الجمعة، 22 يوليو، 2011

«النقطة التي تتمحور حولها العاصمة» تزدهر ولا تسرق من الجميزة زبائنها .. «الحمراء الجديدة»: روادها ينشدون السهر بلا تكلّف.. كتتمة ليومٍ عاديّ

الحمراء 
هدوء ليلي في سهر الحمراء (بلال قبلان)

صوت لوي أرمسترونغ يخرج خفيفاً من مذياع المقهى. يضحك رجل الجاز الأول. وتجاريه إيلّا. الاثنان يغنيان ظهراً، في شارع الحمراء. الاثنان يجعلان من الازدحام المجنون أقل جنوناً، وأكثر سريالية. الاثنان يسرقان دقائق من نهار الشارع المحموم، كأنهما يحضران ناسه لضوضاء مسائية لا تعرف الراحة.
هناك شيء ما يجري في الحمراء، بل أشياء كثيرة تجري في الشارع - المدينة، بدأ يتحضّر منذ الأمس، فلا يشبه نفسه يوم غدٍ. كل فجر «حمراوي» جديد، يحمل معه مكاناً جديداً يفتتح في شارع يفتخر بغليانه.
من بداية الشارع عند مصرف لبنان، حتى نهايته عند شارع أبو طالب، مروراً بـ«المقدسي»، و«جان دارك»، و«السادات»، وسواها.. أمكنة جديدة في كل يوم: مطاعم أجنبية وعربية، مقاهٍ، حانات، متاجر عالمية، مسارح...
يؤدي ذلك إلى وصف حال الشارع بـ «Booming» – ازدهار مطرد، ما يعتبره كثر من أصحاب المصالح فيها، ازدهاراً طبيعياً لشارع يشكل الواجهة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للعاصمة بيروت. ولا يتردد رواد الحمراء في وصف شارعهم بالمكان «الكوزموبوليتاني» الذي يتميز بشخصية فريدة، يحضن تيارات فكرية مختلفة، بل متناقضة، ويتقبل الآخر، ويفرد له مساحة يحتاج اليها للاستمتاع، والتسوق، وطبعاً السهر.

انتفاضة ضد الوجه السياحي السائد
ما يعيشه الشارع اليوم، ليس وليد اللحظة، ولا يأتي فقط بعد اعتصام المعارضة (السابقة) في وسط بيروت في العام 2008، بل هو نوع من الانتفاضة أو ردّ الفعل على الوجه السياحي البحت لوسط بيروت بالدرجة الأولى، أو تكملة لموجة الازدهار التي عاشتها بعض الشوارع، مثل منطقة مار مخايل / النهر، والجميزة، وقبلهما مونو. إذ ظهرت بوادر «الانفجار الاقتصادي» في الحمراء منذ نحو أكثر من سنتين، مع ارتفاع موجة افتتاح المقاهي الليلية بشكل غير مسبوق، علماً بأن الشارع كان منذ العام 2008 يخطو خطوات أبطأ نحو الازدهار الاقتصادي، إثر افتتاح سلسلة من متاجر الألبسة العالمية، والمطاعم التي تقدّم الوجبات السريعة، والمقاهي الشبابية التي وفّرت خدمة الانترنت المجاني، قبل القهوة، لروادها، وأصبحت المنزل الثاني لطلاب الجامعات ومثقفي الشارع.
الجديد في مشاريع الحمراء، هو التوجه المركّز نحو افتتاح مقاهٍ ليلية يتحوّل بعضها خلال النهار إلى مطاعم، وأماكن للاجتماع المهني أو التلاقي الاجتماعي. وكثير منها يعمد إلى جعل واجهة المقهى الخارجية متحركة، بشكل يساعد على فتحها وإفساح المجال لرواده أن يتفاعلوا بشكل ما مع الشارع، بالإضافة إلى إفراد شرفة أو حيز من الرصيف لمقاعد خشبية كثيرة. وفي التصميمين المذكورين، ما يجعل مقاهي الحمراء الليلية مشابهة لـ«مقاهي الرصيف» التي لطالما تميزت بها منطقة رأس بيروت، وتحديداً شارع الحمراء، وكادت تندثر، على طريقة «ويمبي - فيروموادا» و«مودكا - فيرومودا»، وما يتردد عن تغيير جذري سيصيب مقهى «سيتي كافيه».. إنما تبقى المقارنة قائمة بين الحمراء الجديدة والجميزة، وحياة ليلية تفرق بينهما.
«نيو جميزة» ـ «نيو حمراء»
يتوقف كثيرون عند ازدهار «الحمراء» وازدحامها بالسيارات والرواد في مختلف أوقات النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل، ويشبهونها بـ«الجميزة» التي تحولت منذ بداية العام 2000 إلى قبلة للسهر، وجمعت في الشارع التراثي ذي البيوت النادرة، أكثر من ثمانين مقهى ليلياً.
وعلى الرغم من أن هناك من يعتبر أن حمراء اليوم تسرق رواد الجميزة وتجذبهم إليها، فإن هناك من يتمسك برأي معروف: «للحمرا ناسها». في المقابل، تُظهر الزيارات المتعددة للجميزة في مختلف أيام الأسبوع، أن «للجميزة ناسها» أيضاً. وهؤلاء، بحسب مدير إحدى الحانات، «رواد يفضلون السهر والاستماع إلى الموسيقى المرتفعة على جلسات هادئة نسبياً في حانات الحمراء. إذ يطغى في الأخيرة نوع آخر من المرح، وتسلسل الأحاديث، وطول النقاشات، على المواعدة والتعارف الموجودة في الجميزة. أضف إلى ذلك أن الجميزة ما زالت تتميز بالخيارات العديدة لروادها المختلفي الأذواق والطبقات الاجتماعية». من جهته، يعتبر صاحب حانة «كايان» كايان المختار أن «الجميزة تحوي أنواعا مختلفة من المقاهي الليلية، إذ نقدم في كايان مساحة لجلسات هادئة نسبية، بخلفية موسيقية منخفضة»، وينقض المختار «نظرية التفرقة بين الشارعين، إذ هناك عددا كبيرا من الرواد الذين يتنقلون بين الحمرا والجميزة ويستمتعون بالسهر بكل منهما». ويرفض الموظف في واحد من أشهر المقاهي الليلية في الجميزة أن «تكون الحمرا قد سرقت من وهج الجميزة، إذ لا مجال للمقارنة بين رواد المنطقتين، لا سيما أن رواد الجميزة يفضلون نوعا مختلفا من السهر لا يتميز بالـ«عادية» الايجابية والبساطة التي يعيشها رواد الحمرا الذين يقصدون أي مقهى ليلي كجزء من يومياتهم ومن دون إيلاء أهمية كبرى للشكل الخارجي ونوع السيارة وماركات الثياب والسيكار..».
هنا، يؤكد خوسيه وهبي، وهو مدير حانة «بريكس»، التي افتتحت منذ أشهر سبعة في الحمراء، وحلت محل مكتبة «المعري»، (وهو أيضاً صاحب حانة ومطعم «بوسطن» الذي يبلغ عمره أياما قليلة) تلك الفرضية، منطلقاً من أن «ارتياد المقاهي الليلية، من منظور ناس الحمرا، يعتبر عادة يومية، بعد يوم عمل طويل». ويرفض وهبي أن «تكون الحمرا تغير من هويتها أو جلدها، وكل الازدهار الحاصل فيها يأتي ليؤكد أنها المدينة الحقيقية –Urban City والقلب النابض لبيروت، إذ ما زالت حتى اللحظة تتميز ببساطتها، وانفتاحها، وما زال كل مكان جديد يفتتح فيها يتميز بنكهة جديدة نسبياً، على الرغم من أن بعض المقاهي التي افتتحت مؤخراً تبعت موجة ازدهار الحمراء، ويظن أصحابها أنهم سيجنون الثروات الطائلة بمجرد أن افتتحوا مشاريع لهم هنا مراهنين على أن تصبح المنطقة سياحية بامتياز وروادها «سياح كليشه»، علماً بأنه حتى اللحظة ما زال رواد الحمراء من داخلها ومن ناسها ولا تتعدى نسبة الزوار من خارجها العشرة في المئة، علما بأنه يمكن للحمراء أن تجذب روادا من الخارج، إنما يصعب على رواد الحمراء أن يسهروا أو يعتادوا على مكان آخر خارجها».
هل يعني ذلك أن الحمراء لا تتغير؟ يجيب وهبي أن «الناس هم من يفرضون أنفسهم وأطباعهم على الأمكنة، وأصحاب المصالح يلبون طلبات هؤلاء الناس، ولا شك في أن الشارع يتغير بهذا المعنى، إنما ما زالت روحيته طاغية على الطابع التجاري المادي البحت لشوارع أخرى».
بلغت ذروتها؟
في «سنتر الاسترال»، رصّ لصفوف المقاهي الليلية. وفي الزقاق الذي يربط شارع الحمراء الرئيسي بشارع المقدسي، الذي يسمّيه البعض بـ«ميني جميزة» (الجميزة الصغيرة)، تنتشر على الضفتين أكثر من خمسة مقاهي، آخرها افتتح منذ أيام معدودة. ويبقى أشهرها مقهى «دانيز» الذي كان من المقاهي الأولى التي افتتحت وساهمت في إرساء موجة الازدهار منذ سنوات ثلاث. ويشرح صاحبه داني خوري أنه افتتحه «ليلبي حاجة الناس لمكان بسيط يمكن لأي كان أن يرتاده، من دون تكلف ومن دون صخب لافت». ويجزم خوري بحدوث «التغيير الجذري في الحمراء، الذي يبدأ مع اختلاف أهواء روادها لا سيما من العاملين في مجال الثقافة، والمسرح، والسينما، والصحافة، وغيرها.. وبات الرواد الجدد اليوم يقصدون الحمراء، بعضهم ينشد السهر البحت من دون تفاعل يذكر مع طبيعة الشارع المفترض أنه مركز الاختلاط الاجتماعي». وعلى الرغم من افتتاح خوري لمقهى «ماين ستريت» منذ فترة وجيزة، إلا أنه يعتبر أن «الشارع وصل إلى الذروة منذ أكثر من سنة، وما عاد يحتمل مشاريع جديدة، لا سيما أن المقاهي الليلية الجديدة تتجه إلى التغيير في هوية الشارع وتحوله إلى جميزة جديدة، المشهورة بازدحامها والموسيقى المرتفعة الصادحة من حاناتها المزعجة لسكان الشارع».
التحول في الشارع، يلاحظه أيضاً أرتور شارفانيان صاحب حانة «ريغستو» التي باتت تعتبر من «الجيل القديم» إن أمكن القول، إنما ما زالت تتمتع برواد مخلصين، وآخرين جدد. ويشير شارفنيان إلى أن «الحمرا ما زالت تحافظ على ناسها وروادها، وقلة هم الذين يزورونها من خارجها»، مؤكدا أن «الحمرا تصل إلى ذروة قدرتها الاستيعابية تقريباً»، ما يؤكد عليه ياسر اللقيس صاحب مقهى «ريد بوث» الليلي الذي افتتح منذ شهرين، معتبراً أن «الحمرا تختلف عن أي شارع آخر، وفي الوقت نفسه يعتبر المشروع التجاري فيها مشروعا ناجحا بمجرد وجوده فيها».

مشروع ثقافي

الحياة في ليل الحمراء لا تقتصر على مقاهيها الليلية فقط، إذ بين غابة الحانات، ظهر مشروع ثقافي مختلف، يبقى قبلة للسهر، هو DRM أو «جمهورية الموسيقى الديموقراطية». المسرح - الصالة فيه، تبدو كنوع من تكملة لشركة «فوروورد ميوزك» الموسيقية، للمنتج والمؤلف الموسيقي غازي عبد الباقي، الذي يعتبر أنه «ما كان يمكن أن يفتتح مشروعي هذا في مكان آخر خارج الحمرا المتنوعة، المنفتحة على كل التيارات الثقافية والفنية والسياسية وحتى الاجتماعية».
ويأتي مشروع عبد الباقي ليضفي على تغيير شارع الحمراء «نفحة موسيقية جدية ممتعة في الوقت عينه، وليس لدي أي تخوف من الجديد الطارئ على الشارع، إذ يُعتبر التغيير طبيعياً بل صحياً، حتى لو جلب معه فورة من الحانات التي تأخذ كل منها حيزها الخاص.. وبعد فترة وجيزة، يعيد الشارع توزانه». ويعود عبد الباقي ليجزم بأن التغيير والتوسع «يعيدان الحمراء إلى تعريفها الأساس: النقطة التي تتمحور حولها كل العاصمة».

جهينة خالدية – السفير 22 تموز 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق