السبت، 14 مايو، 2011

الدماغ والبحث عن آثار الذاكرة

صورة صورة

مـقـدمـة : 

لم تعد الذاكرة تلك القلعة المستعصية أو الوظيفة العقلية المستحيلة المنال. لكن و بالرغم من التقدم الحاصل فإن الباحثين لم يتوصلوا بعد إلى حل كل الرموز، والدواليب الدقيقة، والميكانزمات العصبحيوية المتعددة، و التعرف على الأنساق المتشابكة والمعقدة للذاكرة والتعلم. فحوالي ما يناهز أربعة عقود، بدأ الباحثون في ميادين علوم الأعصاب(فيزيولوجيا الأعصاب، علم النفس الفيزيولوجي، علم جينات الأعصاب...) وعلوم النفس (علم النفس التجريبي وعلم النفس المعرفي...) في البحث عن مكونات الذاكرة التي تشكل إحدى الوظائف العليا للإنسان والتي بدونها لا يمكن أن يكون له ماض يعتمده كمرجعية لحياته اليومية ولا مستقبل يتوقعه غنطلاقا من ماضيه وحاضره. ويتسم البحث في هذه الميادين باعتماد مقاربات ممنهجة وخاضعة لشروط دقيقة التقصي وتجريب لمقاييس ومبادئ البحث العلمي المتداولة في جل ميادين العلوم البحتة. 


أما العلوم النفسية فقد اهتمت بدراسة السيرورات والآليات السيكولوجية الكامنة وراء معالجة المعلومات واكتسابها و تخزينها وفق محددات مضبوطة كما وكيفا . 

أما الباحثون في ميادين علوم الأعصاب فقد انصب اهتمامهم في البحث على الآليات والميكانزمات والسيرورات العصبحيوية والعصبكيمائية والعصبتشريحية التي تمكن الجهاز العصبي من معالجة المعلومات واختزانها و استرجاعها واستغلالها للتعبير عن مشاعر ومواقف ومبادئ حياتية وأخرى لبناء أنماط سلوك فردي أو اجتماعي يمكن الفرد من الشعور بأنه ينتمي إلى مجتمع أو مجموعة ما. شكل البحث على آثار الذاكرة والجزئيات الخلوية النشيطة بالجهاز العصبي وما يزال يشكل ميدانا خصبا في ميادين علوم الأعصاب خاصة فيما يتعلق بتحديد: 

1ـ النوى الدماغية والباحات القشرية التي لها دور مباشر أو غير مباشر في معالجة المعلومات وتخزينها و تذكرها. تفترض الفرضيات التي بلورت في هذا المجال أن الذاكرة تتموقع بعد النوى والباحات القشرية الدماغية التي يجب تحديدها ومعرفة نوع المعلومات الخاصة بكل منها. 

2 ـ النواقل ‎neurotansmetteurs أو الوسائط العصبية‎ ‎ neuromédiateurs التي تشكل الجزئيات العصبكميائية النشيطة والمزامنة لمعالجة المعلومات بالخلايا العصبية. 

تميزت الفرضيات التي صيغت في الميدان العصبكميائي و العصبفيزيولوجي بتعددها و تنوعها، بحيث أنه افترض أن لكل ناقل أو وسيط عصبي دورا أو أكثر، منها ما هو أساسي و ما هو ثانوي. تعدد الأدوار هذا ناتج عن اكتشاف مستقل ‎ récepteur أو أكثر لكل ناقل أو وسيط عصبي بالخلية العصبية البعد مشبكية 

‎‎‎ Post-sny-optique . 3 ـ الجزئيات الوراثية البروتينية و الحامض نووية التي تتدخل في سيرورة المعلومات و تخزينها واسترجاعها . بنيت جل هذه الميادين على فرضية نظرية أولية اقترحها عالم النفس الفيزيولوجي دونالد هيب ‎Donald Hepp سنة 1949 انطلاقا من الأعمال التشريحية للدماغ قا بها العلم الاسباني رامون إي كخال ‎ Ramon Y Cajal و الذي بلور النظرية العصبية التي تؤكد أن الخلايا العصبية وحدة تتواصل مع الخلايا العصبية الأخرى عبر الارتباطات المشبكية. وقد اقتسم "رامون إي كخال" جائزة نوبل في الطب مع العلم الإيطالي غولجي ‎ Golgi سنة 1906. 

يمكن تلخيص نظرية دونالد هيب في ما يلي: 

يترك مرور المعلومات آثارا بمكونات الخلايا العصبية النشيطة. وتحصل التغيرات بمشابك الخلايا العصبية. هذا، وقد اقترح الفيزيولوجي سيرينكتن ‎ sherrington مصطلح مشبك ‎ Synapse في أواخر القرن التاسع عشر. ‎ سنقدم في ما يلي المعطيات الفيزيوعصبية الأساسية المتوصل إليها في ميدان دراسة الذاكرة والتذكر. 

2 ـ الذاكرة والميكانيزمات العصبحيوية : شكل الاهتمام بالتغيرات الحاصلة بمشابك الخلايا العصبية فرصة كبيرة سنحت للباحثين التعرف على عدد من الميكانزمات العصبحيوية المزامنة لعمليات اكتساب الدماغ للمعلومات . وهكذا رسم رقم 1 إثارة مسلك عصبي لأول مرة . تنشط الخلية العصبية رقم 1 بواسطة التدفق الكهربائي وتفرز كمية طفيفة من الوسيط العصبي بالحيز المشبكي . بعد ذلك يتم تلاحم الوسيط العصبي بالمستقبِل العصبي الموجود بالخلية العصبية 2. على ترتيب مونو كسيد الآزوت ‎‎‎Noالذي يؤثر بدوره على الخلية العصبية 

1 . رسم رقم 2 : بظهور التنبيه الثاني يلاحظ أن الخلية العصبية 2 تفرز كمية كبيرة من الناقل العصبي أو الوسيط العصبي وذلك تحت تأثير ‎No الذي يثير الحويصلات الإفرازية. كمية كبيرة من المادة المستقبِلة تمكن من ترسيخ عدد كبير من جزئيات الوسيط العصبي ويتولد عن ذلك تنشيط أكثر للخلية العصبية الثانية. 

هكذا تنشط الميكانزمات العصبكيميائية الخلايا القبل والبعد مشبكية وتمكن من نرسيخ الذكريات السارة و الغير السارة وكذلك المعلومات الأدبية والعلمية والثقافية، وبالتالي تمكن دماغنا من نسج ذاكرة معقدة ومتنوعة المعلومات والمعطيات. أظهر عدد من الباحثين أن مرور جهد العمل ‎Potentiel d'action بمسلك عصبي موجود بالحصين أو قرن آمون ‎Hippocampe يرفع لمدة طويلة نشاط وفاعلية مشابك هذا المسلك. 

بعبارة أخرى، يترتب عن إفرازات المواد الناقلة أو الوسيطة تمرير معلومات كهروفيزيولوجية من خلية إلى أخرى بكيفية أكثر سهولة . وهكذا فالماسلك العصبية التي تم تنشيطها بمرور المعلومات التي هي في مرحلة التخزين تصبح أكثر فاعلية وترسيخا للمعلومات المعالجة . وتؤكد التجارب أن المرور المكرر لجهد عمل خاص بنفس المعلومات المعالجة يجعل المسالك المعنية أسهل و أسرع لتعزيز هذه المعلومات من مرور معلومات جديدة. 

ـ رسم 1 و 2 بين المعطيات العصبكيميائية التجريبية المكتشفة بالحصين ـ . وبينت نفس التجارب أن هذه التغيرات الفيزيوكيماوية يمكن أن تدوم لعدة أيام . ولهذا افترض أنها قد تشكل آثارا أو بصمات خلوية خاصة بالذاكرة الطويلة المدى . لكن لابد من طرح سؤال يتعلق بتنظيم المسالك التذكرية. 

هل هذه الآثار والبصمات هي التي تمثل فعلا، الميكانيزمات العصبكيميائية المنظمة للمسالك العصبية الرابطة بين الأنظمة العصبية النشيطة والخاصة بنوع المعلومات التي يعالجها ويحاول تخزنيها المتعلم؟. هناك سؤال آخر لابد من طرحه وهو يتعلق بفهم الميكانزمات والسيرورات الخاصة بالتخزين المستمر بالقشرة الدماغية . ويتعلق هذا بمحاولة فهم نوعية تخزين المعلومات بالجهاز العصبي .هل تخزن المعلومات فعلا على شكل آثار؟ و ما هـي هذه الآثار ؟ هل بصمات لمرور الدفعات الكهروفيزيولوجية أو أنها آثار للنقال العصبي النشيط أثناء مرور هذه الدفعات أو أن الأمر يتعلق بشيء آخر يمكن افتراضه على نحو تفاعلات بين الدفعة الكهروفيزيولوجية والناقل العصبي الموظف في النشاط العصبي المزامن لمعاجة المعلومات واكتسابها؟ إن كل هذه الأسئلة مقبولة، خاصة و أن الأمر يتعلق بتحديد آليات وميكانزمات الخلايا العصبية ودورها في اكتساب المعلومات و اختزانها. بعبارة أخرى يمكن أن نتساءل عن شكل ونوع الآثار العصبفيزيوكيميائية التي تمكن من اكتساب وتخزين المعلومات بالجهاز العصبي. 

إذن، هل تخزن ذكرياتنا بتراكم المواد الكيميائية أو بدفعات كهروإيقاعية؟ هل تدرج أو تدمج الذكريات بكيفية مستديمة أو أنها تنتج وتبرز بكيفية موازية ومتزامنة مع إثارة صورة الحاضر؟ لا بد أن نكون حذرين بالنسبة للتفسيرات و التأويلات التي يمكـن أن نصدرها في هذا المضمار. أولا لأننا لازلنا نجهل الكثير عن ميكانزمات الجزئيات العصبية المرتبطة فعلا بالذاكرة. 

كما أنه ليس لدينا لحد الآن سوى فرضيات تم تمحيصها بواسطة مقاربات محدودة وتقنيات جزئية لم تمكننا من تحقيق التوقعات النظرية التي صيغت في جل ميادين علوم الأعصاب وخاصة علوم الأعصاب المعرفية ‎Neurosciences congnitives ويبدو هذا طبيعي لأن ميدان البحث العلمي يتغذى بما هو نظري قبل أن تثبت التجارب صحة أو عدم صحة التوقعات النظرية. فالفرضيات إما أن تعزز وتفسر أو ترفض وتعاد صياغتها وفق المعطيات التي أبانت عدم صحتها. 

وهذا ما يجعل المعرفة العلمية تبنى انطلاقا ليس فقط على التفسير و التأويل و التنطير بل كذلك على المعطيات التطبيقية التي تعطيللتنظير المصداقية والمتانة المعرفية، وذلك وفق معايير علمية متفق عليها إبستيمولوجيا.


 » 17 إبريل 2009

0 تعليقات::

إرسال تعليق