الأربعاء، 18 مايو، 2011

ذوات النقاب الأبـيض: المرأة المتدينة في تاريخ الطـائفة الدرزية حديثا


المنديل أو الحجاب الدرزي

لقد برزت المرأة الدرزية منذ بدء الدعوة وحتى اليوم، في أدوار مشرّفة وناصعة في طهارتها ونقائها، بالرغم من أن المجتمع الدرزي عاش في بيئة شرقية محافظة، لكن المساواة التامّة التي فرضها مذهب التوحيد على المؤمنين، والتزام المجتمع بهذه الفروض، فسح المجال لسيدات رائدات برزن في حقول مختلفة من حقول الحياة. وقد أوعز أقطاب دعوة التوحيد ومؤسسوها منذ بدايتها إلى المؤمنين، بأن للمرأة دورا هاما في حياة المواطن التوحيدي، فقام مولانا بهاء الدين (ع) بتوكيل الست سارة (ع) بقضاء مهمات جسيمة خطيرة، تُعطى عادة لكبار القادة والرجال، وقامت جزاها الله خيرا، بتنفيذها على أتمّ وجه وأحسن حال. وعلى مرّ التاريخ، برزت سيدات وآنسات فاضلات، بلغن درجة "الست" وهي الدرجة التي تؤهل المرأة الدرزية، أن تبلغ أعلى درجات القدسية والطهارة، حيث تتبعن مبدأ التقوى والتقشف، وتكرسن أوقاتهن للعبادة والصلاة، وتبتعدن عن الحياة الدنيا وملذاتها، وتعملن في نسخ الكتب، وتعقدن الجلسات لتعليم ووعظ البنات اللواتي تبدين رغبة في ذلك.

وقد بارك رجال الدين هذه الظواهر، وكانوا يحترمون ويقدّرون كل امرأة تسير في هذا المضمار، فكانوا يقصدون زيارتهن والاستماع إلى أحاديثهن، والاستشارة بهن ومباركة خطواتهن. وفي بلادنا، برز عدد من النساء الفاضلات في الآونة الأخيرة، نذكر في مقدمتهن الست أم ألمازة هنا طريف، الكريمة الكبرى لفضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، التي كرّست جلّ حياتها منذ شبابها، في خدمة والدها الشيخ، وفي القيام بواجبات خدمة الضيوف، من ناحية جوانبها النسائية، فكان منزل فضيلة الشيخ مفتوحا دائما، يقصده القاصي والداني من كافة الطوائف، واشتهر بالكرم والسخاء، وقد كانت الست أم ألمازة، حريصة على إكرام الضيوف ، كما أشرفت على المناسبات الجماعية وكل متطلباتها وواجباتها، من ناحية الضيافة وتقديم الواجب للمدعوين. كل هذا بالإضافة إلى القيام بواجباتها الدينية، وعقد حلقات المذاكرة والصلاة مع نساء القرية، ومع نساء ضيفات، ومع من هن مؤهلات دينيا للاشتراك بمثل هذه النشاطات وكانت تسمع قضايا النساء التي كان من المفروض ان تعرض على فضيلة الشيخ، ليبت بها، فكانت تحلها بحكمتها ولا تصل للشيخ.وبجانب الست أم ألمازة وقفت أخواتها الأربعة وهن السيدات ام كمال مياسة، أم علي منيرة والدة فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، والست المرحومة ام رحاب جوهرة والست المرحومة أم نبيه فاطمة .


المنديل أو الحجاب الدرزي

وفي دالية الكرمل برزت السيدة أم قاسم تفاحة حلبي، التي عاشت في منتصف القرن العشرين، وكانت سيدة فاضلة حجة في العلوم الدينية، حافظة للكتب المذهبية، تعلم النساء والبنات، وتشرح لهن مبادئ التوحيد، وأذكر أني كنتُ أتردد عليها في الستينات من القرن العشرين، حاملة القلابة مع رفيقاتي، نجلس بين يديها بخشوع، ونستمع إلى شرحها بثقة وإيمان، وننفذ بدقة ما تمليه علينا من كتابة وتعليم وتدوين. وكانت لها شخصية قوية، حيث كنا نخرج من عندها، ونعتبر أننا كنا في حضرة ولية صالحة. وفي دالية الكرمل أيضا، عاشت الست أم أحمد عفيفة نصر الدين، أخت المشايخ الأتقياء، علي وحمود وراجي نصر الدين، التي برعت في العلوم الدينية، وقد توفي زوجها شابا، وترك لها ابنا صغيرا، فنذرت نفسها على تربية ابنها، وتعليم النساء القراءة والكتابة. وقد انتقلت إلى رحمته تعالى في الثلاثينات من القرن العشرين، وتركت أثرا طيبا وذكرا حميدا. وفي أواسط القرن العشرين، عاشت في دالية الكرمل، الست كاملة حسون، ابنة الوجيه أحمد حسون، التي آثرت أن تمضي عمرها المديد في طاعة ربها والإقبال على العبادة، بعيدا عن ملذات الدنيا، فامتنعت عن الزواج، واغترفت من منهل الحكمة الشريفة. وقد وصفها فضيلة المرحوم الشيخ أمين في مأتمها، عام 1964 بأنها درة ثمينة في هذه البلدة الزاهرة بأفرادها الصالحين. وبرزت في دالية الكرمل في تلك الفترة، السيدة دقة قدور نصر الدين، التي تسلمت وقف وإدارة مقام سيدنا أبي إبراهيم عليه السلام، فكانت مرجع ثقة واعتماد من قبل كل سكان دالية الكرمل..


المنديل أو الحجاب الدرزي

وفي بلادنا أيضا برزت في مستهل القرن العشرين، الست أم نسيب في قرية كفر سميع، وهي كريمة الشيخ خليل طافش، الذي كان من كبار رجال الدين في بلادنا، والذي أسس الخلوة في القرية، ورعى الحياة الدينية فترة طويلة. وعندما انتقل إلى رحمته تعالى، قامت كريمته الست أم نسيب بدور كبير من اجل الدين والكرامة واعلاء كلمة الدين، فنفذت واجبها على أحسن وجه، وكانت بذلك مثلا وقدوة، كيف يمكن أن تصل المرأة إلى أعلى الدرجات الدينية في القرية، وأن تقوم بدورها بالتنسيق مع الرجال واكتساب احترامهم وتقديرهم.

وفي بلادنا نعلم عن المرحومة أنيسة دبور، التي تولّت وقف مقام سيدنا بهاء الدين عليه السلام، خلال سنوات طويلة، مثلها مثل السيدة من عائلة خير التي تولت خدمة مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف كذلك خلال سنوات طويلة.

وجاء في كتاب السيدة اديل حمدان تقي الدين :" المرأة في مجتمع الموحدين الدروز بين الأمس واليوم" ذكر لبعض النساء التقيات نقتبس منه ما يلي مع الشكر :

"....أذكر في هذا المجال إحدى النساء التقيات من بعقلين الست سعدى تقي الدين ، توصلت إلى مرتبة عالية من التقوى والعبادة والتقشف وكان يقصدها الناس ليتعلموا منها مسائل الدين ويتبرّكوا منها ويقدموا لخلوتها ما تيسر لديهم من المساعدة، تعطيها هي بدورها للمحتاجين من الإخوة والأخوات. وكانت السيد نبيهة تقي الدين قريبة الست سعدى تقية أيضا بدرجة عالية وكان يقصدها الكثيرون للتبرك وقد انصرفت للعبادة والتقشف في خلوتها التي تشكّل جزءا من مجلس العائلة. وقد فتحت خلوتها والمجلس لتعليم البنات الصغيرات من الأقارب والجيران القراءة والكتابة والخط والأشعار الدينية وما يستطعن فهمه من كتب الدين وكانت تفسّره لهن وقد عاشتا إلى الربع الأخير من القرن العشرين وتعدتا الثمانين عاما.

وفي بعقلين الشوف سيدات تقيات من جميع العائلات أذكر منهن الست ألماز حمادة وقد عُرفت بتقواها وكان يقصد مجلسها رجال الدين والنساء لعقد اجتماعات صلاة ليلة الجمعة وفي الأعياد والمناسبات وبقصد التبرك.

ومن مزرعة الشوف اشتهرت بالتقوى الست أم علي فاخرة من أسرة البعيني التي بلغت من التقوى والمعرفة في الدين درجة عالية. ومن بيصور عرفت الست فاخرة القاضي وكانت على جانب عظيم من الذكاء والاطلاع والمهابة.

وهناك الكثيرات من النساء من دخلن الجامعات وحصلن على شهادات عالية ولكنهن آثرن بعد ذلك حياة التقشف والعبادة أذكر منهن السيدة نازك أبي خزام من كفر حيم وقد توصلت إلى مرتبة عالية في التعبد وتحمل شهادة بكالوريوس علوم وآداب من الجامعة الأمريكية. كذلك السيدة سميرة وهّاب من غريفة الشوف وتحمل شهادة جامعية عالية تقصدها البنات والنساء من جميع القرى لسماع الوعظ وتفهم أمور الدين كما تعطي من وقتها لرعاية أمور مستوصف حاصبيا الطبي الخيري...".

هذا ما ورد في كتاب السيدة أديل تقي الدين وقد حصلنا في أثناء بحوثنا المختلفة على معلومات إضافية عن شخصيات نسائية أخرى برزن في تقواهن وفي مسلكهن الديني القويم في لبنان نذكر منهن الست أمينة سعيد وهي سيدة لبنانية كانت مشهورة بالست أم مجيد وهي من النساء العاقلات الفاضلات ذات معرفة ووقار. كانت تجالس كبار العقلاء والحكّام دون أي خوف أو حذر. تحادثهم طويلا فيخرجون من حضرتها معجبين بذكائها يقدرّونها حق قدرها. متمنين إطالة الوقت في حضرتها وامتداد البحث معها للاستفادة منها تاريخيا. كانت سخية اليد وعاشت في خير ونعمة وبقيت توزّع المال على أولادها وأحفادها إلى أن توفيت. عاشت أكثر من مائة سنة وتوفيت بوعيها الكامل عام 1918.

وفي التقرير الذي كتبه الشيخ أبو محمد خير حلبي عن أول زيارة قام بها مشايخ بلادنا للبنان بعد اجتياح عام 1982 وفتح الحدود جاء ذكر لمعظم السيدات اللاتي ذكرتهن السيدة أديل تقية الدين وبالإضافة لهن ذكر الشيخ أبو محمد خير أن الوفد الكبير زار كذلك الست مليحة ثابت والست هنا ثابت في عاليه، كما أنه زار الست أنيسة حمد في العبيدية.

وجدير بالذكر أن بلادنا تشهد في الآونة الأخيرة حركة عارمة عند النساء اللاتي توجهن للدين الشريف حيث يوجد المئات منهن اللاتي حفظن ويحفظن الكتاب المقدس بكامله وهن تقمن بأداء الصلوات والفروض الدينية كاملة في الخلوات في الأعياد وتعلمن أولادهن على الدين والتقوى والصلاح وقد شهدنا في الآونة الأخيرة كذلك حركة مباركة من مثقفات خريجات جامعات تركن الوظائف العالية والمراكز وتوجهن للدين ينهلن من علومه ما شئن ويستفدن من الكنوز الجوهرية المكنونة بداخله. وقد ذكرنا في هذا المقال بعض الشخصيات النسائية من بلادنا وخارج بلادنا اللاتي وصلتنا معلومات عنهن ونحن هنا نتوجه كمجلة العمامة وكهيئة تحرير الموسوعة الدرزية إلى جميع القراء أن يوافونا بمعلومات عن شخصيات نسائية دينية بلغت مرتبة عالية من التقوى والإيمان يعتقدون أن من الصالح نشر أخبارهن كذلك نتوجه إلى القراء بصورة عامة أن يوافونا بتفاصيل عن شخصيات نسائية ناجحة في الحياة الاجتماعية والثقافية أو عن مواضيع يعتقدون أنها صالحة للنشر والإعلان عنها أمام الملأ مع الشكر الجزيل والتقدير الكبير.

بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي) al-amama

05 نوفمبر 2009

0 تعليقات::

إرسال تعليق