الأحد، 8 مايو، 2011

المسيحيون في الجولان.. جذور ممتدة في صخور الماضي

الجولان 
مخطط لبانياس قديماً
في أيلول من العام الماضي زار الجولان السوري المحتل, وفداً من مركز السبيل وهي حركة لاهوت تحرر مسكونية، متأصلة الجذور بين أبناء الجذر الفلسطيني من أبناء الطائفة المسيحية في مناطق العام 1948. هدفت الزيارة بالإضافة إلى التعرف على المناطق السياحية والتاريخية والسياحية في الجولان،الاطلاع والتعرف على أثار وبقايا الوجود المسيحي في الجولان المحتل قبل عدوان حزيران عام1967. وقام الوفد مع عشرات المتطوعين من أبناء الجولان المحتل بتنظيف ما تبقى من الكنيسة المدمرة في قرية عين قنية، التي احترقت في العام 1928 أثناء الانتداب الفرنسي على سوريا، ضمن سياسية التحريض الطائفي وفرق تسد الفرنسية بهدف إنهاء واجتثاث الثورة في الجولان،وما تلاها من تخريب وحرق احد الأمكنة المقدسة لفي مقام الست شعوانة في قرية عين قنية في العام ذاته ..
زيارة الأخوة والأشقاء من مركز السبيل حملت آمالا كبيرة وأحلاما عديدة في استحضار ذاك الانسجام الطائفي الذي شهده الجولان منذ أن وطأت فيه أقدام مواطنيه قديما، فكان مشهد المتطوعين من الشباب والصبايا من أبناء قرية عين قنية وأعضاء مركز السبيل لوحة وطنية وإنسانية تركت رغبات وحاجات مطلبية في العمل من أجل إعادة بناء الكنيسة وترميمها، في المستقبل القريب.. مضى عام آخر، ولم تلقى الرغبات والنداءات التي أطلقها أبناء الجولان وأبناء الطائفة المسيحية أية أذان صاغية بعد؟؟

فيما مضى وفي صفحات تاريخ الجولان السوري المحتل سكنت الطائفة المسيحية الجولان منذ القدم، وبدأت المسيحية تلقى تجاوباً متنامياً، منذ بدايات السلام الروماني، الذي بزغ فجره في عهد الإمبراطور "قسطنطين" الكبير، بعد أن أطلق الحرية للدين المسيحي وشجعه في عام 313، فتحولت منطقة الجولان برمتها، من الوثنية إلى المسيحية، وتولى أمراء الغساسنة العرب النصارى أمر الحفاظ عليها وانتشارها وازدهارها فشيدت الكنائس والأديرة في ربوع الجولان، وحظيت مدينة "بانياس" بكرسي أسقفي لمنطقة الجولان، ولا تزال بقاياها قائمة لغاية اليوم..

وذكر إنجيل "متى الرسول" أن السيد "المسيح" توجه في إحدى جولاته مع تلاميذه إلى "قيصرية فيلبي" وهي مدينة "بانياس اليوم" في أقصى شمال الجولان، حيث وقف أمام كهف "بان" العظيم الذي يخرج منه نبع بانياس أو نبع الأردن، حيث سلم "يسوع" رسوله "بطرس" مقاليد السلطة في الكنيسة، هذا الحدث المفصلي في تاريخ الديانة المسيحية حدث على أرض الجولان.. ومن هنا تعد أرض الجولان أرضاً مقدسة ومقصداً للحجاج المسيحيين السائرين على خطا السيد "المسيح".
استمدت بانياس اسمها من الإله الوثني "بان" وهو إله الرعاة، والغابات، والحيوانات البرية، والجبال عند الإغريق، وعرفت بأسماء أخرى، خلال فترات من تاريخها، فقد أطلق عليها فيلبيوس بن هيرودوس اسم قيصرية، تكريماً للإمبراطور طيباريوس، وأضاف إلى هذا الاسم اسمه، تمييزاً عن قيصرية الساحل الفلسطيني، فصارت تعرف باسم قيصرية فيليبي. وكذلك أطلق أغريبا الثاني اسم نيرونياس عليها، تكريماً للإمبراطور الروماني نيرون، وحصلت على لقب "المدينة العظيمة" و "مدينة الله" مع تأسيس أبرشية بانياس، وقيام أسقف عليها.

مقام عثمان الحزوري (ر) 
قدمت منطقة الجولان فيما مضى لوحة بانورامية ثرية بتاريخها وأحداثها منذ الفترة الوثنية والمسيحية والعربية والإسلامية، وقد شهدت أحداثا تعتبر مفصلية في التاريخ العربي عامةً والسوري خاصةً، وقد زارها السيد المسيح وأمضى الكثير من أيامه في ربوع هذه المنطقة, وشرب من ينابيعها العذبة، وأكل من ثمارها الشهية، وأوكل إلى تلاميذه نشر المسيحية فيها، وسلمهم مفاتيح الكنائس في بانياس وطبريا ومنهم تلميذه سمعان ..
والجولان منبت خمسة من تلاميذه الاثني عشر, وهم سمعان وأخوه أندراوس, ويعقوب وأخوه يوحنا, وأخيراً فيليب, ثلاثة منهم كانوا أفراد الحلقة الداخلية, وهم سمعان, والأخوان يعقوب ويوحنا, وواحد منهم من كتبة الأناجيل الأربعة, وهو يوحنا, الذي حظي بمحبة خاصة من يسوع المسيح.
إن أرضا تشرفت بالسيد المسيح, والرسل والرجال الصالحين من أبا ذر الغفاري ويهوذا عليه السلام والست سارة (ر) ومقام الخضر وعثمان الحزوري والشيخ صفا والشيخ مهنا في قرية الغجر المحتلة،لهي أرض تستحق أن ترتفع وتسمو إلى مرتبة القداسة, يملي الواجب على كل حر وشريف العمل على إحياءها على طريق التجدد, بالمزيد من الاهتمام بها، بصدقية القول والفعل،وتقديم البدائل والحلول لمعاناة سكان الجولان وعلى وجه الخصوص تشتت العائلات الجولانية من المسيحيين والعلويين والدروز المتجذرين في أرضهم ما بين دمشق ولبنان وفلسطين، سعياً وراء الاستقرار العائلي والديني ومنحهم الحق في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية والاجتماعية والإنسانية.

إعادة رسم كاتدرائية بانياس
الإعلامي أندرياس شحاذه
وفي حديث مع الأستاذ الإعلامي أندرياس شحاذه - ابن مجدل شمس - الموجود في مدينة القنيطرة المحررة اليوم قال:

"عاش المسيحيين في انسجام ووئام طائفي مع باقي الطوائف داخل القرى الجولانية،منذ القرن التاسع عشر، وشكلت نسبة المسيحيين في قرى الجولان المأهولة اليوم مثل مجدل شمس وعين قنية حوالي ثلثي السكان،ولغاية الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي،بعدها عملت سلطات الانتداب مع بدايات العام 1928 على تهجير السكان المسيحيين من القرى ونقلهم إلى مدينة القنيطرة، لضمان عدم اندماجهم بأعمال الثورة السورية، واستغلالهم كقوى عاملة اقتصادية في المدينة التي بدأت تنتعش وتكبر، وشكلوا بعد الشركس النسبة الأكبر من عدد السكان فيها.. فيما اضطر قسم كبيراً إلى الهجرة إلى دول أمريكا اللاتينية وأوروبا ، ورغم سياسية التفرقة التي اعتمدها الانتداب الفرنسي من تأجيج الانقسام الديني والمذهبي إلا أن عائلات عديدة بقيت،إلى جانب الثوار في قرى جبل الشيخ وخاصة مجدل شمس، ولا تزال عدة عائلات مسيحية تسكن القرى الجولانية تحت الاحتلال، رغم وجود المصاعب الكبيرة التي تفرضها سلطات الاحتلال بمنع تواصلهم مع أقربائهم وأماكن العبادة الخاصة بهم وممارسة معتقداتهم الدينية المشروعة"

مسيحي الجولان السوري
لم يتبق من مسيحيّ الجولان السوري المحتل بعد عدوان حزيران عام1967سوى عدة عائلات من الطائفة العربية المسيحية، موزعين في مجدل شمس وعين قنية،ولم يتبق من الكنائس والأماكن الدينية سوى كنيسة للطائفة المارونية في عين قنية،تستقبل المؤمنين والزوار، وبقايا كنيسة أخرى تابعة لأوقاف الطائفة المارونية، وهي بعهدة الأوقاف الدينية الدرزية كأمانة مقدسة حتى تحرير الجولان وعودتهم إلى ديارهم،وبقايا كنيسة للطائفة الأرثوذكسية في مجدل شمس، تدمرت أكثر من مرة كان أخرها أثناء قصف الطيران الفرنسي للكنيسة وتدميرها في العام 1925، وكنيسة بانياس التاريخية التي سلمت من التدمير الإسرائيلي بعد عدوان حزيران عام 1967، ولم يتم تهديمها كما تم تهديم بانياس بقرار من وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان آنذاك، وقد جرى ترميم الكنيسة أكثر من مرة، إلا أن أبوابها مغلقة اليوم أمام الحجاج والمؤمنين ...

الخالة أم شحاذة - عين قنية

الخالة أم شحاذة - الجولان
فيما بادر أبناء قرية عين قنية في العام1983 وبشكل طوعي شمل العشرات من أبناء القرية في إجراء إصلاحات وترميمات مختلفة لإعادة الكنيسة في القرية إلى سابق عهدها لاستقبال الزوار وإقامة الشعائر الطقوس الدينية فيها. رغم أنه لا يوجد في القرية سوى ثلاثة عائلات مسيحية تتبع للطائفة المارونية، وجسد الأهالي مثالا للتعاون والإخوة والمحبة بين أبناء الجولان على مختلف مذاهبهم وطوائفهم التي كانت سائدة قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان.ويشهد تاريخ الجولان النضالي بصمات رائعة إلى دور الأخوة المسيحيين في دعم الثوار أثناء الثورة بتوفير المال لشراء السلاح، وإغاثة الفقراء من أبناء الشهداء، ودورهم في تزويد الثوار بالمعلومات التي حصلوا عليها من البعثات التبشيرية التي قصدت المنطقة، إضافة إلى تطوع العشرات منهم مع الثوار والمحاربة في صفوفهم انتصاراً للوطن والأرض المسلوبة، وخاصة أبناء جباثا الزيت وعين قنية ومجدل شمس وخسفين ودير القروح..
لقد عمل مسيحيو الجولان في مختلف الأعمال التجارية الصغيرة، وصُنفوا ضمن طبقة الرأسمال الصغير، بحكم أن معظمهم اعتبروا من المتعلمين ويتحدثون اللغات الأجنبية الفرنسية والانجليزية، جراء اشتراكهم في مشاريع النهضة التي دخلت المنطقة من خلال البعثات التبشيرية، وساهموا في رفع الحالة الاقتصادية إلى جانب إخوانهم من باقي الطوائف الأخرى، وساهموا في بناء المدارس الابتدائية، وتطوع عدد من الأساتذة إلى تعليم الأطفال الكتابة والقراءة، في الصفوف التي خصصت للتعليم في سنوات العشرينيات والثلاثينيات، وكانوا جزءً من النسيج الاجتماعي في البلدة،بالحقوق والواجبات، واشتركوا في مشروع تقسيم أراضي مجدل شمس وتوزيعها بشكل عادل بين أبناءها، ونالوا حصتهم من الأراضي بشكل متساو وعادل.وشهدت بلدة مجدل شمس قبل الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي افتتاح أول مدرسة فيها بمبادرة من رئاسة الطائفة المسيحية في البلدة وافتتحت مدرسة داخلها (كانت تقع بجانب منزل المرحوم فؤاد كنج أبو صالح، ومتحف الأثريات التاريخية التي تم تدشينه مؤخراً) وتم استقبال الطلاب على اختلاف مذاهبهم لتلقى العلم، والمعرفة، وبرز آنذاك كأحد الأساتذة في كنيسة مجدل شمس الأستاذ والوطني السوري الكبير فارس بك الخوري، الذي أصبح فيما بعد رئيس البرلمان السوري ورئيسا للحكومة، ولا تزال بعض بقايا الكنيسة قائمة لغاية اليوم في محيط ساحة مجدل شمس، فيما تنتشر أراضي وأملاك عديدة للأخوة المسيحيين لا تزال أمانة تحت إشراف الأوقاف الدرزية..

الأستاذ المربي إبراهيم نصر الله
الأستاذ المربي إبراهيم نصر الله وهو من سكان مجدل شمس،كان مربيا في سلك التربية والتعليم، وفصلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسبب رفضه القرارات والتعليمات الإسرائيلية حول تدريس المناهج الإسرائيلية بدل المناهج السورية، وتم اعتقاله والحكم عليه لسنوات طويلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي قال في حديث معه" لقد انتشر المسيحيون بكل قرى الجولان تقريباً مجدل شمس جباثا الزيت زعورة وعين فيت وخسفين التي شكل عدد المسيحيين فيها نسبة50% وكان فيها كنيسة يعود بناءها إلى القرن الثامن الميلادي تم هدمها وقصفها خلال الحرب العدوانية، وقد تعرض المسيحيين أسوة بباقي أبناء الشعب السوري إلى اضطهاد المستعمرين والمحتلين فخلال الثورة بين عام 1925-1927 نزح قسم منهم من مجدل شمس إلى قرية جباثا الزيت،وعادوا خلال عام 1928، ومن ثم تتالت الهجرات إلى مدينة القنيطرة الواقعة على مفترق طرق بين لبنان وسوريا وفلسطين، واتسعت الهجرة أكثر خلال سنوات الخمسينات لتشمل عددا من أبناء الطائفة الدرزية أيضا حيث كانت المدينة آخذة في الازدهار، وآخر هجرة للمسيحيين من مجدل شمس كانت في العام 1954وبرز فيها هجرة الـ عبد الله شحاذة. وكان هناك خوري اسمه فلمون حداد وهو وحيداً لأهله، كان يملك 25 دونما من الأراضي منحها للكنيسة دون أي مقابل. ولم يتبق من العائلات المسيحية سوى الـ نصر الله وعائلة عبد الله يوسف الحداد الذي انتخب في العام 1965ممثلاً للفلاحين في الجولان داخل البرلمان السوري، وانتقل قسريا بعد حرب حزيران إلى الشام وبقى هناك، وكانت هناك عائلة الـ فرزلي ومنهم المرحوم المعروف أبو رجا سمعان فرزلي وهو من سكان الشام وتزوج من امرأة من مجدل شمس، وجاء إلى مجدل شمس أثناء فترة الصيف لتصريف الأعمال الزراعية ووقعت الحرب وبقى هنا.. لقد سكنت البلدة عائلات مسيحية من الروم الأرثوذكس وشكلوا الأغلبية، والكاثوليك والبروتستانت، وأقامت كل طائفة كنيسة للعبادة لها عدا الكاثوليك حيث لم يكن عددهم كبيرا آنذاك.. ورغم عمليات الهجرة الطوعية للمسيحيين، إلا أن البصمات العديدة التي تركوها ورائهم اليوم لا تزال حية في وجدان من تبقى في أرضه من أبناء الجولان بعد الاحتلال، حيث لا تستطيع إلا أن تستحضر هذه البصمات كلما مررت ببقايا الكنيسة في مجدل شمس، أو بالقرب من مقبرة القرية، أو زرت قرية عين قنية وزرت الكنيسة فيها وبعض العائلات التي لا تزال تعيش هنا في أرضها ومسقط رأسها، على أمل أن يلتئم شمل الجولانيين وعودة كل النازحين إلى ديارهم، لاستكمال ما بدأه جيل الأجداد والآباء في هذه المنطقة ....

المحمية الأثرية بانياس – السوق

في بانياس اليوم محمية أثرية تبرز فيها آثار المدينة القديمة لتدل على عظمتها. في المحمية آثار سوق قديمة، وقطع من الأعمدة والحجارة المنحوتة، وبقايا مبان ودور سكنية، ومعابد وطواحين ومعاصر زيتون قديمة.

الجولان 
الجولان

الجولان 
الجولان 
الجولان

الجولان 
الجولان 
الجولان 

الجولان 
المصادر:

الباحث السوري تيسير خلف
الباحث السوري عز الدين سطاس
لقاء مع السيد أبو شحاذه إبراهيم نصر الله
حديث مع الإعلامي السوري أندرياس شحاذة
مركز الجولان للإعلام والنشر
ملاحظة: صور الكهف من ملحق الصور لكتاب (المسيح في الجولان) تاريخ وآثار للباحثين "تيسير خلف" و"عز الدين سطاس".

موقع الجولان / أيمن أبو جبل 2010-10-30

0 تعليقات::

إرسال تعليق