الأربعاء، 25 مايو، 2011

منزلة المِثليين في خطاب الإسلاميين : القرضاوي نموذجا

(1)

قام خطاب الإسلاميين على دعوة المسلم المعاصر إلى الارتماء في أحضان زمن الدعوة المحمدية والاقتداء بالسلف الصالح في المأكل والمشرب والملبس والهيئة وغيرها من المظاهر المتصلة بالحياة اليومية. وليس أمام المسلم السلوكي إلاّ خيار واحد وهو إعلان القطيعة مع الزمن الآني ومع مجتمع "الجاهلية الجهلاء" والاستعاضة عن ذلك بزمن البدايات. فمسلمو العصور الأولى يمثلون الأنموذج، وما على اللاحق الراغب في الخلاص إلاّ محاكاة السابق. ويعمد منتجو هذا الخطاب إلى أسطرة شخصيات كثيرة وإيهام الجمهور بأنّ استعادة الماضي والسير على ما يعتقد أنّه نهج السلف تشكلان سبيل النجاة والملاذ الذي يلجأ إليه من عجزوا عن الاندماج في المجتمعات الحديثة.

ويتوهم أنصار هذا الخطاب أنّهم يمتلكون "الحقيقة". فهم ملمون بتفاصيل مَعيشِ السلف ويعرفون قسمات الوجوه ومختلف أشكال التعبير عن المشاعر والأحاسيس، بل هم بالنوايا وخفايا الأمور عليمون. ويأبى هؤلاء الاعتراف بأنّهم لا يملكون إلاّ تمثلا (une représentation) عن حياة السلف، وأنّهم يقومون بإعادة بناء الماضي وفق ما ترسخ في متخيلهم من تصورات وتمثلات وانطلاقا من احتياجاتهم الآنية. ويكفي أن يتمعن المرء في خطاب الدعاة الدينيين ليتبين مدى التصرف في التاريخ وفي الذاكرة الجمعية. إذ يتغاضي هؤلاء عن التاريخ الأسود في مقابل الإشادة بالعصور الذهبية. فلا نكاد نعلم شيئا عن الفترات التاريخية التي شهدت أحداثا حاسمة في تاريخ الأمة، كتناحر أصحاب المذاهب واستشراء ظاهرة العنف وانتشار مظاهر اللهو والمجون والعبث بالمقدسات وغيرها من الأخبار التي تعجّ بها كتب التراث. وهنا حقّ القول إنّ خطاب الداعية ينوس بين الزمن التاريخي والزمن التخييلي وهو خطاب شكّلته ذاكرة محاصرة بحدود حكمتها ثنائيات منها الحضور والغياب، الاسترجاع والنسيان، التضخيم والإلغاء، الفردي والجماعي، الموجود والمأمول..

نجوم الفضائيات المتربعون على عرش البرامج الدينية يمارسون الغربلة، ينتقون ما يتلاءم مع مقاصدهم المحددة فيبرزونه ويتفننون في عرضه في أبهى صورة ويتعامون عن حقائق يجهلها المواطن العادي والبسيط ولكنّها لا تخفى عن المطلع عن كتب التراث. ولعلّه يجوز القول إنّ ذاكرة هؤلاء ذاكرة "مؤرشفة" " (Mémoire archivée)على حد عبارة Paul Ricoeur. فلا غرابة حينئذ أن تغيب أسئلة في برامج الإفتاء ذات وشائج بالجنسانية. فلا نكاد نعثر إلاّ على بعض المسائل التي تتعلق بهجر الفراش أو غياب الزوج الطويل عن زوجته أو مطالبة الزوج بحقه في التمتع بأخريات والتنقل من مكان إلى مكان بحثا عن التلذذ بمختلف الأجساد. ولا غرو في ذلك مادامت مؤسسة الفقه تشرع 'زواج المسيار' وتبدو عينها كليلة عن زواج الدم وزواج الوشم وزواج الفرند(Friend)..

ولئن شذت "الجزيرة" عن السائد بتخصيص حلقة من برنامج" الشريعة والحياة" بتاريخ 5/6/2006 للتطرق إلى موضوع المثليين، مستنجدة بمعارف العلامة القرضاوي، فإنّها سقطت في العرض السطحي للمسألة، وهو أمر متوقّع باعتبار أنّ الجنسانية تعتبر من المواضيع المسكوت عنها في البرامج الدينية نتيجة انضوائها تحت قائمة "الممنوعات والمحظورات". وبالرغم من أنّ المجتمع العربي من أكثر المجتمعات هَوَساً بالجِنسانية، إلاّ أنّ هناك خطوطا حمراء يُحرّم الاقتراب منها.

نلمس في كتب الأدب والطبّ والباه والفقه وغيرها أنّ القدامى كانوا أكثر جرأة وأكثر قدرة على التعامل مع القضايا الجوهرية من العلماء المعاصرين. فالعلماء لم يجدوا حرجا في الحديث عن اللواط والسحاق ونكاح الحيوانات وغيرها من الممارسات الجنسية التي كانت سائدة في مجتمعاتهم. إذ شهدت الثقافة العربية الإسلامية ممارسات كانت سائدة في ثقافات مجاورة كالثقافة اليونانية والثقافة الرومانية والثقافة الفارسية وغيرها. ولم يكن الفقهاء يتهمون "الآخر" بالتآمر على الإسلام والمسلمين، وإنّما اعتبروا تلك الممارسات علامة دالة على الحراك الاجتماعي وإفرازا لواقع محكوم بسياقات متعددة.

ولئن تفاعل القدماء مع مستجدات واقعهم كلّ حسب انتمائه الفكري والمذهبي، فإنّ الدعاة المعاصرين تحاشوا الخوض في مواضيع تفضح ما يجري في الواقع المعيش وتكشف النقاب عن الهوة الفاصلة بين الموجود والمنشود. لقد بدا القرضاوي في هذه الحلقة المخصصة للمثليين في ضيق نفسي مكتفيا على غير عادته، بتقديم إجابات مختصرة وانطباعية قائمة على تكرار ألفاظ من قبيل "الشذوذ- جريمة ضد الأخلاق والدين والإنسانية - إشاعة الفاحشة.... وهو أمر مخبر عن الحرج الذي يلم "بالعالم" حين تطرح عليه مواضيع يصعب التطرّق إليها أمام الملأ. فلا مجال لتفصيل القول في دوافع الميل الجنسي للمثيل وأسباب انتشار هذه الممارسات الجنسانية والعوامل التي جعلت المثليين يطالبون اليوم بحقهم في أن يكونوا مختلفين ومتمتعين بالكرامة ويسعون إلى تحسين منزلتهم القانونية ووضعهم الاجتماعي. ولم يكن المقام ملائما حتى يستعرض القرضاوي معارفه ويستنجد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية كما عهدناه في السابق. فكان كلامه مرتكزا على العموميات ومتضمنا لإدانة "الشواذ" ولمن سولت له نفسه الخروج من السرية إلى العلانية والجهر بالفاحشة بما في ذلك الكتّاب والمخرجين السينمائيين الذين تطرقوا في السنوات الأخيرة إلى مثل هذا الموضوع وأقدموا على كسر جدار الصمت، ولعل فيلم عمارة يعقوبيان أبرز مثال على ذلك. ويكمن الخطر حسب القرضاوي في نبذ الحياء والتبجح بمفارقة الفطرة والقطع مع ما يميز المسلمين عن غيرهم، أي رجولة الرجال، والاقتداء بالغرب في السلوك والقيم.

وليس غريبا أن ينقلب الداعية إلى مشهّر بالفئات الضالة التي رفضت إعلان التوبة. فهؤلاء الذين يصرون على ممارسة اللواط لا يستحقون إلاّ المقاطعة. أمّا المرضى الذين تابوا فإنّهم يستحقون العطف والمساعدة الطبية والدينية والاجتماعية. ويختم الشيخ كلامه بدعوة ملحّة إلى أن يضطلع أفراد المجتمع بمسؤولياتهم إذ ثمّة تقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومعنى ذلك أنّنا إزاء عودة مؤسسة "الحسبة" من جديد وإلى مراقبة وعقاب وتهميش وعنف مسلط على الفئات التي لفظها المجتمع لأنّها قصرت عن التعبير عن أنموذج "المسلم الكامل" والفحل العربي.

من الجليّ أنّ القرضاوي وغيره من الدعاة الدينيين يعوزهم الفهم العلمي والإلمام الدقيق بمختلف المناهج المعاصرة والمقاربات التي حللت الجنسانية، ومن ثمّة فإنّهم عاجزون عن تفسير سلوك المثليين وتقديم قراءات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ونفسية لمشاكل الشباب الأساسية والتحديات التي يواجهونها. وتبدو الحلول التي يقدّمها الدعاة الدينيون للمشاكل غير واقعية لا تعكس حقيقة متطلبات العصر باعتبار أنّ المرجعيات التي يصدر عنها هؤلاء غير متلائمة مع الثقافة السائدة في هذا القرن. فالتمسّك بمنطق فتاوى الماضي منطق عقيم. ذلك أنّ المفعول الزمني لهذه الفتاوى محدود، كما أنّها ليست خالدة وعابرة للتاريخ حتى وإن أضفيت عليها القداسة. فهل يمكن اليوم تحريق اللوطيين مثلما فعل الصحابة؟ وهل يجوز القول إنّ على المسلمين أن يتمسكوا بمبدأ الإقصاء والنبذ والتهميش والإدانة وأن يمارسوا كلّ أشكال العنف تجاه المثليين؟

إنّ تناول موضوع المثليين بهذه الطريقة التقليدية والساذجة التي تتعامى عن الواقع فيه استخفاف بالمشاهد الذي صار اليوم عوالا على أجهزة الإعلام المعاصرة مدمنا على مشاهدة مختلف البرامج عله يظفر بالمعلومات الدقيقة والتحليلات الجدية والمعمقة. بيد أنّ الخطاب المقدم لا هم له سوى تأسيس ثقافة الترهيب والتحريم والتجريم والعنف....

هناك قضايا ملحة كثيرة في العالم العربي يستنكف الكثير من الكتّاب والباحثين والمفكرين من التعرّض لها اتقاء شر المستبدين السياسيين أو الممارسين للإرهاب الفكري. وهناك قضايا أخرى يرفض المفكّرون الخوض فيها بحجة الحرج الذي تتسبب فيه، ومعنى ذلك أنّ العائق ليس ابستمولوجيا ولا يتصل بالسياق السياسي والمناخ الفكري السائد بقدر ما هو عائق نفسي. فالمفكّر يمارس الرقابة على ذاته فيمتنع باختياره عن الخوض في مواضيع محددة.

أمّا الذين بادروا بالتطرّق إلى القضايا الملحة والمسكوت عنها كالجنسانية المهيمنة والمثلية وغيرها فإنّهم ينقسمون إلى فئات. فمنهم من اكتفى بجمع النصوص القديمة والتنويه بطريقة تناول القدامى للجنسانية فأعادوا نشر كتب الباه، ومنهم من حلل الظاهرة تحليلا أدبيا ينأى عن التصريح ويتخفى وراء التلميح متذرعا بأنّ للكتابة الإبداعية قوانينها الخاصة، ومنهم فئة اختارت اللغة الأعجمية ستارا يحجب العوائق النفسية التي تحول دون طرح الموضوع بلغة الضاد. فالقارئ باللغات الأجنبية يختلف عن القراء الذين لا يعرفون إلاّ لغة الإعجاز القرآني. والجدير بالذكر أنّ المرأة اقتحمت ميدان الكتابة حول الجنسانية فلم تعد تشكل موضوع القول ولم تعد جسدا مستمتعا به لا يملك حق التعبير عن اللذة، بل إنّها صارت تخبر عمّا عاينته وعاشته من تجارب متعددة. وانطلاقا من ذلك لم يعد من الجائز القول ما للنساء والكتابة حول الجنسانية؟

ورغم تواتر الكتابة حول موضوع الجنسانية إلاّ أنّ المتابع لأغلب ما ينشر يلحظ أنّ ثمّة مسافة فاصلة بين ما خلفه القدامى من إنتاج بخصوص المثليين وما صدر عن الكتاب المعاصرين من مؤلفات محتشمة أشارت إلى معاناة المثليين في المجتمعات المعاصرة دون التعمق في تحليل الأسباب والنتائج. ولذلك ارتأينا أن نعرض بإيجاز تدبر السلف لهذا الموضوع متسائلين في الوقت نفسه لم قصر الخلف عن السير على منوال السلف. فلم يتحلوا بالشجاعة الفكرية التي تجعل الواحد يواجه الواقع ولا يتخفى وراء قيم 'الحياء والستر والعار....

حوت كتب التراث أخبار الخنثى المشكل واللوطيين والمخنثين والمساحقات كما أنّها تضمنت إشارات بشأن سلوكهم ووضعهم القانوني والاجتماعي وما أحدثوه من خلخلة في بنية النظام الاجتماعي. والحكايات المروية عن حبّ الأحداث والولع بالمردان معروفة والبراهين الدالة على شيوع هذه الظاهرة لدى الخاصة والعامة، وحتى في صفوف الفقهاء والقضاة وفي أوساط المتزمّتين أنفسهم كفقهاء المالكية وقضاتهم متوفرة، بل إنّ عاشق الغلام المتعفّف عدّ، في نظر بعضهم، شهيد الهوى.

أرجع عدد من العلماء أسباب المثلية الجنسية إلى الطبع في حين اعتبر البعض الآخر أنّ سببها تفحّل في الشهوة أو تمكّن الشيطان من المرء، أو الأبنة التي تجعل صاحبها مجبرا على تسليم نفسه ليفعل به. بينما تأثّر آخرون بفلاسفة اليونان فرأوا أنّ الرجولة العالية تدفع بعضهم إلى مصادقة أندادهم وأشباههم. وأرجع "إخوان الصفا" سبب الميل إلى المثيل إلى صلة المرء بالكواكب. فالرغبة في النكاح "تختلف بحسب اختلاف المواليد، وما في الطباع من محبّة الجواري الحسان، وقوم يحبون المتوسط من ذلك ودونه، وقوم يغلب عليهم محبّة الغلمان والأحداث، وضروب من هذا الفنّ توجبها لهم مواليدهم وما يتولاهم من الكواكب في أوقات مساقط نطفهم، وأوقات مواليدهم".

ونظرا إلى غياب النصوص "القطعية الدلالة" التي تبين عن "حكم الشرع" في ممارس اللواط فقد اختلفت مواقف الفقهاء، وخاصّة في القرن الرابع، من اللواط بالغلمان اختلافا بيّنا. فرأى البعض أنّ عقوبة اللواط هي نفس عقوبة الزنا، بينما ذهب المتشدّدون إلى ضرورة قتل اللوطي وفرّق آخرون بين اللواط بالمملوك وبغيره، ومال آخرون إلى عقوبة التعزير. وعلى الرغم من هذه الاختلافات في تحديد عقوبة الجنسية المثلية، فإنّ الفقهاء أبدوا نفس المخاوف تجاه الظاهرة، فعمدوا إلى التحذير من خطر اللواط على المجتمع معتمدين في ذلك على قصّة لوط في القرآن، كما أنّهم ارتكزوا على سياسة الخلفاء مع من مارسوا هذه العادة لتبرير ضرورة "تطهير" المجتمع من 'الشواذ'. روي في هذا الصدد أنّ خالدَ بن الوليد (ت21هـ ) "وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر" فأمر بتحريقه عملا بمشورة عليّ بن أبي طالب. وهو حكم نجد له مثيلا في اليهودية. جاء في سفر اللاويين "وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا إنّهما يقتلان(1/20).

يقودنا النظر في هذه الآراء إلى الإقرار بأنّ الإنسان لا يولد لوطيّا أو مخنثا أو مساحقة وإنّما يتعلّم كيف يكون على هذا النحو أو ذاك. فثمة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وضغوط وإكراهات تدفع بالمرء إلى أن ينضوي تحت جماعة المثليين عن إرادة واختيار وفي حالات أخرى، ينساق إلى ذلك المسار انسياقا. وما قبول المجتمع، في الغالب، لهذه الأصناف الجندرية إلاّ حجّة على الحراك الاجتماعي وعلى الفجوات التي تفتحها الجماعة لبعض الفئات التي تعوزها الفحولة حتّى تضطلع بالدور الثانوي فتنوب عن المرأة عندما تقتضي الظروف ذلك.

ولعلّ ما يبرّر الجنسية المثلية وجود هذه الفئات المستضعفة: الصبيان والغلمان والأحداث، الذين لم يتخلّصوا بعد من الخصائص الأنثوية نحو نعومة الجلد ورقّة الطبع والانقيادية، فيتمّ استغلالهم وتحويلهم إلى أداة استمتاع. ويبقى الغلام في نظر ناكحه وعاء مثله مثل المرأة لا ينتظر منه سوى التسليم والتمكين ولا يتوقّع منه أن يشعر باللّذة.

وعلاوة على هيمنة الكبار على الصغار واستغلالهم جنسانيا، أدّت طريقة الفصل المبكّر بين الذكور والإناث إلى نتائج نفسية على مستوى بناء شخصية الفرد. فحالة الخوف التي يشعر بها الفتى تجاه النساء نتيجة التمثلات التي يغرسها الرجال في نفسه، تجعله لا يستأنس إلاّ لمن هو مثله ممّا يخلق نوعا من التآزر الذكوري. فيكون الكهل الحصن الحصين الذي يحمي المترهّق من كيد النسوان. وبذلك تتسبّب نوعيّة التربية التي يتلقاها الصبي في تشكيل هويته الجنسية ودفعه إلى المثلية. وهكذا تسبّب الفصل بين الجنسين في ظهور مثل هذه الممارسات التي تمّ احتواؤها لأنّها لا تعبّر عن بحث عن تنويع مصادر اللذّة فقط كما هو الحال بالنسبة إلى الخاصّة وإنما تسدّ حاجة في الأوساط التي عرفت بؤسا اجتماعيا واقتصاديا وكبتا جنسيا واضحين.

يحيلنا التدبّر في ظاهرة الجنسية المثلية إلى نظرة الرجل إلى ذاته ونظرته إلى المرأة، كما أنّه يوضّح أنّ الموقف من اللوطيّ يختلف باختلاف الدور الذي يقوم به الرجل هل هو الفاعل أم المفعول به؟ وهو أمر يخضع في العادة لعامل السنّ والمنزلة الاجتماعية والكفاءة الجنسية. فالمُضرِب عن جماع النسوان يميّز في الذكورة عنصرا ساميا ولا يحبّ السكن إلاّ إلى المثيل لأنّه يرى أنّ الذكر قادر على تحقيق ما تعجز المرأة عن فعله، وعلى توفير المتعة والأمان. قيل لأحدهم: "لِمّ قدّمت الغلام على الجارية؟ فقال: لأنّه في الطريق رفيق وفي الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل".

ثمّة إذن تبخيس للجسد الأنثويّ ذي الجمال المصطنع، والذي تطرأ عليه تغييرات فيزيولوجية شتّى تحول دون الاستمتاع به على الدوام نحو الطمث والحمل والولادة. وقد عكس ابن حزم هذا الرأي فقال: "إنّ حسن الرجال أصدق صدقا وأثبت أصلا وأعتق جودة". وفسّر ابن قيم الجوزية علّة كلف الرجال بالمردان بقوله: "وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان. وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضي وفرض النفقة والحبس على الحقوق فلِم يتجشّم الرجل هذه المصاعب والحال أنّ الغلام "لا يحيض ولا يبيض،" ويمكن أن" يصلح للضدين، يفعل ويفعل به".

ينأى اللوطي عن الخضوع للجنسانية المهيمنة ولا يعترف بضرورة ممارسة الجماع مع الأنثى فيفصل بذلك الجنسانية عن الإنجاب ويتخلى عن دوره الإنتاجي في مؤسسة الزواج معرضا عن الحرث ومهدرا البذر. وما من شكّ أنّ في تفضيل الدُبر على القُبل إقصاء للجماعي ونزوع نحو الفردية، كما أنّ في إصرار اللوطي على أنّ الاستمتاع لا يتحقق إلاّ مع الذكر إعلانا عن الاستغناء عن وجود النساء وتحقيقا للاكتفاء الجنسي. وبدلا من التسلّط على النساء، يقوم اللوطي بالتسلّط على المثيل فيتخذه موضوع متعته ويعتليه ويزحزحه عن منزلته الأصلية ليلحقه بالأنثى. وبذلك يطعن اللوطي الأيديولوجية الجنسانية في العمق ويهدّد بنية العلاقات التبادلية. ففي عزوفه عن ممارسة الهيمنة على الجسد الأنثوي وفي تسلّطه على المثيل إهانة لقانون الطبيعة، باعتبار أنّه يستعمل قضيبه في مكان مخالف. وما كان الذكر ليمتهن فيفترش!

لقد استهجن الفقهاء اللواط لأنّه وطء في محلّ لا تشتهيه الطباع. فالله ركبها وفطرها على النفرة من مواضع الدنس والإقبال على البضع المؤدي إلى التناسل. ومن ثمّة اعتبر اللوطي قذرا لأنّه يبحث عن شهوته ويعرض عن القيام بدوره الطبيعي: الولوج ليتحوّل نتيجة ذلك إلى فرج يشتهى والحال أنّ "الذكر ليس بمحل لوطء...لأنّ المرأة محلّ للوطء". ونلمس هذه الرمزية المتخفية وراء هذه الممارسات في النتائج الناجمة عن اغتصاب الرجل الرجل. فحين يمارس الواحد على الآخر عنفا يصادر منه ذكورته ويهين شرفه وينتقم منه بتحويله إلى أنثى. فلا عجب أن يعيّر الموطوء بأنّه صار مجهزا بفرج يُفعل به.

ثمّ إنّ المجتمع يعتبر عاشق المثيل مزعجا ويعدّ تصرفاته شنيعة لأنّه يخلع عذاره ويبوح بمعاناته وينقاد وراء النفس الأمارة فيصير دنيوي الطبع لا يقمع شهوته. وهذا السلوك يُبين عن ضعفه، والضعف والانكسار من سمات النساء.

أمّا موقف المجتمع من اللوطي الذي يمكّن من نفسه، فقد كان أشدّ استهجانا من اللوطي الفاعل، خاصّة إذا كان كبير السنّ. وذلك راجع إلى كونه يتصرّف تصرفات النساء فيشوّه الذكورة في مجتمع ثمّن القوّة وغرس في أبنائه حبّ الفروسية وأهميّة التفحّل وهيأهم للنهوض بأدوار جسام كالغزو والجهاد، كما أنّه خصّهم بمنزلة متميّزة. فإذا باللوطي مشغول بنتف مقدمات الشعر من لحيته وعذاره والتًنوّرِ وإذا مشى اختال ونظر في أعطافه، وتهتّك استدراجا للرجال، ومعنى ذلك أنّه رجل لا تتوفّر لديه خصائص الذكورة بالقدر الكافي ولا يمكن للأمّة أن تعتمد عليه وأن تفتخر به. فاللوطيّ ذو فرج خلفي، أي رجل مؤنث و"عقيم" لأنّه عاجز عن ممارسة دوره الطبيعي والاجتماعي. وبدل أن ينهض بوظيفته من أجل تأسيس أسرة، يكتفي بالبحث عن اللذّة الذاتية. وهو حين يعرض عن القيام بدوره الجندري، يهدّد مصالح المجتمع ويقضي على مؤسسة الزواج والمصالح المرتبطة بها، مثل الانخراط في علاقات المصاهرة وتحصين النساء والمكاثرة بالعيال وخاصة "قيام الرجال على النساء". ومعنى ذلك أنّ اللوطي أو المخنّث يهدّد مفهوم القوامة بالزوال فكيف تتحقّق القوامة مع من عزف عن النسوان؟ وانطلاقا من ذلك فإنّ اللوطي يمثّل خطرا على النظام التراتبي لأنّه يضحيّ بهيبته وشرف منزلته في سبيل قضاء الوطر فيعبث بالحدود فينكح الأسود والأبيض، والصغير والكبير، والجميل والقبيح، والشريف والوضيع. "قيل لرجل: تنبطح مع شرفك ولا تأنف؟ فقال: ذوقوا ثمّ لوموا".

ثمّ إنّ اللوطي أو المخنّث ينقطع عن المرغوب فيه اجتماعيا ليتماهى مع الأنثى فيكون بديلا عنها فيتخذ دورها ويسلّم جسده ودبره كما تسلّم المرأة قُبلها أو دُبرها وكأنّه بذلك يعبّر عن حلم قابع في لاوعيه: أن يلتذّ وهو في "وضع استقبال" فيطلق العنان لخياله متصوّرا نفسه امرأة تستعد للنهوض بوظيفة الإنجاب تلك الوظيفة التي حرم منها جنس الرجال. فتكون الجنسانية وفق هذا الطرح مجالا لتجسيد الأحلام والاستيهامات والطموحات التي يصبو إلى تحقيقها كلّ جنس بعيدا عن الآخر.

ويشقّ على المجتمع الرجولي تقبّل هذه التغييرات التي تعبث بجوهر منظومة التنشئة الاجتماعية وتهدم نظام العلاقات التبادلية وتصدّع منظومة القيم الأخلاقية والدينية وتهددّ القوامة بالزوال، إذ كيف يتسنى للرجل تبرير هيمنته على المرأة وتمتعه بمنزلة تفوق منزلتها إن أضحى مماثلا لها في الصفات فاقدا آليات سلطته؟

ولأنّ الرجولة تعالٍ وتفوّق ومفاخرة بالفحولة وإشادة بالقيم الذكورية، فإنّ المجتمع البطريكي قاوم ومازال يقاوم وجود هذه الفئات التي تعكس صورة مشوّهة للذكورة وتشير إلى الاضطراب الجندري.(Gender trouble)

لقد كان خطاب الفقهاء بمثابة رثاء للرجولة وتفجّع لغياب أهمّ صفات الذكورة في شخص المخنّث واللوطي. وهو موقف مفهوم في ظلّ مجتمع بقي مشدودا إلى عصر الفتوّة وعصر الدعوة أو إلى ما هو تمثّل لما كانت عليه حياة الأجيال الأولى من ميل إلى البساطة وولع بالمحاربة والغزو. فكان الفتى هو الأنموذج الذي تفتخر به العشيرة وكانت الوحدة والانسجام من أهم الأهداف التي ترنو الأمّة إلى تحقيقها. ولذلك عدّ المخنّث أو اللوطي خارجا عن طبيعة تكوينه "نجسا" أو "ملوّثا" للنظام لأنّه يتبع مسالك خارجة عن النظم المألوفة، ولا يقبع في الموضع المحدّد له داخل التراتبية الاجتماعية، وإنّما يحبّذ تجاوز الحدود والتنقّل من خانة إلى أخرى. وكما هو معلوم لا تتقبلّ بنية الوعي هذا الخرق سواء كان واقعيا أو رمزيا لأنّه ينذر بخطر داهم.

وبالمثل نلمس في خطاب الداعية المعاصر شعورا بالمرارة بسبب إقدام بعض الكتّاب أو المخرجين السينمائيين على هتك ستار فئات تعيش على هامش المجتمع "المسلم" الذي يتمسّك جاهدا بالاصطفاء ويريد أن يكون أبناؤه فحولا تفاخر بهم الأمة الإسلامية أمام سائر الدول التي تأنّث رجالها نتيجة سقوط الحواجز بين الأنوثة والذكورة وذيوع الانحلال الأخلاقي. ولا معنى لمعالجة هذا الموضوع سينمائيا أو فكريا إلاّ فضح لما يحاول الداعية إسبال الغطاء عليه: الإقرار بأنّ لا مجتمع ولا ثقافة يخلوان من وجود علاقات مثلية وممارسات جنسية متعددة.

آمال قرامي * كاتبة وجامعية تونسية amel_grami@yahoo.com

الشفاف 19 يونيو 2006

منزلة المِثليين في خطاب الإسلاميين: القرضاوي نموذجا

(2)

حين سئل الشيخ القرضاوي عن المساحقات والعقوبة التي حددت بشأنهن اكتفى بعرض أقوال القدماء معتبرا أنّ ممارسات النساء أقلّ خطورة من ممارسات اللوطيين لكونها لا تقوم على استدخال عضو في آخر وإنّما هي مجرد ملامسات. وكالعادة لم يكلّف الشيخ نفسه عناء البحث والاستدلال ولم يحاول أن ينظر إلى الموضوع من زاوية جديدة فيها إلمام بالعوامل المؤدية إلى ظهور مثل هذه الممارسات وإنّما كان همّه إبراز رأي "الشريعة" في اللوطيين. وعبّرت بعض الآراء التي قدّمها القرضاوي عن تصوّر محدّد للجنسانية مفاده أنّ اللذّة قائمة على فعل الجماع وحده، أي على الجنسانية السائدة ولا يمكن أن تتأتى من أشكال أخرى من الممارسات الجنسية. ولئن عرضنا في المقال السابق موقف السلف من اللوطيين فإنّنا ارتأينا أن نبيّن كيف تعامل القدامى مع السحاقيات وكيف واجهوا هذه الممارسات؟

تختلف نظرة المجتمع إلى الجنسانية باختلاف الجنس. وقد عكست النصوص هذا التمييز بين الرجال والنساء حينما توسّعت في الإخبار عن اللوطيين، فتلك مهارات ذكورية تومىء إلى تفجّر طاقة شهوية تفنّد ما استقر في الأذهان من أنّ غلمة المرأة تفوق شهوة الرجل. وفي المقابل سكت أغلب الرواة والمؤرخين عن ممارسات النسوان الجنسية فلا نكاد نعثر إلاّ على بعض النتف من الأخبار المبثوثة في ثنايا كتب اهتمت بمواضيع ذات وشائج بالأدب والتاريخ والتصوف وغيرها. ولعلّ الثقافة العالمة، بهذا التهميش، قامت بعملية حجب كلّ ما له علاقة بحياة المرأة الجنسية. وهو أمر يبيّن الصلة المتينة بين الذَكَرِ والذِكْرِ. فما دوّن له، في الغالب علاقة بالذَكَر، أي بالرجل لا بالمرأة.

ورغم تهميش العلماء السحاق، فإنّ الدلائل تثبت أنّ هذه العادة عرفت في المدينة وفي بغداد وفي الأندلس وفي غيرها من الأمصار واستشرت، بالخصوص في قصور الخلفاء بين النساء، سواء كنّ من الجواري أو الحرائر. وفي مقابل ذلك ندر وجود السحاق في البادية. ومازالت الممارسة حاضرة في الواقع المعيش، حتّى وإن حاولت الذاكرة الجماعية تجاهلها أو التقليل من شأنها. وربّما يعود السبب في ذلك إلى أنّ السحاق مخيف فهو يتحدّى الفحولة في العمق ويستفزّ السلطة الاجتماعية ويتحدّى نظمها ومؤسساتها.

ولا غرابة أن يهمل الفقهاء النظر في هذه الممارسة وأن لا يفردوا لها مبحثا خاصّا لبيان الأحكام الخاصة بالسحاق، غاية ما يعثر عليه الباحث بعض الإشارات التي لا تتعدّى التنديد بالظاهرة والتحذير من خطر العدوى والدعوة إلى ضرورة إحكام السيطرة على النساء وقصرهنّ في البيوت ومنعهنّ من دخول مواضع الشبهة نحو الحمامات. فقد أقرّ التلمساني والونشريسي وغيرهما ب"مفسدة" تفشت في العصر وجعلت منع النساء من دخول الحمام أكيدا وهي "تحرّك شهوة التفاعل الذي يختار بعضهنّ لذته عن مباضعة الرجل".

وهكذا تمارس الثقافة الوأد بتقنينها للمجالات المعرفية. فالسحاق من المواضيع التي لا يجب الخوض فيها حتّى على مستوى التخيّل لأنّ ما يمكن تصوّره نكاح الرجل للمرأة أو نكاح اللوطيين أمّا أن يتحوّل الجسد الأنثوي إلى موطن لذّة المرأة نفسها فذاك أمر لا يسوّغه مسوّغ. فهذا ابن قيّم الجوزية يعدنا بتقديم "الجواب الشافي" ولكنّه حين يتطرّق إلى السحاق سرعان ما يطلق العنان لنفسه ليتحدث عن حكم تلوّط الرجل مع مملوكه الذي سبق أن خاض فيه في مواضع أخرى من كتابه. ولكن أهو الاستطراد أم الحرج الذي يصيب الفقيه أم هو الإقصاء المتعمّد؟

لقد حاول الأطباء تفسير علّة السحاق فاعتبر بعضهم أنّ أصل "الداء" خلقة في النساء بينما رأى فريق آخر أنّ السبب راجع إلى تأذي المرأة من ذكر الرجل أو كراهتها له. ورأى آخرون أنّ "السحق يتولّد من تغذّي المرضعة الكرفس والجرجير والحندقوق، فإنّها إذا أكثرت منه وأرضعت صار عادية ذلك إلى شفري المولودة. فتتولّد هناك الحكّة".

وانتبه التيفاشي إلى العوامل الاجتماعية المتخفية وراء هذه الممارسة، فذكر أنّ السحاق عادة تتمكنّ ببعض الجواري منذ الصغر "حتّى يبلغنّ عليه، فيبقين يشتهينه". ولكنّه لم يصرّح بالأسباب الخفية التي تدفع الجواري إلى السحاق مثل قرب الفراش، ونعني بذلك جمع آلاف الجواري في قصور الخلفاء وهجرهنّ شهورا طوالا فيكون السحاق في مثل هذه الحالة سدّا لحاجات جنسية ضاغطة في مجتمع جعل الخليفة يعدد الحرائر ويتسرّى بعدد لا يحصى من الجواري. وكثيرة هي النصوص التي تشير إلى شكوى النساء قلّة الإتيان وعيشهنّ على الهامش. وبذلك كان السحاق في كثير من الحالات، شاهدا على البؤس الجنسي.

وأرجع الجاحظ علّة السحاق إلى جهل عدد من الرجال مواطن اللذة لدى المرأة، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن البديل، والبديل هنا هو المرأة التي تعرف أسرار الجسد الأنثوي. قال الجاحظ: "ومن أكثر ما يدعو النساء إلى السحق إذا ألصقن موضع مَحزّ الختان وجدن هناك لذّة عجيبة، وكلّما كان ذلك منها أوفر كان السحق ألذّ، قال: ولذلك صار حذّاق الرجال يضعون أطراف الكمر، ويعتمدون بها على محزّ الختان، لأنّ هناك مجتمع الشهوة".

ونرجّح أنّ مفهوم السحق قد اختلف من عصر إلى آخر ومن وسط إلى آخر. فإذ اهتممنا بالمساحقات اللواتي عشن في قصور المماليك، تبيّن لنا أنّ سلوكهنّ كان يتماثل مع سلوك الرجال. فقد وصفنّ بأنّهنّ كنّ فارسات يتقنّ شتى أنواع الرياضة ويمارسنّ عددا من الألعاب، كما أنّهنّ عرفن بكثرة مجونهنّ. ومن ثمّة كان سلوكهنّ سلوك المترجلات ولعلّ السحاق، في مثل هذه الحالة، علامة على تماهي المرأة مع شخصية الرجل رغبة في الانفلات من الضغوط النفسية والاجتماعية ولذلك فإنهّ اقترن بالتذكّر.

لئن كانت المباضعة بين الرجل والمرأة قائمة، في الغالب على العنف، فإنّ المساحقة ترسي نظام جنسانية أنثويّة مغايرا. فالعلاقات التبادلية التي تجمع المساحقة ببنات جنسها مختلفة عن المألوف ومعبّرة عن رغبة في البحث عن الأليف المُشاكِل وعن حرص على التآزر بين بنات حوّاء. ولعلّها لم تكن تخلو من العواطف والمشاعر التي تخفّف من وطأة ما كانت تعانيه بعضهنّ من ظلم. وقد استنكر الوزّان عند الحديث عن العرّافات بفاس تجاهرهنّ بالعشق. قال:

" فإذا كانت امرأة جميلة من بين اللواتي أتين لاستشارتهنّ عشقنها كما يعشق شاب فتاة وطلبن منها قبلات غرامية". وما من شكّ في أنّ الظلم الذي عاشته الحرّة والقهر الذي شعرت به الجارية قد خلق لحمة بينهما فتلمست كلّ منهما في السحاق المتنفّس فإذا بالمساحقة تعطف على معشوقتها وتوفّر لها الحبّ والحنان. ولم يكن المجتمع ليتقبّل تحدّي المساحقات لسلطة الذكور لأنّ هذا الحبّ يخدش كبرياءه ويمثّل تطاولا على سلطته. فلا غرابة أن يعمد الخليفة موسى الهادي إلى قتل جاريتين بلغه أنّهما تحابتا واجتمعتا على "الفاحشة" ثمّ يعود إلى الشرب والاستمتاع مع الندماء.

لقد تجاهل أغلب العلماء أمر المساحقات، قد يكون ذلك عن قصد أو عن غير قصد، ويرجع السبب- في نظرنا- إلى كونهم لم يعتبروا السحاق استيلاء على خصائص الذكورة ما دام تدالك النسوان غير مكلّل بالولوج، وهو رمز السلطة، كما أنّ لا صلة للسحاق بقيمة النسب. فهو من منظور العلماء، شبيه بالاستمناء، خاصّة وأنّ المرأة تستمر في الاضطلاع بدور الإنجاب وتذعن لأوامر الزوج في الفراش. ولكن حين تعزف المساحقة عن الاقتران بالرجال وتتعمّد النهوض بدور مخالف لوضعها "الطبيعي" فإنّ الموقف يختلف. فإذا بالفقهاء يصرّحون بمقتهم لهذه الفئة من النساء ويحذّرون من عواقب الاختلاط بهنّ باعتبار أنّ "المساحقة زانية".

وتكمن خطورة المساحقة في رأينا في خلخلتها لنمط علاقات التبادل وزعزعتها لبناء الجنسانية المهيمنة. فبدل أن تكون المرأة مفعولا بها "تحت" الرجل تتحوّل إلى فاعلة، بل إنّها تحتلّ موضعه متشبّهة به لا في الهيئة أو الأقوال، وإنّما أيضا في الجنسانية متقمّصة دوره في الجماع وملغية بذلك حضوره، ومعنى ذلك أنّ العاشقة تنكشف وتعبّر عن رغباتها وهو أمر لا يتماشى مع مبدأ الحجب والستر الذي تتأسّس عليه الأنوثة. وهي حين تقدم على ذلك تدّعي أنّها تشبع حاجتها ولكنّها، في الواقع تتعمّد قلب التصوّر الذكوري للجنسانية لتثبت أنّ الرغبة الجنسية الأنثوية شبيهة بالرغبة الذكورية وأنّ بوسع المرأة أن تحصل على اللذّة مع المثيل.

ولم يكن المجتمع الذكوري ليقبل بمثل هذه التحولات في نظامه وبناه الذهنية ولذلك تعدّد احتماء الفقهاء بالأحاديث التي تصوّر مخاوفهم. "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله: "ثلاثة لا يقبل الله شهادة ألاّ إله إلاّ الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر". ويصبح السحاق شارة دالة على قرب الساعة مادامت المرأة تزيح الرجل عن موضعه ودوره الطبيعي لتكتفي بالمرأة.

يتضّح إذن أنّ السحاق تحريف لوظيفة الجسد وللهدف المنشود من ورائه. فالمساحقة تجنح إلى إرضاء شهوتها متوهّمة أنّها ذكر فتوقف بذلك دورة الحياة وتهدّد الجنس البشري بالانقراض. ونستشف من وراء السحاق رغبة في التسلّط وتثويرا لجوهر الجنسانية الأنثوية التي لم تعد مقترنة بالقيام بوظيفة الإنجاب فقط، وإنّما أضحت مرتبطة باللذّة. ولذلك لجأت المساحقات إلى استعمال الأدوية التي تحبّب إليهنّ السحق لتقوية الباه تماما كما يفعل الرجال. وأعلنت أغلبهنّ عن مقتهنّ للأدوار النسائية وللأعباء الملقاة على كاهل الأنثى وما يترتّب عليها من نتائج سلبية على الجسد والنفس.

تفضي ممارسة السحاق إلى انقلاب في الأدوار، فالمساحقة تتشبه بالرجال في الجماع. وإن كُلّف الرجل بالإنفاق على المرأة، فإنّ الظريفات المعروفات بالسحق كنّ لا "يتعاشقن كما يتعاشق الرجال، بل أشدّ. وتنفق إحداهنّ على الأخرى كما ينفق الرجل على عشيقته، بل أكثر أضعافا مضاعفة". ومعنى ذلك أنّه بوسع الحرّة الغنيّة أن تمتلك الجواري وأن تتخذ إحداهنّ خليلة شأنها في ذلك شأن الرجال وبإمكانها أن تستقلّ بحياتها وأن يكون لها نشاط جنسي خاصّ. وهو أمر يحدث انقلابا في منازل كلّ من الرجال والنساء وفي منظومة أحكام المعاملات.

وإن سلّمنا بما جاء من أخبار بخصوص المساحقات، فإنّ المسألة تعدّت مجرّد رفض الجنسانية "الطبيعية" بين الذكر والأنثى لترتبط "بفلسفة" حياة كاملة وبنمط عيش مخالف للمألوف. فالمساحقات أرسين عالما خاصّا بهنّ. فمن "عادتهنّ أن لا يتناولن ما فيه مشابهة من هزّ الرجال، فلا يأكلنّ القثاء والجزر والباذنجان لأجل ذنبه، ولا الفالوذج لأنّه يتخذ للوالدات منهنّ، ولا يشربن في الكأس لطوله، ولا يشربن من القناني لعنقها، ولا من الأباريق، ولا يتناولن المراوح لذنبها، ولا يقعدن في مجلس فيه ناي ولا طنبور لعنقه، ولا يأكلن العصب ولا المبعر المحشي، والكبار منهنّ لا يصلين لأجل الركوع، ولا يتخذن الديوك ولا الحمام لفساده ولا يكتحلن لدخول الميل".

إنّ ما يسترعي الانتباه في هذا الخبر، شدّة انتباه المساحقة إلى الرموز المتخفية وراء الأشياء المحيطة بها وإلى البعد الجنساني المهيمن عليها، كما إنّنا نلاحظ مدى تحكّم المساحقة في حركاتها وإشاراتها ممّا يدلّ على شدّة انضباطها وكرهها لكلّ ما يذكّرها بعالم الرجال والقضيب في مقابل عشقها لعالم الأنوثة الخالصة ولذلك عرف عن المساحقات استعمالهنّ العطور بكثرة خارجة عن الحدّ وولعهنّ بالنظافة ولعا زاد على المألوف واهتمام بكلّ مظاهر الجمال في الملبس والأثاث والمأكل وغيره. وهذه المبالغة في استعمال العطور مخبرة عن التحوّل الطارئ على عادات النساء إذ تمّ تجاوز الأوامر والنواهي التي ضبطتها الشريعة ليصبح العطر وسيلة من وسائل استدراج المعشوقة وتحريك شهوتها: إنّه استعراض لكلّ مقومات الفتنة من ثوب إغوائي ونظافة وعطر وزينة غير أنّ هذه الاحتفالية لا تخصّ الرجل لأنّها موجّهة إلى المثيل وبذلك تضع المرأة جسدها على المأدبة ليستهلك أنثويا.

تبدو المساحقة امرأة متمرّدة على النظام الرمزي مزعزعة للتصوّرات الخاصّة بالذكورة والأنوثة راغبة في قطع صلتها بالرجل. أمّا سلوكها، فإنّه مضاد للتنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد، والتي تجعله مذعنا لسلطة المجتمع متقبّلا للقيم السائدة في عصره. فالصبيّ يدرك، منذ الطفولة اختلاف موقع كلّ من الرجل والمرأة وينتبه إلى أنّ جسد المرأة فضاء لممارسة الفحولة الذكورية خلاف الجسد الذكوري الذي كان الفاعل على الدوام. بيد أنّ المساحقه تعصف بالبنيان الذي شيّده التهذيب والتدبير لتركّز مفهوما مغايرا للأنوثة متنكّرة بذلك لما تلقته من نصائح وأوامر وقيم. ولعلّها بذلك تعبّر عن حلم دفين يتمثّل في جزيرة نسائية تحقق فيها ذاتها بعيدا عن مراقبة الرجل ووصايته وتشرّع لعالم مختلف يعاد فيه الاعتبار إلى الكيان الأنثوي المهدور.

وبالإضافة إلى ذلك يخلخل نموذج المساحقة التمثلات الخاصّة بالمرأة ويحدث اضطرابا في ما ترسّخ في المتخيّل بشأن مفهوم الأنوثة، ذلك أنّه لم يعد بالإمكان تصوّر المرأة على أنّها انقيادية وخاضعة للأيديولوجية الذكورية، كما أنّه لا مجال للقول: إنّ المرأة لا همّ لها سوى البحث عن إشباع غلمتها ممّا يبرّر قَصرها في البيت. فمن النساء من أظهرت بالبيّنة أنّه لا رغبة لها في الرجال وأنّ رؤيتهم لا تحرّك شهوتها، إنّما يكفيها حبّ المشاكِلة لها في الطباع والخلق والخُلق.

وهكذا يفصح الميل إلى المثيل عن توتّر في علاقة الفرد بالجماعة وفي علاقة الجنسين ببعضهما البعض. فثمّة مشاعر كره أو حذر أو غيرة سائدة بين الجنسين في مجتمع تأسّس على التمييز بين الرجال والنساء، الأحرار والعبيد، الخاصة والعامة، الأغنياء والفقراء، الأسوياء والشواذ.

يعبّر الميل إلى المثيل عن موقف من النظام الجندري فهو يقوّض تركيبة الجنسانية التي تقوم في جوهرها على علاقة بين جسدين مختلفين جنسيا، كما أنّه يهدم ما انبنت عليه من آراء خاصّة بالذكورة تعلي من شأن القضيب. فالمساحقة تلغي أهمية الأير والتباهي بقيمته تماما كما يفعل اللوطي حين يحوّل رحله من القبل إلى الدبر فيلغي أهمية الفرج والولع به. وحين تتحوّل المساحقة من امرأة ذات جسد مستمتع به ووعاء للإنتاج إلى امرأة باحثة عن إشباع شهوتها بعيدا عن قيم الجماعة ومؤسساتها، فإنّها تثبت أنّها شخص مستعص على التأطير رافض للنظام الاجتماعي. وهي بذلك لا تختلف عن اللوطي الذي يحوّل الأير من آلة حرث وعنصر إنتاج تناسلي مكلّف بتكثير عدد الأمة إلى أداة متعة لا تتحقق إلاّ مع المثيل. وهذا يدلّ على أنّنا إزاء فهم مغاير للنظام ولقانون "الطبيعة" ولانتظام الكون. فثمّة نماذج يمكن أن تكون داخل النسق وأخرى لا يمكن أن تكون إلاّ خارجه ولذلك فإنّها تهمّش.

تسيطر الجماعة على مشاعر الفرد وتوجهها بدقّة باتجاه الآخر وتراقب الميول وتهذّبها أخلاقيا واجتماعيا ودينيا، كما أنّها تنظّم ممارسة الجنسانية وتوزعها بتفاوت كبير بين الرجال والنساء وتحولّها إلى نماذج معيارية، ويفضي ذلك إلى شدّة إحساس الأفراد بالضغوط وسعيهم الحثيث في سبيل الانضباط. ولكن تشبّ فئات عن الطوق لتعبّر عن رغبتها في كسر الحدود بين الذكورة والأنوثة، الحلال والحرام، .... ولتتحرر من الوصاية المضروبة عليها.

ولئن كانت الرغبة في التحرّر من هيمنة الجماعة والعمل على إثبات الفردانية من أبرز نقاط الائتلاف بين اللوطيين والمساحقات وغيرهم من النماذج، فإنّ ما يفصل بين الفئتين هو أنّ اللوطيّ، في الغالب، ليس شخصا متردّدا بين الذكورة والأنوثة ولا رافضا لذكورته أو راغبا في التماهي مع الجنس الآخر، إنّما هو مفتون بالذكور. ولكنّنا نرى أنّ انتقاءه لشريحة عمرية محدّدة: الأحداث والمردان والغلمان يبرهن على أنّه كلف بذكورة مختلفة ومتعلّق بجسد لم يتخلّص من شوائب الأنوثة ولم تظهر عليه أمارات التفحّل، أي بجسّد له صلة وثيقة بالأنوثة، إن لم نقل إنّه متأنّث.

وليس بوسعنا أن نشير إلى ما يشدّ المساحقة إلى بنات جنسها هل هو الجمال أو الانتماء الطبقي أو تجارب الحياة المشتركة أو المشاعر المضطربة؟ فالنصوص التي تطرّقت إلى المساحقات لم تشر -على حدّ علمنا- إلى الصفات التي يشترط توفّرها في المعشوقة ممّا يجعلنا غير قادرين على الإجابة عن سؤال هامّ هل إنّ ما يشدّ المرأة إلى المرأة عشق الأنوثة الكاملة والخالصة أم الاشتراك في نفس الهموم ومكابدة نفس الآلام؟

لقد استنكر المجتمع هذه المحاولات الفردية ناعتا إياها بالنقصان: نقصان الذكورة في الرجل المتشبّه بالمرأة أو اللوطي المفعول به، ونقصان الأنوثة في المرأة المتشبّهة بالرجال. ويعود سبب التحامل -في نظرنا- إلى ما تلوّح به هذه الفئات من انقلابات في البنية الاجتماعية. فهذه النماذج تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات الاجتماعية، كما أنّها تستفزّ الجماعة فتفنّد تمثلاتها حول كلّ جنس، وتكذّب ادعاءاتها المزعومة بشأن الجنسانية المنمّطة. ولعلّ الجمع بين خصائص الذكورة وخصائص الأنوثة يشي بفكرة المساواة ومن ثمّة اعتبرت الرغبة في التماهي مع الجنس الآخر علامة على وجود إرهاصات التمرّد لدى الفرد وتوقه إلى الخروج من وضع الانقياد إلى الأوامر إلى وضع يختار فيه بمنتهى الحرية مظهره وسلوكه وصنيعه.

تشير هذه الأصناف الجندرية إلى وجود اضطرابات تعود إلى مرحلة الطفولة المبكرة وتكشف النقاب عن خلل في التنشئة الاجتماعية وتوتر في نمط علاقة الفرد بأهله ومحيطه كما أنّها تبرز ردود فعل مختلفة تجاه النظام الاجتماعي الذي أفرزها. فثمّة تغيير حاصل في نظرة الفرد إلى جسده وإلى ذاته وإلى الحياة. وما من شكّ في أنّ هذه الفئات التي حادت عن الطريق المرسوم هي بشكل أو بآخر صنيعة اجتماعية دالة على علاقة الفرد بالنظام، وعلى علاقته التبادلية، كما أنّها توضّح مدى تدخّل الثقافة في كافة أنشطة الفرد، وخاصّة الجنسانية منها وحرصها على إخضاع جسد الفرد لشروط الثقافة.

تكشف هذه التجارب النقاب عن تفاعل المرء مع النظام الاجتماعي ومدى تقبّله للمعايير والقوانين الضابطة لمظهره وسلوكه ونمط عيشه. كما أنّها تعبّر عن البؤس الاجتماعي والضغوط النفسية والكبت الجنسي وغيرها من الأمراض التي تعاني منها أكثر المجتمعات.

أمّا تصدّي مؤسسة الضبط لهذه الأصناف، فإنّه يبرهن على مدى تمسّكها بجنسانية قائمة على تصوّر أحادي ورفضها الإقرار بوجود نظام جنسيّ ثنويّ، وبالمزاوجة الجنسية وإصرارها على تجاهل وجود ممارسات جنسية متعددة. فالتجاهل شكل من أشكال تهميش فئات فارقت الصمت و صارت تطالب بالاعتراف بوجودها ضمن المجتمع المسلم وترفض أن تلفظ خارجه فكم من جمعية للمثليين تصر على هويتها الإسلامية وتمسكّها بالانتماء إلى الدين الإسلامي. فهل أنّ التجاهل والسكوت و"إسدال الكساء على عورات" المثليين هو الحل؟

إنّ حملة الأئمة على المجاهرين بالتشبّه بالنساء والمتمسكّين بحبّ المثيل من الرجال أشدّ من ردود فعلهم تجاه المساحقات وهو أمر مفهوم باعتبار أنّ سلوك اللوطيين طعن المجتمع الذكوري في العمق لأنّه تشبّه مرذول يقوّض التصوّر الشائع لما ينبغي أن يكون عليه الرجل من اعتزاز بانتمائه إلى الفحول. فلا يعقل أن يغادر عن إرادة، مجتمع السيادة والقوامة والدرجة الرفيعة ليصبح في رحاب مجتمع النساء. فلا غرابة حينئذ أن تعتبر المنظومة الفقهية المخنّث أو اللوطي، مجسّدا للوهن والضعف في مجتمع منح الذكر امتيازات كبرى. ولعلّها حين تأمر بنبذه أو الحذر من صحبته، إنّما تعلن بذلك عن نعيها الفحولة في زمن صار فيه الرجال يفرّطون في خصائص الذكورة ويتنكّرون للأصول ويتشبهون بالأمم الضالة. إنّهم أشباه رجال لأنّهم لم يرتقوا في نظرها إلى منزلة الذكورة الخالصة ولم يعبّروا عن أنموذج المسلم الذي تتباهى به خير أمّة أخرجت للناس.

آمال قرامي 28 يونيو 2006 amel_grami@yahoo.com

* جامعية تونسية

لمزيد الاطلاع انظر عملنا "الاختلاف بين الجنسين في الثقافة العربية الإسلامية: قراءة جندرية"، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة 2006.

0 تعليقات::

إرسال تعليق