السبت، 30 أبريل، 2011

كبسة - جمعة بنزين

أوقف رجل ستيني سيارته العمومية أمام محطة محروقات. سيارة مرسيدس تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. حال السيارة متوسطة. وحال الرجل كذلك كما يشي هندامه.نزل الرجل الأشيب من السيارة وقال لعامل المحطة المصري الجنسية: "بخمسة" فسأله العامل مستوضحاً "بخمسين يا أسطا؟" فأعطاه ورقة الخمسة آلاف كجواب على الاستيضاح.

أنعمت النظر في وجه الرجل. كنت أقف بمحاذاته قرب نبريس الـ98 أوكتان لأفوّل سيارتي. إبتسم بحزن. قال كل شيء ولم يقل كلمة. طلع بسيارته بعدما ضمن وصوله إلى منزله بثلاثة ليترات  دفع ثمنها خمسة آلاف ليرة لبنانية قد تكون نصف غلة يومه أو ربعها

المشهد هذا ليس يتيماً. شريحة واسعة من اللبنانيين أذلها ويذلها الارتفاع المتواصل في أسعار البنزين والمشتقات النفطية ويدفع بها إلى حافة اليأس والثورة، وسائقو السيارات العمومية نموذج لضحايا الإرتفاع العالمي المجنون والعجز المحلي في ضبطه عند حدّ.

التهم الارتفاع الحاد للأسعار الجزء الأكبر من الخفض الأوّل البالغ 5500 ليرة لبنانية الذي أقرّ بعد شد حبال بين وزيري المال والطاقة والمياه. وبقي للخزينة من تنكة البنزين مبلغ 4400 ليرة طالب الوزير جبران باسيل بإلغائها للتخفيف من حدة الضائقة المالية من دون تقديم بدائل عملية وسريعة. فما يهمّ الوزير باسيل هو تقديم نفسه كنصير للفقراء وكحبيب الشعب. وكـ"بول جاردان" الطبقات الكادحة. وأكثر من ذلك بكثير. المفردات أقل من أن تنصف وتصف وزير الطاقة الشاب مجترح الحلول وبعضها عجائبية.

عاد باسيل إلى نغمة السيارات العاملة على الغاز، والموضوع نوقش وأشبِع نقاشاً في لجنة الطاقة والمياه ولم يصل سوى إلى نتيجة سلبية لا تتوافق مع مطالب الوزير الشاب النظرية. وافتراضاً أن الخبراء اقتنعوا أن الغاز هو الحل، فمتى تُجهز المحطات ومتى يبدأ استيراد السيارات العاملة على الغاز ومتى يتحقق الوفر ومتى تقوم مالية الدولة من تحت الردمِ ونحن في سبق أسبوعي مع تسعيرة وزارة الطاقة. فنحتال ونتذاكى ونملأْ خزان السيارة مساء كل ثلاثاء قبل صدور ورقة النعي.

ليس أشطر من العماد ميشال عون في الشعبوية والمؤتمرات الصحافية، سوى "وليّ عهده"، فما يعني الوزير جبران باسيل فعلياً هو ضرب عصفورين أو أكثر بحجر واحد: من جهة يعطي للناس انطباعاً بأنه معهم ضد الدولة الظالمة الـ"بلا إحساس" وبلا رحمة وبلا إميل، ومن جهة ثانية يصوّر ريا الحسن ـ بما تمثّل ـ بأنها سيدة من دون قلب وهمّها إرهاق الفقراء بالضرائب وتعطيل الحلول المقدمة من جانب "عباقرة" المال والاتصالات والسياحة والصناعة والتغيير.

ليست الشطارة بتوزيع مسؤوليات الفشل والأزمات على الآخرين، وفي مقترحات تزيد العجز على خزينة الدولة، بل الشطارة تكون بملاقاة الآخر والشريك في الوطن بتفكير إيجابي وبمشروع إنقاذي سريع  يجنب البلد قبل يوم الجمعة، جمعة بنزين، ثم جمعة مازوت فجمعة خبز فجمعة كهرباء وجمعة مواجهات على أرض المشاعات وجمعة غضب وجمعة شهداء وجمعة ثورة ثورة حتى النصر...

عماد موسى، الجمعة 29 نيسان 2011


0 تعليقات::

إرسال تعليق