الخميس، 5 مايو، 2011

النظام أقوى من معارضة متفرقة... لا تجتمع على هدف واحد.. كيف منع الأسد تحويل درعا... إلى «بنغازي سوريا»!


تغيرت الصورة في سوريا في الأيام الأخيرة. لم يعد السؤال عما إذا كان نظام الرئيس بشار الأسد سيستطيع تجاوز الأزمة، بل بات السؤال: متى سيُنهي معركته الاحتوائية؟
صحيح أن هناك أزمة داخلية لا يجوز التقليل من حجمها، وهناك آليات وضعها الأسد لكيفية تنفيذ الشق الإصلاحي والتدرج فيه، لكن للأمن والاستقرار الأولوية المطلقة التي تتقدم كل الأولويات الأخرى مهما كانت مهمة أو ملحة.
لا ينفي المسؤولون في دمشق أن سوريا أصيبت بصدمة خلفت ارتباكا واضحا بفعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تضافرت للف الحبل حول رقبة النظام، مقرونة بالدور الوظيفي المكمل الذي تؤديه فضائيات الاعتدال العربي في التعبئة والتحريض. وكما يقولون في سوريا، فإن الرصاصة التي لا تصيب تقوِّي، خاصة بعدما يخلع مطلقو النار أقنعتهم ويكشفون عن وجوههم، فحينها تسهل مواجهتهم والتصدي لهم وردعهم.



بناء على ذلك، فإن المعطيات لا تؤشر إلى أن نظام الأسد قد أصيب في أسسه أو تصدّع، وان الهجوم عليه من الداخل والخارج، جعله نظاما متهاويا أو آيلا للتداعي والسقوط، بل العكس، فإن تلك المعطيات تؤشر إلى أن النظام لم يُصَب كما اشتهى «المهاجمون»، بل هو مصاب بنوع من الضرر المعنوي، ويقوم حاليا بمداواة نفسه في السياسة والأمن، وخاصة بعدما تم حصر نقاط الوجع، والضرر المعنوي، ضمن حدود «ضيقة»، وليس كما تحاول أن تبثه الفضائيات، على امتداد القطر العربي السوري، على حد تعبير احد المسؤولين السوريين.
يكشف المسؤول المذكور أن نظام الأسد دخل في ما وصفها «مرحلة العلاج الاستئصالي» لكل الالتهابات التي أصابت الجسم السوري، وهي عملية قد تتطلب أسابيع قليلة. وحتى الآن، أمكن إلقاء القبض على أكثر من ستمئة شخص من المتورطين، بينهم أشخاص ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة، كما يقول المسؤول السوري، مشيرا إلى وجود قرار مركزي باعتماد عمليات جراحية موضعية لإنهاء «البؤر الأمنية»، على غرار ما يجري في درعا حاليا.
هل أمسك النظام بزمام المبادرة فعليا؟
بعيدا عن الوظيفة التي تؤديها فضائيات الاعتدال العربي، فإن «القراءة الحزبية» للمشهد السوري، تنطلق من «الجزم بفشل حملة استهداف سوريا»، وبأن الأسد «في مرحلة معالجة التداعيات والارتدادات». وتخلص تلك القراءة إلى تحديد ما تسميها عناصر قوة النظام في سوريا، وهي الآتية:
أولا: هناك من راهن على ضعف الرئيس الأسد في مواجهة هول الاستهداف، وعلى عدم جرأته في الذهاب إلى قرارات بحجم قرار والده الراحل حافظ الأسد في العام 1981. وقد فاجأ الأسد المراهنين بأنه لم يتراجع أمام الاستهداف، بل على العكس اتخذ القرار بالمواجهة الموضعيّة.
ثانيا: تماسك المؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية السورية. وثمة كلام لمسؤول سوري كبير يقول فيه: «لقد راهنوا على انقسام الجيش السوري وتمرده، اعتقادا منهم أن هذا الجيش له امتدادات خارج النظام، كما هي حال بعض الجيوش العربية التي أطاحت بقادة دولها»، في إشارة واضحة إلى مصر وتونس.
ثالثا: الحس القومي الموجود لدى الشعب السوري، وكذلك وعي هذا الشعب، بكافة فئاته، مخاطر الاستهداف الذي تتعرض له سوريا، وتمسكه بالاستقرار ورفضه استنساخ النموذجين العراقي أو الليبي وغيرهما من النماذج التفتيتية. على أن من النتائج الفضلى لهذا الوعي، إحباط الرهان على العامل المذهبي، خاصة أن محاولات إيقاظ هذا العامل، سواء بالخطب أو بالفضائيات أو بالشعارات، اتخذت بعدًا تخويفيا في الأوساط السنية والعلوية ولدى الأقليات المسيحية والإسلامية السورية.
رابعا: عدم وجود جسم متكامل للمعارضة التي بدت عبارة عن مجموعة من الأسماء المتفرقة لا يجمعها إطار واحد أو برنامج محدد أو توجّه أو مؤسسات ترتكز عليها، أو قيادات ورموز متماسكة، وهذا ما تبدّى في المواقف التي صدرت عن جهات تدعو لإسقاط النظام وأخرى ترفض.
خامسا: إفشال النظام أمنيا خطة خارجية بالتعاون مع مجموعات داخلية تهدف إلى خلق واقع جديد في سوريا تصبح معه درعا هي قاعدة الانطلاق، ويتعاطى معها المجتمع الدولي على أنها «بنغازي سوريا»، وما قد يستتبع ذلك من تطورات قد تتخذ الطابع الدرامي على أكثر من مستوى.
سادسا: موقع دمشق المحوري، بين جملة من القضايا الحساسة في الشرق الأوسط، الذي تشكل من خلاله سوريا ضابط الإيقاع لبقية الساحات المعنية بها من فلسطين إلى العراق وصولا إلى لبنان والأردن، مرورا بتركيا. فلو ذهبت سوريا إلى الانهيار، فمن سيضبط إيقاع تلك الساحات، وتحديدا لبنان؟
سابعا: أن دمشق تدرك أن استهدافها أمر يلتقي عليه كل من له مصلحة في تحقيق سلام مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية وبتصفية القضية الفلسطينية. وهي كما تعي أن البعد الأميركي والأوروبي للهجوم عليها هو الأمن الإسرائيلي، وتعي أيضا الأبعاد السعودية والقطرية والتركية والحدود والعوامل «الشخصية» الكامنة خلفها، ومنها ما تبلغته دمشق مؤخرا، حول تجرّئها على خطوات اعتبرت «مهينة» للمثلث السعودي القطري التركي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر إسقاط حكومة سعد الحريري في ذروة المسعى القطري التركي وزيارة وزيري خارجيتي كلّ من قطر وتركيا دمشق وبيروت.
ويقول المسؤول السوري: «في ما مضى حاولوا ضرب سوريا في لبنان من خلال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن ثم خلال حرب تموز وصمدت دمشق.، وما تعرضت له سوريا في هذه المرحلة، مكمل لمحاولات الضرب وتغيير السلوك وما إلى ذلك من عناوين. وكما سبق وتراجعوا وأرسلت الولايات المتحدة الأميركية سفيرها إلى دمشق، فهناك الآن من يطرق باب دمشق، ويتصل بنا ليأتي إلينا»؟
ثامنا: لا إجماع عربيا ودوليا على استهداف سوريا. وتجلى ذلك في تعذر صياغة موقف عربي أولا، لا بل حصول تضامن من معظم العالم العربي مع النظام السوري، وكذلك الأمر في مجلس الأمن، حيث كانت روسيا اشد المعترضين على هذا الاستهداف تليها الصين، ذلك أن البلد العربي الوحيد الذي توجد فيه قاعدة روسية على المياه الدافئة، هو سوريا، التي تشكل بالنسبة إلى روسيا البلد الوحيد الذي تطل منه، أو يمكن أن تدخل منه العالم العربي.

نبيل هيثم   - السفير 5  أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق