السبت، 14 مايو، 2011

يتبعون "مسلكاً دقيقاً" في تدرجهم وتنشئتهم تتم في الخلوات والمجالس ... الأَجاويد رجال طائفة الموحدين الدروز الأشدّاء... حرّاس أسرار "التوحيد"

صورة
ثلاثة أجيال. (و ص ف)

لقبهم الأجاويد. لغويًا، مفرد الأجاويد هو الجُوَيِّد، أي تصغير "الجَيِّد". ودينيا، هم العُقَّال، مشايخ طائفة الموحدين الدروز، على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم، المؤتمنون على شؤون الطائفة، دينيًا واجتماعيًا، وعلى حياتها واستمرارها، وحرّاس "أسرارها"... من اجل "التوحيد" يعيشون، وبه ينمون ويكبرون، محققين الخطوة تلو الخطوة في بلوغ المعرفة. "التوحيد ممارسة يومية، في كل ساعة وآن"، يقول قاضي مذهب محكمة بعقلين الدرزية الشيخ فؤاد البعيني لـ"النهار". "وهو يشمل كل شيء، ويدخل كل الأديان". ووحدهم الأجاويد سعيدو الحظ ليسبروا شيئا فشيئا عوالمه الواسعة، في مسيرة قد تستغرق حياة بكاملها. من هم الأجاويد في مجتمع الموحّدين الدروز؟ وكيف تتم تنشئتهم؟ وأين؟


"لا يعد مذهب التوحيد لدى الدروز تبشيريا"، يشرح البعيني. "وبالتالي يبقى الباب مفتوحاً أمام كل موحّد درزي كي يطرقه، ضمن شروط وإجراءات شديدة الصرامة، مرنة المسلك، ويفتح له، ليصبح شيخاً". ووفقا للشرع التوحيدي الدرزي، على المريد، "أي الراغب في الالتزام الديني، أن يتبع مسلكا دقيقا يأتمر فيه بأوامر، وينتهي بنواهٍ تبعده كلياً من المنكر والمحرمّ - فالمنكر محرّم في التوحيد - وتفرض عليه القيام بالفرض والواجب".
الطريق واضحة المسلك. فمن يرنو إلى أن يصبح شيخًا يتوجه، على قول البعيني، إلى "إخوانه المشايخ الذين سبقوه إلى الالتزام، بطلب رغبته هذه، ليدرجوه في ذلك في مهلة زمنية، تقصر أو تطول، وفق ما يحددها شيخه الذي يراقب تجاوبه بابتعاده من المحرمات والمنكرات، والتزامه الأوامر التي في مقدمها الأركان الخمسة، والصدق في كل شيء، انطلاقاً من مسلمة: لا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك.
وخلال مدة مراقبة وتوجيه من الشيخ لمسلكه وطريقة تعاطيه مع مجتمعه، وخصوصاً ابتعاده من المحرمات والمنكرات وقيامه بالواجب والفرض الديني، يلتحق كمبتدئ في حلقات المشايخ. فالشيخ هو: مريد – مبتدئ - فشيخ ملتزم".

تدرج في الدروس و4 مراتب

وكما يتدرج الشاب الموحد الدرزي في مسيرته الدينية ليصير شيخا - جويدا، يتدرج أيضا في الدروس التي يخضع لها من البداية إلى النهاية. ويقول البعيني: "في البداية، يتدرج في معرفة تقوى الله والخصال الحميدة التي عليه إتباعها وما عليه الابتعاد منها، ومن ثمّ دراسته آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وسير الأئمة ومسالكهم والاقتداء بهم".
للأجاويد مراتب ودرجات بحكم معارفهم الروحية وتضلعهم في الدين. ويحدد البعيني أربعا، "الأولى العليا (المرجعية العليا)، وتتمثل في مشايخ يعتمرون ما يعرف بالعمامة المدورة المكولسة، وهم محدودو العدد (ثلاثة أو أربعة في كل لبنان). الثانية مرتبة من بلغوا درجة العارفين الأتقياء الذين يعيشون في خلواتهم، ويقومون غالب وقتهم بالوعظ والرشد وتقديم المعرفة إلى الناس والمشايخ والمريدين ممن هم في المراتب الأقل، وخصوصاً المريدين الذين يتدرجون كي يصبحوا مشايخ دين. الثالثة المرتبة العامة من المشايخ، والرابعة مرتبة المريدين الذين لم يصبحوا بعد مشايخ".

ما بين الخلوات والمجالس

تنشئة المشايخ – الأجاويد مسيرة طويلة، شاقة، ودؤوبة. تبدأ منذ الصغر، خصوصا في بيوت المشايخ الذين "من واجبهم تربية أبنائهم على الدين"، على ما يفيد البعيني. "والأبناء يكونون مريدين حتى الخامسة عشرة، وفي الخامسة عشرة يختارون إما إكمال المسيرة أو تركها. ويتم تمييزهم بقلنسوة صغيرة بيضاء يضعونها على رؤوسهم". كذلك، يمكن أن يكون المريد أيضا أي رجل موحد درزي بالغ، في أي عمر، يبدي رغبة في تسلم دينه.
والتنشئة تكون في "أي مكان يجتمع فيه الموحدون، وخصوصاً في خلواتهم ومجالسهم"، على قوله. "وتتم بتعليم الواعظ الشيخ المسؤول للمريدين والمبتدئين شؤون مسلكهم أينما كان وكيف كان الموحدون. وهو ما يعرف عندهم بالمذاكرة التي تتناول مختلف النواحي الدينية: الفكرية، سير الصالحين، آيات الكتاب وأسباب النزول، أحاديث الرسول، وحتى النواحي الفلسفية ...".
في الخلوات، "يختلي كل شيخ – جويد بنفسه مع الله"، بعيدا من الناس والضوضاء، حيث يمكنه حفظ كتب الحكمة، وإحياء الفروض الدينية، وتعلم قواعد السلوك الورع. و"لا تخلو بلدة درزية من خلوة"، وأشهر الخلوات: خلوات البياضة- حاصبيا، خلوات القطالب قرب المختارة، خلوات الزنبقية قرب كفرنبرخ، خلوات العبادية... وللخلوة "سايس" يسمي نفسه "خادمًا"، وهو الذي يدير شؤونها الدينية. وماذا عن التمويل؟ يجيب البعيني: "لا حاجة إلى مصروف كبير. وهناك عادة جميلة عند الموحدين الدروز تقضي بتخصيص مبالغ مالية في المآتم للخلوات والمجالس عن روح الميت".
والمجلس، كالخلوات، يدير شؤونه "سايس"، وقد يكون هناك "أكثر من واحد" في بلدة درزية. وهو مكان التقاء المشايخ للمذاكرة، وينعقد كل مساء خميس، أو "ليلة الجمعة" كما يقال عند الموحدين الدروز، وأيضا مساء الأحد. "أي درزي لم يتسلم دينه بعد يمكن أن يدخله خلال الوعظ فقط، ثم عليه أن يخرج. وفي هذه الفترة، لا يتشارك المشايخ في أسرار الدين. كذلك، يحضر المريد المجلس لمرحلة معينة، ثم يخرج. كذلك الأمر بالنسبة إلى مشايخ من رتبة ثانية. ولا يبقى حتى انتهاء الاجتماع إلا مشايخ المرتبة الأولى".
والى جانب الخلوات والمجالس، يلفت أيضا البعيني إلى "مدارس منهجية تدرّس التربية التوحيدية ضمن منهج تربوي حديث، كمدارس مؤسسة العرفان التوحيدية المنتشرة في كل المناطق الدرزية، مدارس الإشراق في مدينة عاليه، ومدارس أخرى في مدينة الشويفات وقضاء حاصبيا وراشيا".
والسؤال عن اهتمام مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز بتنشئة المشايخ يجيب عنه البعيني بالإشارة إلى أن "للطائفة قانوناً حديثاً صدر العام 2006 ينظم شؤونها، ولها شيخ عقل ومجلس مذهبي له إدارته ولجانه، ضمنها لجان دينية وثقافية واجتماعية من صلب اهتمامها القيام بهذه التنشئة".

"آلاف مجموعة متلاحمة"

يبلغ عدد الموحدين الدروز في لبنان نحو 400 ألف، لهم شيخ عقل بموجب قانون الطائفة، ولهم أيضا مرجعية دينية عليا تتمثل في "المشايخ المعتمرين العمامات المكولسة المستديرة، والذين لا يزيد عددهم في لبنان عن أصابع اليد"، يشرح البعيني. وحتى اليوم، "لا إحصاء دقيقا عن عدد المشايخ - الأجاويد"، على قوله، لكنه يقدّر انه لا يتجاوز الـ 10 آلاف. والآلاف "مجموعة متلاحمة، وان كان هناك هامش ضيق بين التشديد والتسهيل الديني. لماذا؟ لأن مذهب التوحيد ليس تبشيريا".
وفي المجتمع الدرزي، يضطلع الشيخ - الجويد بدور مهم، طليعي، لا سيما على المستويين الديني والاجتماعي. ويقول البعيني إن "على الشيخ في المجتمع التوحيدي الدرزي أولاً أن يصلح ذاته، كي يصلح المجتمع. من هنا نرى مشايخ - أجاويد كثيرين يولدون، ويعيشون، ويموتون بعيداً من الناس، لأنهم يعتبرون أنه بمعرفة الذات وإصلاحها، يصلح المجتمع". ويتدارك: "الدور الديني للمشايخ-الأجاويد لا ينفصل عن دورهم الاجتماعي، إذ يكفي أن يبدوا امتعاضهم ليأخذ المجتمع بتوجههم من دون زجر ولا عنف. كذلك يبتعدون من كل ما يكدر حياتهم الروحية، ولا يتدخلون في السياسة. ولكن بالتأكيد لهم تأثير كبير على المستوى الاجتماعي بهيبتهم، فيكفي أن يقاطعوا مناسبة ما أو ألا يشاركوا فيها ليترك ذلك أثرا على العامة. أما الأمور المدنية، فيبتعدون منها".
وبقدر ما يتميز المشايخ بالمكانة والاحترام والهيبة في مجتمعهم، فان لباسهم يضفي أيضا عليهم إطلالة خاصة. "أصلا، لباسهم القنباز"، يشرح البعيني. "والقنباز عبارة عن جبّة. وقد اختارها للموحدين الدروز الشيخ الفاضل عندهم قبل نحو 300 عام. وكان يحبها بيضاء، رمزا للطهارة والنظافة". وسبب اعتماد العديد "الشروال" الأسود حاليا أمر لا يزال يحيّر أبناء المذهب الذين يجد بعضهم انه ادخل على مجتمعهم على مرّ العقود. "المرجعيات الكبيرة لا ترتدي الشروال، بل القنباز. ونجد عادة ارتداء الشروال عند المرتبة العامة من المشايخ"، يقول. أما "العباءة المقلمة بالأبيض والأسود في شكل مستطيل"، فتدل على أن لمرتديها "مقاما عاليا"، وتبقى العباءة الحمراء "للتقشف". وفي كل ذلك، يحرص الأجاويد في إطلالتهم على بساطة اللباس، وعلى حسن السلوك والكلام، والاقتداء بالقواعد الخاصة المتعلقة بمختلف جوانب العيش اليومي والحياة، بما يعكس تنشئتهم الروحية والفكرية.
والحديث عن المستوى الديني والفكري والعلمي الذي يتمتعون به يستتبعه تأكيد البعيني أنه "شهد، كما لدى المذاهب الإسلامية الأخرى، نهضات وقفزات إلى الأعلى على جميع الصعد". ويبقى الطموح ما يحدده بـ "استكمال العمل لقيام مؤسسة البحوث التوحيدية التي تتلاقى مع مؤسسات البحوث في المذاهب الإسلامية الشقيقة ومؤسسات البحوث الدينية الأخرى، وخصوصاً المسيحية منها".

كتبت هالة حمصي - النهار 12 آب 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق