الثلاثاء، 24 مايو، 2011

الحسابات الانتخابية الأميركية عند مفترق أمن إسرائيل

لا يشكل تراجع الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه أمام مؤتمر اللجنة الأميركية الإسرائيلية " إيباك" التي تمثل اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن عما قاله في خطابه حول السياسة الأميركية إزاء المنطقة حول حدود 1967 أمرا جديدا دخيلا على بروتوكول التعاطي الأميركي مع إسرائيل عموما وبروتوكول تعاطي هذه الإدارة تحديدا معها أيضا. إذ أنها ليست المرة الأولى التي يتراجع فيها أوباما بالذات أمام الضغوط الإسرائيلية بعدما شكل موقفه قبل ذلك من ضرورة وقف إسرائيل بناء المستوطنات وربط استئناف المفاوضات بذلك ضربة قاصمة إلى خطته السعي إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي في ولايته الرئاسية الأولى.
فساهم في تصليب موقف السلطة الفلسطينية من دون أن يقدم مخرجا لها حين انسحب هو من مطالبته وقف الاستيطان شرطا ضروريا للمفاوضات. والتوضيحات التي قدمها أوباما أمام " إيباك " بدت مربكة ومحرجة : إذ شاء " بيع " العرب والفلسطينيين وحتى العالم خطوة جديدة تبين أنها " صيغة معروفة جدا لدى جميع الذين تعاملوا مع هذه القضية منذ جيل " كما شرح أو برر عرضه لصيغة حدود 1967. وهو لم يستطع الصمود على ما اقترحه، على رغم أنها صيغة معروفة وقديمة وفق تعبيره، أكثر من 48 ساعة في وجه الحملات الإسرائيلية التي انطلقت ضده مثبتا مرة جديدة مدى هشاشة السياسة الأميركية متى تعلق الأمر بإسرائيل وعدم قدرة واشنطن على أن تكون عادلة إزاء التعاطي مع شؤون المنطقة. ومع أن التغيير يجتاح العالم العربي وقررت الولايات المتحدة الإعلان عن سياسة جديدة تتوافق وموجة التغيير الحاصلة مبنية على دعم الشعوب وحقوقها، فان هذا التغيير وفق صيغة الإعلان عن السياسة الأميركية في الخطاب الأول في 19 الجاري والتراجع عنه أو تصحيحه في الخطاب الثاني أمام " إيباك" يخشى أن يشكل رسالة أميركية مكررة إلى الشعوب العربية "المنتفضة" وليس إلى الأنظمة هذه المرة حول ثبات المحور الإسرائيلي على قديمه في أي سياسة أميركية أيا كان حجم المتغيرات.

وتقول مصادر مطلعة إن مشكلة أوباما تكمن في إدلائه بموقف تفصيلي يتصل بالوضع الإسرائيلي الفلسطيني عشية انتخابات رئاسية أميركية. ولذلك وفي ظل الحملات الإسرائيلية الأميركية التي بدأت ضده، سارع إلى منع تفاقمها مع وضع نصب عينيه المحورين الأساسيين أي حماية امن إسرائيل والانتخابات الرئاسية الأميركية.. وعليه فإن هذا الخطاب تدرج في شأن ما يعتقد أنها التهديدات التي يمكن أن تمس أمن إسرائيل وفق الأتي:

- أنه قد أسيء تفسير كلامه عن حدود 1967 وانه قصد أن يتم التفاوض على حدود مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في 4 حزيران 1967 متطرقا بإسهاب إلى ما يعتقد انه يهدد امن إسرائيل أي " الحقائق على الأرض مثل النمو الديمغرافي الفلسطيني." فتبادل الأراضي كان حتى الآن مقتصرا على معالجة الثغر التي تقضي بمعالجة موضوع المستوطنات وما إلى ذلك في حين أن مقاربته لحدود 1967 تطرح تبادلا جديدا للأراضي بما يضمن حماية امن إسرائيل. إذ أن التقدم التقني لن يكفي لحماية إسرائيل من دون سلام " كما قال.

- أن إدارته ستتصدى "لتنظيمات مثل "حزب الله" الذي اتهمه بممارسة "الاغتيال السياسي ويسعى إلى فرض إرادته عبر الصواريخ والسيارات المفخخة ". وهذا الموقف تعتبره المصادر المعنية ربطا بأمن إسرائيل في الدرجة الأولى من خلال ما يشكله الحزب بمنظومة أسلحته من خطر وتهديد لهذا الأمن. لكن آخرين رأؤه مرتبطا بموضوع المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري باعتبار أن عنصر الاغتيال جديد على التصنيف المعتمد أميركيا إزاء الحزب، ويسعى عبره أوباما إلى إفقاد الحزب ما يتمتع به من "شرعية" ضد إسرائيل في مقابل فقدانه الغطاء اللبناني الشرعي الداعم. وتاليا فإن هذا الأمر مرتبط في الأساس بموضوع تأكيد التزام أوباما امن إسرائيل وحمايتها، كما هو مرتبط بما يشكله هذا الحزب من ثقل على الواقع اللبناني في موضوع اتهامه بالاغتيال السياسي. وتاليا فإن ترجمة أو تسييل هذا الموقف في المعطيات الداخلية اللبنانية في ظل العجز عن تأليف الحكومة يمكن أن يفسر بوضع أطر لما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان في ظل حكومة يسيطر عليها " حزب الله". ولذلك يسعى الموقف الأميركي إلى ترتيب مسؤولية أكبر على كل من الرئيس ميشال سليمان والرئيس نجيب ميقاتي للخروج بتشكيلة حكومية مقبولة باعتبار أن تشكيل الحكومة والتوقيع على مراسيمها أمر من صلاحية سليمان وميقاتي.

- تأكيد الرئيس الأميركي تصميم واشنطن على التصدي للبرنامج النووي الإيراني. وهي إشارة طمأنة إلى إسرائيل إلى أن الولايات المتحدة لم تتغير سياستها إزاء الملف النووي الإيراني ولا إزاء المقاربة التي تعتمدها. وعلى أي حال فإن العقوبات الجديدة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي الاثنين في 23 الجاري على إيران تثبت استمرار المقاربة الدولية نفسها لموضوع الملف النووي الإيراني.

وفي الإطار نفسه فإن انتقاد أوباما المصالحة الفلسطينية من باب عدم اعتراف حركة "حماس" بإسرائيل وفي إطار رفض أميركا توجه السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في أيلول المقبل من اجل الحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية يندرج أيضا من ضمن الاعتراض على عزل إسرائيل وإحراجها.

روزانا بو منصف (النهار) 24 أيار, 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق