السبت، 2 يوليو، 2011

والدة الفتى زياد غندور أعدت له فطوره قبل الوداع الأخير وأهالي وطى المصيطبة يفتقدون زياد قبلان «الآدمي والخدوم»

حشود غاضبة ودعت الضحيتين إلى مثواهما

يبكون زياد
صباح منطقة وطى المصيطبة الموازية لكورنيش المزرعة، لم يختلف عن ليلها الأرق. الشارع الصغير قبالة منزل الفتى زياد غندور،11 عاما، الذي وجد عشية أول من أمس جثة إلى جانب جاره الشاب زياد قبلان، 25 عاما، تحول ساحة عزاء مفتوحة. فمنزل الفتى الضحية مؤلف من غرفة واحدة تكاد لا تكفي للملمة فجيعة العائلة. وكانت الضحيتان قد خطفا عصر الاثنين الماضي، ثم أعلن عن العثور على جثتيهما في حرج قرب الطريق العامة المؤدية إلى قرية جدرا الشوفية. وكانت موجة من الشائعات بشأن مصيرهما قد وتّرت الأجواء وأعادت إلى ذاكرة اللبنانيين أحداث الخطف التي مهدت للحرب الأهلية وأدت إلى تفاقم الصراع بين أطراف النزاع. كذلك كان رفاق زياد في مدرسة وطى المصيطبة الرسمية قد تجمعوا قرب والدته لمؤاساتها. لكن المساء الذي حمل خبر موتهما حوّل محيط المنطقة إلى دائرة أمنية محكمة الطوق. شباب الحي ساعدوا القوى الأمنية على ضبط الأمور. وردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن كيفية تلقي العائلتين الخبر، قال أحدهم: «عرفوا من التلفزيون». وأضاف: «لا تؤاخذينا أهل الضحيتين لا قدرة لهم الآن على لقاء الإعلام. الصباح رباح».
المسافة بين منزلي الضحيتين امتلأت باكرا بالمعزين ومُنع مرور السيارات فيها. صفت الكراسي على جانبي الطريق وأفردت ناحية لتجمع النساء وأخرى لتجمع الرجال. والد غندور الذي أصيب لدى اختطاف ابنه بعارض صحي توجه إلى مستشفى المقاصد حيث نقل الجثمانان ليعود بهما إلى الحي في الوداع الأخير.

عمه جلس وسط الجموع على كرسيه النقال لإعاقة في ساقه. وحرص على اختيار الكلمات المهدئة للنفوس حتى يضبط غضب الشباب.

والدة الفتى زياد غندور سميرة أعدت له هذا الصباح كالعادة «عروس الصعتر بالزيت» التي يحبها. كان لا يأكل إذا لم تسأله. ويطلب الصعتر لأنه مفيد للذاكرة وحتى يحفظ درسه جيدا. كان يحب كرة القدم وألعاب الكومبيوتر. هي لا تستطيع القبول أن وحيدها وقع فريسة مجرم لم يرحمه، كما قالت بصوت واهن. لتعقب إحدى المعزيات: «ليته وقع في يد العدو الإسرائيلي. كانوا سجنوه سنة أو سنتين ثم أعادوه إلى أهله». خالة غندور سامية، قالت: «عاد عصر الاثنين من المدرسة. وضع كتبه على الأرض. وركض إلى جارنا زياد قبلان بزيه المدرسي وذهب معه. مشوار صغير، قال لوالدته». لكن المشوار الصغير طال أكثر من اللازم. في العاشرة مساء بدأت الهواجس تنتاب العائلتين. لا سيما عندما لم يرد زياد قبلان على هاتفه المحمول. قال جاره أبو مالك: «ليس من عادته ألا يلبي نداء من يطلبه. زياد صاحب أطيب قلب في الحي. كان آدميا وخدوما. لو بقيت معه ليرة واحدة لكان أعطاها إلى من يحتاجها. عندما تنقطع المياه عن بيوت الجيران، كان يسارع ليحمل إليهم الغالونات. كان يحب الفتى زياد كثيرا ويعتبره شقيقه الصغير ويعرف حبه للنزهات. لذا طلب إليه مرافقته في مشوار عمل سريع. لكن المسكينين راحا إلى غير رجعة».

يقترب وفد من معلمات زياد غندور، فتقول خالته: «حرموه التعليم حرموه المدرسة. كل مدرسيه كانوا متعلقين به. كان مشاغب الصف المحبوب. يجيد إضحاك الجميع من دون إغضاب أحد. يقبلون منه ما لا يقبلوه من الآخرين».

تقول إحدى مدرساته: «ربيته مذ كان في الرابعة من عمره. صار أطول مني. لا اصدق أني أعزي والدته به». ثم تضيف منتحبة: «أنا ادرس حقوق الطفل في صف التربية المدنية. ماذا سأقول غدا لرفاق زياد؟».

قرابة الحادية عشرة يرتفع صوت ليعلن أن «زياد وزياد» سيمران للوداع الأخير بعد ثلاث دقائق. ويدعو الجميع إلى تمالك أنفسهم. تسأل شقيقته نوال،13 عاما: «هل سيسمحون لي برؤيته؟». لتأتيها الإجابة: «شرط أن تهدئي وإلا سيأخذوه سريعا». الوالدة سميرة تكاد تتهاوى، حتى وهي جالسة على كرسيها عند قارعة الطريق بانتظار وصول الجثمان. يعود الصوت ليطالب الحضور بعدم البكاء والاكتفاء بالزغردة والتصفيق لـ«العريس الصغير» ما يرفع وتيرة نحيب النسوة المتجمعات. قبالة منزل قبلان يرفع أقارب الضحيتين وشباب الحي النعشين، لينثر الجيران الأرز والورود عليهما. وما إن يقترب من منزل زياد غندور حتى يبدأ إطلاق كثيف للرصاص مع هتاف غاضب: «لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله. الله أكبر». كذلك تصاعدت مع صيحات الغضب بعض الهتافات المتشنجة التي سارع بعض المسؤولين في الحزب التقدمي الاشتراكي إلى إسكاتها.

بعد الوداع الأخير، توجه الموكب إلى مقر الحزب التقدمي الاشتراكي الذي غص بالشخصيات الرسمية المعزية، لينطلق بعد ذلك إلى جامع الخاشقجي حيث أقيمت الصلاة عن نفسي الضحيتين، ثم ووريا الثرى.

بيروت: سناء الجاك - الشرق الأوسط - السبـت 11 ربيـع الثاني 1428 هـ 28 أبريل 2007 العدد 10378

0 تعليقات::

إرسال تعليق