق... لكن هذه المرة فقد أتقنوا الدرس جيدا... دونما تكلفة في الأرواح والمعدات والعتاد والأموال، المدفوعة أصلا من حسابات النفط الخليجي البنكية.

هل يستطيع أي كان أن يقنعني بأن "الثورات العربية" المستجدة هي جهد فردي فايس بوكي؟ إذ هل من المعقول لنظام زين العابدين ومن بعدة بقليل نظام حسني مبارك أن يتهاويا وينتهيا وهما حليفا العدوين الرئيسين، أمريكا وإسرائيل، وبمجرد كبسة لايك؟

وكي لا يفسر كلامي في غير موضعه، فأنا لا أنكر بأن من رحل عنا في كل من ميداني تحرير تونس والقاهرة، قد قدم روحه طواعية، وبإخلاص ونية وطنية صادقة وشريفة. لكن من حقي أن اسأل لماذا لم يرفع شعار يتيم واحد يشير إلى تبني تلك "الثورات" لقضية فلسطين؟

الشعب يريد إسقاط النظام ... إرحل ... Deagage’.

وها قد سقط النظام في كل من تونس ومصر، فما الذي تغير؟

الشعب لما يزل جائعا ... ولا زالت هراوات البوليس نمجد الخالق على أجساد المواطنين ... ولا يزال رجالات النظامين في موقع القرار... إلا أن الأهم هو أن "الثوار" نسوا كل المطالب المحقة التي انتفضوا لأجلها ولم يتبق لديهم من مشاكل سوى التظاهر لمحاكمة رئيس مخلوع وبالتالي إعدامه.

أين "الثوار" وموت الخوف من الدكتاتور؟

لماذا، بعد الانتصار الأسطوري والحضاري المعمد أمريكيا، لم يدفن أولئك "الثوريون الجدد" خوفهم ويتجهون نحو معبر رفح وفتحه عنوة والمرابطة عنده؟ لن أقول إكمال المسير لتحرير فلسطين ... بل يكفيني فتح معبر رفح من قبل "الثوار" وضمان عدم إغلاقه لأشهد بأن تلك الثورات قد قامت لاسترداد كرامة مفتقدة.

هل أصبح الموظف في شركة غوغل الأمريكية – اليهودية أكثر قدسية من جمال عبد الناصر؟

ومن باب العلم بالشيء، فإن فلاديمير أوليانوف لينين الجديد، وائل غنيم، وبعد أن أفحمنا بالدور الذي لعبه تكنولوجيا في إشعال فتيل الثورات العربية كونه متيم بحب الوطن ، وبعد بكائه وشهيقه وزفيره على من استشهد ... سألته الصحافية عن موقفه من الصراع العربي – الإسرائيلي وموقفه الشخصي من قضية فلسطين فتململ وغمغم ونطق كفرا بالجواب التالي: "أنا ما بتدخلش في السياسة وما بحبهاش".

ولك روح ... الله يخليك لإمك ...

بالله عليكم ... كيف لي ألا أقتنع بعد تلك الإجابة الإلهية المقدسة بأن جهة مجهولة، لا، ... بل جهات معروفة، قد التقطت حادثة البو عزيزي وبنت عليها وحركت أدواتها في البلدان "الثائرة" حاليا ... كل حسب ظروف وواقع البلد الذي فيه ... بل واستغلت حماس الوطنيين والراغبين في التغيير فعلا.

(ملاحظة هامشية: تخطيط مخابراتي امبريالي بعقلية لينينية ثورية وهذا يثبت فشلنا كيسار في فهم نظرية الثورة لدى الرفيق لينين).

ما هذا الرابط العجيب بين عدم اهتمام المحرر والمخلص وائل غنيم بالسياسة وبين ازدياد نشاط الموساد في تونس بعد نجاح "الثورتين" التونسية والمصرية ... وما الرابط السري بين نشاط الموساد في تونس وإعلان "الثوار الليبيون أبناء الرجل الأخضر" نيتهم واستعدادهم لإقامة علاقات طبيعية وكاملة مع الدولة اليهودية المسخ؟

وأخيرا وليس آخرا، ما الذي يربط كل ما ذكرت آنفا برفع علم إسرائيل في حي السباع في حمص والدوس على صورة أشرف رجال الأمة حسن نصر الله؟

إنها مجرد تساؤلات ... علها تنقذني من حالة التردد فتساعدني في أن أغرم بتلك "الثورات".

5- قبل النهاية –


ما الذي يحصل في اليمن السعيد؟

قبائل وعشائر استفاقت من غيبوبتها لتتذكر فجأة بأن حرب أبرهة الأبرش على قريش لم تضع أوزارها بعد ...

رئيس أنساه القات المقدس بأنه رئيس لكل اليمن واليمنيين ... فاحتكم إلى قانون العشيرة والقبيلة.

"ثوار" في يدهم بندقية أطول وأكثر وزنا منهم ... ينتفضون لإسقاط رئيس بينما مستعدون للموت لحماية زعيم قبلي...

سيذهب صالح ويأتي أحمر ... ودم قتلى العشائر لا يبرد ....

عشائر ... قبائل ... بطون ... أفخاذ ... تقتتل فيما بينها لإسقاط رئيس ودعم شيخ عشيرة ... يقتتلون... يقتلون ويُقتلون .... طوال الأسبوع وعلى مدار الساعة ما عدا يوم الخميس ...

كل مساء خميس ... يتوحد اليمن السعيد دون سابق إنذار إلى ما بعد صلاة الجمعة ... ويتوحد حكما معه جميع القبائل والعشائر ... وجميع شيوخ القبائل والرئيس ...

يا ليت كل أيام الأسبوع يوم خميس ... لكنت أقمت للقات نصبا تذكاريا ...

عاش القات حاقنا لدماء المسلمين ...

عاش القات لاغيا للنعرات القبلية والعشائرية ...

عاش القات ... سبب توحيد اليمن السعيد بقبائله وحكومته وشيوخه ورئيسه ووزرائه...

وللحديث بقية ... المقالة القادمة عن البحرين ولبنان وسورية ...

___________________

وليم نصار ** مؤلف موسيقي - أكاديمي - وناشط سياسي .. موقع إلكتروني: http://www.williamnassar.eu.pn - الحوار المتمدن - العدد: 3386 - 2011 / 6 / 4

0 تعليقات::

إرسال تعليق