الجمعة، 6 مايو، 2011

مقابلة مع الشهيد جورج حاوي - مجلة الشاهد

لم تعد الأشكال النمطية لفكرتنا عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ممكنة. وحياتنا في دروبها المحلية والإقليمية والدولية في أزمة: إن "الاهتراء المطرد" في شخصية الذات للأمة، إضافة إلى "الاحتضار المتزايد" لكل من وجودنا في هذا النظام العالمي، والاشتراطات الأمنية والإستراتيجية، التي تمليها تحولاته واستقطاباته الكتلوية، وذاك الضياع النابع أصلاً من رحم ذات الانحطاط الشامل الذي يستبد بمحركات تاريخنا، وكل هذا بزيادة "فرض التراجع" على إرادتنا من جهة، وعلى احتجاجاتنا الموسمية من جهة ثانية، وبالتالي على أجيالنا، التي يضنيها القلق أساساً بسبب فقدان اليقين، والتي أيضاً لم تعد لتتواجد إلا حيث تتخلى تدريجياً عن مضمونها الذاتي في التقدم والحداثة؛ في الحركة والتعبير؛ في التغيير والثورة... كلها مجتمعة هي الشواهد "البادية للعيان" في هذه الأزمة. و.. وإذا ما استمرت على هذا النحو، فإن هوية أمتنا لن تذكر إلا في أنها كانت من أكثر انحرافات التاريخ خراقة. ولذلك ثمة حقيقة تفرض نفسها على: (كل واحد منا). وتلمس هذه الحقيقة بالوعي، وليس بالمعاناة فقط، وبالتحليل وليس بالشعار: (هما شرط واحد). شرط يتصل به وفي صورة عضوية: (بقاء هذه الأمة أو زوالها). ولأنه يضمر مثل هذا البعد، فليس من سؤال لا يدخل في إثارته. 



إذن، ثمة مراجعة عميقة شاملة، غدت ملحة وشرطية هي الأخرى. ولإتمامها، يجب منذ البداية أن نحترس من الملخصات، وتلك الشعارات الاختزالية، و.. وحتى النزعة الدينية التي توحي بها تلك الفتاوى والاجتهادات، والحتميات الناشئة عن انغلاق أيديولوجي، لا يتصدى للمعالجة، إلا لتأكيد ذاته الأصولية، ولا يعترف بالتناقضات والتنوع، إلا بعد حذفها، ورميها في سلة التكفير والضلالات، دون تحليل منطلقاتها وتقاطعاتها، وتلك الأسباب التي جعلت عديدها متحلقاً حولها، بدلاً من الانخراط معها، أو الاندماج في سيرورة مصيرها المشترك. مراجعة تكون نقطة انطلاقها من هذه الكارثة المزدوجة: كارثة فلسطين.. وكارثة العراق. ورجع الصدمات للمقدمات التي استولدت هذا التاريخ المتواتر من الكوارث. أولاً وقبل أي شيء آخر: هذا اليسار وهذا اليمين،.. هذا النظام، وهذا الشارع، .. هذا العلم وهذه الأصوليات،.. هذه النظريات وهذه الممارسة،.. هذا التوحد، وهذا الانفصال،.. هذه الأكثرية وهذا العجز،.. هذه الموارد وهذا الفقر،.. هذا النمو وهذا التخلف،.. هذا التقدم وهذا التراجع،.. هذه الديمقراطيات وهذا الاستبداد العام،.. هذه الأبراج الهائلة. وهذا الفراغ،.. هذه القمم ولا أحد إلى جانبها،.. .. 
مراجعة، لا تستند إلى التجيير لرأب التصدعات. ومراجعة لا تعطي صكاً على بياض، لأية نظرية، ولأي حزب، ولأي زعيم، ولأية قوة مهما بلغ شأنها. مراجعة تسأل عن أسباب مفارقاتنا المزدوجة: كيف يمكن أن تكون الجماهير بهذه الأكثرية المطلقة و"عاجزة في آن واحد"؟ كيف يمكن أن تكون هذه الأمة في قلب العالم، وعاجزة أن تنسج إلا علاقات هامشية، دون أن تتوصل إلى بناء موقع ودور لها في قلب النظام العالمي؟ كيف يمكن في عالم "يعيش سلماً أو حرباً على المحركات" وتكون ثروتنا النفطية عاجزة أن تحرز شرياناً واحداً من شرايين حياته؛ آلية واحدة من آليات تطوره الصناعي؛ عتلة واحدة من عتالات مجتمعه الدولي... كيف؟ كيف تهب "القوى الحية" في أمتنا ـ وفي أمم أخرى ـ لتضع نظامها في موضع الاتهام، ثم تعود لتجسده في صراعاتها من أجل مواقع الثراء، ومواقع التندر، ومواقع النجوم و.. السلطة؟ كيف تكون الديمقراطية "قطب الرحى" في بيانات، وخطابات، وبرامج، ونشهد في الوقت نفسه هذه "السيادة" لديكتاتوريات، وهي تتجلى في أبشع صورها؟ كيف تجهض الوحدة على يد وحدويين.. وكيف تجهض الاشتراكية على يد اشتراكيين.. وكيف تجهض الثورية على يد ثوريين؟ كيف تتكاثر "البرلمانات" وتتزايد نسب الأصوات، ثم نعود ونرى الناس "تتحلق" حول ممثليها، وتنمو تمثلات مشاكلها خارج مقاعدهم، بل ومن دونها، وضدها في معظم الأحيان؟ كيف تتسع القاعات والميادين، ويتشرذم الحضور؟ ... .. ... ... ... و.. وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه: كيف بالذهن، وكيف بالعاطفة، كيف بالإيمان وكيف بالإلحاد، كيف بالمال وكيف بالموارد، كيف بالتعبئة وكيف بالسلاح، كيف بالماضي وكيف بالحاضر، كيف بالموالاة وكيف بالمعارضة، كيف بالفرد وكيف بالمؤسسات؟ وكيف مع كل هذه المخاطر، وكيف مع كل هذا التثاؤب؟ 
ولكن؟ إن طرح المراجعة على هذا النحو، لا يعني أبداً العودة إلى الاستغراق في: ما يسلي العقل! ثمة مراجعة مزدوجة لا بد وأن تفرض نفسها كمعيار مصداقية: ـــ انه لا يمكن مراجعة أي مشكل "ذي أهمية" دون مصالحة مع الذات. ـــ انه لا يمكن إتمام "مصالحة مع الذات" إذا لم تتغير الممارسة تغيراً واقعياً. لقد انتصرت الثورة الفرنسية 1789 بمراجعتها للأفكار والقيم، ولكن ممارسات هذه الثورة انتهت برؤوسها إلى المقاصل، وبمصيرها إلى إمبراطور. ولقد انتصرت ثورة أكتوبر 1917 بمراجعة ماركسية للرأسمالية وكشفها، ولكن ممارساتها انتهت إلى هجمات قمعية ديكتاتورية، أسفرت عن ملايين الضحايا، وعن طوباويات سامة تجردت من الظرف الإنساني. 
وكم من مراجعات فتكت بالموروث الثقافي والحضاري الذي "لا يمكن تعويضه أو قياسه". وكل ذلك كان بسبب "البعد النرجسي ـ الذاتي" للجنون السياسي، الذي عاش العالم تجربته المرة، حتى نهاية القرن العشرين، وبداية هذا القرن. وهكذا فإن كل مراجعة لا ترافقها مصالحة مع الذات، لن تكون سوى ذلك المزيج من توليفة غير موضوعية، فرضها أو يفرضها الدافع الذاتي سعياً إلى الخلاص من طريقه المسدود. والمراجعة ليست: فورة. 
وهي أيضاً ليست: أنموذجاً واكتمالاً. وإن لم يكن الهدف منها، الولوج إلى أكثر من بعد واحد، ستتحول إلى مبدأ تعسف نظري وإرهاب يمارس كذريعة. ومراجعات من هذا النوع سوف تنشئ "معسكرات أيديولوجية" مضادة ومحصنة تماماً: إذ يظهر على مسرح التاريخ من تحرر من رقبة الفلسفات والنظريات السابقة كي يبدو وكأنه "الإنسان الأول" في "جيل جديد"، فإن ذلك هو من أعطى للمراجعة أبعادها الملائمة لموجة التاريخ، لا بعدها الواحد. وفي النهاية، فنحن "كشاهد" لا نؤمن ولا نعتقد بأن المراجعات ستصل إلى صياغة الحل من تلقاء ذاتها، أو بفعل "قوة الكلمات"، أو بتحقيق نظري تكون أجوبته قد «كتبت من قبل» ويكون "الناس فيه غائبين" عن الحوار. هناك مستويات أخرى من المراجعات ممكنة. 
أما لماذا الأستاذ جورج حاوي؟ فذلك لأن الأمين العام السابق للحزب الشيوعي، ليس (قبل) وليس (بعد). وإنما لأنه تجاوز بدوره حدود رئاسة حزب محلي ليحتل دوراً مميزاً على صعيد حركة التحرر العربية، ثم لأن اليسار يحتل في الخريطة إياها مواقع متناثرة على مساحة الوطن العربي كله. وهذا اليسار فإنه غالباً ما كان يفصح عن مضمونه من خلال محدد أيديولوجي، شبه ثابت وهو: المحور الماركسي. والمحور الماركسي، هو ذاته، ليس بمنأى عن المراجعة والمساءلة سواء بسواء. فانهيار الاتحاد السوفييتي وإخفاقه يضعان النظرية موضع الاتهام المباشر. 

الشاهد 

الشاهد: ألم يكن الاتحاد السوفييتي "يتمتع بالإطراء" ويحظى بأجيال يسارية تواترت على مدى ثلاثة أرباع القرن السابق؟.. لذا فمن الضروري أن نطرح السؤال هذا: فما الذي حدث، وما الخطأ الذي وقع فيه السوفييت وكيف؟ وماذا عن الحرب الباردة وعن تداعيات نهاياتها.. وبماذا تريد أن تبدأ يا أستاذ؟ 

جورج حاوي: لا بد من أن نبدأ بالعنوان الأكبر الذي هو نهاية الحرب الباردة، أي انهيار النظام العالمي القديم القائم على توازن القوى السابق بين القطبين الأميركي والسوفييتي ، وما نشأ عنه من معادلات سياسية ومنظمات عالمية، كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والمنظمات والتكتلات الإقليمية كالمنظومة الأوروبية، وحلف جنوب شرقي آسيا، وحركة عدم الانحياز، والجامعة العربية، ومنظمة الوحدة الأفريقية والمؤتمر الإسلامي... وسوى ذلك من مؤسسات ومنظمات سياسية واقتصادية وثقافية دولية وإقليمية... إن توازن القوى السابق لانهيار أحد القطبين العالميين هو ذلك التوازن الذي ميز القرن العشرين، فبدأ في ربعه الأول مع انتصار "ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى" كأهم نتائج الحرب العالمية الأولى، وانعكاس ذلك على بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية حيث سُجّلت نهاية عصر الاستعمار القديم (الكولونيالية) ونجاح حركات التحرر الوطني في إقامة دول مستقلة سرعان ما احتلت موقعها على الخريطة السياسية الدولية، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة الفاشية، وتوسع رقعة الاشتراكية لتشمل بلداناً أوروبية عديدة.. ثم توسعها الهام في آسيا بفعل انتصار الثورة الصينية، وثورة كوريا، وبخاصة ثورة فيتنام وتأثيرها على كمبوديا واللاوس والكثير من بلدان أقاصي آسيا. وباختصار يمكن القول إن توازن القوى الذي ميز العلاقات الدولية منذ منتصف القرن العشرين كان ذلك الذي كرسته نسبة القوى الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، وتداعياتها، كبروز وتعاظم قوة الاتحاد السوفييتي وانتشار الثورات الاشتراكية في أوروبا وآسيا، ولاحقاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية... وبروز تعاظم قوة الولايات المتحدة الأميركية التي استفادت من الحرب دون أن تدفع الثمن الذي دفعته أوروبا، ففرضت على هذه الأخيرة تحالفاً سياسياً وعسكرياً يتصف بالهيمنة، وخاصة الهيمنة الاقتصادية (ذروة اندفاع وتطور الإمبريالية التي وصفها لينين بأنها أعلى مراحل الرأسمالية)، وبروز دور متعاظم لدول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مع تأثر العديد من أنظمة الحكم فيها بالمثال السوفيتي ليس فقط في صيغة الحكم السياسية بل في التوجهات الاقتصادية والاجتماعية... إن جوهر الصراع العالمي آنذاك لم يكن مجرد صراع سياسي بين كتلتين سياسيتين عسكريتين وحسب، بل صراعاً شاملاً بين نظامين اقتصاديين اجتماعيين سياسيين، شمل جميع ميادين ومجالات الحياة من الاقتصاد حتى الثقافة، مروراً بالعلم والتكنولوجيا، والتوازنات العسكرية. فالحرب الباردة لم تكن دائماً "باردة"، فيما قد اتصفت بسباق محموم للتسلح شكل نقطة اختبار لمدى القدرة الاقتصادية لدى كل من النظامين لتلبية موجباته، كما شكل في أكثر من مكان وزمان حروباً صغيرة، محلية أو إقليمية، شديدة الخطورة، ولكنها ليست الحرب الكونية، وجعل من سوق السلاح سوقاً مالية، ولكن سياسية بامتياز... إن الصورة الظاهرية لمحصلة الصراع العالمي الشامل هذا كانت تبدو في صالح الاتحاد السوفييتي ومعسكره.. حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى درجة أنه عندما حصل الانهيار، مع بداية طرح البريسترويكا، وتعثرها، وسقوطها، بدا مفاجئاً ومباغتاً ومخالفاً على خط مستقيم مع المسار السابق له! والسبب الرئيسي لهذا الانطباع يعود إلى التقدم الأفقي، السياسي خاصة، الذي كان يحققه المعسكر السوفييتي وحليفه معسكر عدم الانحياز. وإذا عدنا إلى جوهر الأمور، لوجدنا أن المعسكر السوفييتي، وحلفاءه، كانوا يخوضون المعركة ضد النظام الرأسمالي العالمي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، أفقياً، وليس عمودياً، ويتقدمون في مجال "أطراف" النظام الرأسمالي العالمي وليس في "قلبه"، بينما كان المعسكر الأميركي يخوض المعركة في "قلب" النظام الاشتراكي، ويشن معارك، هجومية، أو دفاعية، في الأطراف، بقصد استنزاف الاتحاد السوفييتي لتحقيق الغلبة عليه في الداخل، في القلب. لقد جعل الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه من المعركة ضد الأميركيين وحلفائهم معركة "كمية" وحققوا انتصارات "كمية" ولم يخوضوا المعركة بصفتها معركة "نوعية "فخسروها هنا تحديداً... لقد اتكأ السوفييت على مخدة مقولة السقوط التاريخي للرأسمالية، وحتمية الانتصار التاريخي للاشتراكية، ليخوضوا معركة "جغرافية" ضد الرأسمالية، بينما ركزت الرأسمالية الأميركية على خوض المعركة "التاريخية" ضد الاشتراكية وكسبتها. وسجل المنطق السوفييتي، والإستراتيجية السوفييتية من خلال هذا المفهوم ذروة الابتعاد عن الفكر الماركسي، وعن العلم الماركسي، وعن المنهج الماركسي، بينما اتصف الموقف الأميركي بكونه قد أتقن أعمق وأشمل فهم للمنطق الماركسي، فاستخدمه خير استخدام لاكتشاف قوانين التطور الموضوعي، للمجتمع (اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبناء فوقياً...) وخاصة في استكشاف حركة تطور القوانين الموضوعية في المراحل التاريخية المختلفة، وحركة تأثر فعل هذه القوانين نتيجة تطور العلوم الطبيعية الأخرى، وحركة تطور وفعل هذه القوانين في ظل حركة الصراع الكوني الذي انتصب بين المعسكرين وآثر هذه الحركة داخل كل بلد، وعلى المستوى الكوني العام. إن انتصار الاشتراكية، وتوسع نظامها، قد شكل زلزالاً هائلاً في العلاقات داخل كل بلد، وعلى المستوى العالمي، وطبع العصر بصفته "عصر الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية". ولكن هذا الانتصار للاشتراكية على النظام الرأسمالي العالمي لم يجرِ رصده، ولا جرى فهمه، ولا جرت متابعته، ولا جرت مواجهته من قبل الاشتراكية المنتصرة. وهكذا تم التأسيس لخلل مثلث:
1
ـ لقد كان انتصار الاشتراكية، في ما يتعلق بتغير طبيعة السلطة السياسية في الأنظمة المعنية، يتطلب درس وفهم السبل الجديدة لتجلي فعل القوانين الموضوعية للتطور الاقتصادي والاجتماعي... والثقافي في هذه البلدان... وبالتالي استنباط القواعد والبرامج والمهام الكفيلة بدفع عملية التقدم الاجتماعي (المبني على التقدم الاقتصادي، المبني بدوره على تقدم العلوم والتكنولوجيا وكل وسائط إنتاج المعرفة وتطور قوى الإنتاج). في ضوء الحالة الجديدة التي نشأت عن الانتصار السياسي المتمثل بتغير الطبيعة الطبقية للسلطة... إن ذلك، لم يجر فقط، ولم يعط أي اهتمام، بل هو قد جمّد، ومنع، وقمع، "فأقفل باب الاجتهاد" على ما قاله ماركس وإنكلز ولينين عن الاشتراكية، وهو لا يتعدى في أدبيات ماركس وإنكلز الوصفات العامة للتوجهات العامة والأهداف العامة والأسس العامة لهذا النظام الجديد بما يقترب من إطلاق صفات الخير كله مقابل صفات الشر كله بالنسبة للنظام الرأسمالي... أما لينين، فقد جرى التخلي عن استنتاجه الرئيسي الذي استخلصه في مدى فترة قصيرة من استلامه السلطة، وقد كان هذا الاستنتاج المعروف "بالسياسة الاقتصادية الجديدة" (نييب) NEP مؤشراً لبداية إدراكه لأهمية الاكتشاف الخلاق، وغير المسبوق، لصيغ تطور البناء الاشتراكي، ليتم اعتماد صيغة تسلطية تنطلق من الحتميات التاريخية غير القابلة للنقاش إلى الوصفات الجاهزة غير القابلة للاجتهاد... فكان لا بد لها، بموجب العلم الماركسي، أن تنكسر، لتخلي في المجال أمام قيام علاقات إنتاج جديدة تتلاءم مع مصلحة تطور القوى المنتجة... كم هي صحيحة تلك القوانين الموضوعية التي اكتشفها ماركس، وما أعظم فعلها... حتى "الماركسيون" "الإرادويون" إلى أقصى الحدود، والذين يقودون أهم وأقوى قوى تقدمية في التاريخ، لم يستطيعوا أن يتغلبوا عليها، بل انهزموا أمامها، وانهار نظامهم المعادي للماركسية تحت اسم الماركسية، وانتصرت قوانين الماركسية مؤكدة صحتها بما لا يقبل الجدل. وكما أن انتصار الاشتراكية كان تأكيداً لصحة الماركسية فإن انهيار الصيغة السابقة للاشتراكية هو تأكيد جديد قاطع على صحة الماركسية أيضاً. وإذا كان المجال لا يتسع هنا لبحث تفصيلي في مكامن الخلل في النظام الاشتراكي السابق المنهار، فسأكتفي بالقول إنه ليس هناك أبسط وأعمق من تحليل المؤتمر السادس للحزب الشيوعي اللبناني الذي حدد مكامن الخلل التي أدت إلى سقوط التجربة السابقة بخمسة:

أ ـ في الاقتصاد: المفهوم الخاطئ للملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج واختزالها في صيغة التأميم الشامل للملكية. ب ـ في الديمقراطية: حيث تحولت طبيعة النظام إلى نظام استبدادي، نظام الحزب الواحد، ودولة الأجهزة لا دولة القانون الذي لا علاقة له بالديمقراطية مع ادعائه أنه قد أقام سلطة الشعب، وأن الملكية العامة للدولة هي ملكية الشعب، بينما الشعب في وادٍ آخر، مما جعل من صيغة الملكية تلك ملكية احتكارية للدولة، فبدا التناقض على أشده بين "علاقات إنتاج "دولتية" احتكارية أكثر ضيقاً من أي وقت مضى" وبين سمة للعمل لم يسبق أن كانت أكثر اتساعاً واجتماعية... ج ـ في القومية: حيث حلت معادلة خاطئة بين القومية والأممية فطمست الأولى لصالح الثانية وخسر الاثنان معاً. د ـ في الموقف الخاطئ من الدين: حيث تحول الانقسام في المجتمع إلى انقسام بين مؤمنين وملحدين وليس كما أكدته الماركسية بين مستثمِرين، ومستثمَرين، فطمس جوهر الاستثمار وقواه وجرى الابتعاد عن مصالح وعواطف القوى المستثمرة، فخسرت الاشتراكية قوى أساسية في قواها، وربحت الرأسمالية حلفاء مجانين لها وهم في الأصل ضحاياها... هـ ـ في الصيغة البيروقراطية، اللا ديمقراطية، للحزب ولمؤسسات الدولة والمجتمع...
2
ـ غير أن هذا الخلل الداخلي لم يكن يكفي لوحده لحصول الانهيار لولا ترافقه وتزامنه وتواكبه مع التطور الذي كان يحصل في إطار النظام الرأسمالي العالمي. وأقول منذ البداية، إنني أرى أنه يشكل تطوراً نوعياً وليس مجرد تطور كمي. وإذا كنت سأحاول أن أشرح وأثبت هذه الفكرة فليس لتفسير ما جرى في السابق، بل لمحاولة فهم ما يجري اليوم وما سيجري في المستقبل. ومنذ البداية أقول إن التحولات التي حصلت داخل الرأسمالية، وبخاصة الرأسمالية الأميركية، جعلت من محصلة الصراع العالمي بين الاشتراكية والرأسمالية هزيمة للاشتراكية بصيغتها القديمة، ولكن ليس لمصلحة الرأسمالية بصيغتها القديمة المعروفة كلاسيكياً، بل لصيغة الرأسمالية الجديدة، التي هي تطور نوعي للرأسمالية، وليس مجرد مرحلة عليا من مراحل تطور الرأسمالية (الإمبريالية كما سماها لينين). 


الشاهد: هل تقصد بذلك ما يعرف اليوم بـ «الطريق الثالث»، أم أن مفهومك عن «الرأسمالية الجديدة» ينطوي على تفسير آخر؟

حاوي: أقصد بذلك العولمة التي هي مرحلة تاريخية جديدة من مراحل تطور البشرية وفق التصور الماركسي للمادية التاريخية، حيث تصبح هذه المراحل كالتالي: المشاعية البدائية، الرق، الإقطاع، الرأسمالية، الاشتراكية، والعولمة. وكما أن نضال العبيد ضد السادة لم يسفر عن انتصار للعبيد رغم ثوراتهم المتعددة وتضحياتهم، بل كان سقوط الرق في صالح "الإقطاع"... وكما أن نضال الفلاحين ضد الإقطاع لم يسفر عن انتصارهم، بل كان انهيار الإقطاع انتصاراً "للرأسمالية".. فهكذا نضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية لم يسفر عن انتصار الطبقة العاملة (وإن اعتقدت أنها انتصرت مؤقتاً بقيام صيغة ما من صيغ الاشتراكية) بل أسفر عن انتصار العولمة. وقبل أن نتوقف لنثبت بالملموس على أي أسس نستند في نظريتنا هذه، فسنؤكد على أمر آخر، وفق النظرية الماركسية أيضاً، وهو أن كل نظام اقتصادي، اجتماعي سياسي تاريخي يرى النور، ويشكل خطوة ثورية عن سابقه، إنما يحمل في طياته، ومن خلال انتصاره، بذور نقيضه بنفسه، وعناصر أزمته وعوامل انهياره. إن كل نظام اجتماعي جديد يولد إنما ينجب معه "حفّار قبره"، بل هو يحفر قبره بيده. والأمر هنا يتعلق بالتناقضات الموضوعية التي يفرزها هذا النظام الاجتماعي، وباكتشاف أصحاب المصلحة في التغيير لهذه التناقضات، ومدى قدرة العامل الذاتي على تأخير أو تسريع عملية انهيار القديم (الذي كان جديداً) وولادة الجديد (الذي يخلق في رحم القديم) أيضاً قبل أن نثبت صحة زعمنا أن العولمة هي مرحلة تاريخية جديدة، وحتى لا يبدو أن حديثنا عن سمتها التقدمية إقراراً بانتصارها التاريخي، و"بنهاية العالم" كما يروج غُلاتها فنحن نود التأكيد على إنها مع ولادتها وتطورها، أنجبت وطوّرت حفار قبرها، وأن أزمتها الداخلية، والأزمة العامة التي تدخلها بفعل تشابك العلاقات الدولية المرافقة لانتشارها، بل لعملية اجتياحها للعالم، والتناقضات التي تولدها والعقبات التي تصطدم بها والمواجهة التي تجابهها... كل ذلك سيؤدي حتماً إلى انهيارها.. (وسنسعى لإثبات ذلك لاحقاً). ولكننا نؤكد أن تتالي عمليات الولادة ـ الأزمة ـ السقوط ـ الولادة... تاريخياً إنما يتم بوتائر تزداد تسارعاً. فإذا كان انتقال البشرية من المشاعية البدائية إلى الرق استغرق ألوف السنين، وانتقالها من الرق إلى الإقطاع قد انخفض إلى مئات السنين ومن الإقطاع إلى الرأسمالية لم يتخط المئتي عام وبينما استمر الصراع بين الرأسمالية والصيغة السابقة من الاشتراكية قرابة الثمانين عاماً، فإن انهيار العولمة، برأينا، سيتم أيضاً بنسبة التناقص الزمني نفسها، وقد يكون في مدى بضع عشرات من السنين. فكل شيء يتسارع. العلم والاكتشافات العلمية والتكنولوجيا والاتصال والمواصلات والمعلومات... كل شيء في حركة سريعة، وبعض التطورات تجري وفق متواليات هندسية .Progression geometrique كما لا بد لنا من الإشارة مسبقاً أن حجم العنف والوحشية والإجرام والكوارث الإنسانية الذي يرافق تقدم العولمة، لا يلغي سمتها التقدمية بالمفهوم التاريخي. الذي تحدثنا عنه، ذلك أن الرأسمالية نفسها قد انتصرت وفق أبشع أنواع الجرائم وأقبح أنواع الاستثمار، وأكثر الحروب الأهلية، وحروب التوسع دماراً ودماء وخراباً... وحتى ثورة أكتوبر، لم تكن قليلة الكلفة. والكلفة التي رافقت انتشار الاشتراكية في أوروبا ليس أقلها بعض ثمن الحرب العالمية الثانية... 

الشاهد: بعد كل هذه المقدمات، ندخل في صلب الموضوع أي الخلل الثالث في قصور الرؤية الاشتراكية المحققة، ألا وهو جوهر التطور النوعي الذي يميز المرحلة التاريخية الجديدة والتي تدخلها البشرية كمحصلة للصراع بين الرأسمالية القديمة والاشتراكية القديمة، عنيت بها مرحلة العولمة؟

حاوي: إن الرأسمالية القديمة، في مراحل الصراع مع الاشتراكية الناشئة، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وفي صيغتها التقليدية، في أوروبا بشكل خاص، وبعدما استعادت سيطرتها على إحدى "نزواتها" أو "عوارضها" أو "إفرازاتها" الأكثر سوءاً المتمثلة بالنازية والفاشية، وذلك بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي وبدور أساسي منه، هذه الرأسمالية الأوروبية الكلاسيكية، قد واجهت منذ منتصف القرن العشرين أربعة تحديات أساسية، وقاتلت على أربع جبهات أساسية هي: أ ـ جبهة مواجهة النظام الاشتراكي المتوسع في أوروبا. ب ـ جبهة مواجهة نضالات الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية في الداخل المتسلحة بوهج انتصار الاشتراكية لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية هائلة في مجال الاقتصاد والتقويمات الاجتماعية والضمانات ومستوى العلم والثقافة والحياة السياسية، وبخاصة الحريات العامة والفردية والديمقراطية. ج ـ جبهة استكمال طردها من المستعمرات السابقة والتحسين النسبي لشروط العلاقة في غير صالح دول المتروبول. د ـ جبهة الهيمنة الأميركية المتجلية بالسيطرة الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية (حلف شمال الأطلسي والقواعد العسكرية الأميركية المباشرة في أوروبا). إن صراع أوروبا القديمة على هذه الجبهات مجتمعة، وسعيها للخروج من التداعيات والنتائج المدمرة للحرب العالمية الثانية، قد حد من قدرة أنظمتها على التطور، وخفف من وتائر وإمكانيات التراكم الرأسمالي الضروري للتنمية، وللمصروفات على مراكز الأبحاث العلمية والتكنولوجية... كما وأن فقدان استقلاليتها النسبية في إطار شبكة العلاقات الدولية، وتبعيتها النسبية في اطار العلاقات الرأسمالية العالمية... كل ذلك جعلها ذات تطور محافظ، وعلى الأقل غير طليعي، أي غير مبادر في مجال تجديد النظريات الاقتصادية، سواء على صعيد المؤسسة الواحدة، أم القطاعات الاقتصادية المختلفة، أم الاقتصاد الوطني. وفي حين شهدت اليابان والمانيا تطوراً أكثر انسجاماً وبوتائر أسرع نتيجة عدم إرهاق موازناتها بأعباء الدفاع وانتاج الأسلحة، فقد تخلفت وتائر التطور في سائر البلدان الرأسمالية الأخرى في أوروبا، وبخاصة جنوبها، وسائر البلدان الرأسمالية الأخرى غير الولايات المتحدة الأميركية. وكانت أوروبا تتأخر عن اللحاق بأميركا في كل المجالات، ولا تلعب دوراً طليعياً إلا في ما ندر من القطاعات، وبخاصة تلك التي ذات الصلة بالمخزون الثقافي التاريخي الذي تفتقد إليه أميركا وتزخر به أوروبا القديمة... إن التطور العاصف الذي أسس للانتقال إلى المرحلة التاريخية الجديدة، العولمة، قد بني بشكل أساسي في الولايات المتحدة الأميركية. إن موقع أميركا في العلاقات الدولية، وفي شبكة العلاقات الإمبريالية العالمية، قد أمّن لها أعلى نسبة من تراكم وتمركز رأس المال. وعن طريق الشركات المتعددة الجنسيات، أو العابرة للجنسيات وذات الهيمنة الأميركية، جرت أوسع عملية نهب لثروات العالم من حيث الحصول على المواد الأولية (والرساميل الوطنية والقائمة لإعادة توظيفها) وأوسع عملية اقتحام لأسواق العالم وليس فقط عبر السلع المصنعة، بل وبخاصة عبر تصدير التكنولوجيا Haytech وتصدير الرساميل. هذا التراكم الهائل لرأس المال سمح بتخصيص موازنات غير محدودة لتطوير مراكز الأبحاث العلمية والتكنولوجية.. (بما في ذلك مراكز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والعلوم الإنسانية). وقد تركز البحث في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على معالجة حلقات الضعف في النظام الرأسمالي، تلك التي ألقى كارل ماركس الضوء عليها بصفتها مواقع الخلل التي ستتسبب في الانهيار. 

الشاهد: كأنك تعود إلى تبني مقولة الماركسية حول الحتمية التاريخية وفقاً لمعيار أصولي؟! 

حاوي: أبداً... أجاب بشكل قاطع ثم تابع حديثه..
إن "الحتمية التاريخية" التي تحدث عنها كارل ماركس ليست غير قابلة للتعديل، لا في آليات تحققها الموضوعية ولا في ما يتعلق بدور العامل الذاتي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا أخذنا التناقض الرئيسي الناجم عن سرعة تطور الآلة، واتساع نطاق استخدامها وما ينتج عنه من وفرة الإنتاج وتحسن نوعيته وتخفيض كلفته، وفي المقابل المزيد من التسريح الكيفي وتزايد البطالة، وقلة القدرة على تجديد قوة العمل، وقلة القدرة على الاستهلاك، وبالتالي فائض المنتوج (الخ الخ .. أي الوصف الكلاسيكي للأزمة) فإن نهايته ليست حتمية إلا إذا ترك هذا التطور دون تدخل واع ودون معالجة. وخلافاً لما كان يؤدي إليه هذا التطور في السابق من أزمات، بات بالإمكان عن طريق زيادة المعاشات (دون ضمانات ثابتة) وزيادة المساعدات للعاطلين عن العمل Well fair إضافة إلى تخفيض كلفة الإنتاج من خلال التحكم بأسعار استيراد المواد الأوّلية، وزيادة سعر المنتوجات المصنعة المعدة للتصدير... وجملة تدابير أخرى بات بالإمكان تحسين تجديد قوة العمل، ورفع القدرة الشرائية نسبياً وتصريف الإنتاج بنسب أكبر... وبات بالإمكان خاصة عدم التوقف عن تطوير التكنولوجيا واستخدامها خلافاً لما كانت تقوم به الرأسمالية قبل الاشتراكية من كبح لجماح العلم والتكنولوجيا. لقد كان الحصول على الأرباح، قبل الاشتراكية، رهناً بعدم تجديد الآلة (والتكنولوجيا) فباتت الرأسمالية كابحة للعلم معيقة للتطور. لقد تغير الأمر بعد نجاح الاشتراكية وبروز المنافسة وبعض التعديلات التي أدخلت على النظام الرأسمالي. لقد أصبح هناك سياق فعلي لتطوير العلوم والتكنولوجيا. لم تعد الرأسمالية معيقة لتطور العلم. لقد أصبحت طليعية في هذا المجال وذلك كي تستطيع أن تحقق أقصى الأرباح. وبالعكس، أحياناً تحولت البيروقراطية والجمود في النظام السوفييتي إلى كابح للعلوم، وللاقتصاد، (حل مسألة البطالة من خلال مضاعفة عدد العمال واليد العاملة أضعافاً مضاعفة عما يحتاجه الإنتاج في المؤسسات بما يضاعف تكاليف الإنتاج ويجعله غير قادر على المزاحمة، وبما يمنع تطور الآلة حتى لا يستغنى عن العدد الإضافي من العمال). لقد أصبحت الاشتراكية تلك معيقة لتطور العلوم واستخدام منجزاتها. وطالما أننا قد تحدثنا هنا كثيراً عن "التقدم" و"التقدمية" فلا بد من تحديد دقيق لهذا المفهوم. انه في جوهره "السعي الدائم لتحسين شروط معيشة الإنسان وتلبية المزيد من متطلباته المادية والروحية، وبشكل مضطرد". والقاعدة الرئيسة، برأيي لتحقيق التقدم هي: "المزيد من تطوير وزيادة إنتاج الخيرات المادية والثقافية كماً ونوعاً والمزيد من العدالة في توزيع هذا الإنتاج". لقد انصب جهد منظري الرأسمالية بعد انتصار الاشتراكية على إيجاد الحلول لهذه المعادلة بما يعطّل الفعل التدميري "للأزمة". وجاءت الحلول نقيضاً لما كانت تقوم به الرأسمالية قبل ذلك، أي إطلاق العنان أمام تطوير الإنتاج على قاعدة الثورة العلمية والتكنولوجية وثورة الاتصالات... من جهة، وحل مسألة عدالة التوزيع (نسبياً بالطبع) من خلال الدور الأساسي "للضريبة"من جهة أخرى. ولقد احتلت "الضريبة" موقعاً خاصاً في صلب النظام الاقتصادي الرأسمالي، بصفتها "حصة الدولة" من "القيمة الزائدة" وهي تزداد بمقدار ازدياد حجم القيمة الزائدة. أي بمقدار ازدياد كمية ونوعية الإنتاج، اشتداد وتيرة الاستثمار، والتخفيف من كلفة الإنتاج (استخدام التكنولوجيا ـ تخفيض عدد العمال ـ أفضلية في أسعار المواد الأولية ـ سباق في مجال التسويق...). ومع ازدياد حجم "الضريبة" . جرى حل (محاولة حل) مسألة تطوير فروع الإنتاج ـ تطوير مراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد العلمية... تحفيز التوظيفات الجديدة... توزيع أكثر عدالة للدخل، بدءاً من مساعدة العاطلين عن العمل إلى زيادة التقديمات الاجتماعية المختلفة (تعليم ـ سكن ـ طب ـ ضمان شيخوخة ـ رعاية اجتماعية...) إلى تحقيق زيادات دورية في الأجور... الخ... أما في الجانب السياسي فقد استطاعت "الدولة الرأسمالية" وفق صيغ خادعة من الديمقراطية أن تفصل شكلياً بين مؤسسات وأجهزة السلطة، وبين أصحاب العمل، في محاولة لتحييد السلطة عن "الصراع الطبقي" وللظهور بمظهر الحكم لا الخصم! وباختصار يمكن القول انه بفضل سياسة الضريبة التصاعدية بخاصة باتت الدولة كمؤسسة، شريكة لمالكي وسائل الإنتاج، وشريكة "مضاربة" كما يقال بالدارج، أي شريكة في الربح دون تحمل الخسارة. وبدا في الظاهر أن بعض الدول الرأسمالية هي "أكثر اشتراكية" من تلك الدول الاشتراكية إذا قيست الأمور بمقياس التقديمات الاجتماعية وإمكانية الحصول على السلع الخدماتية لأوسع شريحة من المواطنين. 

الشاهد: أكثر فأكثر تظهر توصيفاتك للنظام الرأسمالي بلغة غير مألوفة لا شيوعياً، ولا حتى أكاديميا، فهل هناك ما تراه مستجداً في طبيعة تكوين هذا النظام وفي خصائصه وحركته؟ 

حاوي: نعم.. لأن التعديلات الأساسية التي طرأت على الآليات الاقتصادية وعلى نمط الإنتاج الرأسمالي فقد بدأت وتطورت في أميركا في البداية وهي تنتقل ببطء ووسط مقاومة إلى سائر البلدان الرأسمالية. وهذه التعديلات تشكل بمجموعها سبل تحقيق أوسع وأكبر تراكماً لرأس المال مع الحرص على جعله في حالة توظيف دائم في الاقتصاد والإنتاج لا في حالة ادخارات في المصارف. وإضافة إلى مغريات سياسة السوق الاستهلاكية وأساليب الدعاية والبيع والتسويق التي لا تبقي قرشاً واحداً في جيوب أوسع فئات الشعب، والتي تجعل الجميع يعملون لصالح المصارف، ليسددوا الأقساط الشهرية لمشترياتهم وحاجياتهم الحياتية، فقد حصل في دور البورصة تحول هائل حوّلها إلى المكان الرئيسي لسحب الأموال من جيوب الناس والى الإدارة الرئيسة لتمويل المشاريع الإنتاجية المختلفة. إن "صاحب المشروع" لم يعد يتجه إلى المصرف لتأمين الأموال الضرورية لمشروعه، بل إلى "السوق" مباشرة، إلى المستهلكين مباشرة من خلال طرح المشروع في السوق عن طريق البورصة. لقد أصبح التداول بالأسهم غير مقتصر على فئة محدودة من الناس، بل على أغلبية ساحقة منهم. وتزايد عدد المالكين الصغار للأسهم. فمعظم الموظفين، والمتقاعدين وصغار المنتجين، والحرفيين، وسائقي التاكسي، وربات البيوت... دخلوا في سوق البورصة، وفي شراء الأسهم... حتى أن صغار المساهمين قد أنشأوا جمعيات خاصة بهم للدفاع عن مصالحهم ومساعدتهم لتحديد سياساتهم والحيلولة دون عمليات التلاعب وللتخفيف من قانون أكل الكبار للصغار... "فجمعية صغار المساهمين" تصبح سمكة كبيرة. وقد عمل صغار المساهمين على إيصال ممثلين عنهم إلى مجالس الإدارة، بل هم في كثير من الشركات يحتلون منصب المدير العام. وقد عمق ذلك في الفارق بين "المالك" و"المدير". إن الناس تتعاطى مع "المدير"، بينما المالك مجهول، انه مجموع المساهمين، كبيرهم وصغيرهم. لقد أدى هذا التطور إلى ثلاث علائم أساسية تشكل برأيي أساس ما يميز النظام الجديد عن النظام الرأسمالي القديم. العلامة الأولى سرعة تدفق وتراكم وتمركز رأس المال العامل والمنتج. والعلامة الثانية حافز النجاح في تحقيق أقصى الأرباح كمقياس وحيد لاستمرار الإدارة في موقعها مع ما يتطلبه ذلك من تطوير للإنتاج ومن توفير مقومات النجاح كاملة). والعلامة الثالثة والأساسية، فعلياً وبسيكولوجياً، تضييع معالم التناقض الرئيسي الذي تحدث عنه ماركس بين العامل والمالك، بين قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج التي تكمن في أساسها ملكية وسائل وأدوات الإنتاج، باتساع هائل لعدد المالكين (ولو صغاراً)، خاصة في أوساط تلك القوى ذات التأثير الحاسم في عملية الإنتاج، أي العمال الموصوفين والكوادر الفنية والإدارية ومنتجي برامج الكومبيوتر والمهندسين والمحامين والأطباء... الخ، أي الأوساط الاجتماعية الأكثر تأثيراً في الحياة الاقتصادية والسياسة والثقافية... وإذا كانت الطبقة العاملة أيام ماركس وهي منتجة الخيرات المادية الأساسية في المجتمع، "لا تملك شيئاً لتخسره إلا قيودها"، إن هي قامت بالثورة، فإن المساهمين الأساسيين في إنتاج الخيرات المادية في مجتمع اليوم لديهم ما يخسرونه. صحيح أنهم يطمحون باستمرار لزيادة مداخيلهم ولتحسين شروط معيشهم المادية والروحية، ولكن ذلك الهدف لم يعد يعتمد على "الثورة" كسلاح، بل على "التطور" بما في ذلك "تطور" وسائل الاستثمار، "تطور" وسائل الإنتاج، "تطور" الإنتاج، و"تطور" التوزيع. لقد تحددت وجهة التطور نحو التقدم في المجتمع: المزيد من إنتاج الخيرات المادية والروحية والمزيد من العدالة في توزيعها. إن هذا التطور الهائل في النمط الاقتصادي الأميركي خاصة قد خلق مجتمعاً "نهماً"، شرساً، متوحشاً، في سعيه إلى الربح، إلى زيادة الإنتاج أصلاً في الحصول على حصة أكبر في الأرباح. لقد ارتبط تحسين الظروف المعيشية للناس بزيادة مساهمتهم في تطوير الإنتاج وليس في القيام بتغيير جذري في طبيعة السلطة السياسية، هذا التغيير الذي بات محصوراً بصورة أكبر بين أولئك الذين يستطيعون أن يكتسبوا تأييد "دافعي الضرائب". وبات السباق بين المتصارعين في السياسة رهناً بمن يؤمن "للمؤسسات" الربح الأوفر... هكذا تحددت مفاهيم "النمو" و"الركود"، ومفاهيم "الاقتصاد القوي" و"الاقتصاد المريض"... الخ... هذه "الثورة" في أميركا، حتى تستمر، باتت بحاجة إلى أن تتعمم. إذا انحصرت في إطار الولايات المتحدة الأميركية وحتى في إطار شركاتها في الخارج ودورها المتحكم بالشركات المتعددة الجنسيات، فهي ستنكفئ، وستغرق في تناقضات حادة تتولد مع تطورها بالذات وتكبر مع تقدمها..لقد أمنت هذه "الثورة" لأميركا الغلبة في سياق الصراع العالمي ضد الصيغة السابقة في الاشتراكية، واستطاعت أن ترهق الاتحاد السوفييتي في سباق التسلح، فازدادت المنظومة السوفييتية ضعفاً في المنافسة بين النظامين رغم استمرار التفوق السوفييتي في مجالات علمية عديدة، وبخاصة على صعيد النظريات والاختراعات العلمية البحتة التي لم تجد الاعتمادات الكافية، ولا السياسة المناسبة لوضعها موضع التطبيق وجعل العالم مستفيداً منها. لقد كسبت أميركا السباق، فانهارت الصيغة السابقة للاشتراكية، واندفعت الصيغة الحديثة للرأسمالية بزخم أكبر تطارد فلول خصمها السابق... وتخضعها... وتدخلها في دائرتها، وفي حلفها الأطلسي.. ولكن هذا الامتداد الأميركي، الجغرافي، بعد سقوط الاشتراكية السابقة، لم يكن إلا المرحلة الأولى من مراحل توسع الإمبراطورية الأميركية. لقد سقطت جبهة المواجهة الأمامية أمامها ولم تسقط سائر الجبهات... فعدوها ليس "الاشتراكية" السابقة فقط. كل ما ليس تحت سيطرتها الكاملة هو عدو، وهو هدف للهجوم. وقد ثبت بالتجربة أن عدو أميركا بعد سقوط التجربة الشيوعية لم تكن الشيوعية كنظام اقتصادي اجتماعي، بل أن "قوة" الاتحاد السوفييتي هي العدو، فعملت على تفتيته، واتجهت إلى تفتيت روسيا بالذات، وكان آخرها أن تساعد في بناء بديل رأسمالي للشيوعية... ولا شك أن عداء أميركا الراهن لمجموعة من الدول الرأسمالية في أوروبا وسواها هو نقيض الجانب الأيديولوجي الكلاسيكي لصالح الصراع القومي. فللثورة الأميركية المستندة إلى ثورة العلم والتكنولوجيا والمواصلات... ينبغي أن تجتاح العالم. ينبغي أن تسقط الحواجز كلها لتأمين أكبر وأسرع وأوفر تدفق لرأس المال من كل أقطار العالم، وللمواد الأولية من الأرض قاطبة، وللعلماء من كل الجنسيات... ولتأمين أوسع تصريف لمنتوجها سلعاً ورأسمال. أما الحواجز والعقبات فهي ليست اقتصادية مادية وحسب، كالجمارك والعلاقات التجارية... وسوى ذلك مما يبحث في إطار مؤسسات التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي... إن الحواجز والعقبات، هي سياسية، ومعنوية، وثقافية، وروحية؛ إن الوطن هو العقبة وليس النظام الجمركي فقط. والثقافة الوطنية، والتقاليد والعادات والتراث والأديان والحضارات والبنى الاجتماعية... في كل أنحاء الأرض هي العقبات التي ينبغي تذليلها... وإن منظومة العلاقات السياسية العالمية والإقليمية السابقة هي أيضاً العقبات التي ينبغي تحطيمها... وكذلك التكتلات المستجدة التي تحاول أن تحسن من شروط العلاقات الدولية الجديدة لمصلحتها... (أوروبا، الصين، شرق آسيا، روسيا، المنظمات الإقليمية.. .الخ). من أجل تذليل هذه العقبات، لا بد من هجوم شامل، تقوده "حكومة عالمية" ضد رعايا ومواطنين ينبغي إخضاعهم. لا بد من فكرة أخيرة قبل الانتقال إلى توصيف الهجوم وتفاعلاته. أنا مدرك تماماً لحملة الانتقادات التي ستطال كلامي حول العولمة بصفتها "مرحلة تاريخية جديدة"، وأتوقع أن تقوم هذه الحملة من رجعيي الرأسمالية ومن رجعيي الشيوعية، والأخطر ستكون في الشيوعيين الأصوليين الذين بتمسكهم بالنظريات الجامدة يتحولون إلى قوة رجعية في المجتمع. هؤلاء يعيدون العولمة إلى نهاية القرن التاسع عشر، ويخلطون بينها وبين "الإمبريالية" التي وصفها لينين بأنها أعلى مراحل الرأسمالية، مستندين إلى السمة العالمية للنظام الرأسمالي إلى دور تصدير الرساميل والشركات المتعددة الجنسيات والسيطرة على الأسواق وعلى التصريف... ومستندين خاصة على عدم جواز قول شيء لم يقله ماركس أو لينين. فماركس اعتبر أن لا مرحلة سادسة في تاريخ التطور، واعتبر أن التناقضات التناحرية تنتهي بسقوط الرأسمالية ليحل محلها تناقضات غير تناحرية تنتقل عبرها، سلمياً، البشرية من مرحلة الاشتراكية الى الشيوعية... حيث نهاية التناقض. أوليس في ذلك القول بنهاية العالم، الذي ردده "فوكوياما" لينهي العالم على انتصار النظام الرأسمالي؟ إن قولي بالتغيير النوعي بين المرحلة التاريخية الجديدة "العولمة" والمرحلة الرأسمالية السابقة لتجربة الاشتراكية المرافقة لنشوئها (الإمبريالية) تستند إلى العلم والمنهج الماركسيين وليس إلى النص الماركسي. ففي تحديده لمواصفات كل مرحلة تاريخية نظر ماركس إلى طبيعة علاقات الإنتاج المرتكزة أساساً إلى ملكية وسائل وأدوات الإنتاج مقابل القوى المنتجة مع الوقوف في كل مرحلة عند العامل الحاسم في قوى الإنتاج أي الفئة الأكثر دوراً في إنتاج الخيرات المادية للبشر (العبيد ـ الفلاحون ـ الطبقة العاملة) ومن خلال استخدام المقياس والمنهج نفسهما، والمنطق نفسه عرضنا التطور الحاصل على علاقات الإنتاج والمتناول بخاصة قضية الملكية لوسائل الإنتاج التي تشكل القضية المركزية عند ماركس، هذه التغيرات التي تغير المنظور السابق لمفاهيم "الطبقة العاملة" و"المالكين". وربما لم يصبح بعد المالكون أكثرية المجتمع الساحقة، ولكن "المالكين" هم أكثرية القوى المحددة لحجم ونوع الإنتاج، أي الكادر، والمهندسين ومخططي برامج الكومبيوتر ومجموع المتعلمين والمثقفين والفئات المتوسطة المرتبطة بشكل أو بآخر بالإنتاج ومستقبله. قد تكون أعداد المهمشين والعمال الموسميين والعاطلين عن العمل كبيرة جداً، بما يجعل غير المالكين، بالجملة، أكثر عدداً من المالكين، ولكن العدد هنا لم يعد الأساس بل النوعية، كون هذه النوعية هي القوة المنتجة الأساسية والمحددة بالتالي لتطور الإنتاج، أي "القوة الثورية" في المجتمع، والتي تدخل طبعاً في تناقض طبقي مع كبار المالكين، وتناضل ضدهم للحصول على حصة أكبر من القيمة والقيمة الزائدة، ولكنها تناضل ضدهم من موقع كونها "مالكة" أيضاً وليست محرومة من الملكية. أما دور محرومي الملكية يصبح أكثر هامشية في المجتمع الأميركي، وأقل أثراً في التغيير. أما الاعتراض النظري الآخر الذي انتظره فهو اتهامي بالخلط بين "النظام الاقتصادي الاجتماعي السياسي" وبين صفة قد تطلق على العلاقات الدولية، أي العلاقات بين نظام داخل حدود دولة معنية مع دولة أخرى أو بين دول العالم. سيقال العولمة ليست "النظام الاقتصادي الاجتماعي" داخل البلد بل العلاقات الدولية الجديدة. هذا القول لا يصل إلى مستوى فهم طبيعة العولمة ولا الى فهم طبيعة العلاقات الدولية التي تنتج عنها في اندماج بين طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي السياسي داخل الولايات المتحدة وتحققه على الصعيد العالمي، أي توسعه عالمياً، بحيث يستحيل الحديث عن العولمة كنظام للعلاقات الدولية بمعزل عن تطور قاعدتها داخل الولايات المتحدة الأميركية، كما يستحيل فهم النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي الأميركي اليوم خارج علاقات العولمة. عندما تقول عولمة تقول نمط وطريقة الانتاج الأميركية، طريقة الحياة الأميركية، نمط التطور الأميركي (في العلوم الطبيعية وفي علوم الاجتماع والتكنولوجيا... والثقافة والفكر والأخلاق... وفي كل شيء...). الأمر هنا لا يتعلق بنمط الإنتاج في مؤسسة معنية ليقال أن في العالم مراكز أخرى للعولمة، أي للإنتاج الرأسمالي حسب المفهوم السائد، بل يطال مجمل علاقات الإنتاج في البلد ككل، وحيث الولايات المتحدة الأميركية وحدها الآن تحدد هذه الصفة، ولكن مع ضرورة الوعي لحالة انتقالها (كنمط إنتاج وأسلوب حياة) إلى أماكن أخرى في العالم، وربما قيام تجمعات اقليمية أخرى تتنافس وتتكامل وتتناقض مع "العولمة الأميركية"، في المستقبل... ولا شك في أن الصراع في دائرة العولمة وليس ضدها هو الذي سيحدد مسار التطور المقبل للبشرية، حيث أن الصراع "ضد العولمة" هو صراع من الماضي، العولمة فيه في موقع التقدم، ومعارضوها في موقع الرجعية. الصراع ضد نتائج العولمة المدمرة وضد وحشيتها من قبل ضحاياها سيزداد ويتسع ويتعمق، ولكنه لن يكتب له الانتصار التاريخي، أي لن يلحق الهزيمة بالعولمة. الذي سينتصر هو "حالة جديدة" "صيغة جديدة" نمط جديد، لا هو العولمة الأميركية المتوحشة الراهنة ولا هي الحالة المتخلفة عنها، ان هذا النمط الجديد الذي سيكون حصيلة نضال الشعب الأميركي وسائر شعوب وقوى وطاقات العالم هو ما يسميه أحمد بن بلا universalisme، واسميه أنا وسواي الأممية الجديدة، والتي لن تكون مجرد علاقات سياسية دولية أكثر عدلاً بل كذلك علاقات إنتاج وتوزيع، مادي وثقافي، أكثر عدلاً داخل كل بلد وعلى مستوى شعوب الأرض... الفكرة الأساس، ومناقشة الاعتراضين النظريين الآنفي الذكر، تقودان إلى استنتاج رابع يتعلق بطبيعة النضال ضد العولمة وطبيعة القوى التي ستقوم بهذا النضال ومروحة المهام المرتبطة بذلك، وبالتالي ماهية التغيير المقبل. ولا بد في هذا السياق، وبشكل مبدئي، أن نسجل أن العولمة، بصفتها الشمولية، تثير في مواجهتها نضالاً عالمياً، شمولياً، مما يجعل التغيير المفترض كذلك، عالمياً شمولياً... هذا هو ما نعنيه "بالأممية الجديدة" التي لن تكون مجرد علاقات دولية جديدة بل نظام اقتصادي ـ اجتماعي ـ سياسي ـ ثقافي... عالمي جديد. وكلمة "نظام" هنا لا تعني صيغة واحدة معممة للعلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية داخل كل البلدان، بل فلنقل "منظومة علاقات جديدة" بالمعنى الأشمل تتقارب في الجوهر وتتنوع في الشكل كثيراً... إن عالمية النضال، وعالمية التغيير، يعني أن القوة المشاركة فيه لن تكون متطابقة ومتشابهة في ما بينها، وخاصة غير متفقة سلفاً على البديل. ولن تكون هناك مساحة لما يسمى "بالنموذج".. حيث أن الناس والبلدان والقوى في مختلف القارات ستناضل من مواقع مختلفة، ومن منطلقات مختلفة، ومن انتماءات طبقية واجتماعية وفكرية وسياسية مختلفة... ضد عدو مركزي، ضد خطر مركزي، مشترك، يهدد مصالحهم... إن ذلك يقود إلى الاستنتاج انه إذا كان النضال داخل الولايات المتحدة الأميركية وداخل تحالفاتها والمدى المباشر والحاسم لتأثيرها عبر طاقتها الاقتصادية والمالية والعلمية والتقنية... والعسكرية والسياسية، سيحتل فيه موقع العداوة، وسيلعب فيه الدور الحاسم، تلك القوة المحددة لتطور الإنتاج كماً ونوعاً، والتي باتت تتصف أنها "مالكة" بنسب متفاوتة لوسائل الإنتاج كما أثبتنا سابقاً، فإن النضال "العالمي" ضد العولمة لن يتصف بهذه الصفة دائماً، ولا بشكل أساسي. هناك طبعاً احتكارات، وتكتلات اقتصادية وسياسية في بلدان عديدة ستواجه بعض جوانب الهجمة الشرسة للعولمة الأميركية، وهي تتصف بمواصفات التطور النوعي الذي حصل على الرأسمالية في مرحلة صراعها مع النظام الاشتراكي القديم... ولكن الأغلبية الساحقة من القوى "العالمية" المتصدية للعولمة تتكون من قوى متخلفة في بنى تطورها الاقتصادي والاجتماعي... وخاصة العلمي والتقني، ولكنها قوى تسعى إلى الحفاظ على نفسها، على مصالحها، على تراثها وثقافتها وحريتها واستقلالها... وعلى حلمها في تغيير هي جزء منه وليس في تغيير على حسابها... إن اتساع وشمولية هذه المواجهة تتجلى كذلك في تنوع وتداخل وتوحد مواضيع النضال وأشكاله. في أوقات معينة، وفي بلدان معينة، ستكون القضية الوطنية (القومية) هي العنوان الرئيسي في المواجهة، في أوقات أخرى وبلدان أخرى، ستشكل القضية الاقتصادية ـ الاجتماعية موضوع الصراع الأساسي (الحالة التي تشهدها أميركا اللاتينية اليوم بالغة الأهمية حيث تجتاح القارة موجة نضالات اقتصادية ـ اجتماعية تشمل بلداناً بأسرها، وتتوجه كلها ضد الهيمنة الأميركية الشمالية واحتكاراتها.. وتمثل، ولسوف تمثل في المستقبل أكبر دور مميز في النضال ضد العولمة...) 

الشاهد: في منطق الصراع وأنت تحدد محركاته، فما هو موقع ودور العوامل الدينية والثقافية والحضارية؟ 

حاوي: في كل البلدان، وفي كل الأوقات سيبرز عاملان دائمان كموضوع أساسي للصراع، أولهما المصالح الاقتصادية والمعيشية للجماهير والبلدان والاقتصاديات الوطنية، وثانيهما القيم والتقاليد والمثل الثقافية والحضارية والفكرية والدينية للمجتمعات المختلفة في العالم، مما يعطي الصراع الثقافي حجماً وبعداً كبيرين وهامين، لا تكفي لمعالجته الدعوة إلى "حوار الحضارات" والتي تبدو معها المسألة وكأنها "سوء تفاهم" أو "خلاف على الأسلوب" في العلاقة بين الحضارات، وليس نضالاً ضد صيغة "الحضارة الأميركية" "حضارة العولمة" تخوضه كل تلك القوى والبلدان والجماعات العريقة في الحضارة، وذات الدور الكبير في إثراء الحضارة العالمية، والتي تتمتع بمخزون ثقافي تاريخي، وبتراث حضاري غني وبمجموعة قيم وأخلاق.. ترى نفسها مهددة بالاجتياح "المتوحش" للحضارة الأميركية التي تربط "الحضارة" "بالتغريب" Occidentalisation و"التغريب" "بالأمركة" في نهاية المطاف. إن صراع الحضارات هو صراع حقيقي، وهو ساحة من ساحات المعركة، ووجه من وجوهها. انه انعكاس الصراع الدائر في مجال البنى التحتية في العالم على "البنى الفوقية" بكل أبعادها ومعانيها... ولسنا هنا فقط في مجال مناقشة لآراء السيد علي خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعكس فهماً للحضارة يجعلها مرتبطة بالدين بشكل أساسي. ولا شك في أن الدين هو أحد مكونات الحضارة والثقافة والبناء الفوقي، ولكنه ليس الجانب الوحيد، وليس الأساسي دائماً... إذ نحن نجد أتباع أديانٍ مختلفة ينتمون إلى حضارة واحدة في بلد واحد، أو في أمة واحدة، أو في قارة واحدة... وإذا اقتصرت الحضارة على الدين، فدعوة السيد خاتمي بالغة الأهمية، حيث ينبغي أن نصرخ بالفم الملآن: كفى حروباً باسم الدين، كفى صراعاً للأديان، كفى "حروباً مقدسة" فالحرب ليست مقدسة إطلاقاً... كفى استخداماً لله في تدمير الإنسان، نعم لحوار الأديان، نعم لتعاون الأديان على قاعدة المشترك من جوهر الأديان وهو الدعوات إلى الخير والمساواة والسعادة والأخوة والأخلاق الحميدة والأمر بالمعروف والابتعاد عن المنكر... هذه القيم السامية التي لا تحملها رسالات الإسلام والمسيحية فقط بل كذلك جملة القواعد الأخلاقية والثقافية والروحية... التي تزخر بها ديانات القارة الآسيوية كالبوذية والهندوسية ... وسواهما... وكذلك الكثير من الديانات المحدودة الانتشار في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية... إننا بالطبع لسنا ضد "الحوار" و"التفاعل" مع الحضارة الأميركية، ولسنا ضد هذه الحضارة في جانبها الإيجابي الذي يزخر به الأدب والفن والثقافة والأخلاق (...) لدى شرائح واسعة من الشعب الأميركي، والمثقفين الأميركيين، ودور العلم والأبحاث، وعشرات الكنائس الأميركية... والتي تجد تجسيداً لها في طيبة الشعب الأميركي وبراءته وتعلقه بالمثل العليا، هذه الطيبة والبراءة، والمثل المبالغ بها إلى درجة تسمح باستغلالها البشع من قبل القوى المتحكمة بالقرار السياسي والآلة الأيديولوجية الإعلامية الضخمة التي يتحكم بها المتحكمون بالقرار السياسي والعسكري نتيجة تحكمهم بالقرار الاقتصادي ـ المالي...ما نود التركيز عليه هنا في نقدنا لشعار "حوار الحضارات" هو ما نراه ضرورياً للتصدي في المجال الفكري والأيديولوجي لهذا الجانب من هجمة العولمة. ولسنا نحن الذين نحدد وسيلة المجابهة، بل هو الطرف الآخر، "المعتدي"، أي الذي يقوم وراء هذا الهجوم، والذي يريد أن يفرض "حضارته" على حساب الحضارة الإنسانية على امتدادها في الجغرافيا والتاريخ. انه صراع حقيقي بين "حضارة العولمة" وبين مجموعة القيم والمثل الحضارية التي تأبى الخضوع والاستسلام أمام الهجوم الأميركي في مجال "الحضارة" المعمم للعنف وللجريمة ولقيم الرأسمالية المتوحشة، والممجد لبطولة السيطرة، والقوة، والربح غير المشروع... أي لكل ما هو "شريعة الغاب" تحت اسم الحضارة الحديثة والديمقراطية الأميركية... مسألة أخيرة تبقى قبل أن نعود لنتوقف أمام المواجهة الراهنة للهجمة الأميركية، وهي: هذا "الصراع الحضاري" من أي موقع نخوضه، من موقع التخلف والجمود والغيبيات والرجعية والظلامية... أم من موقع العلم والتقدم وروح العصر، والمستقبل؟ تلك هي المسألة. العولمة تريدنا أن نواجهها من موقع التخلف. تريدنا أن نكون "بن لادنيين" دعاة تكفير وهجرة، دعاة "عودة الخلافة"... "أصوليين" ليس بمعنى التمسك بأصول جوهر الأخلاق والقيم الدينية بل من حيث التعصب والحقد والظلامية.. بذلك تضمن الانتصار. ونحن نريدها على العكس من ذلك. 


الشاهد:
أولسنا نحن من يواجه هجوماً شاملاً أو تحت عناوين خادعة مثل صراع الحضارات وحرمة القانون الدولي.. إذن كيف تقرأ الحروب الأميركية المتواصلة؟ 

حاوي:
إن الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة لفرض هيمنتها الوحيدة على العالم. انه هجوم سياسي، عسكري، وثقافي... من أجل أهداف اقتصادية. ولنجاح الهجوم ينبغي ترتيب البيت أولاً، وأخذ التفويض المطلق لحرية التصرف. ينبغي إزالة "العقبات" الداخلية التي قد تحد من فرص نجاح الهجوم، وتخصيص النفقات اللازمة وتحضير الأجواء لخسائر مادية وبشرية كبيرة في بعض المراحل. بهذا الاتجاه تمت التدابير المادية والمعنوية بعد 11 سبتمبر، بل لهذا الهدف كانت أحداث 11 سبتمبر... فأعلنت الحرب على الإرهاب دون تحديد أسماء وأزمنة وأمكنة، أي الحرب على العالم، حرب السيطرة المطلقة والكاملة والوحيدة على العالم، حرب نشر العولمة، حرب تعميم "العدالة الأميركية"... فكانت أفغانستان، وكانت العراق... وستكون غيرهما. إن نزع سلاح العالم هو هدف غير مبالغ فيه داخل العقلية الأميركية المسيطرة اليوم. ينبغي أن ينحصر التصرف بالثروة وبالسلاح وبالسلطة في يد الإدارة الأميركية دون سواها. وهي التي يمكن أن تعطي هذا او ذاك، ودولاً وتجمعات ومراكز، هذه الحصة أو تلك. إنها مرحلة (الإمبراطورية العالمية الأميركية). في سياق هذا الهجوم الشامل تحظى أمتنا العربية باهتمام خاص. والأسباب الأساسية متعددة. ففي منطقتنا، وفي قلب أمتنا زرعت "إسرائيل" كياناً صهيونياً، شريكاً للإدارة الأميركية في غزوتها العامة، بفعل دور الترابط المالي الأميركي ـ اليهودي، ويفعل تأثير اللوبي الصهيوني في القرار الأميركي، وخاصة بفعل اندماج "العامل الروحي" بين اليهودية، التوراة والتلمود خاصة، وتلك الكنائس المسيحية التي تعتمد "العهد القديم" Ancien Testament. أساساً في عقيدتها بديلاً عن الإنجيل وتعاليم المسيح والرسل. وخلافاً لجوهر موقف الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ، غربية وشرقية، الذي مع اعترافه بما سبق المسيح، يجد في ظهور السيد المسيح وتعاليمه "حالة نوعية جديدة" تقوم على المحبة والتسامح وعمل الخير وتنطلق من المساواة بين البشر في كل تجلياتها... فإن "المسيحية المتهودة" والمتحالفة مع الصهيونية تتصف بأيديولوجية عنصرية، توسعية، عدائية للآخر، تجعل من السيطرة المسلحة على العالم، وإخضاع سائر الشعوب والأمم، وفرض الغلبة الأيديولوجية والثقافية: بمثابة "رسالة سماوية تاريخية" يمكن من أجل تحقيقها استباحة كل شيء وارتكاب كل "المحرمات"... وهذا ما يفسر قلق الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية، ووقوف كل هذه الكنائس ضد الحرب على العراق، وضد نهج العنف في العلاقات الدولية، وسط دور طليعي لبابا روما وللكنيسة الروسية وللكنائس المشرقية وبخاصة غبطة الكاردينال البطريرك صفير والكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية التي ننتمي إليها... ذلك أن هذه الأيديولوجية العنصرية الصهيونية ـ المسيحية المتهودة ترى في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية خصماً لها ينبغي إخضاعه، تماماً كما ترى في الإسلام خصماً ينبغي إلحاق الهزيمة به، وبخاصة في موقعه الأساسي، مكة والقدس، أي في دنيا العروبة... ورغم كون تلك الأيديولوجية العنصرية على تضادٍ واضح مع الأديان والثقافات والحضارات غير المسيحية وغير الإسلامية في آسيا خاصة كالبوذية والهندوسية... فهي لا تعتبر في هذه المرحلة أن صراعها معها صراع أساسي لأنه لا يجري كما مع المسيحية والإسلام على أرضية ثقافية مشتركة، وعلى أرض واحدة وعلى مواقع جغرافية محددة... فالمعركة مع تلك الأديان والثقافات تحتمل التأجيل، بل يمكن الاستفادة من التناقضات لعقد "تحالفات أيديولوجية" مع الهندوسية والبوذية مثلاً ضد الإسلام! وفق هذا المفهوم تتحدد السمة الأساسية "للحملة الصليبية الجديدة" التي يقودها بوش والإدارة الأميركية الراهنة بمشاركة نشطة من الصهيونية. إنها صليبية ضد المسيحية والإسلام معاً، وليست صليبية (بمعنى مسيحية) ضد الإسلام وحده. ولما كانت الآمة العربية تغرف من معينين ثقافيين حضاريين تاريخيين هائلين الغنى والثروة... هما الإسلام والمسيحية المشرقية، فالعروبة تصبح هي العدو الأوّل بامتياز بالنسبة لهذه الحملة الصليبية الجديدة... هذا الجانب الأيديولوجي، الثقافي، الفقهي، الفكري، العقائدي... لا يتعارض، بل يتكامل، مع الجانب الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي الذي يبقى هو الأساسي. وأنا كماركسي، اذ أقر بأولوية الواقع على الفكرة، ولكنني أعي أيضاً العلاقة الدياليكتيكية بين طرفي المعادلة حيث تصبح "الفكرة" قوة مادية في عملية التغيير سلباً أم إيجاباً. وعندما تنزل "الفكرة" منزلة الرسالة السماوية التاريخية، فدورها هو الذي يصبح حاسماً. هذا الجانب الأيديولوجي في الصراع يتضاعف أثره في منطقتنا التي هي موضع فعل المشروع الصهيوني المباشر في "أرض الميعاد، حيث لا يشكل قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية سوى نقطة انطلاق "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل.. وحيث تدور رحى حرب طاحنة تحاول أن تقمع ثورة ومقاومة وانتفاضة ونضال شعب فلسطين، وتثبيت الكيان الصهيوني قوة رئيسة في المنطقة، ورحى حرب مكملة قوامها السعي لتفتيت النسيج الاجتماعي والوحدة السياسية للأقطار المحيطة لزرع كيانات صغيرة على قاعدة العرف والإثنية والطائفية والمذهب و... تتناحر في ما بينها، وتتقاتل، لتشكل الحدود الآمنة "لإسرائيل" (الحدود المؤقتة) على طريق المشروع الصهيوني التاريخي... وهذا ما يفسر التقاطع والتكامل بين المشروعين الأميركي والصهيوني، ويفسر بخاصة تناقض هذا المشروع ليس فقط مع القوى الوطنية والتقدمية واليسارية والقومية بل وحتى مع تلك القوى اليمينية والمحافظة التي كانت في السابق عنوان العلاقة مع أميركا وموضع حمايتها... إن الجانب الأيديولوجي يتكامل مع الجانب الاقتصادي والعسكري والسياسي الاستراتيجي للمخطط الذي يستهدف امتنا ومنطقتنا. وسأترك للمختصين الحديث عن دور احتياطي النفط والغاز في المنطقة، ودور احتياطي الثروات الأخرى، بما فيها المعادن الثمينة والمياه والثروة الزراعية والحيوانية... وصولاً إلى ثروة "الأدمغة" التي تزخر بها المنطقة... كما سأترك لسواي من المختصين التوقف عند الأهمية الإستراتيجية الجغرافية على مداخل أفريقيا وآسيا وأوروبا... وكذلك على أهمية جمع مصادر النفط بمصباته في المتوسط عبر "إسرائيل"، إلى أوروبا، ومن شمال أفريقيا (العربية ـ الإسلامية) كذلك... وأهمية المعايير المائية وسوى ذلك... حتى أن الله قد منّ علينا بالطاقة الشمسية أكثر من سوانا إذ أصبحت الشمس مصدر الطاقة الأساسية في المستقبل...! أو نستغرب بعد كل ذلك أن تكون منطقتنا قد اختيرت نقطة الانطلاق الكبرى للحملة "العولمية" الجديدة على طريق تعميمها العالمي؟ ما جرى في أفغانستان لم يكن إلا المقدمة، بل التجربة الميدانية، حقل المناورة بالذخيرة الحية... وكما يقول عازفو العود "الدوزنة" كي يأتي العزف اللاحق... في العراق... ثم في.... لقد اختير العراق بسبب موقعه من جهة، وبسبب كونه نقطة الضعف الأساسية في حلقة النظام الرأسمالي العربي الضعيف أصلاً... وليشكل احتلاله غرفة العمليات الميدانية المؤهلة للتوسع حرباً أم سلماً، نحو سائر الأقطار المحيطة في الاتجاهات الأربعة... فطبيعة علاقة النظام العراقي مع شعبه، وطبيعة علاقاته مع جيرانه وأشقائه نتيجة حروبه المجنونة ضد إيران والكويت... وطبيعة غرور قيادته وغطرستهم وبهوراتهم الفارغة... وجملة عوامل أخرى معروفة، وغير معروفة، جعلت من العراق الهدف الأسهل، والأكثر دسماً... والآتي أعظم... 

الشاهد:
مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي والتطورات العالمية التي أعقبت ذلك من حرب الخليج الثانية إلى حروب البلقان... كثر الحديث عن أن القرن الحادي والعشرين هو القرن الأميركي بامتياز، وبخلاصة ما تقدم من حديثك يمكن الاستنتاج وكأننا فعلا أمام خطة أميركية نحو صناعة قرن أميركي. وكان لافتاً في حديثك أيضاً توافقك إلى هذا الحد أو ذاك مع فوكوياما رغم لحظك لتعارض شكلي مع فكرته عن نهاية التاريخ، حيث أبرزت تقييمك الإيجابي للتجربة الأميركية في النظام الرأسمالي العالمي وحاولت القول بأنها الأقرب إلى الفهم الماركسي وتجسيداته العملية من فهم النظام الاشتراكي الذي سقطت تجربته السوفييتية، واستندت في هذا المجال في بعض الجوانب من تحليلك إلى فكرة توسع قاعدة الملكية في النظام الرأسمالي (التجربة الأميركية) عبر نظام التسهيم والبورصة ولكن أغفلت إلى حد ما دور الاحتكارات العالمية والشركات المتعددة الجنسية التي تقف وراء الحروب الدائرة في العالم والتي تقف في مواجهتها العديد من المؤسسات الرأسمالية الوطنية (في إطار المواجهة ضد قوانين منظمة التجارة العالمية). ويذهب البعض لتحميل إدارات هذه الشركات مسؤولية الحرب المتجولة في العالم نظراً لوجود كوادر أساسية من إداراتها في إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حيث نشرت تقارير لمصادر مطلعة عن احتلال مئة شخصية من هؤلاء مراكز حساسة في الإدارة الأميركية وفي مراكز التقرير العالمي الأساسية. فهل برأيك هذا النظام الرأسمالي ببنيته الاحتكارية الذي يتطور ويتجدد والذي يكيف حاله كما أشرت ولكنه المولد للأزمات وللعنف سيصل يوماً وفق تطوير آلياته الذاتية للتغلب على الجوانب المتوحشة في بنائه وتركيبته ليضفي حالة من الأنسنة على علاقات الإنتاج والذهاب بعيداً نحو تعميم الفوائد الاجتماعية لعلاقات الإنتاج الحديثة لتغطي الشرائح العريضة الوسطى والدنيا من المجتمع؟ على صعيد آخر وربطاً بفكرة الأمركة هل يتجه المجتمع الكوني نحو صيغة سياسية تجسد الصيغة الأميركية أي صيغة ولايات الكرة الأرضية تحكمها إدارة عالمية واحدة ركيزتها أباطرة الشركات العابرة للقوميات (أميركيو الجنسية ويهوديو الهوية) أي السير بعكس ما كان يتجه إليه العالم في الحقبة الماضية، صيغة التكتلات الاقتصادية والإقليمية المتعاونة في إطار الأمم المتحدة والمنظمات العالمية؟ ألا ترون أن أثمان أمركة العالم ستكون باهظة ومكلفة ومهددة للسلم العالمي، لأنها ستفجر الى جانب الحروب الاقتصادية حروباً ثقافية وقومية ودينية قد لا يكون من السهل السيطرة عليها في هذا العالم المتخم بمختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل والمليء أيضاً بالإرادات المستعدة للدفاع عن مصالحها وكراماتها وثقافاتها وثرواتها وتقاليدها... الأمر الذي من شأنه أن يبرد رأس صقور الإدارة الأميركية وتفرض لاحقاً معادلات الصراع صيغة أخرى للأمم المتحدة ومجلس الأمن صيغة أخرى من الشراكة الدولية قد تكون فيها الولايات المتحدة قوة أساسية ولكن غير المنفردة وحدها بقرار العالم؟ 

حاوي:
إن جملة هذه الأسئلة هي عناوين فرعية للتعبير الأخير الذي استخدمته أنا للتوسيع الأخير في نهاية مداخلتي والتي هي الخطة وما يمكن أن يتحقق منها وما لا يمكن أن يتحقق. ثم كيف نحبط هذه الخطة؟ وما هي الحصيلة الناجمة عن محاولة تطبيقها والصراع ضدها؟ نبدأ القول بأن هذا المخطط كما قلت سابقاً كلما تقدم خطوة على طريق تحققه كلما قلّت قدرته على التقدم خطوة أخرى وازدادت قوة المقاومة في وجهه. وهنا سأعتمد السياق نفسه الذي استخدمته لأشرح كيف ينتشر لأرى كيف يقضى عليه. فإذا كان في الجانب الاقتصادي هذه هي سلبياته فهذا الجانب الاقتصادي يتناقض أولاً مع عدم القدرة على التقديمات الاجتماعية للشعب الأميركي نفسه، أي أن دافعي الضرائب في أميركا سيزدادون إرهاقاً وإذا كان الحصول على بعض ميزات النفط العراقي سيشغّل بعض الآلة الحربية الأميركية فهذا ذو مفعول قصير المدى. أولى حلقات مواجهة هذا المخطط هي الشعب الأميركي. فئات العمال والفئات الشعبية وصغار المساهمين الذين سيزدادون إفلاساً في أميركا (أي أنها في الوقت التي تحل جزءاً من مشاكلها فإنها تخلق جزءاً آخر، ولا يمكن في يومها أن أغفل دور المستهلك الأميركي والعامل الأميركي والكادر الأميركي في التعارض مع نهج السيطرة الأميركية، وقد أشرت إلى دور الاحتكارات فيها. نعم فإن الاحتكارات تقدم نفسها جزءاً من حركة المالكين في المجتمع وليس عدواً للمالكين في المجتمع هذا لا يمنع التناقض الحثيث والكبير بين صغار المساهمين وكبارهم. فلا شيء سيمنع السمكة الكبيرة من أن تأكل السمكة الصغيرة... لكن أقول إن هذه وسائل دفاع أي تغذية المناعة لدى هؤلاء في الدفاع ضد الإيدز المتمثل في الاحتكارات. الصراع الداخلي في أميركا هو أحد أبرز جوانب التصدي لهذه الهيمنة، طبعاً كلما نجح المخطط الأميركي في الخارج كلما تراجعت المعارضة الداخلية لهذا النهج، وكلما لقي فشلاً في الخارج كلما اشتدت في الداخل. الآن ستتراجع هذه المعارضة بعد النجاح الذي حققه المخطط في العراق، ولكن غداً كما أتوقع بعد سنة أو أقل أو أكثر، عندما ستصبح جثث الأميركيين العائدة من العراق وسواه بكثافة أكبر ستبدأ أكثر القوى المعارضة برؤية ليس فقط الجانب الإيجابي إنما أيضاً الجانب السلبي. هناك علاقة ديالكتيكية إذاً بين مواجهة هذا المشروع من خارج أميركا وبين المعارضة له من الداخل. ثاني حلقة من حلقات المقاومة ذلك العالم الذي يدافع عن حصصه ومواقعه وخاصة أوروبا. أوروبا كدول، دولة دولة، في إطار شركائها روسيا ـ الصين ـ اليابان التي ستدافع عن مواقعها وفق منطقين: احتمال المشاركة مع أميركا ثم تحسين المشاركة وتحسين الحصص، ولكنها ستصطدم بغطرسة أميركية وبغرور أميركي وستحصل مواجهات مستمرة لهذه الغطرسة. الشاهد: أين يمكن أن نضع مفهوم التكتلات في موقع ثابت على هذين المسارين؟ حاوي: ثابتة بمعنى منحاها التاريخي ولكن قد يخرج منها أطراف وتدخل إليها أطراف قد يشتد الهجوم الأميركي على إحداها ويتراخى على ثانيتها تباعاً ولكن هذه الحلقات ستزداد "مصلحة" أولاً ثم قدرة على مجابهة الهيمنة الأميركية. والجديد الآن في الأمر أنه لم نستنتج نحن أن احتلال العراق كان انتصاراً أميركياً فقط لكن رافق ذلك ولأول مرة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حركة اعتراض عالمية واسعة جداً جداً جداً. قناعتي أن حركة الاعتراض العالمية هذه وإن هبطت الآن بفعل بعض اليأس أو الإحباط في ما يتعلق بالجانب العسكري للعملية، فستزداد نتيجة مقاومة أهداف العدوان الأميركي في العراق. مثلاً: كنا في ألمانيا كما ذكرت نشارك في مظاهرة ضمّت مئة ألف إنسان في برلين، الرئيس بن بلا وأنا وبعض المغتربين اللبنانيين والعرب، طلبوا منا أن نلقي كلمة في المظاهرة إضافة إلى الندوة الهامة التي عقدت في ذلك اليوم وتحدث فيها الرئيس المناضل بن بلا وأنا وفاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب وبعض الخطباء. ولكن جاء من يفاوضنا من قبل منظمي المظاهرة الألمان ذوي التأثير في الشارع وفي الحكم. إن هذه المظاهرة هي ضد الحرب ومع الشعب العراقي وفلسطين نرجو أن لا يخرج منكم أي كلمة تشير إلى التضامن مع النظام العراقي. نحن قلنا لهم إن ما تريدون منه شبراً نحن نريد منه متراً ولكننا لا نقبل شروطاً. هذا موقفنا. يعني أن التظاهرات جرت في العالم ككل لم تكن تضامناً مع النظام (صدام حسين) إن طبيعة نظام صدام حسين كانت نقطة صنعت في اتساع الحركة العالمية المعادية للمشروع الأميركي وبالتالي سقوط نظام صدام حسين على المدى البعيد لن يخفف من اتساع عمق الحركة العالمية المعادية للهيمنة الأميركية وهي امتداد للحركة العالمية المعادية للعولمة. يعني بمعنى آخر إن العالم الذي تضامن (3 ملايين بشوارع روما و2 مليون في لندن الخ) ضد الحرب، شكل مشروع تضامن أممي جديد ضد الغطرسة الأميركية هذه، التي كانت الحرب ضد العراق نموذجاً من نماذجها. هذه الحركة الأممية الجديدة التي لا تستند كالماضي إلى مركز هو الاتحاد السوفييتي وإلى حركة إيديولوجية (... مع كذا) بل مركزها العالم وجامعها (ضد كذا) (ضد الهيمنة الأميركية). في الماضي كانت الحركة الأممية تتمحور حول ومع الاتحاد السوفييتي وعلى قاعدة إيديولوجية. الآن ضد أميركا وعلى قاعدة المصالح الأكثر اتساعاً من المصلحة الوطنية إلى مصلحة الحفاظ على البيئة والطبيعة، على استمرار الحياة لأن نمط التطور الأميركي المتوحش في الاقتصاد يهدد الحياة البشرية على كوكبنا، هو يهدد ليس فقط البيئة بما هو المناخ بل يهدد استمرار الحياة على هذا الكوكب. إذاً الحلقة الثانية هي حلقة الأممية الجديدة الذي لم يسبق للعالم أن شهد اتساعاً لها حتى في سنوات ذروة مجد ثورة أكتوبر والاتحاد السوفييتي. أنا أجد أن هذه الحركة التي لم تبلغ الذروة حتى الآن أعظم من الحالة الأممية السابقة. هذه الحركة العالمية لم تستطع بعد أن تلجم جماح العسكرتاريا الأميركية ولكنها تتصادم معها وستؤدي إلى لجمها، لأنها من شوارع سنتياغو تشيلي إلى ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين إلخ هنا يمكن أن تقسم المواجهة إلى نقطتين:

1
ـ الأنظمة التي تواجه العولمة الأميركية في أوروبا وروسيا والصين واليابان الخ! 2ـ حركة الشعوب في تلك البلدان. 
هناك تكتلات عمادها الأنظمة وليس حركة الشعوب وهي أحياناً منسجمة معها وأحياناً متعارضة، وأحياناً حركة الشعوب تتعارض مع الأنظمة المعارضة لأميركا. الحلقة الثالثة هي: آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية. هنا أيضاً سيجد المخطط الأميركي أمامه حقلاً من الألغام سيتفجر يوماً فيوماً في كل جوانب تقدمه الاقتصادي والسياسي العسكري والفكري والاقتصادي لأن شعوب هذا العالم الفقيرة، كلما ازداد نهب خيراتها ازدادت الفوارق الاجتماعية بينها وبين البلد المستعمر وازدادت حقداً وتمسكاً بثرواتها ونضالاً من أجل حصتها في هذه الثروات. المشروع الأميركي سيوسع رقعة القاعدة للمتعارضين معها (أميركا) لأنه سيطال البرجوازيات الوطنية أو أصحاب المصلحة بتطور الاقتصاد الوطني. وسيصبح النضال بين برجوازية بلد من البلدان وعماله من جهة، ضد النظام العالمي، نضال طبقي، يعني سيتغير مفهوم نضالاً طبقياً فلا يبقى فقط بين بروليتارية دولة معينة وبرجوازيتها بل بين بلد معين بعماله ورأسمالييه ضد العولمة، فهذا صراع طبقي في جوهره. 

الشاهد:
إن السلطات المكتسبة للتكنولوجية تصنع معايير أخرى للصراع وهي رب عمل. فالآن لو أراد الإنسان أن يصنع... أن يقرأ الكيفية التي يفصح عنها هذا التطور التكنولوجي بما في ذلك المعلوماتي، فهذا ينعكس على الأشكال النمطية التي نحن ألفناها في ملكية وسائل الإنتاج وقوى الإنتاج... الخ. هل ما زالت ما بعد الثورة الصغرى إذ جاز التعبير، صحيحة مقولات الصراع على معيار طبقي وعن أي طبقة؟ 

حاوي:
في جوهرها نعم. في شكل تجليها اتسعت كثيراً. أصبح النضال للقضية الوطنية بجوهره نضالاً طبقياً أي ضد المستثمرين، ما هو النضال الطبقي في الأخير؟ هو نضال المستثمَرين ضد المستثمِرين. فأنا لا أفهم غير ذلك الصراع الطبقي. المستثمرون ضد المستثمرين، المستغلون ضد المستغلين فعندما تصبح أميركا مستغلة لأفغانستان ككل، فإن نضال أفغانستان ضد أميركا هو صراع طبقي بين بلد مستغل وحكومة عالمية مستغلة. داخل هذا الصراع لا يمنع وجود تناقضات داخل المجتمع الأفغاني بجانب اقتصادي وسواه ولكن التناقض الرئيسي يصبح بين مصلحة البلد ككل وبين الهيمنة الخارجية. فأنا قلت في فرنسا مثلاً: نضال فرنسا من أجل مصالحها الاقتصادية في إيران، (عقد التوتال). نضال فرنسا هنا له جوهر طبقي أيضاً. التوتال، وهذا كلام قد يعتبر هرطقة في الماركسية، الاحتكارات الفرنسية في نضالها ضد الاحتكارات الأميركية في ظل العولمة هو أيضاً صراع ذو محتوى طبقي. هذا هو الجديد الذي حاولت أن ألفت النظر إليه في بداية الحديث. إن الآن هناك حكومة عالمية. الآن النضال ضد الاحتكارات الأميركية وكل نضال ضد أميركا هو نضال ديمقراطي. كل نضال ضد المصالح الأميركية هو ذو محتوى طبقي بمعنى ما، وإن كان من قبل احتكارات أخرى. قد يؤدي هذا الصراع في المستقبل إلى مرحلة ما من المراحل وليس إلى إسقاط الهيمنة الأميركية بل إلى الشراكة معها وهذا وارد. وهدف الاحتكارات الأوروبية وربما الروسية والصينية هو المشاركة مع أميركا وليس القضاء عليها. ولكنني أعتقد أن الأميركي بطبيعته إذا قبل بالمشاركة سيكون ذلك نتيجة هزيمة مشروعه الأول. فعندما تبدأ المشاركة سيسجل ذلك بداية التغير بطبيعة المشروع الأميركي ويتبعها ربما ويجب أن يتبعها مشاركة دول آسيا وأفريقيا... أيضاً في هذا النظام تم طبعاً مشاركة الحركة المعادية للعولمة في القرارات التاريخية السياسية، وحركة أنصار البيئة وسواها من أجل نظام جديد. ذلك هو تصوري للنظام العالمي الجديد. الذي سيكون بديلاً عن نظام العولمة الأميركية ليس بالضرورة انهياراً للإمبراطورية الأميركية بل إعادة التوزيع الأكثر عدلاً لثروات العالم ولخيرات العالم وموارده الأولية. سأعطي مثلاً الآن، دراسات جدية تقول إن مخزون العالم من الغذاء ما يكفي لإطعام 8 مليار إنسان، في حين أن عدد العالم اليوم 6 مليار أي أن هناك فائضاً يكفي كل العالم. بينما يموت من الجوع مئات الآلاف. ويبلغ عدد الذين يعانون الجوع أكثر من 35 مليون إنسان. فالعدل الذي نسعى إليه والذي نراه كمهمة أمام الصراع العالمي قواه ألا يموت أحد في العالم من الجوع طالما أن هناك فائضاً في الإنتاج. فهذا الانفراد الأميركي هو الهدف الرئيسي الآن الذي يجب تحطيمه. وهذا ينطبق أيضاً على مفهومه للديمقراطية. فأي ديمقراطية أميركية ويوجد 35 مليوناً يموتون جوعاً فالديمقراطية أخيراً ذات جانب اجتماعي وليست فقط جانباً شكلياً. الحلقة الرابعة: في قلب هذه البلدان كلها هناك حركات تناضل من أجل التغيير من القوى التي كانت تجد في التغيير انتماء إلى الأحزاب الشيوعية، إلى الحركات التي كانت تجد صيغة التحرر القومي لتحقيق إما الانفصال القومي وإما الوحدة القومية (لأنه في بعض البلدان القضية القومية عنوانها الانفصال وفي بعض البلدان عنوانها الوحدة). إذًا هناك حركات قومية راغبة في التغيير. حركات شيوعية وحركات إسلامية أو دينية، ثم هناك الليبراليون الذين هم شريحة واسعة جداً وستزداد اتساعاً حدة النتائج الإيجابية للعولمة يعني: انتشار العلم والمعلوماتية والثقافة والتكنولوجيا سيزيد هذه الشريحة حيث تتكرس وحدة سوق العلم في العالم. والدخول في العلم من ضمن هذه البلدان في منابعه مثل فرنسا، ألمانيا، أميركا، إنكلترا، سيتربى، سيتعلم. مئات الألوف وربما أكثر، ملايين من الناس وسيعيشون بعض مظاهر الليبرالية السياسية والاقتصادية وسيعجبون بهذه المظاهر وسيحاول قسم منهم تقليدها والقسم الأكبر سيبقى باحثاً عن شكل تطويعها مع موجبات البلاد التي يعيش فيها. 
كنت قد صنفت أربعة: الشيوعيون الذين كانوا محتكرين بمرحلة ما للتقدم. الحركة القومية على امتداد هذه القارات الثلاث الإسلاميون والدينيون وآخرون والليبراليون وقسم كبير منهم علمانيون وقسم منهم متدينون. كل هؤلاء تجمعهم الرغبة في التقدم والحضارة. غير أن ذلك لا ينبغي أن يخلق أوهاماً لدينا بأن التغيير النوعي الحاسم في المعادلة يمكن أن يحصل قريباً، أو في إطار بلد واحد مهما كان أساسيّاً. التغيير الأساسي، هذه المرة، لن يكون في "الحلقة الأضعف" من حلقات النظام الرأسمالي العالمي كما أكد لينين في بدايات القرن الماضي مستنداً إلى ذلك لدفع الثورة في روسيا إلى مقاييس ومقادير فيها الكثير من الذاتي، بل الإرادوي، أكثر مما فيها من نضوج الظروف الموضوعية حقاً لتغيير سيتولى قيادة حركة تغيير عالمية من نوع الاشتراكية الموصلة للشيوعية لاحقاً. فحتى ذلك الوقت، أدت هذه "الولادة المبكرة" للثورة إلى خلل لاحق في المواجهة بين النظامين العالميين قد يكون من بين الأسباب التي ساعدت في انهيار البديل الثوري، خاصة بعدما فقد دور لينين، ومنهج لينين... أقول ذلك لأنصح أولئك الواهمين بإمكانية حصول انتصار تاريخي جديد في روسيا، تستعيد معه البشرية "مسيرتها الظافرة السابقة" لكي لا يضيعوا الوقت في الانتظار، وقد نشأ ما يسمى "بالروسيولوجي" (أي خبراء روسيا) وبخاصة في أوساط بعض خريجي المعاهد الروسية وهم يقللون من أهمية ما حصل تاريخياً، ويعللون النفس بأوهام لا أساس لها بسرعة العودة. أنا أعتقد حقاً أن "المصالح القومية الروسية" ستلعب دوراً في المواجهة مع العولمة. وأن نهوض روسيا من حالة التراجع والفوضى والارتباك... سيكون له دور هام في مواجهة نهج العولمة... وأدعو إلى دعم كل جهد من أجل قيام حكم ضنين على مصالح روسيا وعلى كرامة روسيا، ولكن ذلك شيء، والوهم "بطبيعة جديدة منقحة" للثورة البولشفية في روسيا، شيء آخر... وأقول الشيء نفسه حيال المراهنين على الصين، وهي تخوض تجربة غير معروفة النتائج بعد، ولكنها في كل حال لن تكون في صالح الجمود الأيديولوجي المعتمد إلى المقاييس السابقة في الحكم على طبيعة النظام، ومدى "اشتراكيته" أو "رأسماليته"... مع تقديري الكبير لدور الصين اللاحق في صراع العلاقات الدولية. وأؤكد المنطق نفسه حيال الرهان على "أوروبا" "أو اليابان" أو "العالمثالثية".. كرهانات منفردة، منفصلة، يسعى صاحب كل رهان إلى ترجيح خياره في النقاش مع صاحب الرهان الآخر... إن العولمة هي حركة كونية شاملة، ومواجهتها ستكون كونية شاملة، لتوصل إلى تغيير كوني شامل، هو الأممية الجديدة. إن هذا التغيير سيشكل حصيلة النجاحات في النضال داخل كل ساحة بالطبع بلداً أو أمة أو قارة... الأمر الذي يعطي النضال الوطني، والمحلي أهميته القصوى، ولكن التغيير النوعي لن يتحقق إلا من خلال هذه الرؤية الشمولية. وإذا كان من موقع طليعي أكثر من غيره، فالطليعية هنا لن تكون "للحلقة الأكثر تخلفاً" بل للحلقة الأكثر تقدماً. 

الشاهد:
لنعدْ بعض الشيء إلى النقاش الإيديولوجي، أنت اعتبرت أن النظام الرأسمالي المعولم نظام ناجح؟ 

حاوي: إنه يتقدم. 

الشاهد:
هو نموذج أم لا؟ انه ناجح ولكن أي صيغة منه ناجحة وأي صيغة تحتاج إلى مواجهة؟ لأن هذا المشروع يتعمّم، حسب قولك سيرى صيغته للتعميم ووجد صيغته السياسية بالنهج الأميركي، فالإدارة الأميركية تعممه على العالم وتفرضه بالقوة أو تفرضه بالسياسة.

حاوي:
تماماً كما أن البرجوازية بانطلاقتها كانت حركة ثورية أنجزت مهمة تاريخية نقلت البشرية من مرحلة إلى مرحلة ودخلت بتناقضاتها الداخلية وتحولت إلى إعاقة للتطور فكسرت قوى الإنتاج علاقاتها، الأمر الذي تمثل بانتصار الثورة الاشتراكية، ولعبت دوراً تقدّمياً في مرحلة من المراحل، أي رفعت راية التقدم وحققت إنجازاً وتحولت معه الرأسمالية إلى حالة رجعية، أقول تاريخياً وعندما لم تستطع الاشتراكية أن تستمر في عطائها التغييري وتحولت إلى حالة معيقة لتطور المجتمع، بينما طوّرت الرأسمالية انطلاقاً من تجربة الاشتراكية نقاط ضعفها وعززت نقاط قوتها، وأسقطت تلك التجربة وتحولت أيضاً مرة أخرى إلى عامل تقدمي في المجتمع. نعم إن العولمة بما هي الثورة العلمية التقنية التي وسعت إطار الإنتاج أكثر من أي وقت مضى والتي أمنت للبشرية موارد هائلة جداً لإطعام الجياع والفقراء والشعب والناس، والتي شكلت انتصاراً تاريخياً على الطبيعة لأن هذا الصراع في النهاية هو صراع الإنسان ضد الطبيعة... هي الان في مرحلة هجوم لها جوانب إيجابية كبيرة ولكنها في الوقت نفسه تخلق تناقضاتها الداخلية وتبرز وجهها البشع، وكما أن الرأسمالية قد بنت ثورتها كما يقول ماركس على الدم والدموع ثم توسعت بالحروب، هكذا، وبوتائر أسرع، نظراً لسرعة العصر، (إذا كان انتقال الرق إلى الإقطاع أخذ ألوف السنين أو مئات السنين، أما الآن فالأمور تسير بسرعة أكبر بكثير، لأن حجم الإنجازات ونوعيتها أكبر بكثير). هذه الرأسمالية الجديدة، هذه العولمة تتحول إلى الجانب المعيق إضافة إلى الجانب الدموي المجرم وبالتالي تخلق نقيضها وهذا النقيض أحياناً يناضل ضد إيجابياتها وهذا جهد ضائع كما يعمل بن لادن (وسواه) ويخدمها، ولكن في النهاية فالذي يدعو إلى الانتصار هي تلك القوى التي ستستفيد من إيجابيات العولمة من أجل النضال ضد وحشيتها وإجرامها وتسلطها. هذه هي الحلقات الأربع التي دعوت إلى رؤية كيفية تصديها لها حتى تسقط الإمبراطورية الجديدة. وأنا سبق وقلت عند سقوط الاتحاد السوفييتي، في حديث مع القائد معمر القذافي، "الإمبراطورية التي سقطت والأخرى التي هي على طريق السقوط... ولكن طريق السقوط"... طويلة، سيسبقها هيمنة ليأتي بعدها السقوط... الشاهد: في هذا التحليل كثير من التشابه مع المقولات النظرية للقائد معمر القذافي، إن من حيث الموقف في الملكية (شركاء لا أجراء) أو من حيث الموقف من الديمقراطية والحزبية وسواها. حاوي: نعم، هناك نقاط تشابه كثيرة ولكن في المجال النظري فقط وليس في المقارنة مع التجربة المطبقة في ليبيا، حيث أن نظرية (شركاء لا أجراء) إذ تصح مع تعميم الشركات المساهمة كصيغة من صيغ تطور الرأسمالية عبر تطبيقها العملي في الجماهيرية في صيغة أقرب إلى التأميم في النموذج السوفييتي القديم منها إلى صيغة الملكية الجديدة المقترحة نظراً للبيئة الاقتصادية الليبية بالذات... ونظرية المؤتمرات الشعبية والديمقراطية المباشرة ودور القوى الثورية، في ظروف المجتمع الليبي لم تعكس في تطبيقها المحتوى الديمقراطي المثالي في النظرية.. وسيكون التحدي الأساسي في الجماهيرية التوصل إلى حل هذه الفجوة بين النظرية والتطبيق. ولكن التجربة الليبية ليست الوحيدة للحكم على صحة مقولات النظرية العالمية الثالثة ، لأن الكثير من هذه مقولات يجد صحته في التطورات الجارية على الصعيد العالمي. إذاً الصراع لا يجوز أن يكون صراعاً ضد الجانب التقدمي من العولمة بما في ذلك تعميم العلم، تعميم الفضائيات تعميم الإعلام، معرفة الناس بما يجري في العالم، علما أن السيطرة المالية على الإعلام تشوه ما يجري ولا تعممه بشكل صادق... ومشكلتنا في أنظمتنا العربية أنها لم تدرك بعد أن العالم لم يعد بإمكانه أن يعيش كما في الماضي ومشكلتنا في أحزابنا الشيوعية العربية والقومية العربية والإسلامية العربية والليبرالية العربية هي أنها لم تدرك بعد أن هذا العالم لم يعد يستطيع أن يعيش ويحكم كما في الماضي، لذلك نراها لا تزال في وجه هذه الهجمة تستنفر الماضي ولا تقاتل من موقع الجديد الذي يجب أن يبرز وسأقول لكم ما هو وضع الجديد. الشاهد: أنت تقرأ الواقع وتنظر إلى المستقبل بخلفية ماركسية؟


حاوي: هذه قراءتي للماركسية. 


الشاهد: أنت تفعل مرة أخرى كما فعل ماركس، أنت ترمي كل شيء في التاريخ.


حاوي: لو لم يكن ماركس موجوداً علينا أن نوجده اليوم. هو الذي يجيب على هذا التطور، وليس مدرسة السوفييت وستالين.. لقد شوهوا الفكر العلمي الماركسي والمنهج الماركسي. 

الشاهدماركسيا إذاً كنا نرمي كل شيء في التاريخ بربطه مع إرادة الإنسان الفاعل والإنساني. من أين إذاً يعود هذا الخطأ التاريخي في هذا الجدل؟ كل هذه الأقلية المسيطرة، كل هذه الأقلية المندفعة وكل هذه الأكثرية الضعيفة والمتراجعة والمهزومة .. كيف؟. 

حاوي: هذا سؤال جدي كثيراً، وسأجيب عليه: رغم كل مظاهر المأساة في العالم اليوم فإنه يتقدم، يتقدم اقتصادياً، اجتماعياً، علمياً، ثقافياً، حضارياً ويتقدم في كل المجالات. البعض يحن إلى حياة الماضي! أي حياة؟ عذاب بعذاب. يقال إن جسم الإنسان كان أقوى! كيف أقوى؟ لا مقارنة بين تعب الحياة في الماضي والرفاهية المتزايدة اليوم، حتى بالنسبة لأوسع فئات الشعب، وبشكل نسبي طبعاً. الحنين إلى الماضي حنين شاعري فالعالم يتقدم في جميع مجالاته ولكن في هذا التقدم حلقات أكثر من حلقات ومقاييس متفاوتة بتقدم البعض منه بمقياس سرعة الضوء والآخر يتقدم بمقاييس سرعة المشي، فتزداد الفجوة داخل البلد الواحد، بين الأغنياء والفقراء، وفي العالم بين المستثمرين والمستثمَرين. تزداد فجوة شمال ـ جنوب، تزداد الهوة الواسعة بين عالم الهيمنة وبقية العالم لكن هذا لا يمنع من أن هذا العالم يتقدم والحل ليس بأن ننفصل عن العالم الذي يتقدم أكثر منا، الانفصال مستحيل. هناك وحدة موضوعية، وحدة الطبيعة وحدة الكون. الحل هو أن يجري نضال من أجل توزيع أكثر عدلاً لثمار التقدم ولنتائجه ولمحصوله. أما في ما يتعلق بدور التاريخ، يعني أنا لست قدرياً لأقول "إنّا خلقناكم وما تعملون" حتى في الدين لا يجوز التسليم. إن ما يجري هنا لا دخل لإرادة الإنسان به. "لا يسقط شعرة من رؤوسكم إلا بإذن أبيكم الذي في السماوات!". كلا، فحتى المتدينون المستنيرون يقولون إن الله خلقنا وخلق عقولنا وإرادتنا فلنطوّر معيشتنا وفق منطوق هذه العقول ولنغلّب الخير على الشر في إرادة الاختيار التي خلقها الله. هذا هو منطوق التاريخ والذي يفهمه يستطيع أن يتفادى سلبياته وان يطور إيجابياته، والذي يدعي فهمه ولا يفهمه يسحقه التاريخ. المشكلة أن الماركسية اكتشفت سر تطور هذا التاريخ كعلم، ثم جاء بعدها من طوّر هذا الاكتشاف الماركسي أيضاً. الشيوعيون الذين اعتمدوا هذه الماركسية ووقفوا عند حدود تجربة ماركس ولينين التي أمّمها ستالين (دوّلها) أي مؤسسها، بمعنى أصبحت نظرية دولة مقولبة. دوّلها في مرحلة الحرب التي تبرر كل شيء فقضى على روحها، التي هي روح التغيير، والتقدم... هي روح الديمقراطية المطلقة والحداثة المطلقة والتطور المطلق. وفق مفهوم ماركس ديكتاتورية البروليتاريا معناها أن تحرم الأقلية المحتكرة للديمقراطية من احتكار هذه الديمقراطية، وتجعلها ديمقراطية كل الناس أو الأكثرية الساحقة من الناس تحت اسم ديكتاتورية البروليتاريا مقابل ديكتاتورية البرجوازية. هذه التجربة عندما جمدت وادّعت أنها امتلكت الحقيقة وحدها وادعت أن تناقضات تناحرية بعد الآن وأن كل التناقضات في داخلها تحل من خلال اجتماعات اللجنة المركزية والمكتب السياسي وسوى ذلك، ولم ترَ أن التناقضات في المجتمع تتفاعل باتجاه ضد كل اللجنة المركزية وليس ضد رأيين داخلها، وضد كل المكتب السياسي وضد الحزب. عندما تدرك أن السباق مع الرأسمالية، جعلها تتطور. وان انتصار الاشتراكية شكل حافزاً لتطوير الرأسمالية. ولم تفهم الاشتراكية ما هي الحالة الجديدة التي خلقتها هي فلم تتطور بعدها، وتحولت تلك الاشتراكية إلى حالة رجعية فانتصر القانون الماركسي ذلك أن المجتمع لا يمكن أن يقف عند حدود قرارات ماوتسي تونغ وستالين وتشاوتشسكو وجورج حاوي وخالد بكداش. العالم يتطور ونحن لا نرى هذا التطور. وإذا كان الصراع الطبقي سنة التطور، فالتغيير لا يأتي مباشرة فقط في صالح القوى المناضلة من أجله، بل في صالح "حالة ثالثة" تشكل تقدماً للبشرية. 

الشاهد:
يعني أنت ضد فكرة القطيعة في التاريخ؟ 

حاوي:
لا يوجد زمن للقطيعة بل يوجد تواصل في النضال في العالم، توجد قوانين تتطور. كما تتطور بيولوجياً الناس والطبيعة تتطور المجتمعات. ولكن فعل القوانين في المجتمع أكثر تعقيداً وتنوعاً. هنا كان جمود الماركسية. اعتبرت أن فعل قوانين المجتمع كفعل قوانين الطبيعة على أنها أكثر غنى وتعقيداً: مثلاً هذا الشعار كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته. هذا ضد المنطق ضد العقل، من قال بأنني ممكن أن أعطي كل قدراتي، وأستطيع أن ألبي كل حاجاتي، هناك ناس في الثقافة لها حاجات لا حدود لها ولا يمكن أن يرويها شيء وناس حاجاتهم في الملذات مثلاً... يقولون لك عندما يتوفر الحد الأقصى من المنتوج فلا يعود هناك مشكلة ... الخ، وهذا غير صحيح. فستبقى حاجات الناس غير محصورة كما ونوعاً. 

الشاهد:
البعض يقول إن محرك التاريخ هو الدين والبعض يقول بات محرك التاريخ هو المسألة القومية، والماركسية تقول إن محرك التاريخ هو الاقتصاد. وإذا أردنا أن نقيس الأمور بنتائجها، لوجدنا أن تجربة ناشئة مثل الولايات المتحدة الأميركية وهي أحدث أمة في العالم من حيث التطور التاريخي، متعددة الأديان والثقافات و اللغات و الولايات، يوحدها النظام القائم على المصلحة، مصلحة الفرد والمجموعة، فالأميركي يرتبط بأميركا بمصلحته، هذه الأمة التي تطورت بسرعة هائلة واليوم هي تحكم العالم، لا تملك جذوراً تاريخية مثل فرنسا (ثورة فرنسية) وليست هي العرب وحضارتهم المتجذرة بعيداً في التاريخ وليست هي الفرس و العثمانيين وليست هي في المستوى ولكن تمكنت أن تكون طليعية في صناعة الإنجازات في المستوى التكنولوجي ـ العلمي ـ الاقتصادي وذلك بدون أن تملك ثروات أكثر من غيرها من الأمم مثل روسيا، مثلاً كيف تفسر ذلك؟ 

حاوي:
حتى حول أسبقية الاقتصاد على الفكر، فالأسبقية ليست الانفصال ولا التعارض، بل هناك تواصل وعلاقة دياليكتيكية بين العاملين، فالتطور الاقتصادي يطور الفكر، والفكر يطور الاقتصاد. السبب يصبح نتيجة والنتيجة تصبح سبباً وبالتالي كثيراً ما أهمل بعض الماركسيين دور الفكر في تطوير الاقتصاد والمجتمع تحت نظرية أن الأساس هو الاقتصاد لكن الاقتصاد في الأخير هو قوانين أيضاً. هو أفكار وتطور وحتى في ما يتعلق في الأدب والثقافة والمشاعر. الكلمة تصبح عاملاً مطوّراً في التاريخ، قوة مادية كما قال ماركس. ما أريد أن أقوله في هذا السياق تحديداً إن أميركا تفوقت في الاقتصاد، في العلم، لكن أيضاً بَنَتْ مجموعة من القيم وظفتها في الاقتصاد وتوظفها الآن وتعممها عالمياً، هذه القيم التي تفتخر بها أميركا والتي هي قيم الغطرسة والقيم المعادية لجوهر كل الأديان المعروفة... والذي يدل على ذلك أنك إذا سألت أميركياً عن سبب تنامي الكره لأميركا لأجابك بكل عنجهية لأن العالم "لا يستطيع أن يكون مثلنا!" إنهم يحسدوننا" المجتمع الأميركي تقدم في العلم والاقتصاد والإنتاج وحصد جهد كل العالم وحصد أيضاً نتاج ثقافات العالم، وانتهج سياسة السيطرة على العالم. 

الشاهد:
أفصح الأميركيون وحلفاؤهم البريطانيون عن التحضير والتمهيد لغزو العراق عن توجههم أو قرارهم بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ويوجد من يتحدث عن سيناريوهات تفكيك وتركيب وترتيب وإقامة أحلاف وما إلى هنالك. كيف تنظرون بهذا المعنى إلى الخارطة الجديدة للشرق الأوسط بعد احتلال العراق من قبل الأميركيين والبريطانيين؟ وبهذا السياق أيضاً ما هو مصير الصراع العربي ـ الصهيوني؟ 

حاوي:
خريطة الشرق الأوسط بالنسبة لأميركا هي الخريطة التي تؤمن لها ثلاث مصالح: أولاً سهولة وسرعة وأفضلية الحصول على الموارد والمواد الأوّلية. ثانياً: سهولة وسرعة وأولوية الحصول على الثروة. 

الشاهد:
الثروة تعني بها النفط؟ 

حاوي:
النفط والماء وكل مصادر الطاقة، حتى الطاقة الشمسية لأن الله قد منّ علينا بالشمس كما قلت ومن أجل هذين الهدفين هناك هدف ثالث وهو إطلاق يد "إسرائيل"، لضمان هاتين العمليتين وللمنطلق الأيديولوجي الذي أشرت إليه سابقاً. إذن الهيمنة هي هيمنة أميركية ـ "إسرائيلية" ولا يمكن الفصل للحظة بين طرفي المخطط الأميركي ـ "الإسرائيلي". مع الأسف "الآن أسمع تعليقات من أصدقاء لسورية ومن سورية بخاصة يحاولون أن يقولوا أن هذه ليست مطالب أميركية، بل هي مطالب "إسرائيلية" ترفعها أميركا، وان بريطانيا مختلفة. انا رأيي أن هذه مطالب أميركية ترفعها "إسرائيل" فلنكف عن هذا الخداع للنفس. منذ سنة قلنا لكل العالم أن العنف "الإسرائيلي" الذي ينفذه شارون هو عنف مطلوب من أميركا. وليست أميركا محرجة أمامه كما يعتقد البعض. طلبوا منه زيادة الضغط على الفلسطينيين ليقايضوا الأنظمة العربية ويحصلوا على موافقتها لضرب العراق. ولم تستطع الأنظمة العربية أن تسايرهم في موضوع العراق فزادوا الضرب في فلسطين... وليس صحيحاً أن أميركا كانت تعمل على التخفيف من شراسة شارون حيال الشعب الفلسطيني، بل على العكس من ذلك، والآن أميركا ستقول "لإسرائيل" اضغطي على سورية حتى نجندها في مخططنا في العراق وفي فلسطين وكل المنطقة، وليس العكس، أي ليس شارون هو الذي يقول لأميركا: ساعدينا للضغط على سورية كي تسحب سلاح حزب الله. هذه رؤية معكوسة، وهنا أشدد على قراءة الحدث حتى نستطيع المواجهة. أول العلاج هو التشخيص .Diagnostique إذاً كانت أهداف أميركا في المنطقة هكذا فإعادة رسم خريطة المنطقة ستتوقف على تحقيق هذه الأهداف. إذا أمنت لها وحدة الأقطار هذه الأهداف فهي ستسعى للوحدة. وإذا أمن تفتيت الأقطار لها هذه الأهداف فستعمل على تفتيتها. وإذا أردنا بعض المبالغة نقول إذا كانت الوحدة العربية تحقق لها هذه الأهداف فستكون مع الوحدة العربية. 

الشاهد:
لكن تاريخياً الاستعمار كان خياره تفتيت المنطقة وشرذمة الأمر؟ 

حاوي:
معمر القذافي قال لي مرة إن الذي ساهم في توحيد ليبيا هو الدول الاستعمارية بعد اكتشاف النفط. قبل اكتشاف النفط كان يوجد ثلاث ممالك في ليبيا. عندما اكتشف النفط رأى الأميركيون والبريطانيون انهم يريدون أن يتفاوضوا مع دولة، واحدة، فوجدوا ليبيا. ولكن القائد قال إننا نحن استفدنا من ذلك لنقوم بالثورة. أنا أعطي هذا المثل لأقول إن المطلق بالنسبة لأميركا هو مصالحها وليست الديمقراطية ولا الدكتاتورية ولا التجزئة ولا الوحدة. مرة أخرى أحب التأكيد على وحدة المصالح ووحدة المنطلقات الأميركية و"الإسرائيلية". وليس صحيحاً أن أميركا كما يقول جبران تويني وبعض العملاء الأميركيين إنه عندما يحضر الأصيل يخف دور الوكيل. ويجري الحديث أن "إسرائيل" سيخف دورها نتيجة الوجود الأميركي المباشر. هذه فعلاً خدعة. أميركا ـ "إسرائيل" سيكون لهما في المنطقة الهدفين اللذين ذكرتهما. اذا اقتضى ذلك التفتيت يفتتون. والحقيقة أن تحقيق هذين الهدفين يتطلب فعلاً تفتيت المنطقة، وتفتيت كل قطر من أقطارها. وبالطبع الديمقراطية ليست هدفاً أميركياً. إذا قام نظام ديكتاتوري معين بقمع شعبه وأمن لهم مصالحهم فهم سيجعلون منه النموذج الديمقراطي، وإذا قاوم نظام ديمقراطي مصالحهم فهم سيسقطونه بالانقلاب العسكري أو بالحرب والعدوان . في هذا المخطط اختاروا العراق كمحطة ثانية بعد أفغانستان، بل إن أفغانستان كانت المقدمة لضرب العراق أي التجربة لضرب العراق، ولن يكتفوا به بل عبره ليتحكموا بالشرق الأوسط بسورية ولبنان ولن ترحم أنظمة الخليج. وهناك إيران ومصير الصراع حول مستقبلها ودورها في المخطط الأميركي في المنطقة. هل هو دور مشاكس أو مشارك أو تابع؟ من العراق يجري الضغط على تركيا. هل سيسمح لدولة إسلامية كتركيا وفقت بين الإسلام والعلمنة ووجدت صيغة لم تجدها بعض الأنظمة العربية التي ينقسم فيها الرأي بين علمنة لا تصلح إلا في السويد، وإسلام لا يصلح إلا بمكة، في حين وجد الأتراك صيغة ملائمة لهذا "التعارض". وبالتالي، نعم أنا أعتقد أن تفكيك تركيا هو ضمن المخططات الأميركية ـ الأوروبية، لأن الغرب في الأخير هو عنصري. والغرب نادٍ كاثوليكي، ونادٍ مسيحي. والغرب لن يقبل بتركيا ذات دور ولا بإيران ذات دور. وان من يريد أن يحصر النفط عن أوروبا سيفكر بشمال أفريقيا. سيفكر بليبيا والجزائر والمغرب ونيجيريا والسودان، لا شك أنه الآن تحت القبضة الأميركية. وبعدما ضربت الجامعة العربية وضربت المبادرة المصرية الليبية في السودان بفعل قوة الوضع الأميركي فسيكون السودان مجزءاً في الواقع موحداً في الشكل تحت السيطرة الأميركية. وليس من قبيل الصدفة أن يجري التلويح بالعقوبات على سورية وليبيا وغيرهما وترفع العقوبات عن السودان. ومصر مستهدفة دائماً نظراً لدورها السياسي على صعيد كل بلدان المنطقة. "إذا مرضت مصر مرض العرب". لقد شهدت مصر غلياناً شعبياً واضحاً. وسيعمل الأميركيون على إجهاضه، وربما على التحضير لبديل احتياطي! ومن الواضح أن سورية مستهدفة. انه استهداف لسياسة سورية إذا وافقت على الحل الذي يهيأ له في فلسطين وعلى التخلي عن بعض الحقوق الوطنية في الجولان، وساهمت مع أميركا في مخططها في العراق وفي لبنان، عندها ستكون سورية موضع رعاية أميركية، والضغط الذي يجري الآن هو لتطويع سورية بهذه الوجهة، ولكن ماذا يبقى من سورية في هذه الحالة؟ وإذا انسجمت سورية مع هذه المطالب الأميركية فلن يبقى للنظام الحالي ما يبرره فهذه السياسة لها ممثلوها. هذا الوضع يجعلنا نقول إن مواجهة الخطة الأميركية تقف الآن بين ثلاثة اتجاهات. بين اتجاه يقول نفذوا ما تريد أميركا حتى تضمنوا سلامتكم وهنا سيتحرك وسطاء كثر، أوروبيون وعرب وغيرهم لينصحوا بعدم المواجهة، وبالمرونة، وبترك العاصفة تمر. واتجاه ثانٍ سيستمر في الدعوة إلى المواجهة (الكلامية) على قاعدة اللغة نفسها التي باتت فارغة وبدون مدلول عملي، وكأن شيئاً لم يكن. واتجاه ثالث يرفض تنفيذ الإملاءات الأميركية كما يرفض النهج المغامر والمزايد، ويدعو إلى الصمود حول جوهر المواقف الأساسية مع إبداء مرونة في الشكل وتنازلات جزئية وليست جوهرية، ومع الدعوة إلى سياسة صمود حقيقية، تستند أول ما تستند إلى تعبئة القوى الشعبية، والى إطلاق الديمقراطية في الداخل، لتصبح الديمقراطية أداة مواجهة فعالة، لا مطلباً أميركياً كاذباً. 

الشاهد:
صيغة سايكس بيكو كانت لمنع قيام الدولة العربية، ولتمكين الاستعمار القديم. من استمرار سيطرته على مقدرات المنطقة دون الاضطرار للتواجد العسكري المباشر، والأهداف الأميركية لا تختلف عن أهداف الاستعمار القديم فهل ستكتفي الخطة الأميركية بتدعيم اتفاقية سايكس بيكو وإنهاء كل صيغ التعاون العربي التي نشأت حقاً كحاجات موضوعية ومقدمات للسير باتجاه المشروع العربي الموحد أم أن المصلحة الأميركية ـ «الإسرائيلية» ستقضي بإعادة النظر بالحدود الراهنة للأقطار العربية ؟ 

حاوي:
أشرت إلى التكتلات الإقليمية... وإلى التجزئة... ولكن ما أود أن أركز عليه هو أن الثابت لدى الإدارة الأميركية هو الأهداف. أما الوسائط فتتغيّر. ويجب توقع طروحات جديدة، منها مثلاً الإصرار على الصلح الشامل مع "إسرائيل"، وقبول "إسرائيل" عضواً في الجامعة العربية... (تحت أي اسم آخر قد يكون "اتحاد دول الشرق الأوسط")... والعمل لتوليها منصب الأمانة العامة للجامعة... الخ... قد يبدو ذلك كاريكاتوريّاً... ولكن أليس تصرف الجنرال "غارنر" والمبعوث بريمر في العراق أكثر مدعاة للسخرية؟ 

الشاهد:
يجري الحديث عن سيناريوهات معدة مسبقاً تتسرب من الإدارة الأميركية.. سيناريو أول يتحدث عن التفتيت بدءاً بالعراق، بإقامة دولة فدرالية شيعية سنية كردية تمهيدا لفدرالية شبيهة في تركيا. وهذا الخيار يمكن تعميمه حيث الخطة الأميركية تحتاج إلى ذلك. أما السيناريو الثاني الذي ينطلق من فكرة تحديث المجتمعات العربية والإسلامية ويفترض العمل بمبدأ فصل الدين عن الدولة، بحيث يصبح للمسلمين دولتهم الدينية في مكة كما للمسيحيين دولتهم الدينية هي الفاتيكان، وما عدا مكة يتحول إلى مجتمع مدني تحكمه دساتير وضعية، وهكذا يصبح لليهود دولة دينية في القدس وسائر فلسطين الطبيعية تكون دولة ديمقراطية مدنية... أخذاً بعين الاعتبار هذه السيناريوهات وواقع الشرذمة الذي تعيشه الأمة العربية هل لنا أن نتفاءل بإمكانية إعادة إنعاش مشروع الوحدة العربية، أم أن هذا المشروع أصبح من الماضي؟؟ 

حاوي:
أنا كنت تاركاً الجواب على هذا السؤال لمهام المواجهة لأني أعتقد أن أهم نقطة في المواجهة هي إحياء المشروع القومي العربي الحضاري. 

الشاهد:
نريد أن نتوقف عنده كمشروع سياسي اقتصادي وليس كشعار استهلاكي كما جرى حتى الآن. 

حاوي:
سوف نعود إليه. ولكن التفتيت الآن هو واقع حتمي نتيجة الغزو الأميركي للعراق. الحديث عن الوحدة هو مشروع نظري. التفتيت هو مشروع واقعي. لا شيء يوحد العراق بعد صدام حسين إلا الديمقراطية الكاملة التي تمر عبر الصراعات الإثنية والقومية والطائفية والمذهبية من أجل بناء مجتمع مدني علماني وديمقراطي، وهذا أمر مستبعد جداً، وسيزداد استبعادا نتيجة الصراع ضد الاحتلال الأميركي لأن الصراع ضد الاحتلال الأميركي سيغذي التيارات الدينية، والحماية من الاحتلال الأميركي ستغذي الحمايات القومية، وستغذي الحمايات الإثنية والطائفية. سيتقوقع الشيعة ليدافعوا عن مصالحهم في وجه الأميركيين وبالتالي عندما سيتقوقعون وسيتناقضون مع السنة، وهؤلاء سيتناقضون مع الأكراد وبالتالي هذا لن يوحدهم بل سيقتتلون داخلياً. إذا أدرتم رأيي في العراق هناك مشروع تفتيت الشيعة الآن مشروع أساسي بين الشيعة "الموالين" لإيران والشيعة "الموالين" لأميركا وآخرين موالين للنجف وآخرين تقدميين علمانيين. السنة الذين حكم صدام باسمهم ضربوا في الحكم وفي المعارضة، والأكراد سيستمر التآمر لتفتيتهم وتقسيمهم.. ولتغذية الصراع بينهم وبين الأطراف العراقية الأخرى... سيؤدي ذلك إلى المزيد من التشابك مع الدور التركي في شمال العراق. ولكن دخول تركيا في الصراع سيهدد في المستقبل وحدتها، حيث ستتفجر التناقضات القومية والإثنية داخلها كذلك. لا شيء سيوحد العراق إذاً إلا النظام الديمقراطي العلماني. وهذه المهمة ستمر حتماً بمهمة طرد الاحتلال الأميركي. والنضال ضد الاحتلال الأميركي سيرافقه تغذية لعناصر التناقضات الداخلية. وهكذا يمكن القول إن الاحتلال بذاته، وبآلية النضال ضده، سيعزز حالة الصراعات الداخلية، وليس حالة الديمقراطية. إن انتصار الديمقراطية هو هدف بعيد ومستقبلي. أما في الوضع الراهن، فكل شيء سيدفع إلى التفتيت، في العراق، وفي المنطقة والبلدان المحيطة. وبالتالي هذا المخطط سيطال أيضاً سورية ولبنان. ومع الأسف ضيّع الحكم اللبناني فرصة حقيقية لتحقيق وفاق وطني لمواجهة مخطط التفتيت. ولم يستفد الحكم من المناخ الإيجابي الذي تكرس بعد خطوة إعادة الانتشار السورية الأخيرة وموقف البطريرك الماروني الإيجابي والتقاء اللبنانيين ضد الحرب على العراق ومع علاقات ودية وأخوية مع سورية. ولكن هذه المهادنة تكاد تنتهي وقد يصدر العدد والفترة قد انتهت دون أن تقدم السلطة اللبنانية على مؤتمر وطني للحوار تثبت فيه عناصر الوحدة اللبنانية بمعزل عن اليد الخارجية التي ستضعف، قال إيلي الفرزلي ذات مرة لبنان ممسوك ولكن غير متماسك، وإذا ضعفت اليد الماسكة لن يبقى ممسوكاً ولا متماسكاً. والآن المحاولة لإضعاف الموقف السوري هي بنتيجتها لتفكيك الموقف اللبناني إذ لم يتوحد على أسس أخرى بمساعدة سورية. وتكاد تضيع الفرصة ونهيئ لبنان إلى احتمال تجدد الانقسام على أسس مختلفة. ولا بد من أن يجري إراحة وضع سورية في لبنان. لا يمكن أن يبقى لبنان عبئاً على سورية يجب أن يتحول لبنان إلى ظهير لسورية لا ثقالة عليها. وهذا يتطلب قبل كل شيء مصالحة وطنية لبنانية. عقد مؤتمر وطني للمصالحة بسرعة بعيداً عن أمزجة وأهواء ومصالح المسؤولين اللبنانيين يتم في خلاله أو قبله خطوات تحدث انفراجاً لدى تلك الأوساط المأزومة، إعادة M.T.V إطلاق سراح سمير جعجع، رفع الحصار عن اليسار والقوى الديمقراطية، إعطاء دور أساسي لقوى الاعتدال والعلمنة ومعارضة الطائفية. هذا المؤتمر الوطني بإمكانه أن يصوغ إجماع اللبنانيين حول المقومات الوطنية الأساسية، ومن بينها صيغة متابعة الصراع ضد "إسرائيل" ومشروعها، حيث ليس بالضرورة متابعة هذا الصراع عبر إطلاق القذائف على مزارع شبعا بل على العكس من ذلك تماماً، في هذه المرحلة الحرجة يمكن أن نتخذ من "الخط الأزرق" درعاً للحماية دون أن نتخلّى عن حقنا في تحرير الجولان كاملاً وليس فقط مزارع شبعا وان نقبل بوجود أكثر فعالية للجيش في الجنوب مع رفضنا الكامل لما يراد له من دفعه لنزع سلاح المقاومة الذي يصبح سلاحاً دفاعياً يتمسك به كل اللبنانيين. وهناك فارق جدي بين نهج دفاعي يحتضنه الوطن ونهج آخر يثير الانقسام، خاصة بعد سقوط وهم يعتقد أنّ إبقاء بوابة الجنوب ساخنة هو الطريق لاستعادة الجولان... ويمكن للمؤتمر الوطني للحوار أن يتفق حول نقاط تصحيح العلاقات اللبنانية السورية. وهذا موضوع ليس من الصحيح أن يطوى بحجة وجود ضغوط أميركية ضد سورية، بل على العكس، ففي مواجهة هذه الضغوط يجب أن يجري حل هذه القضية بشكل إيجابي وعلى قاعدة اجتماع اللبنانيين على دعم سورية، مقابل موقف سوري لا يغلب فئة من اللبنانيين على الأخرى، أو لا يسمح لفئة أن تستخدم سورية لتعزيز صراعها ضد الأطراف الأخرى. هذا الموقف يريح سورية، ويجعل الدفاع عنها وعن تمسكها بالحقوق الوطنية والقومية مهمة كل اللبنانيين، وعلى رأسهم البطريرك وقرنة شهوان والحزب الشيوعي.. الخ إضافةً إلى المجلس النيابي والوزراء والحكومة. وبهذه الوحدة الوطنية تلغي سورية الذرائع التي تستخدم ضدها، وتصبح قضية حزب الله قضية لبنانية وتصبح قضية المخيمات في لبنان قضية لبنانية وتصبح قضية الأمن في لبنان قضية لبنانية. وبالتالي لبنان هذا كل لبنان، متضامن مع سورية بكل ما يملك وهو يملك الكثير ويملك تجربة القتال الجيد والجدي ضد الاحتلال خلافاً للتجربة العراقية. في مثل هذه الحالة، إذا ارتكبت "إسرائيل" حماقتها واعتدت على لبنان وسورية، فسنقاتل حتى آخر رجل، سنقاتل في الضاحية وفي النبطية والجنوب وكسروان وسواها وليس فقط حزب الله هو الذي سيقاتل، بل كل اللبنانيين، شعباً وحكومة، سيقاتلون. نعم هكذا أرى المواجهة هنا ومن خلال هذه المواجهة نصد الهجمة الراهنة. إنني إذ أؤكد على أهمية المصالحة الوطنية بين اللبنانيين المصالحة المبنية على قاعدتي المساومة التاريخية للعلاقات اللبنانية ـ اللبنانية، وللعلاقات اللبنانية ـ السورية، لا أعتبر، أن هذه المصالحة، وما سينجم عنها، هما التغيير الديمقراطي المطلوب لجعل لبنان حلقة قوة في مواجهة المخطط المعادي، استمراراً وتطويراً لدوره الريادي في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال "الإسرائيلي"، وفي تحرير أرضه من العدو دون تنازلات ومفاوضات. إن الدعوة إلى المصالحة، والى الوفاق الوطني، وتحقيق ما تقدم من مطالب، إنما يهدف إلى وقف المسار التراجعي للصراع في لبنان، ومنع عودة الشروط الملائمة لتفكيك وحدة البلاد، وانبعاث الحرب الأهلية،.. .في ظل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة والنهج العدواني لشارون وزمرته... كما يهدف إلى خلق ظروف أكثر ملائمة لتطور النضال الشعبي الديمقراطي من أجل تغيير نوعي ليس فقط في طبيعة السلطة اللبنانية، بل في أسس البناء المجتمعي للبنان، بما في ذلك في تكوين الأحزاب والتكتلات السياسية وفي الإعلام والقضاء والمؤسسات التعليمية والثقافية والمدنية المختلفة... حيث الطائفية هي في ذروة تفاقمها، والمذهبية تنذر بتفجير الوضع، وحيث النظام الطائفي الراهن هو مصدر كل الأزمات وهو يشكل العقبة الأساسية أمام كل تقدم واستقرار وطمأنينة للشعب اللبناني. إن النضال من أجل تغيير ديمقراطي عنوانه الرئيسي إلغاء الطائفية ومفاعيلها في النظام السياسي وفي العلاقات والاحترام والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية، هي المهمة الإستراتيجية المرحلية الأساس للوطنيين والديمقراطيين اللبنانيين، وبخاصة مهمة أجيال الشباب التي تدفع اليوم ثمن أزمة النظام هجرة وتهميشاً وبطالة وقهراً يتمثل في اضطرارها للخضوع إلى زعماء الطوائف ومراكز القرار حتى تتمكن من الحصول على وظيفة، والتقدم في العمل، وحل كل مشكلات الحياة اليومية... إن التغني "بالصيغة اللبنانية" الراهنة، ومحاولة تقديمها نموذجاً عصرياً للتعايش، هما أمران يزيدان من صعوبة النضال من أجل هذا التغيير الديمقراطي المطلوب، الذي وحده ينسجم مع مصلحة الشعب والوطن. نعود إلى المخطط الأميركي، انه أبعد ما يكون عن الديمقراطية، وعن الحداثة، وعن تطوير أنظمة المنطقة. انه مشروع الفتنة الدائمة، التوتر الدائم، الصراع الدائم... وذلك من جهة لتبرير استمرار الوجود الأميركي، ومن جهة أخرى بسبب الصراع الحتمي والمقاومة الحتمية لهذا الوجود. فبسبب هذا الوجود سينشأ مقاومة ضد الاحتلال "الإسرائيلي" والأميركي وهذه المقاومة ليست بالضرورة منضبطة ومحكومة بأفق ديمقراطية صافية، بل تشارك بها أطراف عديدة، بما في ذلك أطراف أصولية ومتطرفة. والمقاومة سيرافقها القمع والمواجهات العنيفة. وستشهد المنطقة كلها حالة من عدم الاستقرار، ومن التوتر والفلتان. 

الشاهد: والسؤال، كيف نقاوم؟ 

حاوي:
يمكن تقسيم الجواب إلى قسمين: المقاومة الآنية، المباشرة على مستوى الأنظمة، والمقاومة البعيدة المدى على مستوى المجتمع والحركة الشعبية. أولاً: إن كنت لا أعلق أهمية كبيرة وطويلة على الأنظمة العربية، ولكن لا بد لهذه الأنظمة من أن تقوم بدورها، ولو دفاعاً عن نفسها، خاصة تلك التي تتحدث لغة وطنية وتعلن حرصها على عدم التضحية بالمصلحة الوطنية والقومية أعني بالتحديد سورية ـ لبنان ـ اليمن ـ ليبيا ـ الجزائر وربما عدوى ذلك قد تنتشر إلى أنظمة أخرى. هذه الدول يجب أن تفكر جدياً ماذا نعمل، وان يكون هناك "لاءتان:" لا للاستسلام أمام المطالب الأميركية ولا للمغامرة. وبالتالي مرونة في الشكل وصلابة في المحتوى، وتحصين الموقف. وهذا يتطلب قبل كل شيء الاعتماد على الشعب بدلاً من الحذر حياله. إن تطوير الحياة والديمقراطية داخل هذه الأنظمة تصبح مهمة ملحة حتى أمام هذه الأنظمة إذا أرادت الاستمرار. ومن خلال تطوير مناخات الحرية والديمقراطية يمكن تحقيق أوسع وحدة وطنية داخلية. وعلى سبيل المثال، يمكن القول إن القيادة السورية مدعوة إلى تحقيق أعلى وحدة وطنية في سورية. طبعاً الوحدة الوطنية في سورية أرسخ مما هي في لبنان ولكن الحكومة السورية مدعوة الآن الى الانفتاح على المعارضة وعلى مختلف التيارات الممثلة للشعب السوري وليس فقط لتلك القوى المشاركة في الحكم. والمطلوب اتخاذ خطوات سريعة وفعالة تحت عنوان الدفاع عن الوطن، وليس الدفاع عن النظام. سمعت تصريح أحد المعارضين السوريين، شكل عندي بارقة أمل إيجابية. قال كلنا جنود للدفاع عن الوطن نحن مختلفون مع النظام، ولكن كلنا مع الوطن. وأنا آمل أن تصدر المعارضة الوطنية في سورية موقفاً قوامه الدعوة إلى الدفاع عن سورية يقول كلنا جنود للدفاع عنها في وجه التهديد الأميركي، ثم التوجه إلى الحكم للمطالبة بانفراج ديمقراطي يسمح لكل من يريد الدفاع عن الوطن المساهمة في ذلك، والتمتع بكامل الحقوق والحريات الديمقراطية. أن حواراً ديمقراطياً حراً يشمل جميع الأطراف بات اليوم أكثر إلحاحاً. وعلى قاعدة هذا الحوار وليس العكس يمكن تعزيز موقع سورية، والنظام السوري ومن المفيد أن تبادر الأنظمة نفسها في هذه البلدان إلى إزالة كل تلك المظاهر التي اعتبرت في الماضي صيغاً لإظهار قوة النظام وتعلق الناس برموزه، وان لا تبقى مظاهر الفئوية والعضوية والاستئثار بالسلطة. المطلوب هو الولاء للوطن وليس الولاء للنظام ورموزه. وسيكون من الضروري التمييز والفصل بين حركة السلطة وحركة الحياة السياسية الأخرى. السلطة قد تكون مضطرة للمسايرة والمرونة والتفاوض... فلماذا يفرض على الحركة السياسية في البلاد مثل هذا السقف المنخفض؟ لماذا لا تترك حرية المناورة للنظام، وتترك حرية التصدي وفق سقف أعلى للقوى السياسية الوطنية والتقدمية؟ لأنه إذا كنا سنخضع للسقف الذي يحتمله النظام لن يحصل أي مقاومة.. وإذا كنا سنفرض على النظام السقف الذي سنريده للمقاومة سيسقط هذا النظام. إذاً لا بد من الفصل بين إستراتيجية وتكتيك السلطة في كل قطر وبين إستراتيجية وتكتيك الحركة الشعبية والقوى السياسية المعادية للمشروع الصهيوني الإمبريالي. وأخيراً، لا بد للمواجهة في جانبها الرسمي من أن تعطي أهمية للحد الأدنى الضروري من التنسيق على الصعيد العربي، دون أوهام حول إمكانيات الجامعة العربية التي تلفظ أنفاسها، ولكن دون نفي إمكانية قيام أعمال مشتركة دفاعية في مصلحة معظم الأنظمة العربية، وفي حدود نسبية. كما على قوى المواجهة الرسمية أن تعطي أهمية خاصة للشرعية الدولية، وللعلاقة مع القوى والتكتلات العالمية المتناقضة مع مشروع الهيمنة الأميركية والمتصدي له، مع التمسك الدائم بالشرعية الدولية، وبمؤسساتها وقراراتها... ثانياً: المواجهة الشعبية التي تشكل الأساس. إن هذا الجانب من المواجهة يقتضي منا ألا نبقى في إطار الحديث عن المخطط وقواه وأهدافه. لقد تحدثنا طويلاً عن المخطط. ويمكن أن نستطرد أكثر. ولكن ذلك لا يكفي. دعونا ننظر إلى أنفسنا، محاولين أن نتلمّس مسؤولياتنا عن حالة التردي التي نغوص فيها، والتي تشجع المخطط على الاستهانة بنا... صحيح أنهم أقوياء... ولكن قوتهم الرئيسة تكمن في ضعفنا ونواقصنا وأخطائنا وعوراتنا... وليست في قوتهم بالذات... ونستخدم ضمير الجمع حتى لا نستثني أحداً منا، لا الأنظمة، رجعييها وتقدمييها... ولا الأحزاب والتيارات في السلطة أو في المعارضة، ولا المجتمعات، من المدرسة والجامعة، إلى العائلة ومؤسسات المجتمع المدني.. إلى الكنيسة والجامع.. ولا الشعوب، التي تتحمل هي الأخرى مسؤوليتها عن حالة التردي الخطيرة التي نعيش! نستخدم ضمير الجمع لننتقد ذاتنا لا الآخرين فقط. دعونا لا نتوقف طويلاً عند الأنظمة التي سميناها رجعية... لن نشمت بها لما يعيبها على يد سادتها وأولياءِ أمرها... وقد رخصت ثمنها... ذلك لأننا هذه المرة، إذ نخشى عليها فلخشيتنا على أوطاننا بالذات، بعدما بعد حلمنا في الوحدة العربية، فبات خوفنا على وحدة كل قطر طاغياً... سنتوقف سريعاً عندنا نحن، قوى حركة التحرر العربي، أنظمةً وأحزاباً، مشاركة في السلطة، أو شبه مشاركة، فعالة في المعارضة أو شبه معارضة... أولمْ ندّع أننا نقيض أولئك وبديلهم لتحقيق أهداف الأمة التي خانوها... فنستعيد فلسطين، ونحقق الوحدة العربية، ونسير على طريق التنمية أيا كانت التسميات... لنسمح لشعوبنا أن تنعم بالحرية التي حرمتهم منها الأنظمة تلك... وحرمهم منها المستعمر قبلاً...

الشاهد:
لماذا فشلنا في كل ذلك؟ أوحدها الإمبريالية والصهيونية والرجعية تتحمل المسؤولية عن فشلنا؟ وحده تغير نسبة القوى العالمية يقف وراء هزائمنا؟ وهل كانت انتصاراتنا في ذروتها إبان كانت نسبة القوى العالمية غير ما هي عليه اليوم؟ هل كل أسباب ضعفنا وهزائمنا خارج عن أرادتنا.. أم أن الأساسي منها صنع أيدينا، وثمرة نهجنا نحن دون سوانا...؟ أوليس الأساسي في المسؤولية عن هزائم حركة التحرر الوطني العربية يعود إلى أخطاء، وخطايا مكونات هذه الحركة وفصائلها؟ أخطاء الأحزاب والتيارات القومية على اختلافها خاصة وأنها أساسية في السلطة، بنسب متفاوتة... أخطاء الأحزاب الشيوعية العربية، بنسب متفاوتة؟ أخطاء التيارات الإسلامية المستنيرة والمكافحة ضد الاستعمار والصهيونية... إذ لا يعنيني فعل بعضها الآخر الـ Made in U.S.A ؟ أخطاء الحركات والتيارات الليبرالية، وأندية النخبة الثقافية والنقابية والاجتماعية على تنوعها؟ إن نظرة إلى ذاتنا، تجعلنا نحن المسؤولين عن عدم القدرة على بلورة نهج نضالي، ومنهج صحيح في حل الإشكاليات الأساسية التي اعترضت حركة التحرر.. وأدى عدم حلها، أو حلها الخاطئ، إلى سلسلة النكسات والهزائم... والكوارث... 

حاوي:
نبدأ أولاً بإشكالية الوحدة العربية، وعلاقة القومي بالقطري، بل الموقف من الخصائص والمميزات القطرية والإثنية ومجالات التنوع والتعدد المختلفة... ـ ننتقل ثانياً إلى إشكالية التنمية، وسبل توفير الموارد القادرة على تمكيننا من امتلاك ناصية القوة، سواء من حيث الاستثمار العقلاني لثرواتنا القومية أم في مجال خطط بناء اقتصادنا الوطني، وصولاً إلى تنمية طاقاتنا البشرية واستخدام عقول علمائنا، ومراكز الأبحاث (وما أقلها) في خدمة اقتصادنا وبلداننا لا في خدمة المراكز الأم... ـ ونتوقف ثالثاً، وأخيراً، عند الإشكالية الأساس، ألا وهي إشكالية الموقف من الديمقراطية والحريات العامة والفردية، حيث تكمن خطيئتنا الرئيسة. لقد قبلنا التناقض، بل عززناه بين جوانب ثلاثة للديمقراطية وعلاقتها بالمعركة، فضحينا بالديمقراطية السياسية (أو بررنا لمن ضحى بها) بحجة أولوية الديمقراطية الاجتماعية، وضحينا (أو بررنا لمن ضحى) بها بحجة موجبات المواجهة مع العدو... فخسرنا في هذه المواجهة، لأننا خسرنا في الديمقراطية الاجتماعية، لأننا خسرنا في الديمقراطية السياسية تحديداً... لقد قاتلنا نيابة عن الشعب فخسرنا معركة القتال. ويراد لنا أن نندفع في التسوية، نيابة عن الشعب لنخسر معركة التسوية... لأن الشعب لم يهيأ في الحالتين، ولم يشترك في المعركتين. إن الشعب الجائع والمقموع من نظامه لا يمكن أن يواجه اجتياح العدو لأرضه. تلك هي تجربة العراق بامتياز في جانبها السلبي وتلك هي تجربة لبنان، وفلسطين بامتياز في جانبها الإيجابي. بالحرية انتصرت المقاومة في لبنان، وبالحرية تصمد الانتفاضة في فلسطين. غير أن هذا الاستنتاج البسيط يخفي العملية الأكثر تعقيداً. فولوج طريق الديمقراطية ليس بالأمر السهل، في ظل التركيب الراهن لأنظمتنا، بل ولأحزابنا وحركاتنا... ومجتمعاتنا، وفي ظل ثقافتنا الراهنة. صحيح أن ما هو قائم لا يمكن أن يستمر على حاله، ولا بد من تغييره وتطويره لأن نموذجه العالمي قد سقط وولّى زمانه، بعد أن ثبت فشله. ولكن من الصحيح أيضاً أن نتفادى الوقوع في تجربة الجزائر، أو في تجربة البريسترويكا المشؤومة، أو في تجربة إسقاط صيغ غربية إسقاطاً حرفياً وجامداً على مجتمعاتنا... وقد أخذ علينا العديد من الليبراليين استيراد فكر جاهز، ونموذج جاهز لتطبيقه دون اعتبار لخصائص بلادنا، فإذا بهم يكررون الخطأ نفسه، فيطالبون بإسقاط ليبرالية تحقق بعض الحريات الأساسية وصيغة من صيغ الديمقراطية السياسية في الغرب دون جهد كاف لتكييف هذه المبادئ ذات البعد العالمي مع ظروف بلداننا الملموسة... أين الحل إذاً؟ انه في الحوار. انه في استنهاض الطاقات الفكرية لمثقفي الوطن والأمة، فقط لمثقفي أحزابنا، بحثاً عن التطور الديمقراطي المناسب والضروري لبلداننا، مع احترام دقيق لكامل حقوق الإنسان والمواطن، وللحريات الفردية والعامة.. وبدلاً من الانخراط في ورشة الحوار هذه، نرى البعض ينظر إلى الديمقراطية وكأنها عقوبة أميركية يراد فرضها علينا، فيمعنون في مقاومتها، بينما الديمقراطية الصحيحة والسليمة، واحترام حقوق الإنسان والمواطن، وإطلاق الحريات الفردية والعامة... هي السلاح الأمضى في مقاومة الغزو الأميركي ـ الصهيوني، وفي الحفاظ على مصالحنا أمام الهجوم المتوحش للعولمة، وهي سلاحنا الأمضى في معركة التنمية، بل هي سلاحنا الأهم في تحقيق الوحدة، وبناء المشروع العربي النهضوي الحديث المسهم في إنتاج التقدم. لا، ليست الديمقراطية هي هدف الغزو الأميركي ـ الصهيوني لبلداننا وأمتنا. وليس بالاستسلام للغزاة، ولشروطهم، تحقق بلداننا الديمقراطية وتنعم بالحرية، بل على العكس، بمقاومة الاحتلال، نفتح أمامنا الطريق نحو الديمقراطية، وبانتزاع الديمقراطية ننجح في تعميم ثقافة المقاومة، وروح المقاومة، وحركة المقاومة الشاملة. وها هي مقاومة شعب العراق ضد الاحتلال تنطلق بزخم بعد سقوط الدكتاتورية، وهو الشعب ذو التقاليد الكفاحية والاستقلالية الرائدة، دون أن يكون بحاجة إلى دروس أو وصفات جاهزة... حسبنا أن نتقدم بتجربتنا، ونترك لكل ساحة أن تعتمد تجربتها الخاصة. ذلك أن شعب العراق هو الذي سيقاوم، ونحن دورنا المساندة والدعم... وليس الحلول محلّه... وشعب فلسطين هو المقاوم في الداخل ونحن المساندون، وشعب لبنان هو الذي قاوم، وهزم الاحتلال، فساندته سوريا... وساندته إيران... ولكنهما لم يحلا محلّه... إن التركيز على العامل "الوطني" في المقاومة لا يلغي الطبيعة القومية للمواجهة بل على العكس، فهو يعززها وينطلق منها، ويرتكز عليها، وقومية المعركة تتأكد عندما يسهم كل شعب في المعركة فوق ساحته أولاً، ويساند نضال ساحة أخرى ويتكامل معه ثانياً. في هذه الإشكاليات الثلاث تتشارك كل مكونات حركة التحرر الوطني العربية في المسؤولية. وتبرز المسؤولية المشتركة في الموقف من إشكالية الديمقراطية بوضوح أكثر. فها نحن نكرر أخطاء بعضنا بعضاً. ان الصحة لا تنتقل بالعدوى بل المرض. وأهم أخطائنا احتكار الحقيقة واضطهاد أصحاب الرأي الآخر، وتخوين من نتعارض معهم وسرعة الاتهام "بالردة" وبشتى الوصفات الجاهزة، والعصبوية العقائدية أو الحزبية أو التنظيمية أو الفقهية، وخاصة... عدم اعتماد الحوار العلمي، المستند إلى العقل والمنطق والحقائق المسندة من أجل الاقتراب من الحقيقة، النسبية دائماً، والمتحركة باستمرار. لقد أصاب الجمود، واستيراد الفكر، والإسقاطات والوصفات الجاهزة، والمعلبة... كل هذه الحركات دون استثناء.. وعلى سبيل المثال، فلقد تبنى القوميون نظريات القرن الماضي حول "الدولة ـ الأمة" L'état - Nation والإقليم ـ القاعدة... دون تطوير... ودون اهتمام بالخصائص... ولم تكن مسألة الوحدة هاجس الشيوعيين، وان حددوا أحياناً مواقف تكتيكية صحيحة منها. وخلط الإسلاميون ويخلطون بين الأمة العربية وبين الأمة الإسلامية فيقع بعضهم في تناقض بين الانتماءين كما الشيوعيون أحياناً بين القومية والأممية وفق مفاهيم خاطئة للمقولتين وكذلك الليبراليون، على اختلاف مدارسهم، وقد أخذوا على الشيوعيون بحق "استيرادهم" لنظرية جاهزة حاولوا تطبيقها في بلداننا بدون تطوير مناسب لظروفنا وأوضاعنا وثقافتنا... فإذا بهم يستوردون (في مجال الديمقراطية بشكل خاص) نظريات جاهزة صحيحة في جوهرها، (وهي ليست إلا نتاج نضال البشرية كلها عبر التاريخ) ليطرحوا تطبيقها بشكل حرفي ودون مراعاة ظروف تطوير بلداننا وخصائصها وتقاليدها وتراثها... ولا يتسع المجال طبعاً لمعالجة سائر جوانب المسائل التي تطرحها الحياة، فنكتفي بالقول إننا بتنا بحاجة ماسة إلى أمرين اثنين يشكلان وجهين لعملة واحدة: الأمر الأول: ثورة داخلية في فكر ونهج وممارسة كل من مكونات قوى حركة التحرر كمهمة ذاتية للقوى الطليعية في إطار كل اتجاه. والأمر الثاني: حوار موضوعي، حقيقي وجاد بحثاً عن المقومات الجديدة لانبعاث مشروع نهضوي معاصر، يسهم في صنع التقدم وفي إغناء "ثقافة الحوار" الكفيلة بالإسهام في إقامة علاقات دولية جديدة أكثر عدلاً ومساواة. 

الشاهد: في سياق حديثكم عما يجب تغييره في الفكر القومي وما يجب تغييره في الفكر الشيوعي والإسلامي وكأنه يقال في صورة ثانية انه لا يمكن أن يفعل شيء لبلد دون الإسلام أو دون الشيوعية أو دون القومية أو دون الليبرالية ولا يمكن أن يفعل شيء لبلد دون أن تتغير الشيوعية يفعل والإسلامية والقومية؟ 

حاوي:
هناك توضيح: لا يمكن أن يفعل الإسلاميون أو الشيوعيون أو الليبراليون أو القوميون شيئاً آخر إن لم يتغيروا. أما يمكن أن يفعل شيئاً ويطيح بهؤلاء جميعاً إن لم يتغيروا. بمعنى أن يفهموا الجديد ويسهلوه ويشاركوا فيه وأن يسمحوا به. الشيوعي على قاعدة الشيوعية والإسلامي على قاعدة الإسلامية والقومي والليبرالي كذلك. 

الشاهد:هل نكون مخطئين لو استخلصنا بأن مقولاتكم هذه تقارن بفكرة ملتقى الحوار؟ 

حاوي:
ملتقى الحوار بحاجة أيضاً إلى تغيير . 

الشاهد: المقصود ليس هذا الملتقى القائم بذاته وإنما صيغته وفكرته. ملتقى الحوار الذي أراده معمر القذافي وأردناه في حوار أولي بينه وبين الأحزاب الشيوعية العربية نتيجة إدراكه أن الاتحاد السوفييتي قد سقط وان هناك فراغاً قد يحصل وان هناك تداعيات لهذا الفراغ عربياً وعالمياً وأنه لا بد من شيء جديد و لا بد من تجديد فكر القوى التي شكلت طليعة في الصراع الماضي، الحركة الشيوعية، الحركة القومية والإسلامية. بدأ مع الشيوعيين. وبدأت حوارات مع القوميين والإسلاميين أيضاً على قاعدة نقد الماضي من موقع إيجابي لمعرفة الخطأ والصواب، البحث عن الجديد من موقع مشترك وجلب أفضل الشيوعيين إلى المتجددين في الفكر الشيوعي وأفضل القوميين المتجددين في الفكر القومي وأفضل الإسلاميين أي المتجددين في الفكر الإسلامي وبين هؤلاء كلهم المناضلون ضد الاستعمار والصهيونية لأن هناك إسلاميين Made in USA وقوميين اتباعاً لأميركا وشيوعيين يفهمون بالشيوعية الترويج لحل سلمي يؤدي بالتضحية بالمصالح القومية للعرب والشعب الفلسطيني".. إذن طليعة هؤلاء، جملة مفاهيم فكرية سياسية تنظيمية لحركة ثورية عربية جديدة. الذي حصل مع الأسف كان عكس ذلك. 
الشاهد:
يعني الذي حصل هو زواج بين ذكور؟ 

حاوي:
إن المطلوب حركة تسمح بانفتاح بين كل هذه الأطراف وبين الجماهير غير المؤطرة على قاعدة مشتركة، وأقرينا في ذلك الوقت ركيزتين للملتقى، ركيزة البرنامج النظامي الذي يجمع الناس على المهام المباشرة، وركيزة الحوار بين هذه التيارات لابتداع تلك الصيغة الجديدة من خلال الحوار والنقاش. مع الأسف الذي جرى شكل دفناً للملتقى وليس أحياء له. لماذا؟ عقدنا بعض الندوات، حتى هذه الندوات سادتها حالة التوفيق السياسي أكثر من حالة الحوار الفكري المستخلص لنتائج قد تتعارض مع الانتماء الحزبي وانتماء فلان للتيار الفلاني. لقد ضاقوا ذرعاً بهذه الحوارات مع أنها هامة جداً.. كنا نضع لها برنامجاً يصل في النهاية إلى بحث الصيغة التنظيمية. واحد جدول أعمال ملتقى الحوار كان الصيغة التنظيمية للحركة الثورية العربية الجديدة، كنتيجة لحوارات الفكر، في الديمقراطية، في الاقتصاد، في الثقافة. 

الشاهد: أي في المفهومية وآلياتها؟ 

حاوي:
لنصل في الأخير إلى الصيغة. الحوار بدأ وأجهض. والبرنامج النضالي تقدم. وبدلاً من أن نجمع أفضل الشيوعيين وأفضل القوميين وأفضل الإسلاميين... تحول الملتقى إلى جبهة للأنظمة القائمة والتابعين في فلكها تقريباً. حتى أن ليبيا التي تمثلت بحركة اللجان الثورية، مع فارق بين حركة اللجان الثورية والحكم بمعنى المسافة الموجودة ويجب أن تتسع أكثر بينها وبين الحكم. فهي حركة شعب وليست حركة حكم، تمثلت كطرف، كجبهة للتعاون في فرز جبهوي مع حزب البعث في سورية، والجبهة الوطنية في سورية مع حزب البعث في العراق والأحزاب التي كانت تدور في فلكه مع الأحزاب اليمنية مع الأحزاب الناصرية مع بعض الأحزاب الإسلامية، وتقلص دور الأحزاب الشيوعية أحياناً بسببها كأحزاب. وأحياناً بسبب سيادة هذا المنطق السلطوي، وبالتالي تحول هذا العمل وهذا الحلم الذي كنت بين الذين ساهموا فيه مهما أراد له معمر القذافي كمختبر لإنتاج حالة جديدة إلى حالة تجميع لقوى مأزومة يراد لها أن تنتج فكراً ونهجاً جديداً. قلنا إن عشرة مهزومين لا يشكلون منتصراً. عشرة أحجار مهترئة لا تبني منزلاً. هذا لا يعني أن هؤلاء المهزومين أصبحوا ساقطين، بل يجب إعادة تأهيلهم، إعادة التأهيل لهذه الحركة بما فيها حركة اللجان الثورية، إعادة التأهيل من خلال احتكاكها بالفكر الآخر، ولكن ما يحصل أحياناً أن الصحة لا تنتقل بالعدوى، بل المرض الذي ينتقل . أخذنا أمراض بعضنا بعضاً دون أن نأخذ الصحة من المجتمع ومن بعضنا، والشيء بالشيء يذكر. حتى النظام الجماهيري والفكر الجماهيري بات أمام تحدي التجديد وفق ما يحصل في العصر، وأمام تحدي التجديد بفعل الفارق بين المقول والمطبق بين النظري والعملي. الشاهد: وهذه الإشكالية التاريخية تنطبق على العديد من المقولات والنظريات.؟! حاوي: وهي إشكالية قد ازدادت اتساعاً، أنا سمعت الخطاب الأخير قبل حوالي السنة للقائد الذي وصف ما يجري تطبيقه أنه نقيض لكل ما يحكى وقال تقولون نحن معكم بينما تتصرفون عكس ذلك. الشاهد: ملتقى الحوار أيضاً سقط بسقوط بغداد... هل يوجد إمكانية لتجديده؟ حاوي: نعم. هناك إمكانية لتجديده على قاعدة أخرى وليس من خلال تجميع كمي لممثلين عن الأحزاب في الحكم أو تابعة للحكم، بل من خلال التركيز بشكل خاص على الحوار. فلنترك جانباً تلك المهمة المستحيلة المسماة تنفيذ البرنامج النضالي، في ظل استمرار التشتت وانعدام النشاط في الساحات وطغيان القطرية والفئوية. فلنترك هذا الجانب ولنركز على الحوار. حبذا لو يعود ملتقى الحوار إلى الحوار دون مهمات، لأن المهمات المرتجلة جعلتنا نسقط مع سقوط الأنظمة التي التففنا حولها. 

الشاهد: بعد كل هذه الجولة، كيف تحددون معالم مشروع النهوض القومي وما هي مهماته الأساسية؟ 

حاوي:
تتحدد معالم مشروع النهضة العربية المستقبلية في خمس ركائز تشكل بذاتها عناوين المهمات النضالية:
1
ـ مقاومة الاحتلال الأميركي ـ الصهيوني ـ والإمبريالي الآخر، في فلسطين والعراق، وفي كل بقعة تتمركز فيها قوات أجنبية أو تمتد إليها آلة العدوان، والتصدي لهجوم العولمة الأميركية المسلح بكل الوسائل الجماهيرية، السياسية، العسكرية، الثقافية والروحية.
2
ـ النضال لانتزاع الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمواطن وتطوير الحريات الفردية والعامة بغية ضمان أوسع مشاركة في مهمة المقاومة والاحتلال من جهة، وحشد أوسع الطاقات في المعركة لتأمين نجاح كامل لركائز المشروع النهضوي العربي المعاصر من جهة أخرى
. 3
ـ إعطاء أهمية خاصة للنضال من أجل خطط عصرية للتنمية، وللتطور الاقتصادي والاجتماعي، داخل كل قطر، وبخاصة في الإطار القومي العربي الشامل حيث تصبح الوحدة الاقتصادية العربية ضرورة ملحة، وحاجة ماسة للتمكن من الحفاظ على الذات، ومن المساهمة في صناعة التقدم.
4
ـ النضال الدائم من أجل تعميم مفاهيم وحدة المعركة القومية، والدعوة إلى الوحدة العربية على قاعدة الديمقراطية واحترام الخصائص والميزات لكل قطر ومراعاة التنوع الإثني والقومي والطائفي والمذهبي داخل كل بلد عربي، مع تنقية الدعوة إلى الوحدة القومية من كل شوائب الدعوات والصيغ الماضية المبنية على الهيمنة والانغلاق الفكري والدمج بين الدين والدولة وسوى ذلك من مخلفات الفكر الماضوي الغيبي والمنغلق. إن الوحدة العربية هي ارتقاء للكيانات إلى الأعلى وليست إذابة لها ولا للخصائص والمميزات التي تعود إلى كل جزء وكل مكوّن من مكونات الأمة العربية. نريد وحدة عربية عصرية تنتمي إلى المستقبل ولا تقبع في أقبية الماضي وظلاميته.
5
ـ المشاركة النشطة، الجماهيرية والنخبوية، في النضال الأممي العالمي المعادي للعولمة، حيث ما زالت البلدان العربية وشعوبها وقواها الحية متخلفة في هذا السياق رغم كون الدفاع عن مصالح الأمة العربية في فلسطين بخاصة، وفي العراق وسواها عامة، إحدى أهم الشعارات النضالية لهذه الحركة العالمية المزدادة زخماً واتساعاً. 
إن النضال من أجل انتصار هذا المشروع سيصطدم حتماً بالأنظمة القائمة، وسيتعارض معها بنسب متفاوتة. إنه إذاً مشروع تحرير من الاحتلال وتحرر من سيطرة الأنظمة التي لم تستطع أن تواجه الاحتلال بنجاح. إنه مشروع للتغيير الديمقراطي والتقدمي على صعيد كل البلدان العربية. وهو لا بد أن يخلق أداته، بل أدواته، القادرة على خوض نضال طويل شاق وشامل من أجل إنجاحه.

حرر في:  Mar 5 2007, 01:53 PM

0 تعليقات::

إرسال تعليق