السبت، 30 أبريل، 2011

استهداف المقاومـة لفك الحلف السوري ـ الإيراني... العلاقة القلقة بين واشنطن ودمشق: بين إسقاط «البعث».. أو تهذيبه!

يبدو المشهد الذي تعيشه سوريا هذه الأيام مشابها إلى حد كبير لذلك الذي مرت به منذ عقود، تحديداً بين أواخر السبعينيات وأواسط الثمانينيات، في ظل التشابه الكبير في الظروف واللاعبين الإقليميين والدوليين. المشهد السوري، ومعه اللبناني، الذي يشكل الخاصرة السورية الرخوة كما كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد يردد دائما، هما في بداية اختبار كباش القوة المفروض عليهما من قبل قوى دولية وإقليمية، في استعادة للمشهد الذي ساد قبل عقود، عندما سعت الولايات المتحدة إلى إسقاط النظام البعثي في سوريا، عبر لعب ورقة التحريض الطائفي، بهدف تثوير الأكثرية السنية في سوريا، بزعامة «الإخوان المسلمين»، والى جانبهم بعض الشخصيات السنية (من بعثيين ومستقلين)، على «حكم الأقلية العلوية»، كما درجت الدعاية الغربية على القول. 
في تلك المرحلة المؤسفة، شرع المتطرفون في سوريا في تنفيذ عمليات قتل وتفجير أصابت المجتمع السوري بحالة من الرعب الشديد، بمؤازرة ودعم مالي وتسليح من النظام البعثي العراقي حينها، في تقاطع غريب مع تصميم واشنطن على الانتقام من الأسد بسبب رفضه لاتفاقية كامب دايفيد ودعمه للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية في لبنان. 

ويسجل مؤرخو تلك المرحلة أن النظام في دمشق ما كانت الأمور لتسير في صالحه، لولا رفض المجتمع السوري لـ«إسلاموية» المنتفضين على الأسد، وخوف ذلك المجتمع، بالرغم من طبيعته المحافظة، من تولي الإسلاميين لزمام الأمور، ورغبة معظم السوريين بالاستقرار، واعتدادهم بالموقف الوطني والقومي للقيادة السورية. 
وللتذكير فقط، فان إسكات صوت آخر المتمردين في حماه في أوائل العام 1982، سبق بأشهر قليلة الاجتياح الثاني للقوات الإسرائيلية للبنان في حزيران، وما تلاه من انكسار عسكري بالنسبة إلى الجيش السوري وخروج المقاومة الفلسطينية وتولية إسرائيل لرئيس لبناني وقدوم قوات متعددة الجنسيات إلى لبنان.. 
ومع اندلاع شرارة المقاومة وإسقاط اتفاقية 17 أيار ودحر تلك القوات الأطلسية، أيقنت إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان صعوبة إسقاط النظام في دمشق، وابتعدت، وحليفتها إسرائيل، عن الرمال اللبنانية المتحركة التي جعلت واشنطن تمنى بهزيمة هي الثانية بعد مستنقع فيتنام... 
تزامن الانتصار في لبنان مع حسم الأمور نهائيا في سوريا بعد اندلاع «صراع الأخوة» بين الأسد وأخيه رفعت الذي اشتبه بتحركه خلال فترة مرض الأسد الشهيرة في العام 83، بإيعاز سعودي أميركي.. ومع ابتعاد رفعت، استقرت الأمور نهائيا في سوريا، برغم استمرار الخلاف بين دمشق وواشنطن، خاصة في ظل محاولة الأخيرة تحقيق سلام منفرد بين إسرائيل والأردن، خلال فترة الثمانينيات، الأمر الذي فشل بدوره. 
افتتح الغزو العراقي للكويت العام 1990، مرحلة لغة المصالح بين دمشق وواشنطن، في الوقت الذي احتاجت فيه الإدارة الأميركية لحشد تأييد عربي غير مسبوق لإنهاء الغزو العراقي للكويت والتحضير لمفاوضات السلام في مدريد العام 1991، بالتزامن مع سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، فانفردت سوريا بعد تحرير الكويت، بالورقة اللبنانية لتحكم لبنان منفردة، وليتمتع لبنان وسوريا معا باستقرار داخلي انعكس تعزيزا لدور المقاومة في لبنان. 
لكن فترة التناغم السوري الأميركي وصلت إلى حدها الفاصل اثر أحداث أيلول 2001، حين اتخذت واشنطن قرارها باجتياح «الدول المارقة» بدءا بأفغانستان، وبرغم التعاون الذي أبداه الأسد الابن، بشار، في الحرب على الإرهاب الذي يطال خطره الجميع، تم تصنيف دمشق في إطار «محور الشر» بالنسبة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش، خاصة في ظل إصرار سوريا على معارضة الحرب على العراق العام 2003، ومن ثم تبني الأسد خيار المقاومة العراقية بوجه الاحتلال الأميركي. 
منذ ذلك الحين، اتخذت الإدارة الأميركية قرارها بتأديب سوريا، ومع فشل زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي حمل ورقة مطالب – شروط للأسد، بدأ مسلسل العبث بأمن سوريا، فتحركت مجموعات من الأكراد في مناطق اكتظاظها، خاصة في القامشلي المحاذية للحدود العراقية، وسجلت استباحة جوية أميركية إسرائيلية مستهدفة الداخل السوري. على أن أوج التصويب الأميركي حمله تاريخ استصدار القرار 1559 العام 2004، لينتهي التفويض الممنوح لدمشق في لبنان، ويبدأ العد العكسي الفعلي لاستهداف سوريا. 
تمكنت الإدارة الأميركية من حمل الأسد على سحب جيشه من لبنان اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، إلا أن الداخل  السوري لم ينكشف أمام المحاولات الخارجية، وتولى الحليف الأكبر لسوريا، أي «حزب الله»، حماية الخاصرة اللبنانية، وبرغم شن إسرائيل، بقرار أميركي، عدوانها على لبنان في تموز 2006، إلا أن المقاومة تمكنت من تسجيل انتصار جديد، برغم تغييرات طفيفة على قواعد اللعبة. 
كانت تلك الفرصة الأخيرة بالنسبة إلى بوش لاستعادة زمام الأمور، ومع تولي الرئيس الجديد باراك أوباما الرئاسة أوائل العام 2009، بدا أن ثمة انعطافة في السياسة الأميركية في المنطقة، قوامها معالجة أزمات المنطقة بواقعية و«هدوء»، ومحاولة الخروج بأقل قدر من الخسائر الإضافية من المستنقع الأميركي العراقي، مع التركيز على الحرب على الإرهاب في أفغانستان وفي باكستان، والتوصل إلى حل سلمي للملف النووي الإيراني. 
برغم التعديل النسبي في الإستراتيجية الأميركية للمنطقة، إلا أن واشنطن لا زالت على رأيها في أن إنهاء المقاومة قوامه فصل المسار الإيراني - السوري، ما يعني ضرب دور دمشق في دعم وإمداد المقاومة في لبنان وفلسطين، وعزل طهران أيضا، بعد فشل محاولات إسقاطها من الداخل الإيراني. 
وقد صدرت بعض الدعوات في الداخل الأميركي لاجتذاب سوريا اثر فشل ضرب المقاومة خلال عدوان تموز 2006، لكن التطرف الإسرائيلي، من جهة، وعدم قبول دمشق بالشروط الأميركية، من جهة ثانية، دفعا بالإدارة الأميركية إلى مخطط آخر، قوامه الضغط على سوريا من الداخل والاستفادة من الواقع العربي غير المستقر اليوم، من دون أن يعني هذا الأمر نية واشنطن إسقاط النظام في دمشق.. حتى الآن. أما الهدف الأساس بالنسبة إلى واشنطن وإسرائيل فلا يزال كما هو: فرض تسوية ظالمة على صعيد الصراع العربي - الإسرائيلي، من غير الممكن أن تتم من دون ضرب الدور السوري والمقاومة في لبنان، تمهيدا لاستهداف دور طهران المتعاظم في المنطقة. 
لماذا كسر المقاومة في لبنان؟ 
في ظل التشدد الإسرائيلي الذي أجهض الكثير من جهود أوباما للتقدم في عملية السلام ولو بفتات يقدَّم للفلسطينيين، يبدو أن واشنطن قد رضخت من جديد لحليفتها، وتحذر أوساط متابعة من أن استهداف دور سوريا، يهدف في ما يهدف إلى فرض التوطين على لبنان، في مخطط يهدف أيضاً إلى التخلص نهائياً من قضية اللاجئين الفلسطينيين، لا بل أن تحقيق يهودية الدولة في إسرائيل بموازاة دولة فلسطينية ضعيفة وهشة، قد يدفع بالدولة العبرية إلى محاولة تنفيذ الحلم القديم الجديد بتهجير فلسطينيي الأراضي المحتلة للعام 1948، أي «ترانسفير» جديد!

عمار نعمة - السفير 30  نيسان 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق