الأربعاء، 25 مايو، 2011

لعنة لبنانية

نداءات الاستغاثة الآتية من سوريا تستحق وقفة. هي تكاد تصدر عن الجميع، موالين للنظام ومعارضين له، لا يلتقون اليوم إلا على فكرة واحدة هي المطالبة بأن يكف الحلفاء اللبنانيون عنهم، ويمتنعوا عن التبرع في شرح مواقفهم وتحليل أفكارهم ودعم خطواتهم، ويمنحوهم فرصة وجيزة لالتقاط أنفاسهم والتفكير في طريقة تدبر أمورهم من دون ذلك التدخل اللبناني الفظ في شؤونهم الداخلية، ومن دون تلك الوصاية الخفية على رموزهم الرسمية والشعبية.

كأنهم يطلبون الرحمة من اللبنانيين الذين يجلدون سوريا، بجناحيها الحاكم والثائر، بسيل من الآراء والنصائح التي لا تحتمل، والذين انتقلوا فجأة من دور الإنشاد لحكمة النظام ونبوغه وعبقريته إلى دور الإرشاد لسبل نجاته من المأزق الحالي، من دون أن يعرفوا أسراره وخباياه وكوابيسه، أو الذين ركبوا موجة الثورة وباتوا يتصرفون كأنهم أوصياء عليها... حتى من دون أن يعرفوا أسماء الأحزاب والتيارات والشخصيات الثائرة.

هي من سخريات القدر السوري أن يكون اللبنانيون بالذات هم في موقع النصح للنظام حول أشكال التغيير والإصلاح، أو في موقع الموجه للثورة السورية وأفضل السبل لنجاحها. هي من اشد مظاهر الخبث والنفاق اللبناني، كما هي من ابرز معالم الانحطاط السوري: أن يكون لبنان نموذجا ومثالا، في الوقت الذي كان ولا يزال يمثل عيبا، ولا يصح أن يسمى وطنا أو مجتمعا أو دولة إلا بكثير من الافتراء على الحقيقة... ولا يمكن أن ينسب فشله فقط إلى حقبة الهيمنة السورية السيئة الذكر.

ثمة خوف لبناني مشروع على سوريا ونظامها من جهة وشعبها من جهة أخرى، لكنه لا يفسر أبدا ذلك الموقف التوجيهي الذي يتخذه أي لبناني، مهما كانت ولاءاته الاستخباراتية لدمشق أو لغيرها من «عواصم القرار» التي يعشقها اللبنانيون، كلما فتح نقاش حول الأزمة السورية... وثمة إجماع حاسم على أن الوجوه اللبنانية التي تطل على التلفزيون السوري وتكاد تحتكر برامجه الحوارية، تلحق اشد الأذى بالنظام الذي تجاهد للدفاع عنه، كما أن الوجوه اللبنانية التي تطل على بقية الشاشات المنافسة تلحق ضررا فادحا بالمعارضة التي تكافح لنصرتها ومساندتها.

لا يمكن مطالبة أحد من اللبنانيين بالحياد أو على الأقل بالتواضع إزاء الأزمة السورية، بل فقط بالاستماع إلى الأصوات المنادية بترك السوريين يعالجون بأنفسهم أوضاعهم البائسة، وبعدم استيراد تلك الأزمة إلى لبنان، ما يمكن أن يطيل أمدها ويزيد خطرها على الشعبين والبلدين والنظامين معا، اللذين لا يزالان يتصرفان كأنهما في مسار ومصير واحد، مع أن المسافة بينهما تتسع يوما بعد يوم، وتؤجل اللقاء الطبيعي بينهما إلى موعد بعيد.

لعنة لبنان، التي ساهمت سوريا ـ النظام على مدى أربعة عقود أو أكثر في تكوينها، هي الآن تلاحق الأشقاء السوريين، الموالين والمعارضين على حد سواء، وتهددهم باللبننة التي كانت حتى الأمس القريب، أحد أهم محرماتهم وشروط استقرارهم، فإذا هي اليوم احد أسوأ أقدارهم... ولا يجوز معها سوى طلب الرحمة.

ساطع نور الدين - السفير - الاربعاء, أيار 25, 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق