الأحد، 15 مايو، 2011

السعوديّة للحريري: إصبر!

الشلل الذي يعيشه تيّار المستقبل، ومن خلفه حلفاؤه، يخالف ما وعد به الرئيس سعد الحريري في 14 شباط و13 آذار. ثمة من يعيد هذا الشلل إلى ما يحصل في الجوار، أو إلى خلاف قديم – جديد بين الحريري والمسؤولين السعوديين. مهما يكن السبب، فالنتيجة أنّ التيّار يعيش أزمة تنعكس على قطاعاته كافّة، ولا سيّما الإعلام.
يوم رفع الرئيس سعد الحريري في 14 شباط الماضي شعار إسقاط السلاح، ظنّ محازبوه أنّه القائد البعيد عن اليأس والمهادنة. ويوم رفعت قوى 14 آذار، وعلى رأسها الحريري، شعار المعارضة غير النمطية وغير الاعتيادية، رأى جمهور هذا الفريق أنه أمام فرصة جديدة للتغيير والعمل السياسي. منذ انقضاء المهرجان الأخير في ساحة الشهداء، لم نلحظ أيّ خطوة إبداعية على صعيد المعارضة السياسية، ومع تصاعد الأحداث في الدول العربية انعدمت حركة المعارضين الجدد، واقتصر نشاطهم على متابعة اللقاءات مع السفراء ومناقشتهم بجدية الثورات ودورها في المجتمعات العربية.

قراءة المستقبل لما يجري إقليمياً كفيلة بتفسير الشلل السياسي للتيار وحلفائه، إذ يرى المستقبليون أنّ ما يحصل «خطير، ويهدّد الاستقرار في لبنان»، ولا يخفون خشيتهم من انعكاس ما يحصل على الوضع الأمني، سواء أكان في الداخل أم عند الحدود. حتى إنّ أحد المقربين من الرئيس الحريري يقدّم سيناريو سوداوياً لما يجري في الشام، وفق مبدأ «انفجار في دمشق، آخر في لبنان، انفراج في دمشق انفراج في لبنان».
وعلى هامش ما يحصل في الجوار، وخصوصاً في سوريا، يسأل المستقبليّون عن دورهم وموقعهم وموقفهم من الحراك والتغيير المنتظرَين. في العلن، يجيب الحريري ومن حوله عن هذه الأسئلة بالتشديد على ضرورة عدم التدخل في شؤون أيّ بلد أو أي شعب. حتى إنّ أحد مستشاري الحريري يحمل عبارة تعود إلى أوائل القرن الماضي: «حق الشعوب في تقرير مصيرها».
لكن أهمّ ما يُسأل عنه الحريري اليوم هو علاقته بالمملكة العربية السعودية، ولا يسعى رئيس حكومة تصريف الأعمال أمام هذا التساؤل سوى إلى التأكيد على الدور المحوري للمملكة وتشكيلها حاضنةً لكل الشعوب في المنطقة، لكنّ الحريري يعلم تماماً أنّ علاقته بالمملكة لا تنحصر في كونها «حضانة»، وفي هذا الإطار لا يتردّد أحد المداومين في «بيت الوسط» في الإشارة إلى أنّها لم تعد إلى سابق عهدها منذ التعثّر الذي لاقته في الخريف الماضي. وأبرز الدلالات على هذا أنّ الدعم المالي متوقّف من الجانب السعودي، وهو ما لا ينفيه مقرّبون من الحريري. أمام هذا الواقع يفيض حديث المقربين من الرئيس الحريري، تكثر مشاهداتهم وتحليلاتهم، فتتقاطع حيناً وتتعارض حيناً آخر. مدّعو طبيعية العلاقة بين الطرفين يشيرون إلى الزيارات التي يقوم بها مستشاروه ونواب المستقبل إلى الرياض، وإلى لقاءاتهم غير المنقطعة مع السفير السعودي في بيروت، ويشدد هؤلاء على التزام المستقبل الخطوط الحمراء السعودية بشأن ما يحصل في سوريا، والتزام المستقبليين الصمت تجاه الأزمة الحاصلة في دمشق.
أما الواقعيون في التيار، فيشيرون إلى البرودة التي تحلّ فجأةً عند أيّ لقاء بينهم وبين المسؤولين السعوديين، ولا يترددون في التوقف عند الهجوم المستمر الذي يتعرض له الحريري من الصحافيين المحسوبين على البلاط الملكي. وينقل البعض النقاش الذي دار بين محيطين بالحريري وعدد من المسؤولين السعوديين بشأن الموقف الواجب اتخاذه من الأحداث في سوريا. قبل أسابيع، سمع الحريري ومستشاروه أكثر من موقف ووجهة نظر سعودية في هذه القضية، وبادلوا هذه الآراء بموقف واحد عنوانه «نريد أن نرتاح من الشام وفريقها»، فجاء الردّ السعودي: «اصبروا، الأمور ستُحلّ». لم يحلل الحريري ومن حوله الجواب الأخير، ولم يتمكن أحد من الجزم ما إذا كان المقصود هو انهيار النظام في سوريا، أو قرب حصول تسوية جديدة يجري الإعداد لها.
وبالعودة إلى علاقة الحريري بالمملكة، يقول البعض إنه في الفترة الماضية لم يطلب الرئيس الشاب الدعم من السعوديين، وذلك لكون المعركة بين المحاور الإقليمية تدور اليوم خارج لبنان، فيما يقول آخرون إن الحريري طلب في شباط وآذار الماضيين مدّه بالمال لتسيير شؤونه بعد خروجه من السلطة وإطلاقه مشروع إسقاط السلاح، إلا أنه لم يُستجَب لطلبه، نتيجة الخلاف أو لكون الأولوية اليوم ليست للساحة اللبنانية.
في كلتا الحالين، سواء أطلَب الحريري المال أم لم يفعل، النتيجة هي نفسها: ثمة أزمة مالية تضرب تيار المستقبل والمؤسسات التابعة له. وخير دليل على ذلك ما يعانيه الموظفون في الوسائل الإعلامية الخاصة بالتيار. والأزمة المالية في إعلام المستقبل تحمل دلالات عديدة، أهمها كيف يمكن الحريري إسقاط السلاح وإدارة معارضة غير اعتيادية وغير نمطية دون ماكينة إعلامية مناسبة لهذا الغرض؟
الزملاء في صحيفة المستقبل، لم يقبضوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وقد يمرّ أيار الجاري دون رواتب أيضاً لتزيد الديون والضغوط على «بيت الوسط». والوضع في محطة المستقبل الزرقاء، ليس أفضل، إذ عمدت الإدارة من أشهر إلى تقسيط رواتب الموظفين على شكل أسبوعي أو نصف شهري، كأنّ المحطة تعطي موظفيها المصروف. أما محطة أخبار المستقبل، فحكاية أخرى، إذ تغيب فيها الإدارة منذ أسابيع، وخصوصاً مع استقالة عدد من المسؤولين فيها. وآخر التطورات بشأن عملية الدمج، التي كانت قد تحدّثت عنها إدارة «الحمراء»، فتقول إنها معلّقة بانتظار «أمر ما»، وسط تراجع الأوضاع في المحطة إلى المستويات الدنيا، سواء أكان على صعيد المعدات أم على صعيد الكادر البشري. ويشكو الموظفون اليوم من عدم القدرة على تغيير لمبات في الإستديوهات، وأحياناً من نقص كاسيتات الكاميرات. وعلى صعيد الكادر البشري، ثمة ما يثير الدهشة في المحطة الحمراء، إذ نتيجة الحديث عن الدمج، عمد عشرات الموظفين إلى الانتساب إلى تيار المستقبل لحماية رؤوسهم من عملية «التطهير» التي قد تشهدها المؤسسة إذا جرى الدمج. وينعكس هذا الأمر انعكاساً مباشراً على عملهم اليومي، إذ بات هؤلاء المنتسبون الجدد يتغيّبون عن وظائفهم بحجج غريبة، أبرزها حضور الاجتماعات الحزبية، فيما بات الموظفون غير الحزبيين يتعرّضون لضعوط كبيرة، سواء أكان من جهة التعاطي معهم بفوقية، أم لجهة تغطية النقص الحاصل.
يعبّر الموظفون في مؤسسات المستقبل عن انزعاجاتهم أمام المسؤولين عنهم، يدلون بدلوهم عند كل مناسبة، لكن المستغرب في الأمر أنّ المديرين يرفعون مسؤوليتهم عما يحصل، ويشكون بدروهم، فيرفعون سبّابتهم نحو الأعلى ويرفقون هذه الحركة بالقول: «المشكلة فوق».
من يتابع أوضاع العاملين في القطاع الإعلامي للمستقبل ومتفرّعاته، يدرك أنّ الأزمة المالية ليست موجودة في كل المؤسسات الإعلامية التابعة للتيار. فمثلاً، الموظفون في الموقع الإلكتروني الخاص بالتيار، يقبضون روابتهم على نحو شبه عادي، مع بعض التأخير ليوم أو أكثر بقليل، ما دفع العاملين في المؤسسات الأخرى إلى طرح الكثير من الأسئلة عن دعم القيادة للموقع الذي لا يقوم بدور أساسي في ربط التيار مع الناس، في لبنان أو خارجه. ويستخرج عدد من الموظفين المنهكة حقوقهم المادية خلاصة قد تكون صائبة تقول: كون أيمن جزيني، المسؤول الإعلامي في التيار ومدير الموقع، من المقرّبين جداً من مستشار الرئيس الحريري، هاني حمود، فهو يلقى التأييد والدعم الكاملين. وهو افتراض قد يحمل التقويل أو قد يكون صائباً، مع العلم أنّ جزيني يُعدّ الذراع التنفيذية لحمود، وهو المتابع الميداني اليومي لخطط المستشار.
يستغرب كثيرون، أنه رغم الأزمة المستمرة في القطاع الإعلامي لتيار المستقبل، لم يراجع الرئيس الحريري الأداء الإعلامي، ولم يسائل المسؤولين عنه في تياره، ولا هو حدَّد مسؤوليّة عدم استدراك الأزمة المستمرّة منذ نحو عامين، فيما تشكّك بعض المعلومات في ارتباط الأزمة المالية بانقطاع الدعم السعودي للتيار، باعتبار أنّ الأموال السعودية كانت مستمرة في التدفّق بين 2009 وخريف 2010، فيما الأزمة قائمة على الصعيد الإعلامي. وهو ما يسمح بالقول إنّ الأزمة هي في قيادة المستقبل لا في عدم توافر المال، مع العلم بأنّ الشيكات وأرقام الحسابات والأموال متوافرة لتغطية متطلبات لوائح «البايرول».

نادر فوز:  الأخبار العدد ١٤٠٦ الاثنين ٩ أيار ٢٠١١

0 تعليقات::

إرسال تعليق