الأحد، 22 مايو، 2011

المثلية الجنسية الأنثوية بين أروقة الخطاب الديني ومعطيات البحث العلمي

ما التأنيث لاسم الشمس عيبا ولا التذكير فخرا للهلال - المتنبي

الجزء الثاني

إن المثلية الجنسية الأنثوية (السحاق) هي الوجه الأخر للمثلية الجنسية عموما, والتي تشكل المثلية الجنسية الذكرية (اللواط) وجهها الأول. وقد نشرت على صفحات الإنترنيت مقالا مكرسا عن الأخيرة بعنوان "المثلية الجنسية والتصفيات الجسدية / العراق ضحية ومتهم", ثم أعقبت ذلك بمقال آخر موسوما "المثلية الجنسية / ملاحظات استباقية في أصل الأنواع / الجزء الأول", وكان يحتوي على ملاحظات تمهيدية حول مقالنا الحالي.

إن المثلية الجنسية الأنثوية بمعناها الشامل تعني الميول والممارسات ذات الطابع أو التنويه الجنسي بين أنثيين أو من أنثى إلى أخرى من جنسها, غير أنها بالمعنى المحدد تعني ممارسة العلاقة الجنسية الفعلية بين أنثى وأخرى.وهذه الحالة الأخيرة هي التي تسمى باللسبية. ولا نعتقد أن هذه الممارسات منعدمة كليا في أي مجتمع, قديم أو حديث, بدائي أو متحضر أو متطور, غير أنه يصعب تحديد نسبة الممارسة في أي مجتمع, وهذه الصعوبات ناتجة عن التستر عليها وعدم الإفضاء, وما يترتب على ذلك من نبذ اجتماعي وعقاب ديني لذوي الممارسة, إضافة إلى صعوبات ناجمة عن تحديد أوجه هذه الممارسة بين أنثى وأخرى,وذلك لأن درجات التماس الجسمي عديدة كما أن أي واحدة منها قد تخدم غرضا جنسيا قد يختلف في طبيعته النفسية والفيزيولوجية عن أي درجة أخرى من التماس.

ففي المجتمعات الأوربية والمتقدمة منها بشكل خاص أصبحت الظاهرة قابلة للقياس والبحث العلمي نسبيا. أما في المجتمعات الأخرى, ومنها العربية والإسلامية بصورة خاصة فهي عصية على الاختراق لأسباب ثقافية ودينية تحجب اختراق الظاهرة ودراستها بشكل موضوعي, على الرغم من وجود الكثير من المؤشرات التاريخية والحاضرة على وجودها واستمرارها.وتشكل رمزية قصة قوم لوط وذكرها في القرآن إحدى المؤشرات الهامة لذلك وتعبر بنفس الوقت عن عمق التأريخ المدون للظاهرة. وتشكل قصة لوط ليست فقط مدخلا لفهم " اللواط", بل لفهم الوجه الأخر من نتائجها وهو "السحاق", وهي تفسر النتائج والأسباب المتبادلة بين الظاهرتين عندما تؤسس الممارسة على قاعدة الانكفاء بين الجنسين,وأن لم يكن قد ورد ذلك صراحة في القرآن, ولكن ورد على ألسنة المفسرين للنص القرآني.

ولأغراض المتعة العقلية فيما ذكرنا أعلاه, نشير هنا إلى ما ذكره الراغب الأصبهاني في كتابه "محاضرات الأدباء" والمحمل على صفحات الإنترنيت, بخصوص الجذور الأولى لنشأة السحاق عند العرب. فوفقا للأصبهاني كانت هند بنت عامر زوجة النعمان بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي الملقب بأبو قابوس (582ـ610م) وهو من أشهر ملوك المناذرة في عصر قبل الإسلام, رائدة السحاق العربي بعد الانقطاع التاريخي الذي نتج عن إهلاك الله لقوم لوط. فقد ذكر الأصبهاني في المحاضرات أن أول من سنت السحاق عند العرب نساء قوم لوط لما شاع بين رجالهن إتيان الذكور وهجرهم النساء, فلما اشتدت شهوتهن أخذن يتضاربن بالأرداف فوجدن لذة في ذلك, ثم ألصقن الردف بالشراح فكانت أكثر لذة, ثم دلكن الشراح بالآخر, فتصدم النواة بالنواة / والهنات بالهنات, فتنزلان الماء, ولما أهلك الله قوم لوط الرجال والنساء انقطع اللواط والسحق, حتى جاءت رقاش بنت الحسن اليمانية مرة لزيارة هند بنت عامر بن صعصعة زوجة النعمان بن المنذر, وافدة عليها فأنزلتها عندها وكانت ذات حسن ونضارة فشغفت بها وكان النعمان يغزو فيغيب عن امرأته, فتكون هي ورقاش على فراشه, فربما التصق جسداهما, فوجدتا لذة لطول العزوبة حتى استدلتا على طريق المساحقة, فما زالت رقاش تزين لهند وقالت إن في اجتماعنا أمنا من الفضيحة وأدراك الشهوة, فاجتمعتا واستمر بهما ذلك حتى أصبحن كزوج وزوجة وبلغ من شغف كل واحدة بالأخرى أنه لما ماتت ابنة الحسن اعتكفت امرأة النعمان على قبرها واتخذت الدير المعروف بدير هند في طريق الكوفة. وفيها يقول الفرزدق مخاطبا جرير بن عطية يهجوه:

وفيت بعهد كان منك تكرما كما لابنة الحسن وفت هند

إن وضع النص المذكور أعلاه في مناظرة مع العلم الحديث يعكس لنا انطباعا دقيقا أن الأصبهاني تحدث عن المثلية الفعلية بين الإناث وليست الميل العام لها, وهو بهذا المفهوم يتفق مع مفهوم اللسبية التي تقابل السحاق في المفهوم العربي الكلاسيكي, وهي حالة التماس الفعلي ذو الممارسة الجنسية. ولا نتفق مع الأصبهاني كون أن الظاهرة انقطعت بعد ما حل بقوم لوط من عقاب حسب "الرواية الدينية", ولكننا نستطيع أن نقول إن الظاهرة اختفت عن الأنظار ولم تنقطع, ولذلك لم تسنح الفرصة لتدوينها أما ما تم تدوينه فهي حالات قريبة من البلاط الحاكم, وهي حالات سهلة الملاحظة نسبيا قياسا بالحالات العامة المستعصية, ولذا نستطيع أن نقول إن هند بنت عامر قد تكون أحدى رائدات السحاق العربي وليست الرائد الأول. كما نستطيع أن نؤكد أن النص وضع يده على احد أسباب السحاق وهو هجر الزوجة بعيدا وعدم تنظيم العلاقة الزوجية,ولكن النص من جانب آخر حصر السحاق فقط في المتزوجات.

ورغم أن هناك إجماع بين فقهاء الدين بأن ممارسة المرأة الجنس مع امرأة أخرى هو حرام ومعصية كبيرة من أشد الكبائر وهو مخالف للفطرة الإنسانية, إلا أن عدم وجود نص قرآني صريح وواضح (على نسق ما جرى لقوم لوط) بهذا الخصوص ترك آثاره على المذاهب الإسلامية المتعددة للاجتهاد حول هذه الظاهرة وشروط اقترانها بالممارسة الدينية, مع العلم أن هناك أحاديث تنقل عن النبي محمد (ص) تدين الظاهرة إدانة واضحة كقوله مثلا: "سحاق النساء زنى بينهن" وكذلك قوله" السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجال, فمن فعل من ذلك شيئا فاقتلوهما,ثم أقتلوهما", إلا أن هناك خلافا بين الفقهاء حول ما ورد من أحاديث واعتبروها من الأحاديث الضعيفة من حيث استيفائها لشروط انتسابها إلى الأحاديث النبوية.

ونشير هنا إلى موقف المذهب الشيعي من السحاق وتحديدا الشيعة الاثني عشرية والذي روي عن الإمام جعفر الصادق (ع), والذي تسمى الشيعة الاثني عشرية نسبة إليه بالجعفرية, وهو موقفا متشددا, ويستند إلى تفسير بعض النصوص القرآنية, وليست إلى نصوص صريحة. حيث روي عنه أنه دخل عليه نسوة, فسألته امرأة منهن عن السحاق؟ فقال: حدها حد الزنا. فقالت المرأة: ما ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن؟ فقال: "بلى". قالت: وأين هو؟ قال: "هن أصحاب الرس", ويقصد بذلك الذين جاء ذكرهم في سورة الفرقان, الآية 38: (وعاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا), وكذلك ما ورد في سورة قاف, الآية 12: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود). واستنادا إلى بعض التفسيرات فإن أصحاب الرس هو نسبة إلى نهر أو بئر يعرف بالرس بأذربيجان, وهم قوم كذبوا الأنبياء والرسل, واختاروا الممارسات الجنسية الشاذة والمحرمة كاللواط والسحاق, فاستغنوا رجالهم بالرجال و نساؤهم بالنساء فأهلكهم الله. وهناك الكثير من التفسيرات لهذه النصوص, يمكن الاطلاع علها في المواقع الإلكترونية الخاصة في تفسير القرآن أو كتب التفسير.

أما بالنسبة للمذهب السني فقد أشار بوضوح كون فعل السحاق حرام بإجماع فقهاءه, إلا أن هناك تنوعا مرنا في الرأي عند فرق السنة بقدر ما يتعلق الأمر بصلته بالممارسات الدينية. وهنا نشير إلى ما ورد بخصوص ذلك في الموسوعة الفقهية والمحملة على أوقاف نت الخاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت / في الجزء الرابع والعشرون من هذه الموسوعة. فقد اختلف فقهاء السنة في نفض السحاق للوضوء؛ فذهب الحنفية إلى أن تماس الفرجين سواء كان من جهة القبل أو الدبر ينقض الوضوء ولو بلا بلل ـ وهو عندهم ناقض حكمي ـ واشترطوا أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين وهو ما يفهم من مذهب المالكية حيث أن مس امرأة لأخرى بشهوة ينقض الوضوء, لأن كل منهما تلتذ بالأخرى, وصرح الحنابلة بأنه لانقض بمس قبل امرأة لقبل امرأة أخرى أو دبرها, وهو مذهب الشافعي. كما يؤكد مذهب المالكية والحنابلة أن خروج المذي بلمس أو قبلة مباشرة مفسدا للصوم, خلافا للحنفية والشافعية, (يمكن العودة للموسوعة المذكورة للمزيد من التفاصيل). ونعتقد على خلفية هذا الموقف الواضح للمذاهب السنية أنه بإمكان" المرأة السحاقية المسلمة"!!! أن تمارس الطقوس الدينية من صلاة وصوم وفقا للضوابط الشرعية المذكورة أعلاه.ونعتقد كذلك أن هذا الموقف قائم على تصور مفاده أن فعل السحاق ليست بمنزلة فعل اللواط وأن الأول هو أشبه بمقدمات (مداعبات) للفعل الجنسي, وليست عملا جنسيا كاملا كما يجري في اللواط في أغلب الأحيان .

أما بالنسبة لمديات انتشار ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر فهي غير معروفة ولا يمكن أن نتوقع إحصاء دقيقا عنها, نظرا للتكتم الشديد عليها, إلا أننا نستطيع أن نلتمس بعض من أبعادها, والذي يعبر بالتأكيد عن وجودها في عالمنا العربي, فعلى سبيل المثال لا الحصر, ونقلا عن شبكة ابن الخليج الإلكترونية يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور عبد الله السبيعي بكلية الطب بجامعة الملك سعود في الرياض بأن ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في المجتمع السعودي في تزايد مستمر في ظل وجود العوامل المثيرة للرغبات الجنسية كالقنوات الفضائية والإنترنيت والهاتف الجوال الذي أصبح الآن للعلاقات غير المشروعة (وفقا لتصوره), وأكد كذلك أن هذه الظاهرة غالبا تحدث بين الشابات في الأماكن المكتظة بهن كالمدارس, وتبرز بشكل أكثر في الجامعات لعدم قوة ضبط وهيبة الإدارة مقارنة بالمدارس (حسب قوله) كما أكد أيضا عن أن أكثر من (70%) في الفتيات الشاذات جنسيا (حسب تعبيره) في المملكة العربية السعودية لا يرغبن في تعديل وعلاج سلوكهن خاصة اللاتي مارسن هذه الظاهرة بشكل كبير لاقتناعهن بأنهن لا يحسن غير هذا النوع من الممارسة للحصول على المتعة الجنسية ولا يجدن الإثارة في الرجل.

ومن الجدير بالذكر أن بعض من ملامح هذه الظاهرة بدأت تطفح على السطح من خلال معالجات بعض الأعمال الفنية, فقبل أكثر من عام تم عرض الفلم المصري "حين ميسرة" والذي تم فيه عرض مشاهد (السحاق) الذي أدته الفنانتان المصريتان غادة عبد الرزاق وسمية الخشاب, وقد أثار موجة من السخط والغضب في صفوف بعض من أساتذة الجامعات وعلماء الدين في الأزهر, مطالبين بإحالتهما إلى النيابة المصرية العامة للتحقيق معهما بتهمة الدعوة إلى نشر الشذوذ الجنسي والسحاق والتخريب الأخلاقي, وكالعادة متهمين "الأصابع الأمريكية والصهيونية"!!! بالوقوف وراء مثل هذه الأعمال الفنية الشاذة!!! ضمن مخطط تخريبي كما يدعون لتدمير أخلاق المجتمع,مؤكدين أنه لا يمكن أن نتصور أن" السحاق" وصل عندنا إلى هذا الحد!!! وقد سبق ذلك فلما ولكنه عن "اللواط" بين رجلين, وهو فيلم (عمارة يعقوبيان) من بطولة الفنان عادل أمام.

إن المثلية الجنسية الأنثوية هي ظاهرة سايكو اجتماعية معقدة نسبيا قياسا بالمثلية الجنسية الذكورية وذات طابع نمائي, وإن الأسباب التي تدفع بالمرأة نحو المثلية كثيرة, وترد في غالبيتها إلى عوامل معقدة تتصل اتصالا وثيقا بشخصية الفتاة وبالعوامل النفسية المختلفة التي تعرضت لها في أدوار الطفولة, ولعل هذه العوامل النفسية في المرأة أكثر تعقيدا منها في الرجل بسبب الرقة التي يتميز بها الكيان النفسي للمرأة مما يجعلها أدق وأعمق من الرجل في حياتها النفسية.

قد تلجأ بعض الإناث إلى التجربة الجنسية مع مثلهن بسبب محدودية الاتصال بالجنس الأخر من الناحية الجنسية وحتى العاطفية.وفي هذه الحالة تعتبر التجربة الجنسية المثلية امتدادا طبيعيا للدور الجنسي المثلي الذي يكثر في المراهقة عند الذكور والإناث. والبعض من الإناث يمارسن ذلك بسبب دافع حب الاستطلاع أو لمجارات بعض التجمعات الشللية.ومعظم الإناث يتخلين عن ممارسة المثلية بعد توفر العلاقة الطبيعية مع الجنس الآخر, إلا أن بعضهن يتجهن اتجاها واضحا في ممارسة المثلية حتى بعد توفر العلاقات الجنسية الطبيعية سواء من خلال الزواج أو بدونه, وهذه الحالات هي حالات مثلية صرفة, وهناك العديد من الأسباب لتفسير ذلك, يمكن اختصارها بالشكل الأتي:

* إن بعض الإناث يثيرهن الإعجاب ببعض الخصائص التي تتحلى بها بعض الفتيات من جنسهن, وقد يبدأ هذا الإعجاب منذ الصغر, وقد ينمو عند بعضهن إلى ما يشبه عاطفة الحب العنيف. ويقع اختيار الفتاة على فتاة تتحلى ببعض المزايا التي تفتقدها في نفسها وطالما تمنتها, سواء كانت هذه الصفات عقلية أو جسمية أو اجتماعية.ويعزز هذا الاتجاه فشل الفتاة في العثور على هذه الصفات في والدتها أو بسبب حرمانها من عطف أم, لها بعض هذه الصفات. مع أن بعض الفتيات يستطعن في الكبر تحويل هذه العاطفة الإعجابية إلى مجالات عاطفية أو اجتماعية أخرى, إلا أن البعض الأخر لا يستطيع الابتعاد عن هذا الارتباط الذي قد ينمو ويتخذ مظهرا جنسيا مثليا.إلا أن بإمكان العلاقة الزوجية القائمة على التفهم العاطفي للزوجة أن يحل ذلك.

* إن بعض من الإناث يعانين مبكرا من عدم الثقة بالنفس, وفي أنوثتهن ويعانين من شعور عام بالنقص وعدم الاطمئنان والقلق. وقد يكون ذلك بسبب عدم اكتمال نمو الحياة العاطفية للفتاة, كما قد ينجم ذلك من أخطاء عاطفية تربط الفتاة بوالديها وخاصة الأم. إذ أن من العسير على الفتاة أن تشعر بمثل هذه الثقة بنفسها إذا كان المصدر الأول لتعرفها بنفسها كأنثى, وهو الأم, لا يعطيها الشعور بذلك. وهناك من يعتقد أن وفاة الأم مبكرا أو الفراق الطويل الأمد, وكذلك العزوف عن الصلات العاطفية بأولادها, وجميع هذه العوامل تدفع صوب المثلية الجنسية الأنثوية كشكل من أشكال التعويض العاطفي عن المصادر الطبيعية. ولكن أذا استطاعت الفتاة من ملء هذا الفراغ بمصادر طبيعية يمكن لها أن تعود إلى العلاقة مع الجنس الآخر.

* إن الفشل في الحياة الزوجية بما في ذلك العلاقة الجنسية قد تكون وراء اندفاع المرأة نحو العلاقة المثلية. وقد يكون هذا الفشل مقررا بسبب البرودة الجنسية للزوجة سواء كان هذا البرود مقررا بالطبيعة التكوينية أو بسبب عوامل أخرى. وقد يتقرر هذا الفشل بسبب الزوج, لأسباب مماثلة, وقد يأتي بنتيجة عدم التوافق بينهما, وهي أمكانية كثيرة الوقوع.ويجب إدراك حقيقة أن الحياة الجنسية للمرأة هي أكثر من الاكتفاء الجسدي أو الغريزي, وهذا الواقع قد يعرضها إلى مختلف الاضطرابات النفسية العميقة إذا لم تراع حاجاتها بدقة وعناية.والخطأ في أدراك ذلك قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة لدى المرأة يبعدها عن أي علاقة مع الرجل, فتندفع نحو علاقات مثلية لتأمين نوع من الأمن النفسي والروحي (طبعا تلعب هنا الثقافات المختلفة دورا كبيرا في تحديد وجهة ذلك ودرجته).

* كما تفسر بعض حالات المثلية الجنسية الأنثوية هي أن ذروة المرأة قد لا تتحقق إلا عن هذا الطريق, ثم أن حصول المرأة على ذروات متعددة في وقت قصير قد لا يأتي إلا عن هذا الطريق, وهذا ما يدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى اللسبية تفضيلا عن العلاقة الجنسية مع الرجل.وقد يكون من الأسباب أيضا في بعض الحالات هروب المرأة من الالتزامات التي يترتب على العلاقة الجنسية مع رجل, من تكوين أسرة وحمل وتربية الخ.

* وهناك أيضا التفسيرات التي ترى أن هناك استعدادا تكوينياـ وراثيا نحو الجنسية المثلية وبأن هذا الاستعداد ينتقل على شكل تغيرات هرمونية عصبية, وأن هذه التغيرات تحدث تحسسا لنواة الهايبوثالموس في الدماغ في وقت دقيق وحرج من مراحل النمو.وكما هو معروف أن هذه النواة تنظم وتتحكم بالفعاليات المختلفة لحياتنا الجنسية.أما بالنسبة للفرويدية فهي ترى أن الإشباع الشديد للغريزة في مرحلة الطفولة إشباعا فمويا يجعل الطفل يجد صعوبة في التخلي عنها أو يجعله يحن إلى العودة إليها حين يكبر,وتشكل المثلية أحد مظاهرها, وهو ما يسمى في علم النفس بالتثبيت.

وهكذا من الناحية العلمية فأن المثلية الجنسية الأنثوية لا يمكن حصرها في عامل واحد, وإنما تتضافر عدة عوامل من نفسية واجتماعية وحضارية وبيولوجية وتكوينية, إضافة إلى توفر متغيرات زمنية نوعية وكمية في كل حالة. وعلى خلفية عدم الوضوح الفكري والديني لظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية,من حيث أسبابها ومظاهر التعبير عنها, يجري التعامل مع النتائج باعتبارها أسبابا أو كما يقال (وضع العربة أمام الحصان), وبالتالي تصبح محاربة الفعل المثلي مطلوبا لذاته, دون فهم الميكانيزم الذي يقف ورائه, وأن إدراك هذا الأخير يعني في المنهج العلمي تسهيل حصر هذه الظاهرة إلى أدنى مدايات التعبير عنها. وتبقى الحالات المستعصية أو اللسبية الفعلية متروكة لسقف التسامح الاجتماعي في تقبل الأخر, بعيدا عن الاضطهاد والتصفيات الجسدية, والذي يؤدي بدوره إلى مزيدا من الحقد والكراهية الاجتماعية, ولكنها مهمة ليست سهلة في مجتمعاتنا!!!

د. عامر صالح nasiriyeh.net

0 تعليقات::

إرسال تعليق