الخميس، 16 يونيو، 2011

أمير الدولتين - الأمير أمين آل ناصر الدين 1876 - 1953

الأمير أمين آل ناصر الدين
هو كبير شعراء العربية في النصف الأول من القرن العشرين، صحفي عريق ، أمير من بيت أصيل، متكلم من الدرجة الأولى، وإنسان بكل معنى الكلمة. ينتسب إلى آل ناصر الدين وإلى الأمراء التنوخيين الذين حكموا في لبنان من القرن العاشر إلى القرن السادس عشر. والده هو الشيخ علي بن يوسف بن ناصر الدين، أول من أنشأ صحيفة درزية، صحيفة "الصفاء" عام 1886 وكانت من أوائل الصحف في العالم العربي. كما تولّى إدارة المدرسة الداوودية عام 1892، وفي عام 1906 أنشأ مدرسة المعارف وأسس مجلة الإصلاح عام 1911. والدته هي السيدة جيهان كريمة بشير بك نكد أحد وجهاء لبنان. أما جدّه لوالده فهو الأمير يوسف بن ناصر الدين من أكابر عصره، تميّز بالعقل والفضل، وتولى منصب وكيل الطائفة. وُلد الأمير أمين في بلدة كفر متى في بيت أدب وعلم وثقافة. فكان بيته مدرسته الأولى وفي العاشرة من عمره، أخذ ينظم الشعر. تعلم في القرية ثم في مدرسة عبيه والتحق بالمدرسة الداوودية، وتفتّحت مواهبه الأدبية وأخذ ينشر المقالات وينظم الشعر. وعُين مدرّسا للغة العربية في المدرسة الداوودية ولم ينهِ بعد المدرسة. وفي عام 1897 أخذ يصدر جريدة "الصفاء" التي أسسها والده واستمرّ في إصدارها حتى عام 1934 وقد برع في نظمه للشعر لدرجة أنه صاغ عام 1901 نشرة من "الصفاء" شعرا حتى الإعلانات نظمها أبياتا موزونة. وفي عام 1917 تسلّم إدارة المدرسة الداوودية. وفي عام 1926 قرر العزلة فانقطع عن الخروج من بيته وأصدر "الصفاء" حتى عام 1934 وبعدها كانت عزلته كلية حتى وفاته في الخمسينات.
كان الأمير أمين شاعرا مميزا أصيلا ولغويا مدققا. وقد شدّد على صحة اللغة إذ رأى باللغة عنصرا أساسيا بالجمال. وقد انتقد كثيرا ما رآه من تهافت أبناء عصره على مدنية الغرب وطرق معيشتهم، مع تنكر لواقعهم وتراثهم وحضارتهم. وقد كثر في شعر الأمير التحسر على الماضي والتغني بمحامده وذكر فضائله ومقارنته بالحاضر. وقد أطلق على الأمير أمين لقب أمير الدولتين أي دولة الشعر والنثر. فقد تفوّق في المقامين على الأمد الأقصى حتى بلغ أعلى مراتب الكلام فكان نثره كشعره، وقد نظم الشعر في مختلف ضروب الشعر وأبدع فيها جميعها.

ألّف الأمير أربعة دواوين هي : ديوان ثمرات الأفكار 1900، ديوان صدى الخاطر عام 1913، ديوان الإلهام 1931 وديوان الفلك 1983 وأصدر معجم دقائق العربية 1952 ومعجم الرافد 1971 وكتاب البيّنات في النقد الأدبي واللغوي عام 1927 وأصدر سبع روايات هي : العاقبة الحسنة عام 1898، حسرات المحبين عام 1899 ، جزاء الخيانة 1908، الجاهل 1908 ، الفتاة المغربية 1909 ، الجاسوس العاشق 1909 وغادة بصرى 1910.

وفي عام 1933 نُظّم في بيروت اجتماع حافل لتكريم الشاعر، شهده جمهور غفير من لبنان وقرى الجبل وفيه من العلماء والأدباء ورجال الصحافة وجهاء من جميع الطوائف، وألقيت فيه الخطب والقصائد، وطُبعت في كتاب فيما بعد، وضمّت ما قالته الجرائد عن هذه المناسبة، وألقى الشاعر قصيدة عصماء في ختام الاحتفال، ذاكرا جميل الذين تحدّثوا عنه، منوّها بفضلهم عليه وهي تمتاز بالتواضع والاعتراف بالجميل، منها الأبيات التالية:

عجبتُ لأهل الفضل يلفتهم مثلي
وما أنا إن عُدّ الرجال بذي فضل
بدا لهمُ عجزي فمنّوا بعطفهم
فكنتُ كذاوي النبت يخضل بالوبل
كثير على مثلي قليل حفاوة
فما لي أرى حفلا يُضمّ إلى حفل
إذا كان شأني عنهم مثل ما أرى
فهل تركوا شيئا لذي الأدب الجزل
يمينا لقد نُوّلتُ ما لا يناله
سوى الكاتب النحرير والشاعر الفحل
وما أنا من هاذين إلا كراصد
يبيت برُقبان السماكيْن في شغل
وما كنتُ في أهل البيان سوى الذي
يسطّر ما يُملى عليه ويستملي
فإن يعلو بي عن رتبتي حسن ظنهم
فكم رفع الميزان ما ليس ذا ثقل
وإن يهبوا لي حلية من ثنائهم
فكم دُرّة يحلا بها مقبض النصل
هم شاطروا الإحفاء بي خيرَ لجنةٍ
يرى الفضلَ فيها مَنْ يرى العجزَ في مثلي
ألا إنني والشكرُ دينٌ كمُعسرٍ
أرادَ قضاء الديْن في سنةْ محل
حسبتُ بياني مُسعفا فدعوته
فكنتُ كمن يدعو إلى البذل ذا بُخل
عصتني القوافي إذ تجلّتْ لخاطري
مناقبكم غُرّا بواهر للعقل
لهن اطراد الماء في جريانه
ومثل انتساق اللؤلؤ الرطب في سدل
فما حيلة المشدوه إن لم تلبّه
قريحة خنذيذ تجود بلا مَطل
عدا طاقتي إيفاؤكم حق مدحكم
فكفّرتُ عن عجزي بوقفة معتلّ
أغضُّ حياءً ناظريَّ أمامكم
كمن قد أتى ذنبا فخاف من العذل
وأحسبُ ما أطريتموني دعابةً
كما قيل للمغلوب يا صاحبَ الخصل
وكنتُ بإهدائي القريض إليكمُ
كذاك الذي أهدى العذوق إلى النخل 

.....

عُجْ بـالـمديــنة زائراً وتَشهَّدِ _____ واقنِ الخشـوعَ لـدى ضريحِ محـــمّدِ
وقـلِ السلامُ عـلـيكَ يــا قطبَ الهدى _____ ومـنـارَهُ وشفـيعَ كلِّ موحِّد
أَزْرَتْ بأمّتكَ الخطـوبُ فخــــــــــــــالفتْ ___ مـا قـد سَنَنْتَ وقـد يضلُّ الـــمهتدي
وتـنـاستِ القـرآنَ تزعــــــــــــــم أنه ____ قـيـدٌ لطـالـبِ عزَّةٍ وتَجــــــــــــــــدُّد
واستبـدلـتْ بـالغُرِّ مـن آيــــــــــــاتهِ _____ نزغاتِ شـيـطـانٍ ومـنطقِ مُلـــــــــــــحد
وغدا حديثُكَ عـندهـا ألهـــــــــــــــيَّةً _____ تـرويـه بـيـن تهكُّمٍ وَتلـــــــــــــــدُّد
هـذي طـوائفُهـا سـواسـيةٌ عـــلى ___ خطـواتِ مـن ضلُّوا تــروح وتغتدي
والثـابتـون عـلى الهدى مـن جَمِّهــــــــا ______ مـثلُ الغرافةِ مـن خِضَمٍّ مُزبــد
أهدى إلـيـهـا الغَربُ مـن عـــــــــاداتهِ ___ مـا حطّهـا بعـد العـــــــــــلا والسُّؤدد
فإذا الـبراطلُ أصـبحتْ تـيجـانَهـــــــــا ____ يُزهى بـهـا فـي الـحفل كلُّ مَســــــــــوَّد
وتسـاقطتْ عـن هـامهـا فـــــــــوق الثَّرى _____ بـيضُ العـمـائمِ فـي الزمـان الأســــــود
وإذا الغواةُ الـمـلـحدون بأَسْرِهـــــــــم ___ مُستهـزئون بكلّ مـن لــــــــــــــم يُلْحِد
إنْ قـيلَ لا تَدَعـي الـحفـــــــــاظَ تَردّدتْ __ أو قـيل كُفِّي عـنه لـم تَتـــــــــــــردَّد
قـالـتْ: ألسنـا الـيـومَ فـــــــــي حُرّيةٍ ___ فـمـن الغبـاوة أن نُفكِّر فـــــــــي الغدِ
ومـن الضلالة أن نُجـانـبَ مـا نُهـــــــوا _____ عـنه ككلّ مُغفَّلٍ م
الـدِّيـنُ فـي نظر الـحكـيـــــــــمِ خرافةٌ _____ تُروى ويـومُ الفصلِ أبعـدُ مـوعــــد
وهل الـذي يـدعـونه شـرفـاً ســــــــــوى _____ لفـظٍ بـه يجـري لسـانُ مُعـربـــد
شـرفُ الـذكـيِّ إذا الرجـالُ تَفـــــــاخروا _____ هـو أن يعـيشَ الـدَّهـرَ غـيرَ مُقـــــــــيَّد
وفضـيلةُ العصريِّ أن يجـــــــــــــري إلى ___ لـذَّاتِه جـريَ السبـوحِ الأجـــــــــــــرد
ويُحِلَّ مـا قـد حـرَّمتْهُ جـمـــــــــــــاعةٌ ____ أبـداً لهـا يـقف الجنـونُ بــــــــــمَرصد
وحجـابُ ذاتِ الخِدْرِ مـنقصةٌ لهــــــــــــا __ تُخْفـي مـلاحةَ خدّهـا الـمتــــــــــــورِّد
مـا القـاصراتُ الطَّرفِ إلاّ نِســـــــــــوةٌ _____ نظرتْ إلى الـدُّنـيـا بعـيــــــــن الأرمد
والعـريُ مـن سنن الطبـيعةِ فـالـتـــــــي __ تأبـاه يُذبـل داؤُهـــــــــا الجسمَ النَّدي
كـم زهـرةٍ سُتِرَتْ فزالَ زهـاؤهــــا _______ وأراكةٍ لُفَّتْ فلـم تتـــــــــرأَّد
والرقصُ للفتـيـات خـيرُ ريـــاضةٍ ____ وشهـودُهـا الـتـمـثـيلَ خــــيرُ مُسدِّد
وتعـاشـرُ الجنسـيـن خـيرُ مُهـــــــــــذِّبٍ ______ بـيـن الـمغاورِ والرُّبى فـي الفَدْفَد
ومكـارمُ الأخلاقِ يُؤتـاهــــــــــا الفتى ______ فـي السـيـنمـا والـحـانِ لا فـي الـمسجـد
مـا جنةٌ قـد حدَّثـوا عـنهـا ســــــــــوى ______ وَهْمٍ تَمـثّلَ لامـرئٍ مُتزهِّد
وعِدُوا بـهـا كـالطّفل يُوعَد مــــــا اشْتهى _____ مـن مُعجِزٍ فكأنّه لـم يُوعَد
مـن شـاء إدراكَ النّعـيـمِ الــــــــمبتغى _____ فَلـيْثـوِ فـي الـمـاخـور دون الـمعبـــــد
فهـنـاك يـنعـم هـانئاً فـي جَنّةٍ ______ من وجه آنسةٍ ووجنةِ أمْ
وهـنـاك يرتشف الـمُدَامَ وكأسُهـــــــــــا ____ زهـراءُ مـثلُ الكـوكبِ الـمتـــــوقِّد
وهـنـاك أنـواعُ اللَّمـــــــــــــاظةِ جَمّةٌ _____ واللَّحـمُ بـيـن مُرمَّضٍ ومُقـــــدَّد
والـحسنُ بـيــــن مذكَّرٍ ومؤنّثٍ ___ والضمُّ بـيـن مخـــــفَّفٍ ومُشدَّد
ولـيـهـــــــزأنَّ بِقَانِتِيْنَ وخ ____ وبـواعـظيـن وراكعـيــــــــــــــن وسُجَّد
هـذي الـمفـاخرُ أولـتِ الغربَ الـمــــــنى __ فسمـا وعزَّ فحسبُنـــــا أن نقتدي
فأُولاءِ بـالأقـوال والأفعـال قـــــــــدْ ___ نَكَبـوا العـروبةَ بـالـمقـيـم الـــــمُقْعَدِ
زعـمـوا الـتَّشبّهَ بـالفرنجة كــــــــافلاً _____ لهـمُ بعهد تَحـرّرٍ وتَســــــــــــــــــوُّد
الغربُ بـالعـادات عَبَّدهــــم له ___ أُفـيَستطـاعُ تَحــــرُّرٌ للأَعْبُد
لـم يأخذوا إخذَ الفرنجةِ كُلِّهــــــــــــم __ إلا لشهـوة أنفسٍ لـم تـــــــــــــــرشد
ومـن الـوقـاحة ذِكْرُ بعضِهـــــــــمُ العُلى _____ وقـريبُهـا مـنهـم مـنـاطُ الفرقـــد

من قصيدة: العقاب

سـالـت نفـوسٌ ذَكَتْ إذ سـالَ فـيكَ دمُ ___ والكعبةُ انْصَدَعَتْ واستَرجع الـحــــــــــرمُ
وبـالـحنـيفـيّة الـبـيضـاءِ قـد نزلـــــتْ ____ دَهْمـاءُ تَنزل بـالرَّاسـي فـيــــــــــنهدم
والـمـنـبرُ انحطمتْ أعـوادهُ فهـــــــــوى ____ وأوشكتْ عـروةُ الإسلام تـنفصــــــــــــم
وأصـبحتْ رقـمـــــــــــــاتُ الفضلِ ذاويةً ___ والسـيفُ صلَّ أسـىً واستعبرَ القـلـــــــــم
مـا بعـد خَطْبِكَ خَطْبٌ يـا أبـا حسنٍ ______ أغشى الـورى ظُلَمـاً لـم تَحْكِهَا ظُلَم
بـه أُصـيبتْ مـن العَلـيـا مقـاتلُهــا ______ فلا وفـاءٌ ولا حـلمٌ ولا كرم
تَبَّتْ يـدٌ بـابن عـمِّ الـمـصطفى فَتَكَتْ ____ غدراً ولم يـنـبُ فيهـا الصـارمُ الخَذِم
لـو كـان للفـــــــــاتك الغدَّارِ بعضُ هدىً ____ لـمـا مشـتْ إذ نـوى شـراً بـه قــدم
هلاَّ رعى عهدَ مـن كـانـتْ عقـيلـــــــــتُهُ __ بنـتَ النـبـيِّ الـذي عزَّت بــــــــه الأُمم
أَكْرِمْ بفـاطمةَ الزهـراءِ سـيــــــــــــدةً ___ لا العُرْبُ ألفتْ لهـا مِثْلاً ولا العجــــــم
مـا انفكَّ نـاديكَ للأقـيـال مُنـتجعــــــاً _____ حتى أبـانكَ عــــــــــــنه الغاشمُ العَرِم
مَرّوا بـه وهـو خِلْوٌ مـنكَ فــــــــارتَمَضُوا ____ واستدْمعـوا فتلاقى الـمــــــــاءُ والضَّرم
لـم يبقَ مـن هـيبة النَّادي ســوى أثرٍ _____ بـه الرِّتـاجُ لــدى ذكراكَ يَبتسم
قضـيـتَ عـمـرَكَ تُحـيـيْ اللـيلَ مُنـتحِبــــاً _____ مـن خشـية اللَّهِ واللاَّهـون قـد نعـمــــوا
تقـول إنَّكِ يـا دنـيـا لزائلةٌ ___ غُرِّي سـوايَ فلا يـنـتـابنــي ندم
مـا أشـتهـي طـيَّبـاتٍ مـنكِ دانـيةٍ فإنَّهـا السُّمُ يبـدو فـــــــــــــوقه دَسَم
نظرتُ فـيكِ فلـم أَسْكُن إلى أمل ___ ومضَّنـي عـندمـا جـرَّبْتُكِ الأَلــم

0 تعليقات::

إرسال تعليق