الجمعة، 27 مايو، 2011

فترات ازدهار بيروت ولبنان

إذا أراد اللبنانيون بناء مستقبل زاهر ومستقر، عليهم تشبع تاريخ لبنان، سواء على صعيد النشاط الفكري، المادي والإنساني، لأن لبنان في غابر الأزمان كان أفضل مما هو اليوم، والعرض السريع والمكثف لفترات انجاز واضح لا بد أن يكون ذا إفادة.
خلال القرنين الأولين بعد الميلاد كانت بيروت عاصمة إدارية لمناطق تمتد من عكا في فلسطين حتى اللاذقية. وكان مرفأ بيروت يشهد حركة ناشطة بفضل موقعه على ما يشبه خليجا طبيعيا. وكانت بيروت المدينة التي تحتوي على ثاني أو ثالث أهم معهد للحقوق في الإمبراطورية الرومانية، وكان الطلاب يقصدون بيروت للانتساب إلى هذا المعهد والتعمق في أسس التشريع والتفسير، من تركيا واليونان وسوريا وقبرص، وحتى من روما.
بيروت في تلك الحقبة كانت تسك النقود الذهبية لحفظ القيمة. وكان لبيروت مجلس بلدي ونظام ضريبي يفرض على التجار والمهنيين وحتى المزارعين بالنسبة إلى المحاصيل التي تفيض عن حاجاتهم من الغذاء ويسوقونها، ضريبة بمعدل 12،5 في المئة من حجم الأعمال. واحتراماً للعلم والأساتذة لم يخضع المدرسون لأي ضريبة.
في تلك الأزمان كانت بيروت تحتوي على المسارح وتمتد في جوانبها شوارع مستقيمة تربطها بالمناطق التي تتبادل مع بيروت المنتجات والمعارف، سواء من فلسطين أو سوريا أو ابعد من ذلك. وتوافرت المياه لبيروت بواسطة قنوات محفورة في الصخور، وكانت هناك حمامات للعامة يقصدونها للاستحمام.
وكان السكان خليطاً من البشر والانتماءات، فكان هنالك مسيحيون يخشون الإفصاح عن انتسابهم بسبب قمع السلطات الرومانية المسيحيين، وكان هنالك عدد ملحوظ من اليهود، ومن عبدة الشمس، ومن غير المؤمنين بالأديان السماوية.
لقد ازدهرت بيروت في تلك الفترة من الزمن لأنها كانت تتمتع بمرفأ متطور، وبنية تحتية مؤاتية، واستقرار نقدي، ومعاهد تعليم متقدمة في المنطقة، ومجلس إدارة محلي ناشط، وسلام واستقرار يعززهما وجود فيالق من الجيش الروماني، مهمتها المحافظة على الاستقرار الداخلي والتصدي لأي عدوان خارجي.
فترة الازدهار والاستقرار الثانية شهدها لبنان من القرن السابع عشر حتى أوائل القرن العشرين خلال فترة الحكم العثماني، على رغم أحداث 1860 التي شهدت مذابح في الجبل وهجرة المسيحيين من الشوف إلى بيروت وكسروان. فخلال تلك الفترة اعتبرت بيروت بمثابة عاصمة المتصرفية التي تمتد من عكا في الجنوب إلى اللاذقية في الشمال، والسبب الرئيسي لاختيار بيروت كان موقعها على الشاطئ وتمتعها بمرفأ طبيعي يسمح بتطوير التجارة مع أوروبا. وكان من سكان بيروت عدد ملحوظ من التجار الايطاليين والبريطانيين ومن بعض الألمان الذين كانت لهم علاقات مميزة مع الأتراك.
وجاء في كتاب باتريك سيل عن رياض الصلح وكفاح العرب للاستقلال انه منذ 1830 انفتحت بيروت على التعامل الدولي فارتفع حجم البضائع المستوردة أو المصدرة عبر المرفأ من 30 ألف طن إلى 600 ألف طن عام 1860، وارتفع عدد سكان بيروت من 19000 عام 1846 إلى 115000 عام 1893. ومنذ العام 1859 أصبحت بيروت مشبوكة تلغرافياً مع بقية العالم، وأسواق بيروت أصبحت تفيض بكل المنتجات المستورد منها والمنتج محلياً، كما أصبحت مقصداً لإقامة التجار والقناصل الذين وفدوا لحماية مصالح مواطنيهم، وأول مصرف فتح أبوابه في العالم العربي وجد في بيروت، كما طبعت الصحيفة الأولى باللغة العربية في بيروت عام 1858.
أضف إلى كل ذلك تأثير إنشاء الجامعة الأميركية عام 1866 والجامعة اليسوعية عام 1875، فأصبح لبنان يتمتع بجامعتين افترض تمتعهما بمستويات علمية متميزة، إضافة إلى كلية للبنات أسستها مرسلة أميركية عام 1830 وقد أصبحت في ما بعد كلية بيروت الجامعية، وهي اليوم الجامعة اللبنانية الأميركية التي صارت صرحاً تعليمياً مهماً.
عام 1898 زار لبنان القيصر الألماني فيلهلم الثاني برفقة زوجته فوجد بيروت مدينة متمتعة بشوارع مرصفة، ومضاءة ليلاً بالغاز، وتزخر بالمدارس والجامعات والمستشفيات، والأبنية الرسمية الملحوظة، وهذه أنجز معظمها العثمانيون، كما وجد برج الساعة أمام السرايا الذي لا يزال في مكانه وكان أنجز للاحتفال بزيارته.
خلاصة مشاهداته لخصها القيصر الألماني بوصف بيروت بأنها الدرة في تاج الإمبراطورية العثمانية.
لقد تميزت بيروت خلال الفترة المشار إليها بكونها المرفأ الأساسي للمنطقة، والعاصمة الأهم للتعليم، ومنطلق المعاصرة في العلم، والتعليم، والنشر، والصيرفة. لقد كانت بيروت كما أرادها أهلها في عقد الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي.
بيروت في عهد الرئيس كميل شمعون تحولت تدريجاً إلى علاقات أوثق مع بريطانيا والولايات المتحدة بصورة خاصة، ورياح الغرب جاءت بشركات النفط، والمصارف، وعائدات الترانزيت، وتوسع حركات النقل الجوي والبحري، وتعدد بيوت المشورة وازدياد عدد المصارف ومواردها، وتحسن سعر صرف الليرة تدريجاً، وتوثق علاقات لبنان مع دول مثل تركيا، والبرازيل. لكن الصدام وقع مع توجهات الرئيس جمال عبد الناصر، فكانت ثورة 1958 التي انتهت بالإنزال الأميركي في شهر تموز من ذلك العام وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب لتولي قيادة لبنان.
فؤاد شهاب كان رجل مؤسسات، وقد بدأ يرسخ الدولة على أسس حديثة مستقاة من المنهج الإصلاحي الفرنسي، وهو حافظ على الهدوء بين اللبنانيين عن سبيل تطوير الثقة مع الحكم المصري الذي كان تمدد إلى سوريا ما بين العامين 1958 و1961 تاريخ الانفصال. ولا شك في أن انشغال عبد الناصر بالشأن السوري أبعده عن التدخل في لبنان خلال العهد الشهابي، خصوصا وأن الثقة استمرت بين الرجلين.
الفترة ما بين 1952 تاريخ انتخاب الرئيس شمعون، وأواسط الستينات أي بعد انتهاء رئاسة الرئيس شهاب وقبيل بدء الصدامات مع الفلسطينيين، كانت الفترة الذهبية في نمو لبنان الحديث.
خلال تلك الفترة أصبحت بيروت المركز التجاري والمالي الأهم في المنطقة، واكتسب النقد اللبناني مناعة وقوة، وارتفعت احتياطات لبنان من الذهب، وتأسس المصرف المركزي، والكثير من أجهزة الرقابة واكتسب لبنان صفة الدولة الحديثة، واستطاع خريجو الجامعات الانضمام إلى المؤسسات الناجحة.
إذا نظرنا اليوم إلى وضعنا المتأزم اقتصادياً إلى حد أقل من التأزم السياسي، ماذا نرى بالمقارنة مع الفترات الثلاث المشار إليها من الازدهار في بيروت ولبنان؟
العنصر الوحيد المفقود هو السلطة الفاعلة والمنزهة لتكون هي الرابط بين مصالح اللبنانيين. هذه السلطة ما دامت غائبة قد تحول دون نجاحنا في التغلب على الأوضاع الخانقة، ولنا من التاريخ القديم والحديث دروس.

بقلم: مروان اسكندر – النهار 27 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق