الأربعاء، 25 مايو، 2011

الصناعات التقليدية التونسية: رافد لإثراء المخزون الحضاري والثقافي التونسي

الصناعات التقليدية التونسية
تعتبر تونس ملتقى العديد من الحضارات بونيقية ورومانية وإغريقية وقرطاجانية وعربية - إسلامية وهو ما ساعد على تشكيل مخزون تراثي وحضاري فسيفسائي فيه الكثير من التنوع والثراء وتناقلت الأجيال المتعاقبة العديد من عادات وتقاليد هذه الحضارات على غرار الحرف التقليدية وعادات الملبس والأكل والمعمار وسلوكيات ثقافية أخرى لا تزال إلى اليوم حاضرة بخصوصياتها ورونقها.

ولأن الأنشطة الحرفية في تونس ارتبطت منذ القدم بالحاجيات اليومية للمجموعات السكانية فانه لا تكاد تخلو جهة من الجهات من منتوج حرفي اشتهرت به ونجحت في تطويع ما توفر بها من مواد أولية لصناعة مستلزمات عيشها وما تعاقب عليها من ثقافات وحضارات طبعت نمط حياتها.

ففي حاضرة تونس لا سيما "المدينة العتيقة" وبين أنهجها وأزقتها ذات الطابع المعماري العربي - الإسلامي ما زالت تنتصب اليوم سلسلة من الأسواق الحرفية لكل منها صنعة اشتهرت بها.

شيوخ وكهول وشباب أيضا يكابدون من أجل أن تبقى تلك المنتوجات اليدوية حية في الذاكرة وجزءا لا يتجزأ من الموروث الثقافي الوطني وتبدأ رحلة اكتشاف سحر الماضي بكل مكوناته منذ الخطوات الأولى أمام أبواب المدينة العتيقة التي اشتهرت بها على غرار" باب بحر" أو "باب جديد" أو"باب سويقة" أو "باب سيدى عبد السلام"وغيرها...

طابع معماري عربي- إسلامي متميز نواتها جامع الزيتونة المعمور وحوله التفت عدة أسواق حرفية وتجارية ومؤسسات تعليمية فضلا عن المعالم التاريخية و الأحياء السكنية فالأسوار الخارجية التي اندثر أغلبها أما الأسواق الحرفية فهي عديدة فهذا سوق الشواشين حيث تصنع الشاشية التونسية والتي دخلت تونس مع قدوم الأندلسيين والموريسكيين وهذا سوق العطارين الذي اشتهر بفن تقطير العطور وسوق البلغجية (البلغة حذاء من الجلد يرتديه الرجال) كذلك سوق النحاس الذي عرف بفن تطريق النحاس وصنع الأواني المنزلية والتحف وسوق البركة والذي اختص في صنعة الذهب والمجوهرات وسوق اللفة وهو معقل صناعة المنسوجات من الصوف والحرير وخاصة البرنس والجبة والكدرون وسوق السراجين وبرع حرفيوه في تطريز الحرير بالفضة والعدس وغيرها من الأسواق التي يجد التونسي والسائح على السواء متعة فريدة في زيارتها واكتشاف ما تنتجه الأنامل من مصنوعات تقليدية تسر الأنظار.

ومن الحرف التي ازدهرت في العاصمة وعدد من المدن الداخلية صناعة الحلي والتي تعود إلى العهد البونيقي فنجد "الخلخال" و" الريحانة" و"الخمسة" و كذلك الفضيات والحلي المرصع بالعنبر والمرجان.

وعرف عن نساء حاضرة تونس صناعة أنواع من الحلويات التقليدية من ذلك البقلاوة وخاصة بقلاوة الباي وهي من أصل تركي إلى جانب أصناف أخرى على غرار الكعك والزريقة " كريمة بالزقوقو" والجاوية "حلوى سيدى بلحسن" وطواجن الفستق واللوز.

الصناعات التقليدية التونسية
وفى زغوان انتشرت صناعة تقطير زهر النسري منذ عقود حيث لا تكاد تجد منزلا لا تحتوي حديقته على هذه الزهرة واليوم يحتفى بـ"النسري" سنويا من خلال مهرجان يستقطب الآلاف من الزوار التونسيين والأجانب.

واشتهرت جهة الوطن القبلي بصناعة الفخار والأواني الطينية والصناعات الجلدية والبلور وتقطير الزهر.

وبرع الحرفيون في تجديد هذه الصنائع التقليدية والنهوض بها فتجاوزت شهرتها حدود الوطن وساهم تدفق السياح على الجهة في الترويج لها في مختلف بقاع العالم .

وفي دار شعبان الفهري نشأ فن النقش على الحجارة وتوزعت الورشات الحرفية هنا وهناك في منافسة لا تهدأ من أجل مزيد الابتكار والتجديد.

وعلى امتداد الساحل التونسي ازدهرت حرف النسيج وتقطير العطور وصناعة الملابس الجلدية وبرعت النساء أساسا في التطريز وصناعة الملابس النسائية ولا سيما الخاصة بالمناسبات والأفراح.

وعرف عن أهل جزيرة جربة إتقانهم صناعة الفخار اليدوي والقلال. وأورد بعض المؤرخين أن خزافو جربة هم أول من استعمل الدولاب اليدوي لتشكيل منتوجاتهم وأصل هذه الصنعة فينيقي ويوناني برع في تطويره حرفيو جربة على مر الزمن حتى أصبح إحدى أهم مكونات المنتوج السياحي للمنطقة.

أما جهات تطاوين وقبلي المتاخمة للصحراء والمرتبطة بحضارة الرحل والقوافل التي مرت بها فقد تأثرت بالكثير من عادات البدو وتقاليدهم التي مازالت إلى اليوم شاهدة على الألبسة المصنوعة من الصوف وصناعات جلدية ومنسوجات حائطية إلى جانب مجسمات صغيرة للخيام التي كانت في ما مضى سكن البدو في حلهم وترحالهم وتجد إقبالا من السياح لطرافتها.

وفى منطقة الجريد حيث تمتد واحات النخيل تنتشر صناعات حرفية اتخذت من جذوع النخيل وسعفها مادة أولية برع السكان القدامى والحاليون في تطويعها فصنعوا الأثاث المنزلي والمستلزمات والأواني فضلا عن أبواب المنازل والأسقف ومن سعف النخيل صنعوا السجاد والحصير والقفة والطربوش وتحف الزينة وغيرها.

ومعماريا تتميز الجهة بطابع فريد بطله الآجر المحلي أو "القالب" كما يحلو لسكان الجهة تسميته فتوشح به واجهات المباني والسواري والأسقف مما يضفي عليها أبعادا جمالية رائقة.

الصناعات التقليدية التونسية
وغير بعيد عن توزر اشتهرت جهة قفصة بصناعة "الكليم"و"المرقوم" وهو منسوج حائطي أو ارضي من الصوف الطبيعي يجسم أشكالا هندسية بديعة ذات ألوان مستوحاة من ارث الجهة الطبيعي والاجتماعي.

وفى هذه المدن الجنوبية احتفظ المطبخ إلى اليوم بأكلات أصلها بربري وهي "البركوكش" مع اختلاف بسيط في استعمال البهارات وهي أكلة تشبه إلى حد كبير "الكسكسي" لكن حباته أكبر وكذلك خبز "المطبقة" و"المردومة".

والحديث عن الصناعات الحرفية في تونس لا يستقيم دون ذكر الزربية التي اشتهرت بها القيروان وتجاوز صيتها حدود المكان لتصبح العلامة المميزة لكامل الجهة وورد ذكرها في كتب الرحالة والمؤرخين ويقال أن هذه الصنعة من أصل تركي وفدت على بلادنا إبان الحقبة الحسينية.

وفي مدن الشمال التونسي ازدهرت صناعات النقش على الخشب وبرع حرفيوها في إنتاج أواني منزلية وتحف فنية من أغصان الأشجار كما اشتهرت سجنان "بنزرت" بصناعة الخزف اليدوي وباجة بصناعة الأجبان وماطر بصناعة البارود.

كما استفادت جهة تالة (ولاية القصرين) بما احتوته أراضيها من مخزونات هائلة من الحجارة المرمرية فازدهرت صناعة تحويلها على نطاق واسع وبالنظر إلى أهمية المحافظة على هذا الموروث الثقافي والحضاري وضمان ديمومته حظي قطاع الصناعات التقليدية في تونس باهتمام خاص تترجمه بالخصوص الجهود المبذولة للإحاطة بالحرفيين وتطوير عمل هياكل المساندة ومسالك التزود بالمواد الأولية وتوزيع المنتوجات.

ومن المبادرات الهادفة لمزيد دعم القطاع وترسيخ الهوية التونسية وتربية الناشئة على القيم الأصيلة قرار رئيس الدولة سنة 1991 إعلان السادس عشر من مارس من كل سنة يوما وطنيا للباس التقليدي تجذيرا للأصالة وتحقيقا للمصالحة بين المواطن التونسي ولباسه التقليدي وتقام بهذه المناسبة التظاهرات الفكرية والترويجية وطنيا وجهويا ومحليا لإبراز خصوصياته والتحسيس بضرورة الحفاظ عليه وتشجيع الحرفيين على مزيد الابتكار بهدف تطويره وتشجيع الشباب على الإقبال عليه.

كذلك ينتظم سنويا في العاصمة خلال فصل الربيع الصالون الوطني للابتكار في الصناعات التقليدية يشارك فيه المئات من الحرفيين من مختلف مناطق البلاد لتقديم آخر ابتكاراتهم وإبداعاتهم في اختصاصات حرفية عديدة بهدف التعريف بها واستشراف فرص الترويج والتصدير.

ولمزيد النهوض بالقطاع وتكوين جيل جديد من الحرفيين الشبان تم إحداث عدة مؤسسات جامعية مختصة في التكوين في مهن الفنون والحرف موزعة على عدد من مناطق البلاد وينتظر أن تشمل كل الجهات وذلك بغية تطوير التعليم الأكاديمي في اختصاصات الصناعات التقليدية المحلية ودفع الناشئة إلى الابتكار.

أخبار تونس 02-02-2008

0 تعليقات::

إرسال تعليق