الاثنين، 9 مايو، 2011

على الطريق: اللبنانيون والقلق على سوريا

يغرق اللبنانيون في قلقهم على سوريا، بما يعكس مخاوفهم المتعاظمة من انهيار استقرارهم الهش في «دولتهم» التي تكاد تضمحل في دوامة الشلل الذي يقارب الغياب عن الوعي والفعل والعجز حتى عن تشكيل حكومة، أية حكومة...
أسباب القلق اللبناني على سوريا كثيرة جداً أولها أنهم لا يعرفون حقيقة ما يجري فيها، على وجه الدقة، خصوصاً أن دمشق تصر على حصرها في الخانة الأمنية مغيّبة عنها أي بُعد سياسي، مع إيحاءات داخلية وخارجية تترك المجال فسيحاً أمام من يرغب في تصوير المسألة على أنها مشروع فتنة طائفية لإصابة النظام الذي يرفع العلمانية هوية في مقتل.


لا تقدم دمشق تفسيراً سياسياً لما يحدث، ولا تحدد هوية سياسية لذلك الجمهور الذي «احترف» أن يخرج كل يوم جمعة في تظاهرات احتجاجية في مناطق عدة.. وتكتفي البيانات الرسمية الصادرة في الغالب الأعم عن ناطقين عسكريين أو عن جهات أمنية، بإيراد نبذات عن الجنود من الجيش والشرطة ممن قتلتهم «الزمر المسلحة» التي قد يصار إلى التلميح بأنهم من «السلفيين» أو «الأصوليين» ولكن من دون تحديد، مما يساعد الراغبين في إضفاء طابع طائفي على الاحتجاج السياسي... وهذا أمر في غاية الخطورة لأسباب مفهومة.
ولأن اللبنانيين تعوّدوا أن يترجموا الصراع السياسي إلى مواجهات طائفية ومذهبية، فقد زاد رعبهم من أن يكون مرضهم الخبيث قد امتد عبر الحدود إلى تلك الدولة التي كان شعبها يتحصن في وطنيته معتزاً بأن بلاده «قلب العروبة النابض»، مستريباً بكل من يلمح إلى تعدد الأصول العرقية أو الانتماءات الطائفية فيها إلى حد اتهامه بالخيانة العظمى.
ساعد في ذلك ما تطوع في نقله «سعاة الخير» من حكايات وشائعات وشعارات قيل إن البعض يرددها لدمغ قوى الاعتراض بالطائفية تمهيداً لسحب الاتهام على النظام نفسه، مستفيداً من الأرشيف الغني للحروب الأهلية في لبنان بكل ما يحرف الأحداث بعيداً عن طبيعتها السياسية، والتي عنوانها المطالبة بالإصلاح الذي تأخر النظام في إنجازه برغم أنه تعهد به مراراً وقبل سنوات عدة.
ويتساءل اللبنانيون وهم يسمعون من مسؤولين سوريين محاولات لتبرير ما جرى بداية في درعا: أين كانت هذه «الزمر المسلحة» التي تعاظم ظهورها في درعا حتى استدعت تجريدة عسكرية؟.. مع الإشارة إلى أن سوريا كانت في نظر سائر العرب، واللبنانيين بالذات، قلعة عصية على الاختراق.
كذلك فهم يتساءلون عن دور حزب البعث، الذي يفترض أنه «قائد الدولة والمجتمع»، ولماذا اختفى تماماً، ولم يمارس دوره المفترض في استنفار الشعب لمواجهة محاولات التخريب أو التمرد أو الفتنة بجماهيره، تاركاً للقيادة أن تتحمل المسؤولية مباشرة، مع إشارات معدودة ومحدودة إلى القيادة القطرية، وصورة تذكارية أمام نصب الجندي المجهول في عيد الشهداء يوم الجمعة الماضي.
ولقد أوجع اللبنانيين أن يشهدوا صوراً لنزوح مواطنين سوريين من تل كلخ وجوارها إلى قرى أقاربهم وأصدقائهم الفقراء في وادي خالد وبعض أنحاء عكار... خصوصاً أنهم هم من كان يلجأ إلى دمشق ومدن سورية أخرى على الجانب الآخر من الحدود، كلما تفجرت بعض حروبهم الأهلية، أو حين كانت تدهمهم الحرب الإسرائيلية التي بلغت ذروتها وحشية في تموز 2006 والتي ألجأت آلاف العائلات اللبنانية إلى مدن وقرى سورية استقبلتهم بالعواطف الأخوية الصادقة واحتضنتهم حتى وقف النار فودعوا مضيفيهم شاكرين وعادوا على الفور.
إن اللبنانيين يعيشون خوفاً على المصير، أصلاً، نتيجة الاختلال العميق في العلاقة بينهم وبين نظامهم الذي يئسوا من إمكان تطويره، بقدر ما يئسوا من طبقتهم السياسية التي تعيش بالطائفية وعليها والتي كثيراً ما تستمد قدرتها على البقاء واحتكار السلطة من الانقسام الداخلي معززاً بالدعم الخارجي..
ثم أن القلق على سوريا قد زاد من هذه المخاوف، فتعاظمت أعداد الذين يريدون الهجرة إلى أي دولة تقبلهم، معززين بكفاءاتهم العلمية ومهاراتهم الفنية، لأن استقرار سوريا الذي كان يبدو صلباً قد اهتز قليلاً فذهب باطمئنانهم إلى مستقبلهم، لا سيما مع تفشي النبرة الطائفية في الخطاب السياسي.
كانت سوريا، على فقرها، تتبدى مستقرة، وحدتها الوطنية راسخة، وشعبها يعمل بكدح، داخلها وخارجها، وقياداتها تتمتع بحنكة سياسية مكنتها من كسر حاجز العزلة التي فُرضت عليها طويلاً، فصارت لاعباً كبيراً في هذه المنطقة فائقة الأهمية بما يتجاوز قدراتها، لا سيما الاقتصادية.. وتم الاعتراف بدور مهم لها في لبنان، وبرأي في «المسألة العراقية» وبموقع تأثير ما في القضية الفلسطينية، فضلاً عن اعتبارها ولفترة طويلة من الزمن «البوابة الشرقية» لكل الأرض العربية الغنية بالنفط، وهذا كان يزيد من نفوذها ويحصن نظامها في مواجهة الضغوط المتعددة المصادر.
من هنا يتداول اللبنانيون كثيراً من الأسئلة التي لا يملكون إجابة لها، ولا تساعدهم دمشق الرسمية، الممتنعة عن تقديم أية شروح أو تبريرات أو تفسيرات سياسية لما حدث ويحدث في العديد من مدنها ونواحيها، والتي لا تكفي البيانات العسكرية أو إفادات المعتقلين بتهم الانتماء إلى «الزمر التخريبية» لإقناع من يسمعها بأن ثمة مؤامرة... خصوصاً أن المتهمين لا هوية سياسية محددة لهم، ولا اتهام مباشراً بعلاقات مع دول بالذات، أو مع تنظيمات أصولية معينة.
ثم أن هذه الزمر «أشباح» في وسائل الإعلام السورية، و«أشباح» في وسائل الإعلام العربية والغربية، التي تقدمها تحت «لافتة شهود عيان» أو عبر رسائل برقية أو كتابات على الأجهزة الإلكترونية، ترفع مطالب جليلة وتطالب بإسقاط النظام من دون أن تحدد هويتها أو برنامجها السياسي.
لكأنها حرب بالأمن خارج السياسة، مع أن القضية سياسية بجوهرها.
ومع أن النظام كان باشر خطاباً سياسياً عنوانه الأخذ بمطلب الإصلاح، إلا أن الأوضاع التي تزداد صعوبة، عبر المواجهة الدموية، تتطلب حواراً سياسياً جاداً عنوانه الاعتراف بالأزمة ودعوة القوى الحية في المجتمع، بأطيافها كافة، المعارضة أو المعترضة، إلى الحوار المسؤول، خصوصاً أن هذه القوى ما تزال حتى الساعة تتوجه بمطالبها إلى النظام، معتبرة المناداة بإسقاطه خطراً داهماً على سوريا، محذرة من التطرف الذي قد يعرّض البلاد إلى اهتزازات قد تؤثر على صلابة وحدتها الوطنية.
لقد اعترف الرئيس السوري بشار الأسد بحاجة النظام إلى إصلاحات جذرية، وهو باشر بعضها، لكن الوضع يستدعي أن يتولى بنفسه الدعوة إلى حوار وطني مسؤول، يناقش فيه كل القوى غير الممثلة في السلطة، وكل العقول الحريصة على سلامة سوريا وعلى تحصينها، وعلى تقدمها باختراق حاجز الخوف من التغيير الذي يطلبه السوريون ويستحقونه.
إن في أوساط من يصنفون في «المعارضة السورية» نخباً من المفكرين والمثقفين الوطنيين الحريصين على سلامة وطنهم ووحدته الوطنية وتقدمه ومنعته ممن يمكنهم ـ بالتأكيد ـ المساعدة على بلورة الحلول المطلوبة، خصوصاً أنهم متمسكون بأرضهم لا يريدون مغادرتها، ويرون مستقبلهم فيها، وليسوا جالية أجنبية، أو خبراء وافدين.
وبالتأكيد فإن اللبنانيين الحريصين على استقرار أوضاعهم في هذا الوطن الصغير، والذين طالما نظروا إلى سوريا على أنها «دار أمان» و«دار خبرة» في شؤونهم، تقاتل معهم الفتنة لأن عدواها قاتلة، يتمنون أن تنتصر سوريا على محنتها، بوحدتها الوطنية، وبقدرات شعبها الذي لا يحتاج إلى شهادة في وطنيته وفي حرصه على تقدم بلاده ومنعتها.
ولن يغادر القلق اللبنانيين حتى يطمئنوا إلى أن سوريا قد نجحت في تجاوز هذا المأزق الذي تسببت فيه الغفلة أو التأخير في إنجاز الوعود بالإصلاح... والتي ربما باتت بحاجة إلى تطوير جدي وسرعة في التنفيذ.

طلال سلمان   - السفير 9 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق