الأربعاء، 25 مايو، 2011

في لندن.. حيث يمكن أن تدهسك عقارب ساعات المارّة

لندن
لا تبتسمي، أنت في غابة بشرية. أهلاً وسهلاً بك في لندن. محطتك الأولى: المترو.
أخيراً وبعد ضياعٍ استمر ساعتين من الدوران حول نفسك في مدينة لا تعرفين فيها شيئاً، وخرائطها تزيد من الضياع (ربما لأنك وأهل مدينتك غير معتادين على ثقافة الخرائط)، تصلين إلى المحطة المنشودة. لحظة تلقين بنفسك على مقعد المترو الشاغر، تباغتك دوخة غريبة مزعجة. تتسلل أفكار غير مألوفة ومن خارج السياق إلى دماغك. أسئلة سخيفة. ترى لهذا السبب تقع كل هذه العجائب على الكوكب؟ ألأنه يدور حول نفسه باستمرار فيسبب لنفسه دوخة تنتج منها غرائب تلمّ بأهله؟
وبعدها، وفي هذا المترو الفارغ إلاّ من المنتظرين وطقطقة الدواليب على السكة واحتكاكها بأوراق الخـريف التي تساقطت الليلة الماضية، تتذكرين هكذا فجأة أنك لست عائدة إلى الحمراء، إلى كنبتك الدافئة في «كافيه يونس».. بل إلى منزل أصــدقاء العائلة في منطقة «ايلينغ»، إحدى مقاطعات لندن الغربية. وتتذكرين انه من هـناك، من تلك الغرفة الصغيرة التي تشغــلينها مؤقتاُ إلى أن تجدي غرفة قرب الجامعة، يتوجب عليك رسم خطتك للــسنة المقبلة والتي صادفت أنها ستحدد مستقبلك. ويتوجب عليك فــعل ذلك بمــفردك، رغم برودة الطقس الذي ما زال دافئاً مقارنةً بالمناخ اللندني.
تسقط دمعة وتحط على كمّ المعطف التي تذمرت من إصرار والدتك على شرائه لك يومها. تعرفين قيمته الآن. تتبعها دمعة أخرى. تتذكرين البلد الذي لا شفاء له، والذي رغم ذلك، لا شفاء منه. تشتاقين إليه رغم يقينك من عودتك القريبة. تخجلين من دمعتيك. تستسخفين حزنك. الهندي الجالس على المقعد المقابل، هو أيضاً بعيد عن أهله ومدينته.. وحبيبته. ترددين في نفسك كلمات اليكس، تذكرين دماغك، المتجمد جراء درجات اللا حرارة في لندن، بأنك محظوظة بهذه الفرصة النادرة. أهل هذا البلد يدفعون لك لتتعلمي عندهم، ولتعيشي بينهم. أما هو، فحالته مختلفة. تستطيعين قراءة اختلافه في المرارة التي تقطر من عينيه السارحتين في اللا شيء دونما مرسى... في الحنين الذي يسكنهما. أهل هذا البلد ما زالوا لم يجيزوا له العبور إليهم. ترين ذلك في جسد المرأة الشقراء الجالسة بجانبه المنقبض، وانهماكها الزائد بالجريدة التي يبدو كأنها تستخدمها كدرع ورقي يحميها من النظرات والاحتكاك الجسدي، أكثر مما تكترث لما فيها من معلومات.
كل ينشغل عن حالته اللحظوية. يهرب كل من المترو إلى مدينته، مخاطراً باستقراره العاطفي... أو لعلهم اقلعوا عن تسميتها مخاطرة. هم ليسوا جدداً على المدينة مثلك أنت.
أما أنت، فلا تريدين أن تتحولي إلى كائن تقلقه التفاصيل اليومية. اعتدت نظام الحياة والعمل المرتبط بالقضايا والمطالب.. وتبقى مجريات الحياة اليومية وحيثياتها مجرد تفاصيل. وكل أصدقائك يدورون في الفلك ذاته. لا تريدين أن تتغير حياتك، أن تعيشي الغربة المؤقتة التي يعيشها سكان هذه المدينة. غربةً طالت فاعتادوا بسببها على وتيرة الحياة المتوترة التي تفوق سرعتها قدرتهم على مجاراتها، وتصالحوا مع واقعهم لدرجة التماهي.
تنعزلين برفقة أفكارك عن عودة مؤقتة، حددت موعدها لكنها ما زالت بعيدة، رغم قربها النسبي.. والوقت يمرّ ولا يمرّ.. يجعلك تحتارين في تحديد مشاعرك نحو كل شيء في المدينة. فهو يمرّ بسرعة كافية لتذكيرك بأن المدة المتبقية لك للتأقلم شارفت على النهاية. وعندها لا يعود المجال مفتوحاً أمام «الدلع»، سيتحتم عليك الدخول في سباق مع الوقت يشارك فيه جميع سكان المدينة.. ولكنه لا يمرّ لأنك تتذكرين كل يوم عدد الشوارع التي لا تشبه الحمراء والتي ما زالت تنتظرك لتضيعي فيها، قبل أن يتسنى لك التسكع في الحمراء مجدداً.
تلاحظين، وتأتي الملاحظة مباغتة، كما تأتي كل فكرة عن البلد. تسحبك إلى داخلها مثل آلة «الهوفر» المخصصة لتنظيف زوايا البيت. تلاحظين انك مشتاقة إلى الجميع في لبنان. ترغبين بالنزول عند أول محطة، الركض نحو المطار وركوب أول طائرة متوجهة إلى بيروت. تعلمين ما ستجدين بانتظارك على المطار، سلفاً.. ذراعيه اللتين لا تنتظران سواك، عيني أختك أمل والكثير من فخرها.. ستجدين والدك برصانته المبتسمة، وقهقهات عمر الطفولية عند رؤيتك.
من فضلك، ترجلي إلى الشارع. أسرعي قبل أن تدهسك عقارب ساعات المارة.
مظاهر الحياة هنا صاخبة، وضجيجها وبريقها الملون لا ينطفئ. لكنها مجرد صورة. قد تكون صاخبة لتنشغل عن كآبتها.
كل ما في هذه المدينة يهــوى تذكـيرك بأنها لا تشبهك ولا تشبه المكان الذي أتــيت منه. حتى المباني والعمران عموماً، يرســم لك حدوداً ليعلن أنه لا يحق لك تخطيها. لا ينجح لطف الناس ولياقتهم بتخفيف حدة وقساوة المباني والمنازل في وسط لندن. توحي بأنها لا تسمح لك بالاقتراب منها... حتى الحدائق العامة، التي يفترض أن تتسم باللطف، مهندسة بأسلوب حاد ومرتب، تكاد لا تجرؤ على الدخول إليها.
تعودين إلى البيت. هنا فقط، يمكن أن تبطئي حركتك وتستريحي.
تنظرين إلى جدران غرفتك.. الصورة الحمراء الكبيرة التي تظهر كاريكاتورياً تفاصيل المدينة.. مدينتك، بيروت، تجعل النسخة الأصلية للصورة تبدو بعيدة من حيث تقفين. إنها بالفعل بعيدة. أولاً من حيث المسافة، وثانياً من حيث الروحية. التنوع في لندن، والمتجلي خصوصاً في المترو حيث الفرجة والتأمل والمقارنة متاحة، يبدو مصطنعاً. حتى في الحدائق العامة. العائلات والأصدقاء يتكومون في مجموعات متباعدة لا يجمعها سوى المكان واللحظة.. حتى اللغة لا تنجح في ضم مجموعة إلى أخرى، إلا عند الضرورة... بيروت مختلفة. أكثر طبيعية، على عللها..
تريدين إسكات كل هذه «النوستالجيا» التي تتلاعب بك. توقفي. انصرفي إلى إعداد قائمة بواجباتك اليومية التي تتراكم. أعدّي خطة عمل قصيرة المدى... للأيام السبعة المقبلة فقط لا غير...
وانتمي. انتمي إلى هذه المدينة، فهذا متاح لك ولكثر من أمثالك. لا تقلقي على رابطك الحنون بمدينتك وشارعك والحب. هو في قلبك، وفي الصورة الفوتوغرافية الكبـيرة على الحائط، وفي اسطوانة «ايه في امل» التي تصل الليل بالنهار في غرفتك. أفلـتي من مشاكل بلد، حلها ليس بيدك. أحبي حياةً خارج ميلودراما لبنان. وارضي، ولو مؤقـتاً، بوتيرة حياة مختلفة.

ناي الراعي 19/10/2010 (لندن) السفير

0 تعليقات::

إرسال تعليق