الأربعاء، 11 مايو، 2011

ثرواتنا في خطر. قبرص تبلغ لبنان: لن أنتظر إلى ما لا نهاية قبل البدء باستخراج النفط

المراوحة المضرة بمصالح لبنان الاقتصادية هي التوصيف الأنسب لحالة لبنان في ما خصّ ترسيمه لحدود منطقته الاقتصادية الخالصة التي لا تزال مجتزأة في اتفاق غير مبرم مع قبرص وغير مرسّمة مع إسرائيل فيما الكلام عن هذا الموضوع مع سوريا مؤجل. وكلّما توالت اجتماعات الخبراء تبدّت تفاصيل جديدة تبرز بالبراهين الدامغة مدى التقصير اللبناني العام في ملف ثروة الغاز والنفط التي ستسلب منه حتما إذا استمر التعاطي السياسي اللبناني الحالي بعيدا من آراء المتخصصين وخصوصا في القانون الدولي والأهم من دون وجود قرار سياسي بالسير بهذا الملف إلى النهاية.

آخر الاجتماعات المتخصصة عقد في بداية هذا الشهر في جنيف، بدعوة من «الجمعية السويسرية للحوار الأوروبي العربي الإسلامي» التي يرأسها حسان غزيري. وقد سبق لهذه الجمعية غير الحكومية التي مولت جزءاً من نشاطها الأخير وزارة الخارجية السويسرية، أن عقدت اجتماعاً يختص بالحدود البحرية اللبنانية عام 2010 شاركت فيه 10 شخصيات لبنانية، وبرزت آنذاك حاجة للتعمق بالموضوع، ما حدا متابعته أخيرا في ورشة عمل عقدت يومي 2 و3 أيار في فندق «فارفيك» في جنيف وتناولت حقوق لبنان بالنفط وبالموارد الطبيعية في البحار لا سيما في المناطق المتلاصقة مع إسرائيل وسوريا وقبرص.


اكتسى لقاء المتابعة السويسري، أهميته في الشكل أولا، إذ جمع باقة من الشخصيات اللبنانية الممثلة لرئاسة الجمهورية ولرئاسة حكومة تصريف الأعمال وكذلك للرئيس المكلف نجيب ميقاتي، ولمجلس النواب ولقيادة الجيش ووزارة الخارجية وبعثة لبنان الدائمة في الأمم المتحدة في جنيف، إلى ممثل عن مكتب الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في بيروت وجمعيات أهلية سويسرية وخبراء أجانب متخصصين في القانون الدولي العام، وقاض في المحكمة الدولية لقانون البحار ونواب من البرلمان الأوروبي ومحاضرين في قانون البحار في جامعات أوروبية ومتخصصين في الأمم المتحدة. وكان لافتا للانتباه غياب ممثل وزارة الأشغال اللبنانية وسط هذا الحشد من المتخصصين إذ اعتذر الشخص المعني في اللحظة الأخيرة، ما ترك ثغرة كون جميع الحاضرين اللبنانيين في اجتماع جنيف لم يكونوا على دراية بتفاصيل المفاوضات مع قبرص التي تولتها وزارة الأشغال.

قبرص لن تنتظر لبنان

في هذا الاجتماع شرح الخبراء الأجانب للبنانيين المشاركين حقوق لبنان وواجباته عملا بأحكام قانون البحار، وذلك لكي يتمكن هؤلاء من التفاوض في هذا الملف بخلفية قانونية عن السوابق لمقررات صادرة عن المحاكم الدولية ومحاكم التحكيم الدولية حول آليات ومبادئ ترسيم الحدود بين الدول، وتطرق البحث إلى القوانين التي ترعى استثمار الموارد الطبيعية عند وجود آبار مشتركة، وكان كلام مهم عن الاتفاق اللبناني القبرصي الذي لم يبرم بعد. ولفت الخبراء الأجانب نظر الجانب اللبناني حول ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة والسريعة للحفاظ على مصالحه مع قبرص في الآبار المشتركة لا سيما وان قبرص قد أبلغت لبنان بأنها لن تنتظر إلى ما لا نهاية قبل البدء باستخراج النفط، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على حقوق لبنان وحصته في الآبار المشتركة.

وأشار الخبراء إلى أن الحدود الجنوبية الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان والتي أودعت لدى الأمم المتحدة تقع ضمن نطاق خط الوسط المتفق عليه بين إسرائيل وقبرص، واقترح الخبراء أن يقوم لبنان بأسرع وقت ممكن باتخاذ التدابير القانونية والدبلوماسية حفاظا على حقوقه أقله بالاعتراض على ما شمله اتفاق قبرص وإسرائيل. ولفت الخبراء الانتباه إلى أنه من غير السهل إعادة النظر بخط الحدود الذي أودعه لبنان لدى الأمم المتحدة، غير أنه إذا تبيّن وجود خطأ، على لبنان اتخاذ التدابير اللازمة وبأسرع وقت لتعديل الخطّ مدعّما بجميع الحجج القانونية والتقنية اللازمة.

غياب مدّو للتشريعات اللبنانية

أما النقطة المهمة والمفصلية في هذا الملف فتتعلق بالتشريعات، وقد اكتشف المجتمعون اللبنانيون أن على لبنان الإعلان عن مناطقه البحرية بعد إصدار التشريعات اللازمة، وأن لا قيمة لإيداع لبنان بعض نقاط حدود منطقته الاقتصادية الخالصة لدى الأمم المتحدة في غياب تشريعات وطنية حول الموضوع. تشريعيا أيضا، على لبنان اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع إسرائيل أو قبرص من البدء بالتنقيب والاستثمار من طرف واحد.

علما أن لا تشريعات بحرية لبنانية باستثناء مرسوم اشتراعي صادر عن مجلس الوزراء عام 1983 يحدد المياه الإقليمية للبنان بعمق 12 ميلا عن الشاطئ، غير أنه لا توجد تشريعات أخرى تحدّد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وترعى ممارسة لبنان لسيادته عليها وتنظم الحركة فيها. وغياب أية تشريعات بحرية يتناقض مع موقع لبنان كطرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار منذ عام 1993 والتي تنص على ضرورة اتخاذ لبنان سلسلة من التشريعات المحلية بغية تطبيق أحكام الاتفاقية، غير أن الدولة اللبنانية لم تصدر أية تشريعات لحينه.

وتطرق الاجتماع إلى الوسائل المختلفة لحل النزاعات بالوسائل السلمية، وبرز رأي يتوقع نزاعا وشيكا مع إسرائيل التي ستباشر قريبا باستخراج النفط من البحر، وخصوصا من حقل «لفيتان» الذي من المحتمل أن يكون ممتدّا داخل ما قد تكون منطقة لبنان الاقتصادية الخالصة. وفي هذا الخصوص اقترح الخبراء الأجانب أن يتفق لبنان مع الدول المجاورة الصديقة حول خطوط الوسط البحرية لتدعيم موقف لبنان تجاه إسرائيل، كما نصح هؤلاء لبنان بالاستعداد لمواجهة حالات حقول نفط مشتركة مع سوريا وقبرص، مع احتمال ادعاءات مصالح لتركيا واليونان. أما في حال تقرر لجوء لبنان إلى التحكيم فعلى لبنان أن يحرص على انتقاء رئيس المحكمة التحكيمية لأن القرار الأخير والنهائي يعود له.

وطرح المجتمعون موضوع ولاية «اليونيفيل» في عملية الترسيم مع إسرائيل، فكانت وجهة نظر الخبراء الأجانب أنه قد لا يكون للأمين العام للأمم المتحدة صلاحية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، سيما وأن الترسيم يتم بالاتفاق بين الطرفين المعنيين، وقال هؤلاء أن للأمم المتحدة دورا فاعلا وعليها واجب التدخل حفاظا على السلم والاستقرار في المنطقة، غير أنه على لبنان التوجّه لمجلس الأمن وبعده للجمعية العامة للأمم المتحدة لطلب التدخل عوض التوجّه للأمين العام الذي قد لا يكون مخوّلا اتخاذ تدابير عملية دون تفويض من مجلس الأمن أو الجمعية العامّة.

هذا الاجتماع الذي تقرر أن يبقى سرّيا ما لبثت أن كتبت عنه الصحف السويسرية، وقد نصح الخبراء الأجانب الحاضرين بضرورة أن يستند أي تصريح لأي مسؤول لبناني في هذا الشأن على أسس قانونية ثابتة تلافيا لأية تداعيات قانونية مستقبلا، وقد انبثقت عن الاجتماع مجموعة توصيات أبرزها: ضرورة التأكد من صوابية إحداثيات الحدود الجنوبية والجنوبية - الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان والتي جرى إيداعها جانب الأمانة العامة للأمم المتحدة، وضع تشريعات ترعى المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان مع التأكيد على أن إدارة هذه المنطقة تستند إلى مبادئ القانون الدولي، الاعتراض على الاتفاق الموقع ما بين قبرص وإسرائيل، خاصة في ما يتعلق بالنقطة الثلاثية التي تمثل نقطة الحدود المشتركة ما بين المناطق الاقتصادية الخالصة العائدة لكل من لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة والتي تمثل اعتداء على حقوق لبنان السيادية، إبرام البروتوكول البحري لعام 1994، البدء بمسعى رسمي استباقي يسبق بدء إسرائيل باستغلال موارد الغاز والنفط المتواجدة في عرض البحر، وذلك عن طريق الاستناد إلى المادتين 34 و35 من ميثاق الأمم المتحدة اللتين تقضيان بإمكانية لفت انتباه مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مسألة خلافية أو إلى وضع يفضي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، النظر في إمكانية التفاوض مع قبرص حول مسودة اتفاقية للإدارة المشتركة للموارد الطبيعية التي تمتد ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة على حدة لكلّ من البلدين، وإنشاء لجنة وطنية للتنسيق ما بين الإدارات المعنية كافة حول المسائل المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان.

مارلين خليفة – السفير 11 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق