الأربعاء، 4 مايو، 2011

مؤتمر «كارنيغي» حول علاقات أنقرة مع العالم العربي: شهر العسل التركي في المنطقة انتهى.. ومصر عادت


تغيرت الصورة التي احتفظ بها الرأي العام العربي لتركيا نوعا ما بعد الثورات التي اندلعت في المنطقة العربية، وموقفها المتردد والملتبس من ليبيا، ومن بعدها سوريا. هذا الموقف التركي إضافة إلى موقعها وسياستها الخارجية وعلاقاتها مع دول المنطقة ومستقبل دورها، كانت كلها محور نقاش في المؤتمر الذي نظمه «معهد كارنيفي للشرق الأوسط»، و«مؤسسة هاينريخ بول الألمانية» و«المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، بعنوان «علاقات تركيا مع عالم عربي متغير»، بحضور حشد من المهتمين.
بداية، كلمة ترحيبية لمدير المعهد، بول سالم، أوجز فيها الموقف الأخير لتركيا تجاه ما يحدث في الدول العربية، مشددا على ضرورة تعزيز العلاقات مع دول المنطقة.
بعدها تحدثت مديرة مكتب الشرق الأوسط في مؤسسة هاينريخ بول، ليلى الزبيدي، التي لفتت الانتباه إلى «اندماج المهاجرين الأتراك في المجتمع الألماني فباتوا اليوم مواطنين»، مشيرة إلى «استياء العرب من بعض المواقف التركية»، داعية إلى لقاء بين العرب والأتراك لمناقشة أفكارهم.



واعتبر مستشار رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الوزير السابق محمد شطح، أن العلاقات بين تركيا والعالم العربي «حققت تغيرات جذرية إستراتيجية ومثمرة»، مضيفا أن «هذا التحول شهد الكثير من المواقف الحاسمة تجاه العراق وغزة وأسطول الحرية وترك بصمة في أذهان العرب»، موضحا أن «تركيا تنطلق من أن التغيير في المنطقة العربية أمر محسوم ولا عودة عنه وسوف يكون جيدا لتركيا وللمنطقة»، مؤكدا أن «التحديات سوف تستمر بين تركيا والعالم العربي لاسيما في المسألة القومية والطوائف».
وقال الوزير المنتدب للأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير بسام حيدر، أن «بعض الدول الغربية تريد من تركيا لعب دور الوكيل عنها وتلوح لها بالمقابل بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، مشيرا إلى أن «هناك مسعى إسرائيليا تشارك به القوى الأكثر يمينية في الغرب، لتفتيت المنطقة مذهبيا واثنيا وطائفيا ومنها تركيا، بحيث تسود الحروب الأهلية والتشدد الديني، وهذا يعد من أوراق القوة الإسرائيلية بعد تلاشي قوتها العسكرية على الردع وعدم قدرتها على تطويق العرب بتحالفات مع تركيا وإيران في زمن الشاه».
ورأى سفير تركيا في لبنان، أنان أوزيلديز، أن «الاعتبارات الإقليمية والدولية هي التي دفعت تركيا إلى لعب دورها الحالي في المنطقة»، وأعلن أن «تركيا تتابع بقلق التطورات في الوطن العربي ومنها سفك الدماء في سوريا»، مشددا على «ضرورة تلبية القادة العرب للمطالب الإصلاحية للحفاظ على الأمن»، ومؤكدا «أهمية نشر الديموقراطية في الوطن العربي»، مضيفا أن «هذه التغيرات لن تبعد تركيا عن الوطن العربي بل بالعكس».
وأكد الباحث في الشؤون التركية، الزميل محمد نور الدين، في الجلسة الأولى، التي ترأسها، منصور أكغون، من برنامج المؤسسة، بعنوان «صورة تركيا في الشرق الأوسط»، أن «الجغرافيا العربية والإسلامية كانت المقولة الأكثر قابلية لترجمة تركيا سياستها الجديدة»، مشددا على أن تركيا «نجحت في المجال العربي لعدة عوامل أهمها: أولا، لان شعاراتها الجديدة تنتمي إلى الهوية العربية، ثانيا، لأنها وجدت مجالا عربيا فارغا ينتظر من يملأه، ثالثا لم يكن الحياد التركي بين قبائل العرب وعشائرهم المسماة مملكات وإمارات وحده كافيا لتفسير الترحيب بصورة تركيا ودورها، بل رغبة طرف في أن يكسب ودها إلى جانبه ضد الطرف الآخر، وهذا الاعتبار يحمل مخاطر سلبية عند أول تحد حقيقي».
وتخللت الجلسة مداخلات لكل من رئيس المؤسسة التركية جان بكير، وصبيحا غوندوغار، من برنامج السياسة الخارجية في «المؤسسة» حيث تم التطرق إلى «الاهتمام التركي بالوطن العربي في ضوء المتغيرات الأخيرة»، فضلا عن الإضاءة على صورة تركيا في العالم العربي.
أما الجلسة الثانية التي ترأسها بول سالم، فقد افتتحت بكلمة، للكاتب في صحيفة «راديكال» جنكيز تشندر، الذي رأى أن «تركيا واجهت صعوبات في سوريا تمثلت بالموقف العاطفي للقيادة التركية التي تقيم علاقات وطيدة مع الرئيس بشار الأسد وعائلته، مضيفا لكنهم لا يستطيعون في الوقت نفسه أن يديروا آذانهم لمطالب الشعب بالحــرية والديمقراطية». وأكد أن «شهر العسل» التركي في المنطــقة انتهى، «وبفضل التطورات في سوريا وليبيا عادت تركيا إلى العالم الواقعي وهي ستقوم ببلورة سياستها الخارجية طبــقا لهذه الأحداث».
بدوره أشار مدير مؤسسة عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، رامي خوري، إلى أن «تركيا تواجه تحديا يتمثل في التعامل مع الدول العربية التي تتحول إلى أنظمة ديموقراطية»، معتبرا أن «تركيا دخلت إلى المنطقة بسرعة بعدما استجابت للحاجات العاطفية العربية». وقال إن «أفضل ما يمكن أن تقوم به تركيا هو تجاوز التردد الذي تتبعه، وعليها أن تتخذ القرارات المناسبة، وتنظر إلى الثورات العربية على أنها مرآة لتاريخها المعاصر».
واعتبر رئيس منتدى الجامعة الأميركية في القاهرة، بهجت قراني، «أن الثورات العربية تفتقر إلى القيادة، ولذلك سوف تبحث الشعوب عن مصدر للوحي لها، وتركيا تتصدر هذا الوحي». ورأى «أن السياسة الخارجية التركية تواجه مشاكل تتعلق بالتكيف مع الثورات العربية» داعيا إلى «إعادة هيكلة الرؤية في التعامل مع الثورات في المنطقة».
وتطرق الزميل جهاد الزين، إلى «عودة مصر الفاعلة إلى الساحة العربية»، مشيرا إلى أن «تركيا تواجه الآن مرحلة هذه العودة»، مؤكدا أن «الملاحظة الأولى في المشهد الجيوبولتيكي هو تعامل تركيا مع الوضع الجديد، وأن المخططين الأتراك الدهاة يعرفون أن هذه العودة ستفرض نفسها» مضيفا هذا «لا يعني بالضرورة منافسة تركية مصرية».
بعدها عقدت طاولة مستديرة، تمحورت حول» القوة الناعمة الجديدة لتركيا في الشرق الأوسط... المضاعفات الإقليمية والدولية» تحدث فيها مدير مكتب الاستشارات السوري في دمشق، نبيل سكر، الذي لفت الانتباه إلى أن «دخول تركيا في المنطقة العربية فرصة لتجديد هويتها الوطنية والقومية»، معتبرا أنها «جسر نحو الغرب» موضحا أن «سياستها الخارجية أسهمت في تحسين صورتها ووضعها في الشرق الأوسط، ويتعين عليها أن تؤدي دورا أساسيا فيه».
واستعرض أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيجلي اسطنبول، غنجر أوزجان، إستراتيجية القوة الناعمة لتركيا، مؤكدا أنه «بفضل هذه القوة نجحت تركيا في إقامة علاقات مستدامة على قدم المساواة مع الغرب» مشددا على أنها ستبقى مصدرا للوحي في المستقبل لشعوب المنطقة، شرط أن تتمكن من التصدي للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية بطريقة إنسانية، خصوصا فيما يتعلق بالمسألة الكردية، التي تشكل نقطة اختبار لها».
وتناول مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الإقليمية والإستراتيجية في القاهرة، الدكتور مصطفى اللباد، العلاقات الإيرانية التركية، مشددا على أهميتها ودورها في المنطقة العربية، مشيرا إلى أنها «عرضة للمضاربات». ورأى أن «تركيا تبقي على التوازن في المنطقة من خلال السعي لعدم تحول إيران إلى قوة عسكرية كبرى من جهة، والعمل على منع ضربها من جهة أخرى». وأوضح أن «التغيير في سوريا سيصب في مصلحة تركيا»، لافتا الانتباه إلى أن «التوتر بين تركيا وإيران سيسير على قدم وساق، وسيكون لتركيا كلمة الفصل في المنافسة القائمة بين البلدين».
كما شهدت الجلسة مداخلات لكل من فرانك تيتار، من مجلة «مويان أوريان»، وفادي حكورة، من «مركز شاتهام هاوس» في لندن، تم خلالها التطرق إلى وجهة نظر أوروبا حيال تركيا، فضلا عن المركز المحوري لتركيا ما بين منطقة القوقاز والشرق الأوسط الزاخرتين بالنفط.

علي دربج  - السفير 4 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق