السبت، 7 مايو، 2011

الدين والدولة في خطاب الحالة المارونية


إن السبيل الأقرب للكلام على "الدين والدولة في خطاب الحالة المارونية"، هو العودة إلى الموارنة وما طبع تاريخهم. فالموارنة هجروا سوريا في القرن الثامن ولجأوا إلى جبل لبنان رفضاً منهم أن يعاملوا بذل. فكان خروجهم ووصولهم إلى جبل لبنان عبارة عن أول موقف سياسي تمثل بحركة رفض للظلم الذي أصابهم. فنشأت بينهم وبين الجبل وحدة هوية كانت الجغرافيا دليلاً عليها، بالتمسك بالحرية ورفض الانصياع لإرادة خارجية تلغي حريتهم. هكذا ظهر الرأي السياسي عندهم على أنه امتداد لاستقلاليتهم التاريخية التي عبّروا عنها من دون تردّد وبقوة، وقلّما تردّدوا في سلوكهم هذا. وهذا الاقتناع المسلكي في السياسة تداخل مع كل وجودهم، فصارت السياسة تعني وجودهم قبل البحث عن مفاهيم لها. لكنهم لم يسلّموا ذواتهم إلى منطق القوة، بل إلى منطق أساسه الرسالة، متى تكون ممكنة، وقد نجحوا أن يجعلوها ممكنة في أكثر الظروف التي مرّوا بها.



وقبل الخوض في الموضوع لا بد من بعض مقدمات. لست واثقاً، إذا كانت هناك مارونية بالمعنى المصطلح عليه عندما ندخل على كلمة ما إضافة ما تعني منهجاً واضح المعالم والتحديد، ولا أعرف تالياً إذا كانت هناك مارونية سياسية، كما درجت العادة على التعريف بها. فأنا أميل إلى القول إن هناك موارنة يعرفون نسبة إلى انتمائهم إلى تاريخهم الخاص. وهذا الانتماء طبع نظرتهم لذاتهم ولقضايا تاريخهم، التي عبّروا عنها بطريقة وجودهم بعيداً عن طرق الاقناع المنطقي، خصوصاً السياسة، التي تداخلت مع وجودهم قبل أن تأخذ عندهم قوالب فكرية ومفاهيم محدّدة. فما برز لديهم هو وجودهم الذي استدعى موقفهم إزاء أحداث تاريخهم.

وتزداد الصعوبة عندما نتكلّم على "حالة مارونية"، إذ إن الحديث عن حالة، مسألة فيها نظر، لأن الحالة تعني شيئاً ثابتاً يجب أن يحسب له حساب وأن تكون له فاعلية تاريخية تؤثر في ما هو خارج عنها. إذا كان المقصود بالحالة المارونية هو أن المارونية خبرةٌ لها اعتبارها، فلا نجد مشكلاً في هذا التحديد.

وفي كل الأحوال لا أهوى الإسقاطات ولا التجريدات والتفسيرات الإيديولوجية في الحديث عن الموارنة في المجال الديني والسياسي، لأني أفضل التعامل مع الموارنة بما يدل عليه تاريخهم أن لهم "هوية ذاتية" و"وجداناً ذاتياً" يحكم رؤيتهم للأشياء وخصوصاً ما يعني وجودهم المباشر.

وإذا عدنا إلى أوائل كتّاب التاريخ الماروني، إبن القلاعي، نجد موقفاً يختصر وعي الموارنة لذاتهم. يقول القلاعي:

"الموارنة أمّة كاملة، شعب مختار ألجأهم الله إلى مناعة جبل لبنان، وأوكل إليهم المحافظة على الإيمان، وكرامة المسيحية في الشرق. ثم دعاهم إلى نبذ الخلافات والوقوف صفا واحدا مقدّمين وشعبا مع الكنيسة. وأوضح لهم، أنهم لن يخلصوا من الذّل الذي لحق بهم في القرنين السابقين (عهد المماليك)، إلا من طريق ثبوت جميع فئات الشعب بقيادة البطريرك، في طاعة روما". (ابن القلاعي اللحفدي - 1493)

إن الجامع في نص القلاعي هو الرؤية الإيمانية للتاريخ ولتاريخ الجماعة ومصيرها. وتستند هذه الرؤية من جهة إلى عناية الله الذي "ألجأهم إلى جبل لبنان" وإلى الأمانة للإيمان: "بالحفاظ على الإيمان" و"ثبوت جميع فئات الشعب بقيادة البطريرك في طاعة روما". فجماعة الموارنة لدى القلاعي "أمة كاملة" أي جماعة و"شعب".

ومعروف ما هي أهمية كلمة "شعب" في التقليد الكتابي في اليهودية والمسيحية، والمقصود بها جماعة تتحرك على أساس وعيها لدعوتها وأن لها رسالة محدّدة، لا على أساس أنها جماعة عرقية (يقول المطران جورج خضر أن "المارونية إثنيّة في مقهوريتها التاريخية وفي احتمائها في الجبل كوّنت شعبا بالمعنى الكامل" ["النهار"- الجمعة 27 تشرين الثاني 2009 -]). وفي التقليد الماروني الذي أرساه القلاعي ومن ثم البطريرك إسطفان الدويهي، بشكل خاص، لا يعرّف عن الموارنة إلا باستعمال عبارة الشعب الماروني، لأن الموارنة لم ينظروا إلى وجودهم إلا انطلاقاً من وعيهم أن لهم دعوة خاصة ورسالة محدّدة نابعتين من خبرة وجودهم التاريخية.

والخبرة المارونية كما يوضّحها القلاعي في نصه، تمحورت حول دعوة أساسية وهي الأمانة للإيمان ولجبل لبنان. والأمانة لا تعني حفاظاً على الذات أو التمسك الأعمى بهوية تميزهم عن الآخرين، إذ منذ البدايات اقترنت الأمانة لديهم بالرسالة، كما جاء في نص القلاعي: "أوكل إليهم (الله) المحافظة على الإيمان، وكرامة المسيحية في الشرق". فالموارنة يعون أن تمسكهم بالأمانة للإيمان ولجبل لبنان ليس قدراً تاريخياً بل رسالة تاريخية. هذه العلاقة الجدلية بين الأمانة والرسالة تجد وحدتها في الصراع التاريخي من أجل الحرية، وهي، كما وصفها القلاعي "مقاومة كل ذلٍّ".

إذاً هناك الحرية في وجه "الذّل"، الذي كان يختصر سياسياً عبر الحقبات التاريخية بالاضطهاد أي إلغاء الغيرية أو بتوظيف الجماعات لاعتبارها من درجة ثانية. بالنتيجة هناك في الذل محاولة تغريب وإنكار حق في وجود حرّ ودور. ويمكن القول إن الذل هو الشكل المتطرف "للامساواة".

أمام هذا الواقع عمل الموارنة على خطيّن اثنين، الأول، حفظ حريتهم الذاتية بتكريس استقلالية جبل لبنان؛ والثاني، العمل على خرق جدار "اللامساواة" بالبحث عن السبل المواتية لقلب معادلة اللامساواة. فالأول حافظوا عليه بروح الممانعة والتوصل إلى خلق معادلة، سميت بامتيازات جبل لبنان، كرستها علاقتهم بالكنيسة الرومانية، وفّرت لهم حماية ثابتة عبر حقبات التاريخ؛ وفي الثاني توصلوا إلى خلق شراكة مارونية-درزية، نشأت عنها الإمارة، حتى وإن ظل الموارنة يومها في الظل، لكنهم لعبوا دوراً ريادياً في تثبيتها وتطويرها بهدف التوصل إلى نموذج حكم عادل. ولا ننسى فتحهم الطريق أمام الأمير فخر الدين إلى إيطاليا حيث تعرّف إلى نموذج متطور من الحكم وعاد من هناك حاملاً إصلاحات على صعد مختلفة.

لكن هذه الشراكة لم تبلغ نهايتها السعيدة، لأنها انتهت بمجازر1840 و1860، التي كان محركّها المباشر سعي الموارنة لإصلاح جذري في جبل لبنان، عملوا له على صعيدين، كان الأول، بإرسال عريضة من البطريرك والأساقفة إلى الباب العالي سنة 1839 يطالبونه بإصلاحات إدارية في جبل لبنان وتكريس أعراف سائدة(1). وكانت الوثيقة الأولى في زمنها التي استعملت منطق المساواة التي بدأت تشرق أنوارها في أوروبا في عصر الأنوار؛ والثاني، بإقناعهم الأمير بشير الشهابي بتكريس فكرة "المساواة"، من طريق كف يد الإقطاع وإعلان المساواة بين مكونات الإمارة ورعاياها. ولا ننسى في هذه الحقبة ثورة الفلاحين، التي قامت ضد الإقطاع والتي دعمها البطريرك الماروني. لكن الموارنة لم يستسلموا بل أكملوا مسيرتهم بالعمل لتحقيق مبدأ المساواة بتجسيده في مشروع دولة لبنان الكبير سنة 1920، بعد صراع مع الفرنسيين، الذين كانوا يؤيدون الوحدة السورية ويريدونها وحاول البعض منهم إقناع الموارنة بلبنان الصغير، ليكون على شكل كانتون مسيحي. وكانت فكرة المساواة رابضة وراء الدولة التي سعى إليها الموارنة في تلك الحقبة، التي نجد أبرز وصف لها في ما قاله البطريرك الياس الحويك في خطاب ألقاه أمام كليمنصو في سنة 1919، قائلاً:

"لا أمثل أمامك، يا دولة الرئيس، كزعيم ديني. فأنا مُنتدب من الشعب اللبناني، من الجماعات المسيحية كما من الجماعات غير المسيحية: الإسلامية والدرزية واليهودية. فهذا الانتداب لم يُعهد به إلى بطريرك جماعة دينية بقدر ما عُهد به إلى أكبر شيوخ هذا الشعب سنّاً. إسمح لي، يا دولة الرئيس، أن أوجّه انتباهك إلى هذه الخاصّة التي توحي بتطوّر عميق، مليء بالنتائج، وهي الأولى في الشرق، التي تستبدل القوميّة الدينية بالقومية السياسية (بالفرنسية وهو النص الأصلي: Permettez-moi, Monsieur le Président du Conseil, d’attirer votre attention sur cette particularité qui révèle une profonde évolution, grosse de conséquences, et qui, la première en Orient, substitue la nationalité politique à la nationalité religieuse). من هنا يتمتّع لبنان بطابع خاص، بشخصيّة يتعلّق بالحفاظ عليها قبل كلّ شيء. فلا يمكنه، وهذا في مصلحة الحضارة بالذات، أن يضحّي بها في سبيل أي اعتبار مادّي".

على هذه الخطى أكمل الموارنة مشروعهم في ترسيخ "دولة المساواة" في ميثاق 1943، الذي وضعت بنوده الأولى، في مؤتمر عقد في المقر البطريركي في بكركي سنة 1941، وكانت بمثابة الأسس النهائية لإزالة الإجحاف التاريخي، الذي أصاب الأقليات، وهي التي مهدت الطريق أمام تكريس صيغة سياسية تتمثل فيها جميع الطوائف على اختلاف انتماءاتها.

بإنجاز لبنان الكبير وميثاق 1943 يمكن القول إن الموارنة جسّدوا تجربتهم التاريخية في الأمانة للحرية بترجمة تاريخية حقوقية من خلال دولة المساواة.

ويمكن الاستنتاج أن الحرية والمساواة هما الناصيتان الأساسيتان لخطاب ماروني في العلاقة بين الدين والدولة. أما الشكل الحقوقي الذي سعى إليه الموارنة في دولة لبنان الكبير فيمكن اختصاره بمقولة "الدولة المدنية"، التي أشار إليها صراحة خطاب البطريرك الحويك عندما تكلم على: "خاصّة (...) توحي بتطوّر عميق، مليء بالنتائج، وهي الأولى في الشرق، التي تستبدل القوميّة الدينية بالقومية السياسية"(2).

في الختام، إن الكلام على الدين والدولة في الخطاب الماروني لا مناص له من أن يلتصق بتاريخ الموارنة وإلا وجد ذاته أمام حاجز معرفي كبير، لأن الموارنة، كما قلنا، لم يتعاملوا مع واقعهم على أساس المقدمات المنطقية ولا على أساس المنطق البراغماتي الصرف، وبدا من تحليلنا لمراحل تاريخهم، إنهم آثروا المزاوجة بين اختبار إيمانهم ومتطلبات وجودهم فكان لهم أن طوّعوا مراحل تاريخهم على أساس القوة الفاعلة في وجدانهم. وهذا ما برز بوضوح في مسارهم السياسي إذ صار تاريخ الدولة في لبنان ممهوراً بما صنعوا، حتى إنه يجوز فيهم قول بول ريكور عن التاريخ إنه: "تراكم آثار، وترسب لانجازات البشرية مفصولة عن فاعليها، ورصيد متوافر"(3).

(1) - إيليا حريق، التحوّل السياسي في تاريخ جبل لبنان الحديث. بيروت 1982. ص 208-209.
(2) - لتطور الخطاب الماروني عن الدولة المدنية، راجع: المجمع البطريركي الماروني: "الكنيسة المارونية والسياسة" (ف19) و"شرعة العمل السياسي، في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان".
(3) Paul Ricœur, Histoire et vérité. Cérès-idea (33). Tunis 1995. P.95.

الخوري باسم الراعي (أستاذ في جامعة القديس يوسف - دكتور في الفلسفة) - النهار 5 آب 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق