الأربعاء، 25 مايو، 2011

خطاب الهلع

بكل تأكيد سينشغل العرب والفلسطينيون بتفنيد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الكونغرس الأميركي، والذي كان مليئا بالمغالطات، ويعتبر إفسادا لجهود السلام، لكن يجب أن يتنبه العرب والفلسطينيون لأمر مهم في خطاب نتنياهو، وهي كالتالي:

خطاب نتنياهو، الذي استمر 15 دقيقة، وصفق له فيه أعضاء الكونغرس 26 مرة، لم يكن إلا خطاب هلع! فمن تابع الصحافة الإسرائيلية مؤخرا، ومنذ اندلاع الثورات والانتفاضات العربية، يجد أنها تتحدث عن ضرورة إطلاق استراتيجية إسرائيلية جديدة للتعامل مع الغرب، وأميركا تحديدا، حيث إن الصورة التي بدأت تترسخ في الغرب عن العرب الآن هي أنهم تواقون للديمقراطية وحقوق الإنسان، ويريدون الحياة المدنية بمفهومها العالمي، وهذا الأمر يشكل خطرا على الإسرائيليين الذين طالما سوقوا أنفسهم للغرب وأميركا على أنهم هم الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، واليوم بدأت هذه الصورة تختل في عين الغرب، وسيكون لاختلالها تداعيات كثيرة على إسرائيل.

وزاد قلق الإسرائيليين أكثر بعد خطاب أوباما الأخير للعرب، وتجددت الدعوات في إسرائيل إلى ضرورة تبني استراتيجية إسرائيلية جديدة في التعامل مع أميركا والغرب مفادها - وبحسب ما نشر بالصحافة الإسرائيلية - أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وهي الدولة الوحيدة القوية من ناحية نظام الحكم والمؤسسات، وأنه لا أزمات طائفية داخل إسرائيل، أو دينية، على غرار ما يحدث في مصر وسوريا والعراق، ولبنان، وهكذا. وهذا ما فعله نتنياهو في خطابه المليء بالمغالطات أمام الكونغرس، حيث قال إن بلاده تعد الديمقراطية الوحيدة، وإنها دولة مبنية وقوية وليست بحاجة إلى خطة مساعدات لإعادة البناء، وإن بلاده هي الصديق الحقيقي للأميركيين، والأنجح اقتصاديا، وإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يتمتع مواطنوها بحقوق الإنسان، وحرية الإعلام، وليس كالعرب الساعين الآن لكل ذلك. وملخص ما أراد أن يقوله نتنياهو للأميركيين إنه لا يغرنكم العرب، ولا تنبهروا بهم، فنحن الأقوى ونحن حلفاؤكم.

هذه هي الرسالة التي أراد نتنياهو إيصالها للأميركيين، واستخدم من أجل ذلك مغالطات كثيرة، وكبيرة، بل إن خطابه - وكما قال أحد مذيعي شبكة «سي إن إن» - كان عبارة عن «مطالب وشروط»، حيث استجدى نتنياهو الأميركيين كي يحولوا دون وصول إيران للسلاح النووي، وشكرهم على الدعم المالي رغم الظروف الاقتصادية، وطالبهم بمنع الفلسطينيين من الوصول لدولتهم الحلم عبر الأمم المتحدة، أي إن نتنياهو يقول للأميركيين: ساعدوا إسرائيل، على عكس حديثه عن قوة بلاده واستقلاليتها!

الأمر الآخر أن نتنياهو يريد القول للأميركيين: نحن الوحيدون الذين نشبهكم في المنطقة. وعلى الأميركيين هنا أن يسألوا أنفسهم جيدا: كيف لدولة تريد أن تعيش بين 400 مليون عربي وعربية أن تستمر وهي لا تشبههم، بل تريد أن تشبه أميركا، كيف يكون ذلك وأوروبا نفسها لا تشبه أميركا؟

لذا، يجب على الفلسطينيين والعرب عدم الوقوع في فخ نتنياهو، فخطابه خطاب هلع، من صورة العرب الجديدة، ومن توافر تعاطف أكبر للقضية الفلسطينية اليوم في الغرب، وأكثر من أي وقت مضى، وأن نتنياهو لا يعتمد على قوة إسرائيل لترويج مواقفها، بل على ضعف العرب، وتدهور أوضاعهم، وهذه هي المعضلة.

طارق الحميد – الشرق الأوسط 25 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق