الاثنين، 9 مايو، 2011

شيطان بولجاكوف (بولغاغوف) يعود إلى موسكو

شيطان بولجاكوف (بولغاغوف) يعود إلى موسكو

عادت شخصيات رواية "المعلم ومارغَريتا" التي كتبها ميخائيل بولجاكوف إلى الحياة الروسية بقوة مجدداً، عاد الشيطان (فولند) وحاشيته المؤلفة من مساعديه (كوروفييف) و(إزرايللو) والقطّ (بيغيموت) ووصيفته العارية (غيلا) إلى موسكو في الأيام العشرة الأخيرة من العام المنصرم - 2005 مع المسلسل التليفزيوني المأخوذ عن رواية "المعلم ومارغريتا" للأديب الروسي الكبير ميخائيل بولجاكوف (1891 - 1940)، هذا المسلسل الذي اكتسح كافة الأرقام القياسية السابقة في نسبة المشاهدين مسجِّلاً 60% وهي أعلى نسبة حضور حققها مسلسل روائي كلاسيكي حتى الآن. وكان مخرج هذا المسلسل، فلاديمير بورتـكو، قد قدم للتليفزيون في العام الماضي مسلسلاً مأخوذاً عن رواية دوستويفسكي الشهيرة (الأبله)، حقق هو الآخر رقماً غير مسبوق في نسبة المشاهدين الأمر الذي وصفه أحد النقاد بأنه تحطيم للخرافة السائدة التي يزعم أصحابها أن الجمهور الروسي الحالي غير مؤهل لتقبل الأفلام الجدية الصعبة، بعد أن أفسدتْ سنوات الانهيار الثقافي والسياسي ذوقه وفرَّختْ جيلاً جديدا لا يريد –على حد زعمهم- إلا الفرفشة وزغزغة البطون!

عاد شيطان بولجاكوف إلى موسكو هذه المرة لا لكي يتعرف على حياة أهلها، كما فعل في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي - حسب الرواية - ويرى إن كانوا قد تغيروا أم لا ( في تورية حاذقة من الكاتب في ذلك الزمن الستاليني القاسي، حيث لم يكن من الممكن أن يقول إنه لم يحدث تغيير في طبيعة الناس السوفييت وأخلاقياتهم رغم الثورة)، .وإنما عاد الشيطان المتقمص شخص البروفيسور فولند، المتخصِّص في السحر الأسود، لكي يحقق –أخيراً- أمنية طالما راودتْ السينمائيين والمشاهدين معاً، بأن يروا أبطال روايتهم المحبَّبة "المعلم ومارجريتا" يتحركون أمامهم ويجسِّدون ما طاف بخيالهم طوال السنوات الأربعين التي مرت منذ صدور هذه الرواية الخرافية، التي اشتهرت فور صدورها وأعيدت طباعتها وترجمتها أكثر من مائة مرة في خمسة وعشرين بلدا، وقال عنها الأديب الكبير جابرييل جارسيا ماركيز إنها أبرز روايات القرن العشرين.


ثمن الجرأة

ارتبط اسم ميخائيل بولجاكوف بـرواية "المعلم ومرجريتا" ارتباطاً قوياً عمَّدته وحدة المصير المأساوي للكاتب وروايته التي لم تر النور إلا بعد وفاة مؤلفها بربع قرن. وظَلَّ بولجاكوف يغزل نسيجها المرهف على مدى اثني عشر عاما (من1928 إلى 1940) فوضع النقطة الأخيرة فيها قبل وفاته بأيام قليلة.. و كان، في ثورة مرارته ويأسه، قد ألقى بمخطوطتها إلى النار، ثم أعاد كتابتها كاملة من الذاكرة! كان يدرك تمام الإدراك أن السلطات لن تسمح بنشرها بأي حال من الأحوال. ففي ذلك الوقت كانت مسرحياته - الأقـل خطورةً منها - قد مُنعتْ من العرض، كما منع من النشر كثير من رواياته وقصصه، وشنَّتْ عليه الصحافة الأدبية والسياسية هجوماً مدمِّراً، وطورد في رزقه فلم يعد أمامه خيار إلا الهجرة. وحتى الهجرة كانت ممنوعة عليه! لكنه واصل كتابة "المعلم ومارجريتا" بصورة محمومة، وهو يعرف كطبيب أن أيامه معدودة في صراعه المحسوم مع التصلُّب الكلوي. وترك بولجاكوف الكتابة في روايته الأخرى (رواية مسرحية) لكي ينجز العمل الأهم في حياته، والذي كان يدرك بحس الفنان، أنه هو الأثر الباقي الذي سيخلِّده .

منذ البداية تميز بولجاكوف عن أدباء تلك المرحلة الصعبة التي أعقبت ثورة البلاشفة والحرب الأهلية البشعة في روسيا بنظرته الخاصة إلى الأحداث، نظرة لم يحاول إخفاءها أو التنازل عنها حتى في أشد المواقف حرجاً في حياته. وقد عبَّر عن تلك النظرة أروع وأجرأ تعبير-إلى جانب مؤلفاته- في الرسالة المفتوحة التي كتبها إلى حكومة الاتحاد السوفييتي، ومن قبلها إلى ستالين شخصياً مطالباً بالسماح له بالهجرة بعد أن ضُيِّق عليه الخناق ومُنعتْ مسرحياته من العرض وكتبه من النشر وسُدَّتْ في وجهه كل سبل الرزق. عبَّر عن هذه النظرة أيضاً في محضر التحقيق الذي أجرتْه معه أجهزة الأمن السياسي في موسكو استجابة للاتهامات التي أُطلِقتْ ضدَّه ووصفته بأنه عدوٌ للثورة. سأله محقق المباحث المدعوم بكل جبروت الدولة البوليسية التي كانت تبطش آنذاك بمعارضيها السياسيين دون هوادة: "لماذا لا تكتب عن العمال والفلاحين عماد الثورة، وتصر على الكتابة عن المثقفين فقط ؟" فأجابه بولجاكوف دون تردد: "إنني لا أستطيع الكتابة في الموضوعات الفلاحية لأنني لا أحب الريف، الذي يبدو لى أكثر كولاكية مما يُظَنّ ..!" (الكولاك كلمة كانت تعني آنذاك أغنياء الفلاحين الشديدي التمسك بمزارعهم والذين أبدوا ضراوة في مقاومة البلاشفة فنكَّلت الثورة بهم أشد تـنكيل). وأضاف بولجاكوف للمحقق: "ومن الصعب علي أن أكتب عن حياة العمال، ورغم أن معرفتي بحياة العمال أفضل بكثير من معرفتي بحياة الفلاحين، إلا أنني مع ذلك لا أعرفها جيدا، كما أنني لا أهتم بهم كثيراً، وهاكم السبب: إنني مشغول. إنني أهتم كثيرا بحياة الإنتلجنسيا الروسية، وأحبها، وأعتبرها، رغم ضعفها، شريحة هامة للغاية في بلادنا. ومصائرها قريبة إلى قلبي، ومعاناتها عزيزة علي. وعليه فإنني لا أستطيع أن أكتب إلا عن حياة الإنتلجنسيا في بلاد السوفييت، غير أن لعقلي تركيبة هجائية ساخرة. ومِن سِنِّ قلمي تخرج كما يبدو أعمال تسيء أحيانا إلى أوساط الرأي العام الشيوعية. إنني أكتب دائماً من وحي ضميري وحسب ما أراه. وظواهر الحياة السلبية في بلاد السوفييت تشدُّ انتباهي بقوة لأنني أرى فيها بالغريزة مادة وفيرة لغذائي ( فأنا هجاء)".

ألا يذكِّرنا هذا الموقف الجسور لبولجاكوف بموقف بطله في رواية "قلب كلب"، أي البروفيسور بريابروجينسكي عندما جاءه ممثلو البروليتاريا الحاكمة في روسيا السوفييتية يطالبونه بالتبرع للأطفال الأيتام في ألمانيا فرفض! وعندما تحدوه بالسؤال الذي ظنوا أنه سيفحمه: وإذن فأنت لا تحب البروليتاريا؟ أجابهم بكل بساطة: نعم، أنا لا أحب البروليتاريا!. وجدير بالملاحظة أن المجاعة كانت تعربد حينذاك في أنحاء روسيا، وكان مئات الالآف من الأطفال الروس يهلكون جوعا بينما يأتي هؤلاء ليجمعوا التبرعات للأطفال الأيتام في ألمانيا البعيدة مدفوعين بأفكار الأممية الثورية. وتلك إحدى تلميحات بولجاكوف الساخرة التي "تخرج من سن قلمه". وقد دفع الأديب ثمناً غالياً لهذه الجرأة، ولهذا الضمير الحي.

مع البيض أم مع الحمر؟‍‍‍‍ ‍‍

عندما ظهر بولجاكوف إلى الوجود ككاتب في أواسط العشرينات من القرن الماضي كانت عاصفة الثورة البلشفية الحمراء والحرب الأهلية الطاحنة بين "البيض" و "الحمر" قد سكنتْ لتوِّها وتُوَّجتْ بانتصار البلاشفة (الحمر) وهزيمة وفرار (البيض)الذين كانوا في معظمهم من أبناء الطبقات الموسرة والمتوسطة وبقايا الجيش القيصري السابق ورجال الدين والكهنوت والأساتذة والمعلمين والطلاب والتجار. وقد هرب معظمهم إلى تركيا وفرنسا وبعض الدول الأوربية الأخرى. أما مَن بقي منهم في روسيا فقد تمت تصفيتهم بعد ذلك على مراحل، واشتدت عمليات القمع و الإبادة بصفة خاصة في الثلاثينات بعد أن تخلَّص ستالين مِن خصومه في قمة الحزب والدولة، فهبطت أعمال التنكيل من قمة الهرم واتسعت لتطال القواعد العريضة.

في هذه الجو المشحون بالعداء والقسوة والتعصب الأعمى والحزازات الممهورة بدماء غزيرة سالت مِن كلا المعسكرين، كان من الصعب على الكاتب أن يقف على الحياد، ناهيك عن الميل إلى معسكر البيض: أعداء الثورة. وجاءت أعمال بولجاكوف الأولى مشحونة بالتعاطف مع مأساة أولئك "الأعداء" الذين كانوا يحبون روسيا وطنهم ويحبون بعضهم البعض، ويعشقون ويبغضون، يخلصون ويخونون، يتحدون الموت ويهربون من ساحة القتال، ويموتون دفاعاً عن العرض والشرف وينافقون طمعاً في منصب أو حفاظا على حياة. أولئك هم "آل توربين" (أشهر مسرحيات بولجاكوف) الذين فاجأوا الجمهور البروليتاري الذي اعتاد الاكليشيهات الجاهزة عن البيض الأشرار جلادي العمال والفلاحين! وبدأت النظرات الشذرة تمسح وجه هذا الكاتب المريب. لكن الغريب في الأمر أن ستالين وافق على عرض هذه المسرحية في أشهر مسارح موسكو (المسرح الفني الذي كان يعمل فيه أعظم مخرجي المسرح آنذاك: ستانسلافسكي، ونيميروفتش- دانتشنكو) بل وحضر ستالين بنفسه عروضها أكثر من مرة. ترى هل كان يريد أن ينفذ إلى أغوار العالم الداخلي لأولئك الضباط البيض الذين حاربوه؟.. أكان يريد أن يعرف أعداءه السابقين عن قرب؟ أم أن شخصيته المتعطشة إلى الانتقام والسلطة كانت تجد متعة خاصة في رؤية الخصوم مهزومين والتشفي منهم؟

ورغم أن بولجاكوف صور في أعماله التالية، وخاصة في رواية "الهروب" (التي حوَّلها فيما بعد إلى مسرحية) وحشية الجنرالات البيض (الجنرال نيخلودوف) وبطشهم الدموي بالخصوم وبسطاء الناس بداعٍ وبدون داعٍ ،إلا أنه رسم مأساتهم في الغربة وحنينهم إلى روسيا ومعاناتهم من الفقر والتشرد في المهجر ولم يخف بولجاكوف تعاطفه معهم. وحينما كتب مسرحية عن موليير وضع في أساسها فكرة استحالة تعايش الفنان وإبداعه مع السلطة المستبدة. لم يكن بولجاكوف يهاب اتخاذ الموقف الحاد الذي يعلم سلفاً أنه سيغضب السلطة (وأي سلطة كانت آنذاك)! وقليلون هم الذين تجرؤوا على الاحتجاج الحاد على تلك السلطة مثلما فعل بولجاكوف عندما قدم استقالته من جمعية كتاب المسرح احتجاجاً على حملة النقد الظالمة التي شنها وزير التعليم والثقافة آنذاك أناتولي لونتشارسكي على مسرحية "أيام آل توربين". وعندما أعيتْه الاحتجاجات والمنع المتوالي لمسرحياته ورواياته وسدُّ أبواب العمل في وجهه أرسل رسالة إلى ستالين في يوليو 1929 يطلب فيها السماح له بالسفر (الهجرة) إلى الخارج طالما أنه لم تعد أمامه إمكانية للعمل في بلده. وكان الصمت هو الجواب. وفي العام التالي،وبعد أن ضاق عليه الخناق، جمع مسوَّدات رواياته ومسرحياته التي لم تنشر وألقى بها في النار وجلس ليكتب رسالة بالغة الجرأة والتحدي إلى "حكومة الاتحاد السوفييتيي" (التي كان يرأسها ستالين) يطالبها بأن تتخذ موقفاً واضحاً منه: فإما أن تبعده من البلاد، وإما أن تجد له عملا يعيش منه. وحدد مطلبه بتعيينه وفقا لكفاءته واختصاصه الذي يجيده: مخرجا بالمسرح الفني، فإن لم يكن فمساعد مخرج، أو فليكن حتى عاملاً ضمن عمال المسرح! وهي رسالة جديرة بأن تنشر على أوسع نطاق، ففيها يحاكم الفنان السلطة الغاشمة دون خوف أو رياء أو تـنكُّر للموقف. ويبدو أن هذه الشجاعة هي التي حركت في ستالين الحاكم المطلق مشاعر الاحترام فاتصل هاتفياً ببولجاكوف، ودار بينهما حوار طويل، قال فيه ستالين إنه كان يريد أن يتأكد من رغبة بولجاكوف الحقيقية في البقاء في وطنه ويتأكد من أنه لا يريد الهجرة، وقد تأكد من ذلك، وطلب ستالين من بولجاكوف أن يتقدم إلى المسرح الفني بطلب تعيينه مساعد مخرج! كان هذا الحديث في 18 أبريل 1930 ولكن بولجاكوف لم يهرع في اليوم التالي ليقدم هذا الالتماس. بل قدمه بعد أسبوعين، فعينته إدارة المسرح مخرجاً.

الهروب إلى الرواية

بالطبع لم تنته متاعب بولجاكوف مع الرقابة والموظفين الكبار المهيمنيين على مقادير الثقافة في الاتحاد السوفييتي. وكان شاعر الثورة العملاق فلاديمير ماياكوفسكي قد أطلق النار على رأسه في قمة يأسه إزاء الحملة الظالمة التي شُنت عليه في تلك الأيام، وشهد بولجاكوف جنازته، وكان يعتبره أحد أساتذته في المسرح الهجائي. وقبلها بسنوات قليلة انتحر شاعر روسيا المحبوب سرجي يسينين في ريعان شبابه وعزِّ مجده بعد أن أعياه الصراع ضد غلاة "الثقافة البروليتارية" (جماعة "بروليت كولت" المدعومة من السلطة). ومع انتصاف الثلاثينات، وخاصة أعوام 1936- 1938، دارت عجلات آلة القمع بأقصى سرعتها. ولم يعد ثمَّة مجال للهجاء والسخرية (فن الساتيرا كما يسميه الروس) الذي كان بولجاكوف أحد أساتذته الكبار، وقد تعلم فنونه على يد معلمه الأكبر الكاتب الهجَّاء سالطيكوف – شيدرين (1826-1889) ومن قبله عميد الأدب الروسي كله نيقولاي جوجول (1809-1852) .

وإذ أدرك بولجاكوف أنه لم يعد أمامه وقت طويل فقد انكبَّ على كتابة روايته "المعلم ومارجريتا" وكأنه في سباق مع الزمن. وكان فعلاً في سباق مع الزمن والمرض. في تلك الفترة كتب لأحد أصدقائه: "لست أدري أي قوة شيطانية تتملكني. فإنني أسوِّد الصفحة تلو الصفحة، وأعلم أن ذلك كله سيسقط في نهر النسيان، ولكني أواصل الكتابة كالمحموم" .

فما هي هذه الرواية التي عشقها الملايين من أبناء روسيا وطن بولجاكوف ومن القراء الأجانب في ترجماتها إلى شتى لغات العالم؟ (نقلها إلى العربية بامتياز الزميل السوري يوسف حلاق وصدرت في طبعتين: عن وزارة الثقافة السورية، وعن دار "رادوغا" في الاتحاد السوفييتي السابق).

لاشك أننا لا نستطيع تلخيص هذا المؤلف الكبير والمعقد، وعموماً فليس هناك شيء اسمه تلخيص طالما يدور الحديث عن عمل أدبي، لأن مضمون العمل الأدبي –كما يقول أصحاب نظرية الأدب– هو كل ما ورد في هذا العمل، من أول سطر حتي آخر نقطة فيه. لكننا نستطيع أن نقول إن "المعلم ومارجريتا" رواية واقعية- خيالية سيكولوجية، تطرح قضايا واقع الكاتب المعاصر في ارتباط وثيق بالقضايا الإنسانية العامة التي يواجهها الإنسان منذ الأزل: الصراع بين الخير والشر، الموقف الأخلاقي، الجبن والشجاعة، الانتقام والغفران، التضحية والأنانية، المشاعر والأفكار الدنيئة والقيم والمثل السامية. وقد اختار الكاتب بنية فريدة لطرح هذه القضايا، فشيَّد صرح الرواية على ثلاثة مستويات: المستوى التاريخي (في الفصول التي تروي قصة بيلاطس البنطي، حاكم اليهودية الروماني الذي تذكر الروايات والأناجيل أن المسيح ظهر في عهده وأنه، أي بيلاطس، صادق على الحكم بإعدامه صلباً، والفصل الذي يصور عملية الصلب، والفصل المدهش عن قتل يهوذا الذي دبَّره بيلاطس انتقاماً منه لخيانته وتسليمه المسيح (بعكس الرواية الشائعة عن انتحار يهوذا) وفصل الدَّفن (دفن المسيح) والحوار بين بيلاطس ومتَّى اللاوي تلميذ المسيح ومريده (صاحب انجيل متَّى). وتتقاطع هذه الفصول التاريخية مع المستوى الثاني للرواية، أي مع الفصول التي تحكي عن ظهور الشيطان (البروفيسور فولند) وعصابته في موسكو وما اقترفوه من ملاعيب وجرائم، وما أثاروه من فضائح (وهي فصول مكتوبة بطريقة بولجاكوف المحبَّبة في مزج الواقع بالفانتازيا بأسلوب ساخر رائع). أما المستوى الثالث للرواية فهي قصة الحب الدرامية بين المعلم (الذي تختفي خلفه شخصية الكاتب) ومارجريتا، المرأة التي أحبته وقررت الرحيل عن الحياة إلى العالم الآخر لتبقى إلى جواره.

لاشك أن القارئ السوفييتي الذي اطَّلع على الرواية منشورة لأول مرة عام 1966، مع حذف الكثير من مقاطعها في مجلة "موسكفا" الأدبية الشهرية وقف مبهوتا أمام هذا الإعجاز الفني المثير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الأدب الروسي - السوفييتي، وربما تجاوز مقارنته فقط برواية "الدون الهادئ" لميخائيل شولوخوف. والأمر الذي أذهل القارئ هو ذلك الحضور المدهش للكاتب في الفصول "التاريخية" التي تروي قصة تختلف في كثير من التفاصيل عن روايات الأناجيل، والوصف الحي الدقيق لأورشليم بشوارعها وأزقَّتها وأهلها، وكأن الكاتب عاش عمره كله هناك ولم يغادرها إلا بالأمس القريب. وإذا كان الكاتب قد قال إن الشيطان كان حاضرا آنذاك في بلاط الحاكم الروماني وشهد لقاءه وتحقيقه مع (يشوع الجانوصري) [هكذا يورد بولجاكوف اسم يسوع الناصري محرَّفاً عن عمد ليؤكد ابتعاده عن الروايات الانجيلية] فان القارئ يحس إحساساً يكاد يكون بدنياً بأن الكاتب نفسه هو الذي كان شاهداً على ذلك الحوار، وشيئاً فشيئاً يبدأ القارئ في الشعور بأنه كان هو أيضاً حاضراً هناك!

أما الفصول العديدة التي تتناول وجود الشيطان وعصابته في موسكو فإنها عن حق تبهر الأنفاس بديناميكيَّتها وسرعة أحداثها الأغرب من الخيال، وباشتباك الواقع بالخيال في وحدة لا تنفصم ولا تثير أي إحساس بالغرابة من هذا التداخل الغريب! ولعل أضعف جوانب الرواية –برأيي- هي تلك التي تتحدث عن قصة حب "المعلم" ومارجريتا، والتي أرادها الكاتب أساسا للرواية (يشهد على ذلك عنوانها) ولكنها شحبتْ أمام طوفان خيال الكاتب العاصف ومغامرات عصابة الشيطان المثيرة والحضور التاريخي الفذّ في الفصول "القديمة" للرواية.

إنجيل الشيطان!

لماذا استدعى بولجاكوف الشيطان اإلى موسكو؟ من الواضح أن الكاتب أراد أن يستعين بهذه القوة الشريرة الجبارة ( إذا سلَّمنا بالمفهوم السلبي الشائع للشيطان كقوة شريرة) لينتقم –ولو في الخيال– من تلك القوي الاجتماعية التي كان يعتبرها القوي الشيطانية الحقيقية في الواقع السوفييتي. لكن لبولجاكوف مفهوماً آخر. وهو ينبهنا إليه قبل أن نبدأ بقراءة السطر الأول من الرواية. إنه يستشهد بعبارة من المأساة العبقرية للشاعر والعالم الألماني العظيم يوهان جوته (مأساة فاوست):

" -  ومن أنت إذن؟

- أنا من تلك القوة التي تريد دائماً الشر فلا تفعل دائماً إلا الخير .." .

شيطان بولجاكوف إذن يأتي إلى موسكو ليقتصَّ من الأوغاد والواشين والمرتشين والخونة والبيروقراطيين، ومن النقاد والأدباء أتباع السلطة والنفوذ، الذين يموتون حقداً وغيظاً من كل موهبة ولا يهدأ لهم بال حتى يقضوا عليها، يعود الشيطان على يدي بولجاكوف لينتقم من رجال المباحث وأمن الدولة العاجزين عن إدراك كنْه ما يجري من أحداث، ويتجلَّى عجزهم المُزري في محاولاتهم البائسة والمضحكة لإلقاء القبض على الشيطان وأعوانه (وكأن بولجاكوف يقول لهم: إنكم لا تتشطرون إلا على المواطن المسكين!..) . أراد الشيطان أن يرى أهل موسكو مجتمعين في مكان واحد فكلَّف أعوانه بتدبير حفلة سِحْر في مسرح "الفاريتيه" الشهير في موسكو، وعلى لسان الشيطان نسمع هذا الحكم على أهل موسكو في العهد السوفييتي: "ـ ما العمل –ردد بلهجة الخارج من تفكير عميق– بَشَرٌ كغيرهم من البشر .. يحبون المال، وحب المال كان دائماً في الناس. يالهم من خفاف العقول .. لكن ما العمل .. حتى الرحمة تطرق أحياناً أبواب قلوبهم.. أناسٌ عاديون.. وعلى العموم يذكرون بسابقيهم .. إلا أن مسألة الشقق أفسدتهم ..".

وعلينا هنا أن نوضح "مسألة الشقق" هذه والتي يبدو التمليح فيها واضحاً إلى "المسالة القومية" و "المسألة اليهودية" وغيرها من "المسائل" الكبرى. وبالفعل فقد كانت مشكلة الإسكان من أعقد المشاكل آنذاك، وكان الصراع يجري حاداً من أجل الحصول على مسكن، إذ كان الإسكان كغيره من الميادين الاقتصادية تحت السيطرة الكاملة للدولة البيروقراطية، وكان الكثير من العائلات تعيش في شقق جماعية، أي أن كل أسرة تشغل غرفة في الشقة، بينما المطبخ والحمام مشتركان لكل سكان الشقة. وفي المطبخ كانت المشاجرات لا تهدأ بين السيدات حول الأركان والمواقد، أما اللمبات التي تضيء هذه المرافق فكانت هي الأخرى ساحة للنقار المستمر لأن استهلاك الكهرباء عن هذه اللمبات كان يتحمله السكان بالتساوي.. فالويل لمن ينسى النور مشتعلاً بعد خروجه من المطبخ أوالحمام لأنه بذلك يحمل بقية السكان نفقات إضافية‍‍‍‍‍! وقد أدَّى ذلك إلى تشوُّهات في النفسية والسلوك البشري بدءاً بالرشوة والتزلُّف من أجل الحصول على مسكن وانتهاء بتلفيق التهم السياسية للتخلص من الجيران والاستيلاء على غرفهم، لأن مَن يُعتـقل كان مسكنه يُصادَر (كان المسكن في العهد السوفييتي _ماعدا المساكن التعاونية التي يشتريها المواطنون بالتقسيط– يعتبر ملكا للدولة ويُعطى للمواطن لينتفع به هو وأسرته ولا يحق له التصرف فيه بالبيع أو الشراء ويمكن أن تصادره الدولة في ظروف معينة).

أم انجيل الشباب؟

شيطان بولجاكوف يأتي إذن ليمحقَ الشرور ويُحِقَّ الحق وينتقم من الأشرار، ولكنه –كشيطان- يفعل الشر أيضاً، لأنه وحده يُصْدر الأحكام وينفذها دون مداولة أو دفاع.. وهو يقتل رئيس جمعية الأدباء الأديب برليوز لأنه –أي الشيطان- يريد أن ينزل في شقته أثناء وجوده في موسكو (وبوسعنا إذن أنْ نقول إنَّ "مسالة الشقق "قد أفسدت الشيطان نفسه ما أنْ جاء إلى موسكو!) وهنا تكمن "واقعية" الخيال إنْ صحَّ التعبير، إذ لا يمكن –فيما يبدو- إحقاق الحق بأيدٍ نظيفة. وقد حاول (يشوع) مجابهة الشر، والتبشير بـ"ملكوت الحقيقة والعدل، حيث تنعدم الحاجة إلى سلطة"، وكانت نهايته على الصليب. ولكن رواية بولجاكوف كلها ، معزوفة إيمان بالخير رغم ضعفه، وبخلود المثل العليا وانتصار العدل والحقيقة في نهاية المطاف.

ورغم وجود الشيطان الطاغي في الرواية ودوره المُقرِّر لمعظم أحداثها، فإن الفصل الوحيد الذي ظهر فيه (يشوع) موثَق اليدين ومضروباً ومهاناً أمام بيلاطس الجبار، ينحفر في ذهن القارئ وقلبه إلى الأبد ويشعر القارئ أن هذا الجسد الضعيف مشحون بطاقة إيمان هائلة يتضاءل أمامها كل جبروت الحاكم الروماني وسلطانه. والجدير بالذكر أن هذا الفصل (الثاني في الرواية بعد الفصل الأول الذي يظهر فيه الشيطان) قد رُوِي على لسان الشيطان، الذي أراد أن يثبت للأديب برليوز، (الذي كان يؤكد للشاعر بيزدومني أن المسيح لم يوجد قَط، وأن كل ما يروى هو مجرد أساطير)، أن المسيح وجد فعلاً، ولا حاجة إلى أي براهين على ذلك..

لقد اصبحت رواية "المعلم ومارجريتا" بين يوم وليلة إنجيلاً للشباب السوفييتي في الستينات والسبعينات. ذلك الشباب الذي تربَّى في ظِلِّ التجهيل المطلق بالأديان والدعاية الإلحادية على امتداد أكثر من سبعين عاماً.. وفجأةً يتجلَّى أمام الشباب من يُسمى يشوع الجانوصري حياً أو كالحي في هذه الرواية المعجزة، وفجأة يستقر الشيطان في عاصمتهم ليطهِّرها من الأدران .. وعلى الفور تحول الكثير من عبارات الرواية إلى حِكَمٍ وأقوال مأثورة تتردد على كل لسان في الحياة اليومية ومنها: "المخطوطات لا تحترق"، و "الجُبن واحدة من أفظع النقائص" و "الإنسان يعطى على قدر إيمانه" ، وأخيراً نصيحة الشيطان لمارجريتا، التي نحُسُّ أنها شعار بولجاكوف وخلاصة تحربته في الحياة: "لاتطلبي أبداً أي شيء .. أبداً أي شيء ..ولاسيما ممن هم أقوى منك. فهم أنفسهم سيعرضون، وهم أنفسهم سيعطون كل شيء".

ولا يسعنا أن نوافق كاهن الكنيسة الروسية أندريه كورايف الواسع الثقافة والذي أصدر كتاباً نقدياً مثيراً للجدل عن الرواية بعنوان "المعلم ومارجريتا.. مع المسيح أم ضده؟" واعتبرَها رواية شيطانية إلحادية تحمل تجديفاً بالمسيح. ويستند الأب كورايف إلى المخطوطات الأولى للرواية ليثبت –ببراعة- أن المعلم هو الشيطان حسب الخطة الأولى للكاتب. ولا شك أن لرجل الدين رأيه الخاص الذي تُمليه عليه العقيدة، ولكن اعتبار هذه الرواية "عملاً شيطانياً" فيه الكثير من التجنِّي، ليس فقط على الرواية والمؤلف، بل وعلى ملايين القرَّاء الذين أحبوها وخرجوا منها أكثر حباً للخير وأشد إدانة للشر وأقوي تمسكاً بالمثل الإنسانية العليا...

وقد جاء المسلسل التلفزيوني المأخوذ عن الرواية -رغم بعض المآخذ- دليلاً جديداً على أن المخطوطات "لا تحترق" كما قال بولجاكوف، وأن الأعمال الأدبية العظيمة تواصل حياتها وتظل معاصرة .

د. أبو بكر يوسف. شيطان بلجاكوف يعود إلى موسكو. أخبار الأدب. العدد 688. الأحد. 17 سبتمبر 2006

عن "المعلم ومارجريتا" 

"المعلم ومارجريتا أبرز روايات القرن العشرين" غابريال غارثيا ماركيز

تُعدُّ رواية ميخائيل بولجاكوف (1891-1940) "المعلم ومارجريتا" إحدى الروائع الأدبية للقرن العشرين. ومصير أعمال بولجاكوف الأدبية هو مصير محزن لِفنٍّ رفيع، بحث عن اعتراف عادل به. ومنذ فترة لم يكن بولجاكوف معروفاً في وطنه، سوى لدى طائفة صغيرة من النقاد المختصين، أما الآن فقد شغل بولجاكوف مكانه الحقيقي. لقد كتب المؤلف روايته حينذاك مع ثقته في استحالة نشرها خلال حياته، وبالفعل لم تشهد الرواية النور بعد أكثر من ربع القرن على كتابتها . وكانت "المعلم ومارجريتا" آخر كتب بولجاكوف ، ومن ثم فإنها بشكل ما تعتبر وصيته الإبداعية. وقد ولد كاتبنا عام 1891 بمدينة كييف، في عائلة أحد علماء الدين، وكانت والدته معلمة. وحين بلغ بولجاكوف الثامنة عشرة التحق بكلية الطب، وعام 1916 بدأ حياته العملية في المستشفيات العسكرية على الجبهة في أوكرانيا، ونعرف من كتابه "مذكرات طبيب شاب" و "روايته "المورفين" كيف انغمس بولجاكوف في العمل بنكران ذات وإخلاص. ومع إقامة السلطة السوفيتية في أوكرانيا عام 1919، واصل عمله كطبيب. وبدأ بولجاكوف حياته الأدبية ككاتب مسرحي، وقُدِّمتْ مسرحياته على خشبة المسر ، عامي 1920، 1921. ثم كتب روايته الشهيرة "الحرس الأبيض" وهي أولى رواياته عام 1924، وتناول فيها انهيار العالم القديم، بكل جوانب ذلك الانهيار. وكان بولجاكوف يبحث مبكراً عن الأسلوب الساخر لرواية المعلم ومارجريتا، واتضح ذلك في روايته "نشيد الشيطان" عام 1924، التي تتجلى فيها بشكل جنيني ملامحُ ذلك الأسلوب. وفي أواسط العشرينات كتب "روايتين خيالتين ساخرتين هما: "البيوض القاتلة"، و "قلب كلب" ، إلا أن روايته الأخيرة تلك لم تنشر إلا عام 1987، أي بعد أكثر من ستين عاماً من كتابتها!

واستقبلتْ الأوساط الرسمية بعداءٍ شديدٍ مسرحيته "أيام آل توربين"، ومسرحيته التالية "الهروب" التي حُظر تقديمها حتى على مخرج كبير مثل ستانيسلافسكي ذاته. ووقفت رابطة الأدباء البروليتاريين بقوة ضد نشر أعماله. ورفض المسؤولون عن الثقافة في الدولة عرض أي مسرحية له. وعام 1929 كتب بولجاكوف إلى ستالين عدة مرات، وطلب في رسالته إلى ستالين المؤرَّخة في 3 سبتمبر 1929 السماح له مع زوجته بالسفر إلى خارج البلاد. وكتب رسالته الثانية المعروفة "إلى حكومة الاتحاد السوفيتي "في مارس 1930، حين فقد أي أمل في نشر أو طباعة أي عمل له، وحينذاك تلقى المكالمة الهاتفية الشهيرة من ستالين الذي طلب منه خلالها عدم مغادرة البلاد. ومع ذلك واصل الكاتب عمله بهدوء في روايته العظيمة "المعلم ومارجريتا" وكرَّس لها سنوات حياته الأخيرة كلها إلى أن توفي عام 1940 بعد مرض ثقيل ومضنٍ هو تصلُّب الكليتين. وعام 1930 أحرق بولجاكوف في لحظة يأس جميع صفحات مخطوط الرواية تقريباً ، وصار فيما بعد يسترجعها من ذاكرته. ولقد أغنى بولجاكوف الأدب الروسي، والعالمي، بنوع روائي فذٍّ، لم تعطه نظرية الأدب تعريفاً بعد، فقد جمع فيها بين الهجاء الساخر بتحيزه، وبين العرض الموضوعي التاريخي لحياة المدينة في عشرينات وثلاثينات القرن. ويتمثل تفرُّد العمل من الناحية الأدبية في الجمع الجَسور في سبيكة أدبية واحدة بين السخرية والطرح المهيب والملحمي لأسطورة عريقة القدم. وما نقصده هو ما يسمى بالفصول القديمة للرواية، أي الفصول الخاصة ببيلاطس البنطي حاكم اليهود الروماني، ويسوع المسيح، وهي الفصول التي تقطع ثلاث مرات سرد الأحداث العصرية. ويكمن سرُّ وحدة البناء للرواية بأجمعها في الخطوط التي تربط ما بين الماضي البعيد واليوم الحاضر. لقد تناول بولجاكوف الموضوع الأزلي للأدب: من هو الإنسان؟ وهل هو مسؤول عن أفعاله؟ وهل يمكن لأكثر الظروف قسوة أن تكون تبريراً لأفعاله اللاأخلاقية؟.. ويجيب بولجاكوف عن هذا السؤال بشخصية بيلاطس، وبمصيره، وعذابه الروحي. نعم إن الإنسان يتحمل المسؤولية، إنْ كان قد اختار الشر. وقد يبدو لكثير من القراء أنَّ الحديث عن يوم من أيام الحاكم الروماني بيلاطس (الفصل الثاني) هو أكثر صفحات الرواية تأثيراً. ولدي متابعة النزال بين الحاكم بيلاطس، ويسوع المسيح، سنغدو في دائرة القضايا التي تشغل فكر الكاتب في المشاهد الأخرى، الخاصة بموسكو، أي قضايا الإنسان، والصراع بين الخير والشر فيه، وعجز إرادة الإنسان وجبروتها.

إن شخصية بيلاطس في الفصل الثاني من الرواية تظهر الصراع الداخلي لشخصية الفرد، ولهذا فهي درامية على طريقتها. ذلك أن بيلاطس لا تعوزه المشاعر الإنسانية ولا الشفقة. إنه لا يود قتل المسيح، بل إن السيد المسيح بحديثه عن طيبة قلب الإنسان يروق لبيلاطس. وبيلاطس مستعد لإنقاذ حياته من تزمُّت أبناء جَلدته، ومستعدٌ لإخفائه عنده. وتأتي لحظات يتراءى فيها للحاكم الروماني أنه لا يمكن أن يقترف جريمة قتل رجل أعزل وعنيد. لكن أمرين يتصادمان في أعماق الحاكم هما: إرادته الشخصية من ناحية، وحكم الظروف من ناحية أخرى. فالحاكم بصفته إنساناً لا يستحسن الحكم بالإعدام، لكنه بصفته حاكماً يصادق عليه لأن الخوف من القيصر فوق قدرته. وقد تغلَّب السيد المسيح على الحاكم روحياً، بينما لم يتسنَّ ذلك لبيلاطس.

إن قصة بيلاطس ويسوع المسيح تنتهي بصلب المسيح، لكن بولجاكوف أراد أن يقول لنا إن انتصار الشر على الخير لا يمكن أن يغدو النتيجة النهائية للمجابهة الاجتماعية –الأخلاقية. هذا أمر لا تقبله طبيعة الإنسان، ولا يسمح به مجمل تطور الحضارة.

بقلم : بيوتر نيكولاييف

رسائل بولجاكوف إلى الحكومة السوفيتية 

من: ميخائيل أفاناسيفتش بولجاكوف

(موسكو / 35 – أ شارع بيروجوفسكايا، شقةرقم 6)

أتوجه بهذه الرسالة إلى حكومة الاتحاد السوفييتي:

(1)

بعد أن مُنعتْ جميع مؤلفاتي أخذ الكثير من المواطنين، الذين يعرفونني ككاتب، يُسْدون لي نصيحة واحدة: أن اكتب "مسرحية شيوعية" (أضع الاستشهادات بين أقواس التنصيص) وبالإضافة إلى ذلك أن أتوجَّه إلى حكومة الاتحاد السوفييتي برسالة توبة، تتضمَّن تخلياً عن وجهات نظري السابقة التي عبَّرتُ عنها في أعمالي الأدبية، مع تأكيدات بأنني من الآن فصاعداً سوف أعمل ككاتب - رفيق درب، مخلص لفكرة الشيوعية.

والهدف : النجاة من الملاحقات، والفاقة، والهلاك المحتم في خاتمة المطاف.

لكنني لم أتَّبع هذه النصيحة. فمن المشكوك فيه أنني كنت سأتمكن من أنْ أظهر أمام حكومة الاتحاد السوفييتي في صورة لائقة لو أنني كتبت رسالة زائفة، تمثل شطحة سياسية منفرة، فضلاً عن كونها ساذجة. أما محاولة كتابة مسرحية شيوعية فلم أقم بها أصلا ، لأني أدرك مسبقاً أنني لن أفلح في كتابة مثل هذه المسرحية.

إن الرغبة التي نضجتْ في نفسي بوضع حد لمعاناتي ككاتب، تدفعني إلى التوجه إلى حكومة الاتحاد السوفييتي برسالة صدق.

(2)

عندما قمت بتحليل ألبوماتي التي تضم قصاصات الصحف والمجلات، وجدت في الصحافة السوفييتية خلال عشر سنوات من نشاطي الأدبي 301 تعقيب عني، من بينها 3 تعقيبات مديح، و298 تعقيب عداء وسبّ. والتعقيبات الـ 298 الأخيرة تمثل انعكاساً مرآوياً لحياتي ككاتب. لقد نعتوا بطل مسرحيتي (أيام آل توربين) ألكسي توربين، في الصحافة وشعراً ، بأنه "ابن كلب"، أما كاتب المسرحية فقدموه على أنه شخص تسيطر عليه "شهوة الكلاب". وكتبوا عني باعتباري "جامع قمامة أدبية" يجمع ما تبقى من الفضلات التي "تقيأتْها دستة من الضيوف".

كتبوا يقولون:

"ميشكا بولجاكوف، يا أخي، هو أيضا، واعذروني على التعبير، كاتب ينقِّب في قمامة قديمة. وأسأله: ما هذا يا أخي؟ ما هذه السِّحْنة لديك؟ إنني شخص ذو لباقة.. فماذا لو انَّني قررت أن أضربه بالطِّسْت على قفاه.. الرجل العادي لا حاجة به إلينا، مثلما لا حاجة للكلب إلى حمالة النهود. وهذا ابن كلب قد ظهر.. توربين ظهر.. ألا فليلق الفشل، ألا فليخسر دخل الصالة." ( حياة الفن ، العدد 44 سنة 1929).

كتبوا عن بولجاكوف: "الذي سيبقى كما كان، من ذرية البرجوازيين الجدد الفاسدة، يتطاير منه لعابه المسمَّم بلا حول، على الطبقة العاملة ومثلها الشيوعية". (كمسمولسكايا برافدا، 14/10/1926).

وذكروا أنني أحب: "جو أعراس الكلاب حول زوجة لأحد الزملاء حمراء الشعر" (أ. لونتشارسكي، صحيفة إزفستيا 8/10/1926) وأنه "من مسرحيتي" أيام آل توربين "تنبعث رائحة عفونة".. (تسجيل محضر اجتماع في إدارة الدعاية والدعوة في مايو 1927).. وهلم جرا، وهلم جرا.

وأسارع إلى القول بأني أورد هذه الاستشهادات لا لكي أشكو من النقد أو أدخل في أي جدال كان. إن هدفي أكثر جدية بكثير. إنني لا أبرهن، ملوِّحاً بالوثائق في يدي، على أن الصحافة كلها في الاتحاد السوفييتي ومعها كل المؤسسات المكلفة بمراقبة العروض، ظلت بالإجماع، وبحنْق غير عادي، طوال سنوات عملي الأدبي، تدلِّل على أن أعمال ميخائيل بولجاكوف لا يمكن أن يكون لها مكان في الاتحاد السوفييتي. وأنا أعلن أن صحافة الاتحاد السوفييتي مُحِقَّة كل الحق.

(3)

إن نقطة الانطلاق بالنسبة لي في رسالتي هذه ستكون مسرحيتي الهجائية "الجزيرة القرمزية".

لقد استقبل النقد كله دون استثناء في الاتحاد السوفييتي هذه المسرحية بالقول بأنها "عاطلة عن الموهبة، بلا أسنان، وقميئة" وبأنها تمثل "قدحا في الثورة". كان الإجماع كاملاً، ولكن صفوه تعكَّر بصورة مفاجئة ومدهشة للغاية. ففي العدد رقم22 من "نشرة العروض" ( لعام 1928) نُشر استعراضٌ بقلم ب . نوفيتسكي جاء فيه أن "الجزيرة القرمزية" هي: "مسرحية سخرية شيِّقة ينهض فيها الظل الشرير للمفتش العظيم، الذي يقمع الابداع الفني ويغرس القوالب المسرحية العبودية المتزلفة الخرقاء، ويمحو شخصية الممثل والكاتب"، وأن الحديث في "الجزيرة القرمزية" يجري عن قوة شريرة مظلمة تربي المماليك والمتزلِّفين والمدَّاحين..." وجاء في المقال أنه "إذا كانت هذه القوة المظلمة موجودة، فإن غضب المسرحي الشهير ونكاته اللماحة الحادة تصبح مبررة ".

فلتسمحوا لنا بالسؤال: أين الحقيقة ؟

ما هي في نهاية المطاف هذه "الجزيرة القرمزية" ؟ أهي "مسرحية عاطلة عن الموهبة وقميئة" أم أنها "مسرحية سخرية لمَّاحة" ؟

الحقيقة ينطوي عليها استعراضُ نوفيتسكي. وأنا لن آخذ على عاتقي الحكم إلى أي مدى تُعتبر مسرحيتي لمَّاحة، ولكني أقرُّ بأنه في المسرحية فعلاً ينهض ظلٌّ شرير، هو ظل اللجنة العامة الحكومية للعروض. إنها هي التي تربِّي المماليك والمدَّاحين و"مقدِّمي الخدمات" المذعورين. إنها هي التي تقتل الفكر المبدع. إنها هي التي تودي بالفن المسرحي السوفييتي، وسوف تقضي عليه. إنني لم أعرب عن هذه الأفكار همساً في إحدى الزوايا. لقد ضمنتها مسرحية هجائية ووضعتها على المسرح. ولكن الصحافة السوفييتية كتبتْ، دفاعاً عن اللجنة العامة للعروض، تقول إن "الجزيرة القرمزية" قدح في الثورة وهراءٌ تافه. أما عن القدح في الثورة فلا مكان له في المسرحية لأسباب كثيرة ولكني، لضيق الحيِّز لن أذكر سوى سبب واحد منها: أنه لا يمكن كتابة مؤلف صغير يقدح في الثورة نظراً لضخامتها الهائلة. أما السخرية فليست قدحا، كما أن اللجنة العليا للعروض ليست هي الثورة.

ولكن عندما تكتب الصحافة الألمانية أن "الجزيرة القرمزية" .. "هي أول دعوة في الاتحاد السوفييتي لحرية النشر" (مجلة مولودايا جفارديا ، العدد-1 ، لسنة 1929) فإنها تنطق بالحقيقة. وأنا أقرُّ بذلك. إن الكفاح ضد الرقابة، أيَّا كان شكلها، وفي ظل أيِّ سلطة كانت، هو واجبي ككاتب، مثلما هو واجبي أن أدعو لحرية النشر. إنني معجب مفتون بهذه الحرية، وأعتبر أنه لو فكر أحد الكتاب في أن يحاول أن يثبت عدم حاجته إليها، لكان أشبه بسمكة تؤكد علانيةً أنها ليست بحاجة إلى الماء.

(4)

تلك إحدى ملامح إبداعي، وهي وحدها كافية تماماً لكي لا يكون لمؤلفاتي وجود في الاتحاد السوفييتي. وترتبط بهذه اللمحة جميع الملامح الأخرى التي تتجلَّى في رواياتي الهجائية: الألوان السوداء الغيبية (فانا كاتب غيبي) التي تُرسم بها التشوهات التي لا حصر لها في حياتنا اليومية .. والسمُّ الذي تتشبع به لغتي.. والتشاؤم العميق تجاه العملية الثورية الجارية في بلدي المتخلف ومواجهتها بالشيء المحبب والعظيم ألا وهو التطور .. والأهم من ذلك.. تصوير الملامح المخيفة لشعبي، تلك الملامح التي أثارت، قبل الثورة بوقت بعيد، الشفقة العميقة في قلب معلمي الكاتب م. ي. سالطيكوف– شيدرين.

ومن نافلة القول إذن أن الصحافة في الاتحاد السوفييتي لم يدر بذهنها أن تتناول هذا الأمر بجدية بل انشغلت بالإشارات غير المقنعة بأن هجائيات بولجاكوف تنطوي على "الافتراء".

مرة واحدة فقط، في بداية شهرتي، جرت الإشارة، وكأنما بنبرة اندهاش متعجرف، إلى أنَّ:

"م. بولجاكوف يرغب في أن يصبح هجَّاء عصرنا"...

وللأسف فإن فعل "يرغب" قد وُضع عبثاً في الزمن المضارع، ومن الواجب وضعه في الزمن الماضي التام: لقد أصبح م. بولجاكوف هجَّاءً، بالضبط في الوقت الذي صار فيه الهجاء الحقيقي (النافذ إلى المناطق المحرمة) في الاتحاد السوفييتي مستحيلاً استحالة مطلقة.

لم أكن أنا الذي حظِي بشرف التعبير عن هذه الفكرة الإجرامية في الصحافة. فقد عبَّر عنها ف. بلوم بكل وضوح في مقاله (العدد-6 " ليتراتورنايا جازيتا). ومعنى هذا المقال يمكن إجماله بروعة ودقة في صيغة واحدة:

"إن كل هجاء في الاتحاد السوفييتي إنما يتطاول على النظام السوفييتي".

فهل يعقل أن يكون لي وجود في الاتحاد السوفييتي؟

(5)

وختاما فهذه ملامحي الأخيرة في أعمالي المقضي عليها: مسرحيتي "أيام آل توربين" و "الهروب" ورواية "الحرس الأبيض": الإصرار على تصوير الإنتلجنسيا الروسية بوصفها أفضل شريحة في مجتمعنا.. وبنوع خاص تصوير أسرة من المثقفين النبلاء ألقت بها المقادير القاسية أثناء الحرب الأهلية في معسكر الحرس الأبيض، تمشياً مع تقاليد رواية "الحرب والسلام". ومثل هذا التصوير أمر طبيعي تماماً لكاتب مرتبط بالانتلجنسيا برابطة الدم .

إلا أن هذا النوع من التصوير يفضي بصاحبه في الاتحاد السوفييتي إلى أن يحصل، على قدم المساواة مع أبطاله، ورغم جهوده الهائلة لكي يقف منزَّهاً عن التحيز إلى البيض أو الحمر، على شهادة بأنه من الحرس الأبيض وأنه عدو. وإذ يحصل على هذه الشهادة، فانه، كما يدرك أي شخص، يمكن أن يعتبر نفسه إنساناً مقضيا عليه في الاتحاد السوفييتي .

(6)

لقد فرغتُ من رسم صورتي الأدبية، وهي في نفس الوقت صورتي السياسية، ولا أستطيع القول إلى أي درجة من العمق بلغ الإجرام الذي يمكن العثور عليه فيها. غير أني أرجو شيئاً واحداً: ألاّ تبحثوا عن أي شيء خارج حدودها. لقد رُسمَتْ بأقصى قدْرٍ من النزاهة.

(7)

أنا الآن مدمَّرٌ.

وقد استقبلتْ أوساط الرأي العام السوفييتية هذا التدمير بكل سعادة وسمِّي ذلك "إنجازا".

وأعربَ ر. بيكيل، وهو يحتفي بتدميري (صحيفة "إزفستيا"، 15/9/1929) عن فكرة ليبرالية:

"إننا لا نريد بذلك أن نقول إن اسم بولجاكوف قد شُطب من سجل المسرحيين السوفييت".

ومُنح الكاتب المذبوح بعض الأمل بقوله: "إن المقصود هو أعماله الدرامية السابقة".

بيد أن الحياة، في شخص اللجنة العامة للعروض، أثبتت أن ليبرالية ر. بيكيل لا تقوم على أي أساس.

ففي 18 مارس 1930 تلقَّيتُ من اللجنة العامة للعروض ورقةً تخطرني فيها بإيجاز بأن مسرحيتي الجديدة، وليس السابقة، "عبودية الزنادقة" قد مُنعتْ من العرض. وأقول باختصار: تحت سطرين اثنين في ورقة رسمية تم دفن عملي في أرشيفات المكتبات، وخيالي، والمسرحية التي حصلتْ من الخبراء المسرحيين المؤهلين على مدح لا حصر له بأنها مسرحية باهرة.

إن ر. بيكيل على ضلال. فالذي هلك ليس فقط أعمالي السابقة، بل والحالية، وكل أعمالي القادمة. أما أنا شخصياً فقد ألقَيتُ في الفرن بمسوَّدة رواية عن الشيطان، ومسوَّدة كوميديا، وبداية الرواية الثانية "المسرح". إنَّ كل أعمالي لا أمل فيها.

(8)

إنني أرجو من الحكومة السوفييتية أن تضع في اعتبارها أنني لست زعيماً سياسياً بل أديب، وأنني قد أعطَيتُ كل إنتاجي للمسرح السوفييتي. إنني أرجو أن توْلوا اهتمامكم للتقريظَين التاليَين عني في الصحافة السوفييتية، وكلاهما صادر عن أعداء متشدِّدين لمؤلفاتي، ولذلك فهما قيِّمان للغاية.

ففي عام 1925 كتب:

"لقد ظهر كاتب لم يرتد حتى مُسُوح رفيق الدرب المؤقت" (ل. أفرباخ، صحيفة "إزفستيا" 20/9/1925)

وفي عام 1929:

"إنَّ موهبته لجليةٌ جلاءَ الرجعية الاجتماعية لفنِّه "(ر. بيكيل، صحيفة "إزفستيا"15/9/1929 ).

إنني أرجو أن تضعوا في اعتباركم أن عدم تمكيني من الكتابة يعني بالنسبة لي الدفن حياً.

(9)

إنني أرجو من حكومة الاتحاد السوفييتي أن تأمرني بمغادرة أراضي الاتحاد السوفييتي على وجه السرعة برفقة زوجتي لوبوف يفجينيفنا بولجاكوفا.

(10)

إنني أناشد إنسانية السلطة السوفييتية وأرجو أن تتكرم بأن تطلق سراحي، أنا الكاتب الذي لا يستطيع أن يكون مفيداً في وطنه.

(11)

أما إذا كان ما كتبته غير مقنع، وحُكِمَ عليَّ بالصَّمت في الاتحاد السوفييتي مدى الحياة، فْإنني أرجو من الحكومة السوفييتية أن تمنحني عملاً حسب تخصُّصي وتوفدني في مهمة عمل في المسرح، في وظيفة مخرج.

إنني أرجو بالضبط، وبدقة، وتشديد، إصدار أمر صارم بإيفادي في مهمة عمل، لأن جميع محاولاتي للحصول على عمل في الميدان الوحيد الذي يمكن فيه أن أكون مفيداً للاتحاد السوفييتي بصفتي خبيراً مؤهلاً، قد باءتْ بالفشل التام. لقد جعلوا اسمي كريهاً إلى درجة أنَّ توجهي بطلب عمل كان يثير في الناس الذعر، على الرغم من أنَّ عدداً هائلاً من الممثلين والمخرجين في موسكو، علاوة على مديري المسارح، يعلمون جيداً مدى معرفتي الحاذقة بشؤون المسرح. إنني أعرض على الاتحاد السوفييتي خبيراً نزيها إلى أقصى درجة، بدون أدنى ظل للتخريب، مخرجاً ومؤلفاً، مستعداً لأن يضع على خشبة المسرح بكل أمانة أي مسرحية ، بدءاً من مسرحيات شكسبير، وحتى مسرحيات يومنا هذا.

إنني أرجو تعييني مخرجاً معملياً في المسرح الفني الأول، أفضل مدرسة، تلك التي يرأسها المعلمان ك. س. ستانسلافسكي و ف. إ. نيميروفتش– داتشنكو. فإذا لم أعيَّنْ مخرجاً فإنني أرجو تعييني في وظيفة كومبارس، فإذا كان ذلك متعذراً فإنني أرجو تعييني في وظيفة عامل مسرح.

أما إذا تعذر حتى هذا فإنني أرجو من الحكومة السوفيتية أن تتصرف معي حسبما تراه ضرورياً، ولكن أن تتصرف على أي نحو، وذلك لأنني، أنا المسرحيُّ الذي كتب خمس مسرحيات، والمعروف في الاتحاد السوفييتي وخارجه، لا أجد لديَّ في هذه اللحظة سوى الفاقة، والشارع، والهلاك.

موسكو، في 28 مارس 1930 - ترجمة : د. أبو بكر يوسف

"أوراق طبيب شاب"


مذكَّرات ميخائيل بولجاكوف

يُعدُّ الكاتب العملاق ميخائيل بولجاكوف أشهر طبيب روسي بعد أنطون تشيخوف. وقد شهدت مسيرة الأدب المصري أدباء أطباء مثل أحمد زكي أبو شادي مؤسس جماعة "أبوللو"، والشاعر إبراهيم ناجي، ويوسف إدريس. لكن أحداً من أدبائنا لم يكتب مذكراته حول عمله كطبيب. ترك تشيخوف عملاً أدبيا أقرب ما يكون إلى عمل الطبيب هو "جزيرة سخالين"، وترك بولجاكوف عملاً آخر اسمه "أوراق طبيب شاب" قام بترجمته ثائر زين الدين وأصدرته دار الطليعة في دمشق. وقد لمع اسم بولجاكوف في الأدب العالمي ورسخ بفضل روايته العبقرية الشهيرة "المعلم ومارجريتا"، التي ترجمها يوسف حلاق ونشرتها دار التقدم قبل أن يتم تفكيك الدار مع زوال الاتحاد السوفيتي ليصبح مقرها مجرد سوبر ماركت.

وقد عاني بولجاكوف، الذي توفي عام 1940 بعد مرض منهك، من حصار رسمي وتجاهل متعمَّد دفعه لكتابة خطاب إلى ستالين يرجوه فيه السماح له بالسفر مع زوجته خارج البلاد، لكنه تلقى مكالمة هاتفية شهيرة من ستالين في 18 أبريل 1930 جعلته يعْدل عن قراره ويواصل البقاء والكتابة داخل روسيا. وقد أنهى بولجاكوف كلية الطب في جامعة كييف عام 1915 وعمل طبيباً في المستشفيات العسكرية في أوكرانيا، ثم في المحافظات النائية. وعام 1919 عكف بولجاكوف على كتابة "أوراق طبيب شاب" وهو عمل تحكمه سماتُ القصة القصيرة، ويبدو فيه بوضوح عنصر السيرة الذاتية. وقد كتب بولجاكوف ذلك العمل بدافع من ضميره كمواطن أولا وقبل كل شيء، ليصف حالة الشعب الروسي والفلاحين الذين عالجهم، ومدى جهلهم، فهو يصف الدواء لبعضهم ويحدد له الجرعة بالدقة، ثم يفاجأ بأن المريض قد تناول الجرعة كلها مرة واحدة متصوراً أن ذلك أقصر طريق للشفاء. وكان بولجاكوف يعمل كطبيب حتى ساعة متأخرة من الليل، وينهض في الصباح ليستقبل طابوراً من المرضى المنقولين في زلاجات للجليد يصل عددهم إلى مائة فلاح يوميا، فيعكف على علاجهم دون توقف ودون أن يتناول طعام الغداء حتى منتصف الليل. ويحكي بولجاكوف كيف استقبله الفلاحون وهم ينظرون إليه بريبة قائلين: كنا نظن أنك مازلت طالباً. فيفكر بولجاكوف الشاب في أن عليه - رغم أنَّ نظره سليم - أنْ يضع نظارات ليبدو مقْنِعاً لأهل القرية الذين لا يثقون في طبيب من غير نظارات! .. في هذا الريف المعتم، الجاهل، الذي يعيش بشق الأنفس، ترغمه الظروف أن يبتر ساق فتاة شابة سقطت بين أسنان آلة هرس الكتان. ويقول لنفسه: "أمسكتُ المِشْرط محاولاً تقليد أحد ما، وكنت قد رأيتُ عملية بتر مرة واحدة في حياتي، ورجوتُ القدر أن تموت الفتاة خلال نصف الساعة، أو بعد أن أنهي العملية فوراً" . وبرغم أن الفتاة نزفت الكثير من دمها، إلا أنها تتعلق بالحياة ، فيخاطبها في سره: "انتظري قليلاً .. لا تموتي". وحين تنجو الفتاة وتعيش يحتفظ الكاتب بمفرش مطرَّز أهدتْه الفتاة إياه، يظل معه هذا المفرش عدة سنوات، يتنقَّل به من قرية إلى أخرى، إلى أن يهترأ و يتلاشى كما تتلاشى الذكريات. ويقضي الطبيب الأديب مساءات طويلة في بيت قديم مُهمَل، لا يُسمع فيه سوى عواء المدخنة، وعويل الريح الباردة في الخارج. يجلس ويراقب على زجاج النافذة انعكاس ضوء المصباح من تحت الأباجورة الزرقاء. ويسأل نفسه: ماذا أفعل إن جاؤوني بحالة ولادة متعسرة؟ أو مريض يعاني من فتق يخنقه ؟. وحينما تهب عاصفة ثلجية ذات يوم وتعوق المرضى عن الوصول إلي الطبيب، يفاجأ بفلاح يتوسل إليه أن يأتي معه ليرى ابنته التي سقطت من فوق حصان وتوشك على الموت. ويفكر بولغاكوف: "سأصاب بالسل بعد رحلة تستغرق ساعة في هذه العاصفة الثلجية، ثم ما الذي سأفعله هناك؟ "وبالرغم من ذلك يخاطر بولجاكوف ويشد رحاله وسط العاصفة في عربة جليد تجرها الخيول بينما يطرد هو الذئاب المتوحشة بعيداً عن العربة لكي لا تفترسه. وبعد وصوله يجد أن الفتاة قد ماتت. وخلال رحلة العودة يتوه منه الطريق تحت الثلوج، ويظل أربع ساعات تائها، ويفكر: "هكذا سأتابع دوراني وسط العاصفة، أنا وحيد، بينما المرضى بالآلاف، وسأصاب بمرض السل في هذا الجو، وسأموت هنا. لكنه يعود بسلام إلى المستشفى. وفي بيته القديم يسأل نفسه: "أين مصابيح موسكو الكهربائية؟ أين الناس؟ أين السماء؟ لا شيء خلف النافذة ، وحده الظلام". ويزيح الممرِّض الستارة عن نافذة أخرى قائلا للطبيب: "إنه ظلام مصري" أي شديد العتمة.

إن "أوراق طبيب شاب" هي في حقيقة الأمر أوراق ضمير شاب لكاتب عملاق، يرى أن نقطة الإنطلاق في الأدب أو الطب هي: الرغبة العميقة في إنقاذ البشر من الجهل والعوز والظلمة.

د. أحمد الخميسي

0 تعليقات::

إرسال تعليق