الجمعة، 6 مايو، 2011

خريف لبنان في الربيع العربي


ليس من السهل أن نصدق أن العقل السياسي اللبناني عاجز عن ابتداع صيغة للخروج من مأزق طال في تأليف حكومة. ولا أن نتصور، قبل ذلك، أن المخرج من المأزق يتوقف على صيغة كان رجال الدولة في الماضي بارعين في ابتكارها. فالخيوط المتشابكة في أزمة التأليف هي مجرد صورة على سطح أزمة عميقة أكبر لن يحلها تأليف حكومة. والحسابات التي قادت إلى أكثرية جديدة نجحت في إسقاط حكومة فاشلة تصطدم بخطوط مرئية وغير مرئية تمنع إكمال الانقلاب السياسي في بلد التسويات والحاجة إلى كل الدول في غياب مشروع الدولة. وليس الكلام المتناقض على العقد الداخلية والخارجية سوى مراوحة في المكان أو تمارين في العبث.



ذلك أن من يركز على العقد الداخلية يزيد من تعقيدها بدل حلها. ومن يركز على العقد الخارجية يؤكد عملياً أن القرار أو النصاب الوطني مفقود. فالحديث عن انتظار التحولات في العالم العربي وتبلور صورتها قبل تأليف الحكومة هو حجة لا تقلي عجة، كما يقول المثل، لأن التحولات بطيئة ونتائجها مجهولة. إذ الفراغ الحكومي يزيد من المخاطر على لبنان في زمن التحولات. والمنطق الطبيعي هو تكوين سلطة قادرة على القرار والحفاظ على رأس البلد وقت تغيير الدول. والأخطر في محاولات التأليف هو العمل على الطريقة التي وصفها أينشتاين بأنها ضرب من الجنون، وهي تكرار التجارب على المواد نفسها، وانتظار نتائج مختلفة.
والمفارقة أن الصراخ المرتفع يقع في برية السياسيين، فالناس تشكو. والهيئات الاقتصادية تقرع جرس الإنذار من الركود المخيف. والمسؤولون عن المال ينعون القدرة على دفع الرواتب. والمسؤولون عن الإدارة يكشفون الحجم المخيف للشغور فيها. والبلد بلا موازنة منذ ست سنوات. ولا شيء يتغيّر أو يحرّك أصحاب الحسابات السياسية.
لكن المسألة أعمق من ذلك. فنحن في أزمة وطنية وأزمة حكم، لا فقط في أزمة حكومية. والنظام وصل إلى أعلى المراحل في أزمته، إلى حدّ الانحلال في مكونات الدولة. والمجتمع مضروب بالتشنج الطائفي والمذهبي الذي صار عماد السياسة. أليس المطلب الموحد في كل الانتفاضات في العالم العربي هو الحرية التي مارسها اللبنانيون منذ عقود؟
المخيف أن ما يرافق أمل الشعوب في الربيع العربي هو شعور اللبنانيين بأنهم في خريف لبنان. والمخيف أكثر، ليس التعثر في تأليف حكومة، ولا الانقسام في المواقف من الانتفاضات في هذا البلد أو ذاك، بل العجز عن تغيير أي شيء في لبنان. كأن خريف لبنان صار قدراً. وكأننا استسلمنا لفقدان دور لبنان الرسالة وبقاء وظيفة لبنان الساحة. وليس ذلك معقولاً ولا مقبولاً.

06 أيار 2011رفيق خوري - "الأنوار"

0 تعليقات::

إرسال تعليق