الجمعة، 26 أغسطس، 2011

بين لبنان وليبيا "الجديدة"

في مجرى العلاقات التاريخية بين لبنان وليبيا، لم تكن الأمور يوماً على مستوى عالٍ من التنسيق أو التعاون، رغم طفرات موقتة بين بعض اللبنانيين وأحزابهم والقيادة الليبية كانت لا تلبث أن تعود فوراً إلى حالة التوتر الصامت حيناً والظاهر أحياناً أخرى، إلى أن حصلت حادثة تغييب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الإمام موسى الصدر ورفيقيه خلال زيارتهم إلى ليبيا في العام 1978، فكانت تلك نقطة فصل جذرية في الشكل السياسي لهذه العلاقات المتأرجحة، وإن كانت بعض أحزاب لبنان ولاعتبارات موضوعية في حينه قد عمدت إلى الانفتاح على قيادة ليبيا بعد الحادثة لأغراض تتصل بالدعم المالي والعسكري إبّان الحرب الأهلية التي كانت مندلعة في لبنان خلال الثمانينات من القرن الماضي، والتي ساهم فيها العقيد معمر القذافي بشكل أو بآخر.
بين لبنان وليبيا "الجديدة"
مسار العلاقات

وفي استعراض بسيط لمسار العلاقات اللبنانية الليبية، فهي لم تكن قبل نشوء نظام القذافي وثورة "الفاتح" في العام 1969 تلك التي تتميز عن غيرها من العلاقات بين لبنان وباقي الدول العربية، ربما للبعد الجغرافي وثانياً كون الليبيين قبل القذافي في ظل الملكية السنوسية كانوا قد خرجوا لتوّهم من تحت الاحتلال ولم تكن بعد قد بلغت أحوال الدول العربية ذاك الاستقرار الذي يتيح تطوراً مميزاً بينها رغم نشأة جامعة الدول العربية التي كان لبنان عضوًا مؤسساً فيها إلا أن ليبيا لم تنضم إليها إلا حتى العام 1953.

وبعد قيام حكم معمر القذافي في ليبيا الذي جاء عبر انقلاب "الضباط الليبيين الأحرار" على الملك إدريس السنوسي، دخلت ليبيا إلى الفلك العربي من بوابة دعم الوحدة العربية، وقد سعى القذافي إلى إقامة وحدة مع مصر وتونس لكن محاولاته باءت بالفشل، فانتقل إلى نوع آخر من العمل العربي عبر التدخل في شؤون الدول، إلى أن توجه نحو أفريقيا ساعياً لوحدة افريقية لم تنجح أيضاً.

القذافي في الحرب اللبنانية
وفي لبنان دعم القذافي بالمال أحزاباً لبنانية عدة في خلال الحرب الأهلية، بل إن ليبيا أقامت وبعد اجتياح إسرائيل للبنان العام 1982، قاعدة ارتباط في منطقة حمانا للتنسيق مع الأحزاب اللبنانية والفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان التي كانت على علاقة وطيدة معها، مثال الجبهتين الشعبية والديمقراطية بالإضافة إلى أبو نضال (صبري البنا) الذي تزعم حركة "فتح المجلس الثوري"، كما كانت العلاقة بين النظام الليبي والحركة الوطنية اللبنانية قد بدأت بعيد اندلاع الحرب العام 1975، وسُجِّلت زيارات عدة من قبل الحركة الوطنية إلى ليبيا طلبا للدعم المادي لاستكمال القتال.

ويتحدث أحد مرافقي قائد الحركة الوطنية آنذاك ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الراحل، الشهيد كمال جنبلاط، أنه في إحدى الزيارات إلى ليبيا وخلال لقاء قائدها، انفعل القذافي منتقداً أداء الحركة الوطنية وراح يعطي توجيهات ونظريات فما كان من كمال جنبلاط إلا أن وقف وأبلغ القذافي انه لا يأخذ دروساً بالوطنية من أحد، وهذه الواقعة أحدثت توترا في العلاقة وما يشبه القطيعة مع القيادة الليبية لفترة من الزمن.

وحول هذه الحادثة يقول المسؤول السابق في نظام القذافي عبد الرحمن شلقم في تصريحات بعيد انفصاله عن النظام: "كان هناك في لبنان عدد من الشرفاء الذين كانوا يتقاضون مالاً من القذافي بحكم القضية ومواقفهم الوطنية ليس إلا (…)، وبعض السياسيين اللبنانيين كانوا "أشداء للغاية" مع القذافي، فالزعيم الراحل كمال جنبلاط لم يكن سهلاً، وهناك آخرون عقدوا صفقات وأخذوا أموالهم وذهبوا، وآخرون تركوه في النهاية".

إلا ان الأمور وبعد اغتيال كمال جنبلاط واتخاذ الحرب الأهلية اللبنانية منحى جديداً، عادت إلى شكل آخر من العلاقة بين القذافي والحركة الوطنية، حتى إن مقاتلين لبنانيين من الحزبين الشيوعي والتقدمي الاشتراكي أُرسلوا إلى ليبيا مطلع الثمانينات بطلب من العقيد الليبي ومقابل بدل مادي لمساعدته في قتاله مع تشاد، وقد جرى إرسال المقاتلين بمقاتلات عسكرية ليبية عن طريق دمشق. وبقي التمويل الليبي للأحزاب اللبنانية مستمراً، وإن كان متقطعاً، لكن الحضور الليبي في الحياة السياسية اللبنانية من خلال ما كان يتم دفعه من مال تراجع مع الوقت، وبقي تلبعض الرموز علاقات شخصية من خلال بعض المصالح والاستثمارات.

وفي ملف الإمام الصدر فإنه يذكر أن الإمام لم تكن له علاقة مع ليبيا وحكامها، بل خلال الحرب الأهلية اللبنانية كانت مواقفه تعارض السلوك الليبي، وعند مجيء مبعوث القذافي في حينه إلى لبنان عبد السلام جلود، في حزيران1976 لم يلتقِ بالإمام الصدر، ومنذ آب 1976 برزت علناً حملات إعلامية قاسية ودعوات تحريض مركزة ضد الامام الصدر من قبل الصحف والجهات اللبنانية المعروفة بعلاقاتها مع ليبيا.

لكن وبعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في آذار 1978، بادر الإمام الصدر إلى القيام بجولة على بعض الدول العربية داعياً لعقد مؤتمر قمة عربية محدود سعياً لإنهاء محنة لبنان وإنقاذ جنوبه، وخلال لقاء الإمام الصدر بالرئيس الجزائري هواري بومدين، طلب منه الأخير زيارة ليبيا ولقاء رئيسها القذافي، وكان ما حصل من اختفاء الإمام الصدر ورفيقيه.

هل من تغيير؟

وفي السنوات القليلة الماضية، فإن علاقات لبنان وليبيا شهدت تأزماً واضحاً على خلفية قضية الإمام الصدر، إذ إن القذافي وأركان حكمه هم موضع ملاحقة قضائية لبنانية في القضية، كما أن الملف عينه سبّب غياب لبنان عن القمة العربية التي انعقدت في ليبيا مؤخراً، وقد أتت حادثة اقتحام سفارة لبنان في ليبيا لتضيف إلى التراكم السلبي في العلاقات بين البلدين، وقد تقدمت وزارة الخارجية والمغتربين عبر بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك بشكوى ضد النظام الليبي على خلفية هذا الاقتحام، كما تقدمت الوزارة بشكوى مماثلة لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

اليوم، ومع بلوغ نظام القذافي أيامه الأخيرة على ما يبدو، ومع النجاح النسبي للمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا بتحقيق تقدمٍ ملحوظ في معظم أنحاء البلاد رغم التضارب والغموض حول ما يجري في العاصمة الليبية طرابلس، ومع اقتراب موعد الذكرى السنوية لاختفاء الإمام الصدر في 31 آب، وعلى ضوء قراري الحكومة الأخيرين للاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي وتكليف وزير الخارجية متابعة قضية الصدر، يتقدم إلى الواجهة سؤالان لا ثالث لهما: لماذا استمرار "شكلَنَة" العمل على جلاء الحقيقة في قضية الإمام الصدر ورفيقيه؟ وهل من تغيّر إيجابي جذري سيطرأ على علاقة لبنان بليبيا الجديدة؟

صالح حديفة (صدى البلد)، الجمعة 26 آب 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق