الخميس، 30 يونيو، 2011

الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان

مقدّمة

يوميات الحرب العالمية الثانية (حملة لبنان و سوريا) – سرد مفصل لوقائع الحرب العالمية والأحداث التي رافقتها خلال احتلال قوات الحلفاء للبنان وسوريا، الدولتان الخاضعتان في حينه لسيطرة حكومة فيشي الفرنسية التابعة لقوات المحور – وقائع ويوميات المعارك التي حصلت في بلدات الخيام، مرجعيون، إبل السقي وغيرها من القرى والبلدات و المدن اللبنانية – محاور الغزو والخطط والخلفيات السياسية والتاريخية والعسكرية - كتاب موثق بالصور و الخرائط مهم جدا للباحثين والعسكريين والمهتمين بالأحداث التاريخية سيعرض حصريا على موقع Khiyam على فصول بترجمة وتحقيق من المهندس جلال يوسف عبد الله.
الفصل الأول: خلفية الصراع على لبنان وسوريا

الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
تمهيد

عند إجراء مراجعة شاملة للأوضاع العسكرية السائدة عام 1941، يظهر لنا جليا صعوبة الفصل بين ما كان يحصل في حينه في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من الأحداث الخطيرة المتسارعة الجارية على الساحة العالمية.

فنتيجة للانهيار السريع للجبهة اليونانية تحت وطأة الهجمات الصاعقة للقوات الألمانية، وسوء الأوضاع القتالية على جبهة كريت، واهتزاز الدفاعات البريطانية على كل من جبهات طبرق والصحراء الغربية وسيناء، منيت القوات البريطانية البرية العاملة تحت قيادة الجنرال ويفل والمؤلفة من عشر فرق عسكرية كانت منتشرة على طول خطوط الجبهة بخسائر فادحة أدت إلى شللها وتخفيض فعاليتها القتالية إلى النصف تقريبا.

فقد أبيد معظم عناصر فرقتي الخيالة والبريطانية السادسة، وفقدت كلتا الفرقتين النيوزلندية والاسترالية السادسة أسلحتهما الثقيلة، ووقعت الفرقة الاسترالية التاسعة المرابطة في طبرق تحت الحصار، أما باقي الفرق فهي إما كانت منهمكة في الإعداد للمواجهات المتوقعة على جبهة الصحراء الغربية كحال الفرقة السابعة الاسترالية والفرقة الأولى الجنوب افريقية والفرقة الرابعة الهندية، وإما تقوم بمسح وتمشيط لمسرح العمليات في صحراء سيناء كالفرقة الخامسة الهندية وبعض المجموعات المشتركة البريطانية – الأفريقية، ما لم يبقي متوفرا للعمل كقوة مساندة واحتياط سوى الفرقة الاسترالية السابعة المرابطة في مرسى مطروح.

وكان على القادة العسكريين البريطانيين أيضا أن يواجهوا، بما تبقى لديهم من قوات منهكة وإمدادات ضعيفة، الخطر المحدق بالجبهة العراقية بسبب التعاطف الذي أبداه العراقيون مع قوات المحور، ما دفعهم لاتخاذ إجراءات ميدانية عاجلة كان منها استقدام قوات مساندة من الهند والشرق الأوسط والاستعانة بالفيلق العربي لاستعادة السيطرة على الموقف.

ولم تكن حال الجنرال ويفل بأفضل مما أصاب أدميرال البحر الجنرال كننغهام الذي تقلص حجم أسطوله البحري، بنتيجة المواجهات الضارية التي حصلت في حوض المتوسط، إلى بارجتين وثلاثة طرادات وسبعة عشر مدمرة فقط صالحة للقتال كان يقع عليها عبء الحفاظ على خطوط الإمداد لكل من طبرق ومالطا، وبذل ما في وسعها لعرقلة إمدادات وتعزيزات السفن المعادية المتجهة إلى شمال أفريقيا، كل ذلك كان يتم تحت وابل من الضربات الجوية المتلاحقة لسلاح الجو الألماني، ما دفع بقائد الأسطول البحري في نهاية شهر أيار لطلب زيادة الطلعات الجوية المرافقة ما سمح بإغراق عدد لا بأس به من سفن المحور، واتاح للبحرية تحقيق بعض التقدم على تلك الجبهة.

أما على صعيد سلاح الجو، وبعد الموجات الأولى من المواجهات التي حصلت في مطلع العام، فقد انخفض عدد الطائرات البريطانية الصالحة للاشتباك إلى مائتان وخمسون طائرة فقط، كان عليها أن تغطي بمفردها مسرح عمليات واسع يمتد من مالطا، إلى شرق البحر المتوسط، امتدادا إلى جزيرة كريت وشمال وشرق أفريقيا وعدن والبحر الأحمر وفلسطين دون استبعاد احتمال قيامها بعمليات فوق سوريا والعراق، وكان على هذه الطائرات، في حال اضطرارها لإجراء عمليات تبديل أو تزود بالوقود، المغامرة بالتحليق طويلا فوق حوض المتوسط للهبوط ليلا في مالطا، أو عبر البحار إلى غرب أفريقيا ومنها قاطعة مسافات لا تقل عن ثلاثة آلاف وسبعمائة ميلا وصولا إلى القاهرة.

في المواجهة كان لدى الألمان ما يزيد عن ألف ومائتي طائرة حديثة كاملة التجهيز، يضاف إليها ستمائة طائرة إيطالية تتمتع جميعها بميزة سرعة إعادة التسلح والتجهيز في مطاراتها المنتشرة في مختلف أنحاء مسرح العمليات الحربية.

وفي أيار، وقبل اندفاع الهجوم الألماني نحو كريت، تكونت قناعة تامة لدى القيادة العليا الميدانية بضرورة إعادة القيام بعملية تنظيم وتجهيز سريعة وشاملة لقواتهم الحربية، خصوصا بعد الأخبار التي توالت عن خطر جديد محدق اخذ يلوح على جبهة طرابلس، وهو ما دفع بالجنرال ويفل للتوجه بطلب، عبر رئاسة الأركان، لعقد اجتماع مع القيادات السياسية العليا المخولة مناقشة التطورات الجارية في المتوسط واتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة بشأنها، وهو ما تم فعلا من خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها وزير الخارجية إيدن وما اتخذ خلالها من قرارات كان أبرزها تجريد حملة عسكرية على القوات الفرنسية الفيشية المرابطة في لبنان وسوريا احد أهدافها تخفيف الضغط عن قواتهم المنهكة والمنخرطة بعمليات قتالية على باقي الجبهات.

لكن ما عاد وأزعج ويفل هو قيام الجنرال ديغول بالاتصال مباشرة برئيس الوزراء البريطاني تشرشل عارضا عليه قيام قوات فرنسا الحرة بهذه المهمة، وهو ما وجده ويفل سخيفا لعلمه أن حجم القوات الديغولية المرابطة في فلسطين لم يكن يتجاوز الخمس كتائب عسكرية وفصيلة مدفعية واحدة، بينما كانت معلوماته تشير أن لدى الجنرال دانتيز، القائد العسكري للقوات الموالية للحكومة الفيشية، ما لا يقل عن ثمانية وعشرون ألف جندي كامل التسليح والتدريب، إلا أن طلب ديغول لقي تعاطفا من قبل تشرشل وكاترو والسير وليام لمبسون والجنرال سبيرز ضابط الارتباط البريطاني مع قيادة القوات الفرنسية الحرة.

في المقابل تمكن الألمان، الذين كانوا يعدون العدة للاستيلاء على الجبهة السورية، من تنظيم تسلل منتظم لقواتهم إليها بتواطؤ من الجنرال دانتيز.

وبحلول نهاية شهر نيسان، اعلم الجنرال ديل زميله ويفل انه بالنظر لاحتمال حصول غزو ألماني جوي وشيك على سوريا، فقد أرسلت وزارة الخارجية البريطانية تحذيرا للجنرال دانتيز طالبة فيه توضيحات عن مدى استعداده لمواجهة هذا الغزو وما طبيعة الإجراءات الدفاعية التي سيتخذها، وفي الوقت نفسه استفهم ديل من ويفل عن حجم القوات الممكن توفيرها لمساندة دانتيز في تلك الحالة ناصحا إياه بعدم إشراك القوات الديغولية في المعارك ما لم تتقدم منه بطلب صريح بذلك.

و قد جاء جواب دانتيز انه سيقاوم الزحف الألماني في حال حصوله، إلا انه سيخضع في نهاية الأمر لأية أوامر قد تصدر إليه من حكومة فيشي، كما أحاط الجنرال ويفل ديل بتاريخ 28 نيسان ( في الوقت الذي كانت تجري فيه عمليات الإجلاء من اليونان على قدم وساق ) بان القوة الوحيدة المتوفرة لديه حاليا هي لواء الخيالة، وبناء عليه صدرت إليه التعليمات لإبقاء قواته في حالة جهوزية قتالية تسمح له بالتدخل وتقديم الدعم للجنرال دانتيز في حال حصول أي هجوم عليه، وفي حال فشل في مقاومته أو انهارت دفاعاته، فان على كافة التشكيلات القتالية البريطانية المتوفرة القيام في الحال، وبدون أي تردد، بهجوم معاكس لمواجهة الغزو، مع ضرورة إخطار القوات الديغولية بالبقاء في حالة استعداد تامة للاستعانة بهم كاحتياط في حال دعت الحاجة.

في الخامس من شهر أيار، وبناء لطلب من الجنرال كاترو مساعد الجنرال ديغول في المشرق، عقد اجتماع في القاهرة لمناقشة المستجدات في سوريا، حيث عبر كاترو عن عدم اقتناعه بان الجنرال دانتيز سيقاوم الغزو الألماني المتوقع، وبالتالي فهو على أتم الاستعداد، في حال سقوط سوريا بيد الألمان، لمهاجمتها بواسطة كتائبه الستة المتواجدة في فلسطين والتي أصبحت في طور الجهوزية للقتال، وقد وافقته هيئة الأركان على مخاوفه خصوصا بعد أن تسربت إليها معلومات عن أوامر أعطيت لدانتيز لتسهيل تحليق الطائرات الألمانية والإيطالية في أجواءه.

و في التاسع من شهر أيار تلقى الجنرال ويفل تعليمات من رئيس الوزراء تشرشل يأمره فيها بتزويد قوات فرنسا الحرة بكل ما تحتاجه من معدات ووسائل نقل وكل ما يراه مناسبا لمنع الإنزال الألماني في سوريا.

و في الثاني عشر من نفس الشهر، تناقلت الأنباء معلومات أن الطائرات الحربية الألمانية قد هبطت في المطارات السورية، لذا أعطيت على الفور الأوامر لجنرال الجو " تيدر "، القائد الجديد لسلاح الجو البريطاني في الشرق الأوسط، لمهاجمة تلك الطائرات، وبناء عليه قام سلاح الجو البريطاني بتنفيذ ضرباته على دفعات، فقصف بتاريخ 14 و15 أيار مطار دمشق، تلى ذلك قصف مطاري رياق وطرطوس بتاريخ 18 و19 منه، ما أدى إلى حدوث أزمة حادة في العلاقات بين بريطانيا وحكومة فرنسا الفيشية دفعت بالجنرال ويفل لطلب عقد اجتماع طارئ في القاهرة لتقييم الموقف الناشئ واتخاذ القرارات المناسبة بشأنه.

في خلفية الصراع على سوريا ولبنان

حظيت فرنسا منذ مطلع القرن السادس عشر بامتيازات تجارية وثقافية في الإمبراطورية العثمانية، وكانت قوة هذه الامتيازات تتضاعف كلما ازداد " مرض " الدولة العثمانية وتفككت أوصالها، ومع الوقت أصبحت الفرنسية اللغة الثانية في بلاد الشرق الأدنى، إلى جانب اللغة العربية، كما أخذت هذه البلاد تتطبع شيئا فشيئا بالعادات والتقاليد الأوروبية التي انتقلت من فرنسا، وبرز في كل من مصر والشرق الأدنى طبقة جديدة مثقفة تنظر إلى باريس على أنها مركز الحضارة الأوروبية والتقدم الاقتصادي. وعلى الرغم من نمو التأثير البريطاني منذ بديات القرن التاسع عشر، تمكنت فرنسا والفرنسيين من المحافظة على امتيازاتهم المالية والصناعية في المشرق، لا بل تزايدت هذه الامتيازات وتكاثرت إلى جانبها مدارسهم وبعثاتهم.

و بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918 ) والمفاوضات التي تلتها، تمكنت بريطانيا بدبلوماسيتها وقواها المسلحة ودعمها للمشاعر الوطنية العربية من تحقيق حضور قوي وفاعل في الشرق الأوسط على حساب الفرنسيين الذي تراجع نفوذهم شيئا فشيء، ثم جاءت التسوية المبرمة مع الدولة التركية الجديدة في لوزان بنتائج مهينة على كل الصعد لفرنسا، ومنذ 1924، افترقت سياسات كل من فرنسا وبريطانيا بشكل جذري فيما خص قضايا الشرق الأوسط، فقد نحت السياسة البريطانية نحو إعطاء الاستقلال للبلاد العربية التي وقعت تحت سيطرتها، بينما أصرت فرنسا على انه من الضروري إبقاء تلك البلاد تحت انتدابها إلى حين بروز طبقة جديدة مثقفة مؤهلة لحكم البلاد وإدارة شؤونها، وهو ما سيستغرق بنظرها وقتا طويلا جدا ( كان الصراع على النفوذ وما نتج عنه من افتراق في السياسات والمصالح من الأسباب الكامنة القوية التي أدت لاحقا إلى وقوف حكومة بيتان إلى جانب الألمان في الحرب العالمية الثانية ).

يبلغ تعداد سكان سوريا ولبنان، اللتين أخضعتا بقرار من عصبة الأمم للانتداب الفرنسي، حوالي ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف نسمة ذوو أصول ثقافية ودينية مختلفة، منها ما هو مسلم ومنها ما هو مسيحي أو يهودي، وقد قسم الانتداب الفرنسي البلاد إلى أربعة مناطق حكم هي سوريا حيث الأغلبية الإسلامية السنية، ولبنان حيث الغالبية المسيحية، واللاذقية حيث الغالبية العلوية، وجبل الدروز.

ومنذ عهد بداية الانتداب، حصلت اضطرابات شديدة في كل من سوريا وجبل الدروز بين سلطة الانتداب وبعض الوطنيين سببها الرئيسي عائد لاستبداد وجور وفساد الحكام العسكريين الفرنسيين، وقد تطورت تلك الاضطرابات إلى اندلاع حرب أهلية استمرت منذ عام 1924 حتى عام 1927 شارك فيها كلا الجانبين الفرنسيين والثوار، بعدها استمر سوء التفاهم بين السياسيين اللبنانيين والسوريين من جهة وسلطة الانتداب من جهة أخرى حتى تموز 1939، حين اتخذ الحاكم العسكري الفرنسي قرارا بحل البرلمانين السوري واللبناني وقمع بعض اعضاءهما أو اعتقالهم.

و بعد اندلاع المعارك في أوروبا، تولى الجنرال ويغان المعين برتبة القائد الأعلى للقوات المسلحة الفرنسية في المشرق، وضع الخطوط الاستراتيجية العامة للسياسة الفرنسية في لبنان وسوريا، وقد أبدت القيادات اللبنانية والسورية رغبتهم بدعم فرنسا وحلفائها في الحرب، إلا أن رد فعل المواطنين كان فاترا جدا ولا مباليا.

و في عام 1940، وبعد سقوط باريس وإعلان الجنرال ميتل هاوزر عن تطبيق الأحكام العرفية على البلاد السورية ورد الحكومة البريطانية بأنها لن تسمح أبدا بوقوع سوريا تحت سيطرة قوات معادية، أبدت قلة من المدنيين والعسكريين الذين يؤدون خدمتهم في سوريا رغبتها بمتابعة قتالها ضد القوات الألمانية، ثم انتقل قسم منهم إلى فلسطين، وشيئا فشيئا تكون لديهم الاقتناع بأنهم سوف يحصلون على التعاطف والدعم الملائمين من القوات البريطانية لنصرة قضيتهم.

بعد سقوط باريس عام 1940، تحول استياء غالبية السياسيين السوريين من الوصاية الفرنسية إلى شعور بالمهانة والإذلال لخضوع بلادهم لأمة مهزومة، وبعد انسحاب فرنسا من عصبة الأمم، وجد هؤلاء أن شرعية فرض الوصاية والانتداب عليهم قد انتهت، ثم في مطلع عام 1941، قاد بعض الوطنيين الاضطرابات والمظاهرات التي عمت المدن السورية بسبب نقص الغذاء والتموين، ولاستيعاب النقمة الشعبية أعلن دانتيز عن تشكيل مجلس استشاري مهمته إجراء بعض إصلاحات اقتصادية، بعدها قام بتعيين عدد من الوزراء في كل من سوريا ولبنان.

في هذا الوقت كان المناخ العام لحكومة فيشي كان معاديا للبريطانيين وهذا لم يكن نتيجة للاحتلال الألماني، بل لاعتقاد الطبقة السياسية والعسكرية العليا الحاكمة في فرنسا بضرورة تأسيسهم دولة دكتاتورية على غرار النموذج الألماني دون أن يعني ذلك رغبتهم بالبقاء خاضعين للنفوذ الألماني إلى الأبد، وفي أواخر صيف 1940، وحين بدا أن الهزيمة البريطانية لا تلوح في الأفق، أبدى الماريشال بيتان وعدد من وزراءه رغبتهم في مقاومة التعديات الألمانية، لذا أرسل في تشرين أول، الجنرال ويغان إلى شمال أفريقيا لتنظيم مقاومة استيلاء أي من ألمانيا أو بريطانيا على تلك المستعمرات، ثم سمح بفتح خطوط مفاوضات جانبية مع بريطانيا، بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تسعى لإقناعه بمواصلة القتال ضد الألمان، وبينما كانت تلك المفاوضات تجري، التقى في 24 تشرين أول هتلر في مونتوار حيث بحث معه إبرام اتفاقية نصت على أن لفرنسا وقوات المحور هدف واحد مشترك هو هزيمة بريطانيا في أسرع وقت ممكن، وعليه فان فرنسا تتعهد لقوات المحور بتقديم كامل الدعم المطلوب لإتمام تحقيق ذلك الهدف، لكنه لاحقا في شتاء 1940-1941، وبعد وقوع لافال أكثر الوزراء الألمان نفوذا بالأسر، تراء له أن النصر على بريطانيا بعيد المنال، لذا خفت حماسته وأفسح المجال للمضي بالجهود الأمريكية الساعية لفك التحالف بينه بين الألمان، وفي أيار بلغت مسايرة الولايات المتحدة للفيشيين حدها الأقصى حين تمكنت من إقناع القيادة البريطانية، المرتبطة أصلا بدعم الجنرال ديغول والغير مقتنعة أصلا بصدق نوايا الفيشيين، بفك الحصار والسماح بمرور محدود للسفن الأمريكية المحملة بالمؤن إلى مدينة مارسي.

كانت الإجراءات الحازمة تجاه حكومة فيشي مرغوبة جدا من قبل عدد من القادة البريطانيين الفاعلين في سياسة الشرق الأوسط الذين استقوا معلوماتهم بالدرجة الأولى من العسكريين الذين خدموا هناك ومن الديغوليين، وقد كان يحكم رأي هؤلاء التنافس الحاد الذي نشأ بين سياسات بريطانيا وفرنسا في المنطقة، وقد ادعى العسكريين الإنكليز أن انتزاع سوريا من أيد الفرنسيين لن يكون فقط ضروريا بل سيكون أيضا سهل، كون معظم ضباطهم مرتشين وفاسدين وقساة، وأن المواطنين المحليين لن يأسفوا أبدا لرؤيتهم يرحلون، كما ادعى الديغوليين انه ما أن يعلن عن قيام الحملة على سوريا حتى يبادر أولئك الضباط للاستسلام، لكن في الحقيقة فان كلا الادعاءين كان مبالغ فيهما.

من ناحية أخرى، كانت تقديرات الاستخبارات الإنكليزية العاملة تحت قيادة الجنرال ويفل بان تعداد القوات العسكرية العاملة بامرة القيادة الفرنسية في المشرق تبلغ ثمانية وعشرون ألف جندي نظامي كامل التدريب والتجهيز معظمهم من العرب والأفارقة، إضافة إلى خمسة وعشرون ألف عسكري لبناني وسوري وغيرهم من عناصر الدرك، أما عدد القوات والعملاء الألمان في سوريا فيقدر بحوالي 300 عنصر.

كانت حجم القوات الفرنسية في سوريا يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للجنرال ويفل، لكن ما كان يغيظه هو القناعة الموجودة لدى بعض السياسيين بسهولة الموقف الذي يواجهه بحيث يكفيه " رمي قبعته على سوريا ليحتلها ". وفي التاسع من أيار ابلغ رئيس الوزراء تشرشل الجنرال ويفل بأنه لا بد له من السماح لكاترو بالتقدم نحو سوريا، وكان حجم كاترو يعادل، بالعرف العسكري، ستة كتائب عسكرية بينها أربعة من المرتزقة السنغال وبطاريتي مدفعية عيار 75 مم. ثم تلقى ويفل في العاشر من أيار برقية من ديغول يعبر فيها عن انزعاجه لعدم المباشرة في تجميع قواته وتحضيرها للتدخل في سوريا، وفي الثامن عشر منه، ابلغ كاترو، الملح بالسير إلى سوريا، الجنرال ويفل أن القوات الفيشية قد انسحبت من سوريا إلى لبنان مخلية مواقعها للألمان وأن الطريق إلى دمشق أصبح مفتوحة أمامه وهو يستأذنه التحرك نحوها ودخولها.

شكك ويفل بمعلومات كاترو وفضل التروي، وخلال بضع ساعات تبين له صحة توقعاته حين أذاع دانتيز أن الحكومة البريطانية اتهمت الحكومة الفرنسية بأنها " لم تمنع تحليق الطائرات الألمانية فوق سوريا، وأن بعض تلك الطائرات قد هبط فعلا في مطاراتها "، وعليه أعلن دانتيز انه " جاهز للرد على أي اعتداء ومواجهة القوة بالقوة ".

وعليه قررت قيادة الأركان في لندن السماح لكاترو بالتحرك والتمركز على الحدود السورية في مواجهة درعا، ثم دخول سوريا إذا تبين أن ردود الفعل العربية والفيشية كانت مرحبة، وفي 20 أيار ( وهو اليوم الذي انطلق فيه الهجوم الألماني على جزيرة كريت ) خضع الجنرال ويفل للمحتوم، حيث أعطى أوامره للجنرال ميتلند ويلسن، قائد القوات البريطانية في الأردن وفلسطين، لإعداد خطط لتقدم القوات البريطانية – الديغولية المشتركة إلى دمشق ورياق وبيروت، كما أشار للفرقة السابعة الاسترالية العاملة بقيادة الجنرال لافاراك بالتحرك نحو فلسطين.

وقد صارح الجنرال ويفل قيادته في لندن باعتقاده أن مصير هجوم قوات فرنسا الحرة إلى سوريا هو الفشل، وانه إذا بقيت السياسة العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط محكومة برغبات كل من ديغول وكاترو، فانه يفضل الاستقالة وإعفاءه من منصبه.

لكن القرارات السياسية التي اتخذت تجاهلت اقتراحات ويفل وتقديراته الحكيمة، ولاحقا في ذلك الشهر تعرضت القوات البريطانية القليلة التجهيز في كريت لهجوم ساحق، ووقعت طبرق تحت الحصار، وتبين أن الدفاعات البريطانية في الصحراء الغربية ضعيفة جدا، كما تصاعدت نشاطات الثوار في العراق.ثم تلقى ويفل، وعكس رغباته، موافقة مبدئية من تشرشل وقيادته في لندن على المباشرة بغزو سوريا بواسطة قوات فرنسا الحرة التي يعوزها المدفعية ووسائل النقل الكافية ويبلغ إجمالي حجمها تسع حجم القوات المدافعة عن سوريا، وقد ابلغ تشرشل ويفل برقيا بان ما قرره يعبر عن رؤية وسياسة حكومته وهو يتحمل كامل المسؤولية عن ذلك، وهو لا يمانع إعفاء ويفل من مسؤولياته إذا رغب بذلك.

في هذه الأثناء تلقى كاترو من القيادة العليا موافقة على طلبه تجميع قواته والمباشرة بما اسماه المسيرة السهلة للسيطرة على دمشق، لكن ما نقله له الكولونيل كوليت قائد القوات الفيشية في حوران جعله يعيد التفكير بقراره، حيث اعلمه أن ما يحكى عن انسحاب للقوات الفرنسية نحو لبنان غير صحيح، وأن ما يجري هو إعادة تموضع للقوات شمال دمشق للدفاع عنها، وانه من غير الممكن إلا لقوة هجومية كبيرة من اختراق تلك الخطوط الدفاعية، وكان هذا الضابط قد انشق في الواحد والعشرون من شهر أيار عن الجنرال دانتيز وعبر إلى فلسطين مع سبعة من اصل سراياه العشرة.

في 22 شهر أيار، أعاد الجنرال ويفل شرح قناعاته للجنرال ديل مبديا عدم رضاه عن تحريك قواته نحو سوريا قبل إنجازه الاستعدادات المناسبة لذلك، وقد عبر بصراحة عن رأيه بما يجري من مناحرات ومزايدات يقوم بها بعض السياسيون، وانه قرر بعد استشارته لكل من الجنرالين كاننغهام وتدر المباشرة بتحريك قواته نحو فلسطين.

وبعد ثلاثة أيام من زيارته للبصرة للقاء القائد العام للقوات البريطانية في الهند الجنرال اوتشينلك، اعلم الجنرال ويفل مجلس الحرب انه يعد العدة لهجوم مشترك بريطاني – فرنسي على سوريا مستعينا بالفرقة السابعة الاسترالية وقوات المغاوير الفرنسية ووحدة من فرقة الفرسان الأولى، إلا أن قواته تفتقد عمليا لسلاح المدرعات، وحدد ويفل أهداف حملته بالسيطرة على خط دمشق - رياق - بيروت، لكنه أبدى خشيته من قلة حجم قواته وحاجتها للتدعيم بفرقتي مشاة وفرقة مدرعات، أو على الأقل لواء مدرعات لإتمامها بالشكل المطلوب.

في 27 شهر أيار درست لجنة الدفاع مطالب ويفل، ثم أبلغته في اليوم التالي أن هزيمتهم في كريت أصبحت أمرا واقعا، وأن أولويتهم الحالية هي تحسين موقفهم على جبهة الصحراء الغربية، وأنهم سيطلبون من الأتراك تولي أمر حلب، لكن بالنسبة لسوريا، فان على ويفل احتلالها قبل تعافي سلاح الجو الألماني من الضربة التي لحقت به وترك له تحديد تاريخ الغزو على أن يكون في اقرب وقت ممكن، وقد أجاب ويفل أن 7 حزيران هو التاريخ المبدئي المناسب لمباشرة العمليات.

في 29 أيار زار ديغول القدس بصحبة المايجور جنرال سبيرز، وقد كتب ويلسون لاحقا عن مضمون الاجتماعات التي حصلت بينه وبين كل من ديغول وسبيرز :
" قدم سبيرز لرؤيتي أولا..... وأصر إلي كم يبدي رئيس الوزراء من احترام للجنرال ديغول، وكم انه من الضروري تلبية طلباته في أسرع وقت ممكن، ثم شرح لي مهمته التي تقضي بضمان التفوق العسكري والسيطرة البريطانية على الموقف، كما نصحني أن نعامل الضباط الفرنسيين في سوريا بحيث نضمن التفريق بين كبار الضباط وصغارهم، وأن نعزل هؤلاء عن باقي الجند الذين من المستحسن أن نطعمهم جيدا ونقدم لهم النبيذ والقهوة، لكن خلال المعارك يجب أن نأمرهم بالابتعاد جانبا ونترك أمر مواجهة الألمان للجنود البريطانيين، وفي نفس الليلة أتاني الجنرال ديغول لرؤيتي في مكتبي وقدم لي شروحاته النفسية عن العملية، فعدد كبير من الجنود الفرنسيين لا يحبذون قتال البريطانيين أو قوات فرنسا الحرة، أما الجنود السوريين فان المسألة لديهم هي مسألة شرف، فإذا تلقوا الأمر بالدفاع عن احد المواقع فإنهم سيفعلون، لذا يجب تدبر ذريعة لعدم قتالهم، أو الدخول معهم إذا اقتضى الأمر في مناوشات محدودة، وأن سقوط بيروت سيكون له اكبر الأثر لوقف المقاومة لأنه من المألوف أن يتلقى الجميع أوامرهم من هناك، وأن القصف الجوي يفضل أن يكون على مواقع المدفعية حيث سيكون له اكبر الأثر لوقف أي مقاومة، لكن كل هذه الآراء لم يكن لها أدنى اثر لدى الجنرال ويفل وتحضيراته الواسعة الجاري إعدادها للمعركة ".

إلى أي مدى أحيطت الحكومة الأسترالية علما بما يجري التحضير له، بالنظر إلى حجم القوات الأسترالية المطلوب مشاركتها في العملية؟

في 18 أيار أبرق الجنرال بليمي إلى الحكومة الأسترالية شارحا مدى الحاجة لإرسال الفرقة الأسترالية السابعة إلى فلسطين للمساعدة على مواجهة التطورات المستجدة في سوريا (جرت الإشارة سابقا إلى أن الجنرال ويفل كان قد أخطر لافاراك بتاريخ 20 أيار بالتهيؤ للتحرك إلى فلسطين، وفي 25 أيار أعلم مجلس الحرب أنه في طور الإعداد لخطة الغزو مستعينا بالفرقة السابعة وبعض القطاعات العسكرية الأخرى).

في 25 أيار، ابرق السيد بروس، المفوض الأعلى للحكومة الاسترالية في لندن، إلى السيد مانزيس مشددا على ضرورة إعاقة أية جهود ألمانية للسيطرة على سوريا، طالبا منه إرسال برقية إلى تشرشل مؤيدا وجهة نظره هذه، وقبل درس تلك الاقتراحات من قبل لجنة الدفاع الوزارية، أرسل بروس في 25 أيار رسالة ثانية يحث فيها لجنة الدفاع على تفهم ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لدخول سوريا، علما أن اللجنة كانت قد توصلت فعلا لقناعة بإعطاء ويفل تلك الأوامر، وفي 29 أيار قررت اللجنة الطلب من الجنرال بليمي إعطاءها تقييما للأوضاع في الشرق الأوسط بما في ذلك " احتمالات عدم دقة ادعاءات استخدام سوريا من قبل الألمان "، وفي نفس اليوم أرسل مانزيس رسالة إلى تشرشل يطلعه فيها أن محاولة الاستيلاء على سوريا قد تلقى بعض المعارضة لتأثيراتها المحتملة على الرأي العام في الولايات المتحدة، وأبدى مانزيس اقتناعه أن كايسي والسلطات الأمريكية سيفلحان في إقناع الرأي العام بصوابية القرار البريطاني، وبأن ما من شيء أفضل من منع الألمان من تثبيت إقدامهم في سوريا لما قد يشكله ذلك من حافز لهم للتقدم إلى مواقع أخرى. و منذ 20 أيار وعلى مدى تسعة أيام جرى الإعداد لخطط العمليات حيث تقرر إشراك القوات الأسترالية فيها بشكل أساسي وفاعل، وفي 30 أيار، وصلت تقييمات بليمي للموقف إلى الحكومة الأسترالية، حيث أوضح لهم فيها الخطوط العريضة لخطة الغزو، طالبا وضع القواعد الجوية السورية تحت الرقابة الصارمة في أسرع وقت ممكن، شارحا أن القوات التي ستشارك في العمليات سوف تتألف من لوائي خيالة، الفرقة السابعة الاسترالية، لواء هندي وفرقة من قوات فرنسا الحرة (في حقيقة الأمر أن لوائي الخيالة لم يكونا في حال جهوزية تامة، والقوات الفرنسية لم تكن فرقة وفق المفهوم الأسترالي).

في 31 أيار أبلغ تشرشل مانزيس بضرورة الاستيلاء على سوريا في أسرع وقت ممكن، في 4 حزيران، الحكومة الأسترالية التي لم تكن قد أحيطت بعد علما بالتاريخ النهائي للغزو، أبدت قلقها لتشرشل من التأخير الحاصل، وفي وقت متأخر من السابع من حزيران، أعلم كل من تشرشل وبليمي مانزيس بأن الهجوم سينطلق في صباح اليوم التالي، كما أحاط تشرشل الرئيس روزفلت بذلك القرار.

و حتى ذلك التاريخ ولأيام تلت، لم تكن الحكومة الاسترالية قد أحيطت علما أو استشيرت بشكل رسمي فيما خص الغزو، وفي 29 أيار، كان مانزيس قد اعد العدة كاملة لإقناع حكومته بدعم مشاركة قواتهم في احتلال سوريا ولإقناع بعض الوزراء الذين سيبدون تخوفا على مصير جنود بلادهم بما في ذلك أولئك المرابطين في قبرص. لكن السؤال بقي هل كان من مبرر فعلي للتخوف من قيام الألمان بالاستيلاء على مقاليد الأمور في سوريا، أو هل كان لهم تواجد عسكري متقدم فيها؟

كان من شروط الهدنة المنعقدة بين حكومة فيشي من جهة، وألمانيا وايطاليا من جهة أخرى، أن تتولى ايطاليا توسيع سيطرتها والتأكد من التخفيض الجزئي لأسلحة المستعمرات الفرنسية، وفي عام 1940 قدم إلى سوريا موفد إيطالي كان الغاية من زيارته تطبيق شروط الهدنة فيها، وبحلول شهر تشرين ثاني كان قد حقق خفضا في عدد القوات النظامية المرابطة فيها وصل إلى 28000 جندي.

و بعد المحادثات التي تمت بين الماريشال بيتان وهتلر تم التوصل إلى تفاهم يقضي بان أفضل ما يمكن فعله لمنع البريطانيين وقوات فرنسا الحرة من السيطرة على المستعمرات الفرنسية هو قيام القوات الفيشية بالدفاع الذاتي عنها، وعليه اتخذت كلا القيادتين الألمانية والإيطالية قرارا بتدعيم القوات المرابطة في سوريا بعشرة آلاف جندي مغربي، لكن المعضلة بقيت كيف يمكن نقل هؤلاء الجنود إلى سوريا.

في 3 أيار، ذهب وزير الخارجية الفرنسي دارلان إلى باريس بناء لدعوة من ابيتز الحاكم العسكري المنتدب من قبل ألمانيا الهتلرية، حيث أعطى موافقته على إنشاء مخيمات تدريب وتزويد المتمردين العراقيين بالسلاح من مخازن القوات الفيشية في سوريا، كذلك سمح بتزويد الطائرات الألمانية والإيطالية بالوقود من مطاراتها.

بعدها بخمسة أيام، أعطى دارلان تعليماته لدانتيز لتقديم كافة التسهيلات للقوات الألمانية والإيطالية ولمقاومة أي رد فعل بريطاني قد يصدر، في 9 أيار وصل إلى سوريا السيد رودولف ران موفدا من قبل وزارة الخارجية الألمانية وكانت مهمته تنظيم موضوع الإمدادات العسكرية إلى المتمردين في العراق.

و قد أبدى الألمان سعادتهم بالاتفاق الذي تم التوصل إليه إلى درجة دعوة دارلان للقاء هتلر شخصيا في بيرشتسغادن حيث أخبره هتلر أنه في حال التزمت حكومة فيشي بالاتفاق المبرم معها ودافعت عن مستعمراتها، فإنه سيكافئها بالاحتفاظ بها بعد انتهاء الحرب، أما إذا اضطر الألمان إلى القيام بهذه المهمة فإنه سينتزع منهم، وقد تم توقيع اتفاقية بمضمون ما اتفق عليه في باريس حددت فيها تفاصيل المساعدة المطلوب تقديمها للألمان في سوريا وشمال أفريقيا، ومنها الموافقة على بيع المتمردين العراقيين ثلاثة أرباع المحركات المحفوظة في المستودعات بموجب اتفاقية الهدنة، والسماح بتزويد الطائرات الألمانية والإيطالية بالوقود، والسماح للطائرات الألمانية باستخدام مطار حلب والمرافئ البحرية السورية وخطوط السكة الحديد، إضافة لتزويدهم بكافة المعلومات الاستخباراتية عن أوضاع القوات البريطانية في الشرق الأدنى، في المقابل وافق الألمان على السماح باستقدام أربعة وثمانون قطعة حربية من فرنسا إلى سوريا، منها أسلحة مضادة للطائرات ومضادة للدروع وثلاث بطاريات مدفعية مضادة لقاذفات القنابل، إضافة لثلاث كتائب مصفحة من شمال أفريقيا، كما تضمن الاتفاق بيع الفيشيين للألمان مجموعة من سياراتهم العسكرية ومدافعهم من اصل معداتهم المتوفرة في شمال إفريقيا، وسماح فرنسا للألمان باستخدام مينائي بزرتا وداكار كقاعدة لهم.

و عندما تم لفت انتباه الماريشال بيتان بواسطة بعض زملائه الضباط بان الامتيازات التي أعطيت للألمان فيما خص مينائي برتزا وداكار قد تثير أزمة مع الولايات المتحدة، أو نشؤ حرب مع بريطانيا، بادر بيتان للاجتماع بويغان، المعروف بمعارضته الشديدة لما أقدم عليه دارلان، ودرس معه الموقف، ثم اتخذ في 6 حزيران قرارا بإعادة درس وتقييم مردود العلاقات الألمانية – الفرنسية ( كانت قيادة فيشي تجهل تماما عدم قدرة القوات الألمانية في شمال أفريقيا على تنظيم أي حملة بسبب انهماك هتلر في الإعداد لحملته الضخمة على روسيا والتي حدد موعد انطلاقها في 22 حزيران ). في 25 أيار ابلغ هتلر قيادته انه لن يكون بالامكان بعد ألان القيام بأي جهد هجومي حقيقي على قناة السويس أو على القوات البريطانية ما بين المتوسط والخليج الفارسي إلا بعد الانتهاء من عملياتهم الحربية على الجبهة الروسية.
ولاحقا خلال شهر أيار، طلب دانتيز من دارلان سحب القوات الألمانية من سوريا، وصرح انه بحلول 6 حزيران كانت كافة الطائرات الألمانية والميكانيكيين قد غادروا سوريا، وأن الجنرال جنيكن قائد القوات الجوية الفرنسية في سوريا، كان أعلم القنصل الأمريكي بهذا التطور.

ولكن السبب الحقيقي للانسحاب كان اقتناع هتلر بضرورة تحاشي تقديم الذرائع لبريطانيا لغزو سوريا خلال انشغاله بجبهة روسيا، وفي نفس الوقت اقتناعه بان التأسيس لحملة ناجحة إلى سوريا سيقتضي منه تحضيرات طويلة الأمد قد لا تنتهي قبل منتصف شهر تشرين ثاني، وعليه أصدر أوامره بتنفيذ انسحاب سريع لكافة قواته منها باستثناء الاستخبارات السرية. كما وجه أوامره لدانتيز، عبر حكومة فيشي، لصد أية محاولة اختراق قد تقوم بها قوات الحلفاء لتلك الجبهة.

لكن المفارقة أنه في حين كان الألمان ينفذون انسحابا تاما من سوريا، كان الجانب الآخر، أي بريطانيا، يعد العدة ويحشد قواته لغزوها بحجة منع عملية اختراق وشيكة ستقوم بها قوات المحور لتلك الجبهة.

الجنرال دانتيز

في تشرين ثاني 1940، عين الجنرال دانتيز بمنصب المفوض السامي لسلطة الانتداب في لبنان وسوريا، وكان هذا الضابط قد بدأ سيرته المهنية في أوائل العشرينات تحت أمرة الجنرال ويغان، ثم انتقل لأمرة الجنرال ساريل في الوقت الذي كان يمارس فيه هذا الأخير سياساته القمعية ضد الوطنيين السوريين عام 1925، بعدها رقي لرتبة نائب القائد العام خلال الفترة الممتدة بين 1934 و1939، وفي تموز 1949 تولى منصب الحاكم العسكري لمدينة باريس أثناء وقوعها تحت الحصار.

وقد صرح دانتيز، خلال محاكمته عام 1945 في بيروت، أنه كان قد اسّر للقنصل البريطاني العام بأنه لم يكن يتوقع هبوط أي طائرات ألمانية في المطارات السورية، ولكن ما حصل لاحقا انه تلقى في 6 أيار تعليمات من دارلان تأمره بالسماح للطائرات الألمانية بالهبوط في سوريا والتزود بالوقود، وأنه في 9 و11 أيار، هبط في سوريا أربعة طائرات متخفية على صورة طائرات عراقية، ثم بعد أيام قدم حوالي ثلاثة وثلاثون ميكانيكي طائرات إلى حلب، ثم عبر الأجواء السورية ذهابا وإيابا حوالي مائة وعشرون رحلة جوية ألمانية في طريقهم للعراق، واعترف دانتيز أيضا خلال محاكمته أنه، وبناء لتعليمات صدرت إليه، شحن للعراق 24 مدفع، و800 مدفع رشاش ومن 30.000 إلى 40.000 بندقية، بينها ثمانية مدافع بدون مرقاب، و354 بندقية قديمة الطراز.

كان دانتيز وأتباعه في سوريا تحت وصاية قائد إيطالي يحتقرونه، وكانت حكومته تخضع لسلطة الألمان الذين يكرههم لإذلالهم أمته ولامتهانهم لها، وكان حانقا على البريطانيين، خصوم فرنسا لأجيال في المشرق، لتخليهم عن دعم بلاده خلال اجتياح هتلر لباريس عام 1940، كما كان وأتباعه مهددين من قبل الديغوليين المنقلبين على حكومتهم في باريس، لكنه في النهاية كان يتصرف كجندي يغلب عليه ولائه العسكري، وكانت مقاومته للبريطانيين في سوريا ذات مغزى وطني كونها، باعتقاده، كانت ستثني الألمان عن احتلال باقي الأراضي الفرنسية ومستعمراتها في شمال أفريقيا.

ترجمة وتحقيق المهندس جلال يوسف عبد الله | جلال يوسف عبد الله 22\6\2007 | موقع خيامكم

الفصل الثاني: الإعداد للغزو

إنزال قوات الحلفاء المنسحبة من كريت في ميناء الإسكندرية في حزيران 1941
مجموعة من الجنود الأستراليين الفارين من كريت على متن أحد القوارب وصولا إلى مصر
نتوء صخري في موقع رأس الناقورة على الحدود بين لبنان وفلسطين
صورة تجمع قائد سلاح الجو الجنرال براون والمايجور جنرال لافاراك واللوتانت جنرال مايتلند ويلسون والجنرال الفرنسي كاترو
جنود يعلمون على تسوية الفجوة التي أحدثت في الطريق قرب الإسكندرون – جنوب لبنان
صورة تظهر جسر مستحدث على نهر الليطاني – الخردلي أقيم في شهر حزيران 1941 لعبور الآليات بعد نسف قوات المحور للجسر القديم الذي يظهر في خلفية
مجموعة من الجنود الاستراليين خارج ثكنة الخيام في التاسع من حزيران 1941, وهم من اليسار إلى اليمين , العريف كامبل و الرقيب سويت بل و الملازم
المايجور جنرال ألن و البريغادير بري مان و البريغادير كوكس أثناء استراحتهم في شمال فلسطين
الإعداد لخطة الغزو

عند إعداده لخطة الغزو , قام الجنرال ويفل بدراسة و تحليل مسرح العمليات الحربية بما فيها من معطيات جغرافية وبشرية وعسكرية, حيث تبين أنه سيتعامل مع الحقائق التالية:

* 1. إن رقعة المواجهات المفترضة ستمتد على مساحة ثلاثمائة ميل تقريبا, بدأ من الحدود الجنوبية المحاذية لشمال فلسطين, وصولا إلى خطوط السكك الحديد في سهل البقاع شمالا , و من بيروت غربا , حيث مقر المندوب السامي الفرنسي, صعودا حيث مطار رياق الحيوي , وصولا إلى دمشق العاصمة الحقيقية لسوريا شرقا, وهذه المساحة تتميز بجغرافيتها الجبلية الوعرة و منخفضاتها السحيقة وصحاريها الشاسعة, وقد علق أحد الجغرافيين العسكريين في معرض شرحه للصعوبات التي قد تواجه الحملة بان الراغب بمهاجمة جبال لبنان من شمال فلسطين سيواجه نفس مصاعب مهاجمة جبال أفغانستان من الهند, مع الأخذ بالاعتبار فارق الحجم طبعا.
* 2. أن العبور من فلسطين إلى لبنان و جنوب غرب سوريا محكوم بسلوك ثلاث مسارات رئيسية فقط, الأول هو الطريق الساحلي المار على أفاريز صخرية وممرات ضيقة ووعرة يليها العبور خلال بساتين من الزيتون والتوت و الموز, والثاني يمتد من بانياس في شمال فلسطين عبر الأودية الواقعة بين مرتفعات جبل حرمون من الشرق و جبل لبنان من الغرب , و يجري في هذه الأودية نهر الليطاني الذي ينعطف غربا قرب الحدود الشمالية لفلسطين ليصب في البحر بين مدينتي صيدا وصور, ومعظم الأراضي المحيطة بهذا المسار جرداء باستثناء بعض التلال والسفوح المجللة والمزروعة بالقمح والكرمة, أما الطريق الثالث فيمر ناحية الشرق بين مرتفعات جبل الدروز وسلسلة من الهضاب البركانية , ثم يعبر مساحات واسعة من الصحارى القاحلة التي يتخللها بين موقع وآخر بعض الواحات أو سهول الحنطة, و منها وصولا إلى دوحة دمشق, علما أن هذه المحاور الثلاثة محصنة ومحمية جيدا من قبل قوات فيشية كبيرة كاملة الإعداد و التجهيز.
* 3. أن هذه المساحة تحتوي على نصف عدد السكان المحليين تقريبا, وعلى اثنين من المدن الرئيسية الثلاث.

أما من حيث موازين القوى العسكرية, فقد كانت التشكيلات الدفاعية العاملة بأمرة حكومة فيشي تتألف من ستة أفواج من الجنود النظاميين, بما فيها فيلق أجنبي واحد, و آخر خليط من جنود المستعمرات والمواطنين, وأربعة من الأفارقة, وتسعة آلاف جندي من سلاح الفرسان, وبعض وحدات الخيالة منها ما هو مدعم ببعض قطع الدبابات أو المدرعات, وتسعون مدفع ميدان وسلاح متوسط, وعشرة آلاف من جنود المشاة المشرقيين العديمي الخبرة تقريبا, ومدمرتين زنة 3000 طن وثلاث غواصات, إضافة إلى جيش المشرق المؤلف من فرقتي مشاة تقريبا و نصف فرقة من الدبابات و السيارات المصفحة و الفرسان , و 35000 جندي نظامي بما في ذلك 8000 جندي فرنسي.

وكانت هذه القوات بإمرة الجنرال دانتيز القائد العام للقوات الفيشية , الذي كان يعمل تحت لواءه ثلاث قادة مناطق وهم الجنرال دلهوم في دمشق , كولونيل بوكلر في بيروت , كولونيل روتييه في حلب, إضافة إلى الجنرال جننكين في قيادة سلاح الجو.

أما التشكيلات الهجومية لقوات الحلفاء فكانت تتألف من الفرقة السابعة الاسترالية التي لم تكن قد دخلت في أي عملية اشتباك مع قوات العدو منذ إنشائها في نيسان و أيار 1940 و لكنها كانت قوة جيدة الإعداد و التدريب , و اللواء الهندي الخامس المشكل من محاربين متمرسين منسحبين حديثا من سيناء , و ستة كتائب من قوات من المغاوير التابعين لقيادة القوات الفرنسية الحرة , و سريتي دعم لوجستي و إطفاء مزود كل منها بآلية واحدة , و فصيلة من سلاح الفرسان بقيادة الكولونيل كوليت.

أما القوات الجوية فكانت مؤلفة من سربين و نصف من المقاتلات , و قاذفتي قنابل و سرب من طائرات الدعم , وهي بامرة ماريشال الجو تيدر و مكلفة بتأمين الدعم الجوي للغزو , إضافة إلى قوات أخرى بأمرة الكومودور الجوي براون وهي مجهزة بحوالي 70 طائرة هجومية , و حوالي مئة طائرة فرنسية , منها 60 مقاتلة , مهمتها قصف المطارات السورية بشكل متواصل خلال فترة الإعداد للغزو.

أما في البحر فقد خصص الأدميرال كننغهام في البداية طرادين و أربعة مدمرات وضعها بامرة نائب الأدميرال كينغ من السرب الخامس عشر , و كانت مهمتها دعم التقدم البري على الساحل و حمايته من أي تدخل أو إعاقة من جانب القوات البحرية الفيشية , كما تم تخصيص قوة بحرية إضافية ثانية مؤلفة من حاملة الطائرات غلين جيل , و الطراد كوفنتري و مدمرتين مهمتها تنفيذ عمليات إنزال جنود على الشاطئ السوري في حال دعت الحاجة.

التقى الجنرال لافاراك خلال وجوده في القاهرة لتلقي التعليمات , الجنرال بليمي حيث ناقش معه مسألة تجهيز و تدعيم الفرقة السابعة الاسترالية المرابطة في مرسى مطروح بوحدات من الفرقة السادسة و قد اتخذ بنتيجة ذلك الاجتماع قرارا بوضع كتيبتين من تلك الفرقة بأمرته.

و حين التقى الجنرال لافاراك الجنرال ويلسون في الصرفند في فلسطين بتاريخ 22 أيار , اعلمه هذا الأخير انه و الجنرال ويفل قررا تركيز الجهد الرئيسي للحملة باتجاه بيروت عبر الساحل , على أن يتم بالتزامن تحريك قوات أخرى انطلاقا من المطلة شمال فلسطين , و أعطيت التعليمات للجنرال لافاراك بضرورة احاطة كافة الخطط و التحركات التمهيدية بالسرية التامة و التكتم الشديد , و عليه يطلق من تاريخه اسم " فرقة الصادرات الاسترالية " على الفرقة السابعة , و تفسر تحركات الجنود باتجاه شمال فلسطين على أنها للتبديل مع وحدات الفرقة السادسة هناك , كما طلب منع كافة المأذونيات و زيارات الضباط ذوي الرتب الصغيرة إلى القدس أو حيفا , كما طلب أن يرتدي جنود الاستكشاف الاستراليين الذين قد يقعون في نطاق رؤية جنود العدو الفرنسيين , قبعات القوات الهندية و ليس الاسترالية.

بعدها بيومين , عقد اجتماع ثان في الصرفند شدد فيه ويلسن على ضرورة إظهار اكبر قدر ممكن من استعراض القوة خلال الهجوم , كما أكد على رأيه بان التركيز الرئيسي للهجوم يجب أن يكون على طريق الساحل , و حين خالفه لافاراك الرأي مشيرا إلى أن التقدم من الداخل قد يكون أوفر حظا , أصر على رأيه مشددا انه و الجنرال ويلسن مجمعان على ضرورة التركيز لناحية الساحل , ثم اقترح بان يكون تاريخ انطلاق العمليات ليل 31 أيار.
و في الاجتماع اللاحق المنعقد بتاريخ 26 أيار تم التوافق نهائيا على أن الهجوم عن طريق الساحل قد يحقق تقدما أسرع , كما تقرر تأخير موعد بدء العمليات أسبوعا إضافيا بالنظر لتأخر وصول الفرقة السابعة و قيادتها الميدانية من مرسى مطروح , و تأخر البت بالتفاصيل النهائية للتشكيلات العسكرية المطلوب مشاركتها في الهجوم.

و قدّر لافاراك , بعد إطلاعه على خطة الغزو الموضوعة من قبل هيئة التخطيط التابعة للجنرال ويفل , بأنها مفرطة بالتفاؤل لاعتمادها على فرضيتي ضعف المقاومة المتوقعة و سرعة انصياع الجنود الفرنسيين للغزو , و لاقتناع المخططين بان الفرنسيين سينسحبون تلقائيا فور بدء الهجوم إلى لبنان تاركين خلفهم باقي البلاد لتقع تحت رحمة القوات المهاجمة , و هو ما يتناقض , برأيه , مع جاء في الخطة من إعطاء أولوية لتحريك سريع للقوات المؤللة على طريق الساحل باتجاه بيروت بهدف السيطرة قبل الغروب على نقاط تحكم بالطرق و غيرها من المراكز الحكومية الرئيسية.

وإلى حين انعقاد الاجتماع اللاحق بتاريخ 28 أيار , لم يكن الجنرال ويلسن قد توصل بعد لتحديد نهائي لحجم و طبيعة القوات التي قد تشارك بالعملية , كما أن المعلومات المستقاة من أجهزة الاستخبارات عن الطرق و المدن و السكان في سوريا و عن القوات المدافعة عنها كانت محدودة جدا , و الخرائط الوحيدة المتوفرة كانت بمقياس 1/200,000 , و لم يكن يوجد أي خريطة بمقياس 1/25,000 أو 1/50,000 وهي المفضلة للاسترشاد بها في أي بلاد ذات تضاريس متنوعة و صعبة كالتي سيدخلونها.

و قد اطلع ويلسن الجنرال لافاراك خلال نفس الاجتماع انه لن يكون من الممكن توفير أية دبابات ثقيلة أو مدافع مضادة للطائرات قبل منتصف حزيران , و استوضحه عن موعد جهوزيته لبدء الهجوم بغض النظر عن توفر تلك الآليات و المعدات , فأجابه طالبا تأمين بطارية واحدة مضادة للطائرات على الأقل , و أن اقرب موعد ممكن للهجوم قد يكون الثالث من حزيران , فطلب منه تأخير الموعد يومين إضافيين لحين جهوز باقي الوحدات المشاركة في العملية , و لكن ما أقلق المجتمعين هو ما وصلهم من أنباء عن تسرب معلومات للعدو عن التحضيرات الجارية للهجوم.

و لاحقا تم التعميم على القادة العسكريين الميدانيين انه سيتم إلحاق ضابط فرنسي بكل كتيبة من مهمته الاقتراب من مواقع العدو حاملا علما ابيضا و مكبرا للصوت يتوجه بواسطته إلى الجنود الفرنسيين طالبا منهم الاستسلام و الالتحاق بالقوات الديغولية , إلا أن هذا الاقتراح أزعج القادة الاستراليين ولم يؤخذ منهم على محمل الجد.

و يوما بعد يوم بدأ العملاء الإنكليز , و معظمهم من اليهود , يوردون معلومات عن أعمال تدعيم جارية لمراكز العدو الحدودية , و قد شاهد الضباط البريطانيين , الذين عبروا الحدود بمهمات استطلاعية , أعمال حفر خنادق و تركيز بطاريات مدفعية جارية في محيط مرجعيون , و قبل أيام قليلة من بدء العمليات , بدأ يرد معلومات عن تعزيزات عسكرية فرنسية كثيفة للمراكز الحدودية علم منها تموضع خمس كتائب و أربعة سرايا من الفرسان على طريق الساحل , و ثلاث كتائب و بعض الدبابات في الوسط , و كتيبتين و بعض الفرسان و سرايا دراجين في جبهة الصحراء , ما دفع بالقادة العسكريين الكبار لعقد اجتماع في 4 حزيران تم فيه التباحث بآخر التطورات و تبني خطة نهائية للغزو جرى إبلاغها للقادة الميدانيين , و قد كتب ويلسن لاحقا : لقد كان هدفنا الرئيسي بيروت , و اقصر مسار كان عبر الساحل , و لكن لخشيتنا من قابلية الطريق للقطع بسهولة , قررنا المبادرة بالهجوم على ثلاث محاور لتشكيل جبهة واسعة ".


كانت المرحلة الأولى من الخطة الموضوعة تقضي بتنظيم هجوم كبير على عدة محاور للسيطرة على خط دمشق - رياق - بيروت, أي أكبر مدينتين محليتين والمطار الرئيسي الذي يربط بينهما , أما المرحلة الثانية فكانت تهدف للسيطرة على مدن طرطوس وحمص وطرابلس.

كما قضت الخطة بأن تتولى الفرقة السابعة الاسترالية مهمة التعامل مع جبهتي الساحل و الوسط , و تترك الجبهة الداخلية على عاتق اللواء الهندي و بعض المجموعات العسكرية التابعة لقوات فرنسا الحرة, و تقرر أن تتقدم القوات الاسترالية على الساحل بأسرع ما يمكن لاحتلال بيروت , أما في الوسط فيكون التقدم من المطلة و مرجعيون نحو مطار رياق , أما تقدم اللواء الهندي فيكون نحو حوران ثم عبر المرتفعات المطلة على بحيرة طبريا و مرتفعات الأردن ليتم الاندفاع بعدها نحو درعا و شيخ مسكين و عزرا ثم تعزل " فيق " و " العال " , ثم يتم الالتفاف يسارا نحو القنيطرة , و هو ما سيؤمن رأس جسر للجنرال ليجنتلهوم من لواء فرنسا الحرة للتقدم عبر " كيزوي " نحو دمشق , في حين سيتاح لفرسان كولونيل كوليت ( 300 الأشداء ) متابعة مسيرهم لاحتلال القنيطرة , ولم يعطى أي دور للفيلق العربي المرابط في الأردن و ذلك لعدم إثارة ذعر غلوب باشا.

حدد لافاراك لقواته ثلاثة أهداف : الأول التقدم من مرجعيون نحو صيدا , و الثاني الربط بين راشيا و مشغرة و جزين و صيدا , و الثالث الاستيلاء على طريق رياق - بيروت , على أمل أن يحقق بنهاية هذه المرحلة السيطرة على بيروت بواسطة اللواء الواحد و العشرون, و على مطار رياق بواسطة اللواء الخامس و العشرون.

و كانت الخطة الموضوعة تقضي بتقدم اللواء الخامس و العشرين سيرا على الأقدام للاستيلاء على مرجعيون ثم التحرك السريع بواسطة الآليات من اتجاهين للسيطرة على رياق , على أن تتولى الكتيبتين المنتدبتين من الفرقة السادسة مهمة تولي أمر الأسرى من جنود العدو و المخافر العائدة للشرطة المحلية , و على أن تتزامن تلك العمليات مع تحرشات و أعمال الهاء تقوم بها القوات البريطانية المرابطة في العراق بالحدود الشرقية السورية.

و في 5 حزيران تلقى الجنرال لافاراك أوامر محددة تقضي بتوليه مسؤولية قيادة الجيش الاسترالي و إدارة كافة العمليات العسكرية فور إنجازه المرحلة الأولى من الهجوم و السيطرة على طريق بيروت-رياق-دمشق , على أن يخلفه في قيادة الفرقة السابعة البريغادير آلن من اللواء السادس عشر , و قد جاءت هذه التزكية من الجنرال بليمي بصفته مندوب الجيش الاسترالي في رئاسة هيئة الأركان العامة في الشرق الأوسط الذي كان يؤمن بأنه لا بد من إدارة العمليات منذ انطلاقها من قبل قيادة ميدانية , و قد لقي هذا الاقتراح في البدء رفضا من قبل القيادة لتخوفها من وقوع مشاكل قد تنتج عن النقص اللوجستي الموجود في وسائل النقل و الاتصال , و لكن بعد نقل مركز القيادة من القدس إلى الناصرة , و استعارة بعض وسائل النقل من الشرطة الفلسطينية , جرى إرسال بعض ضباط الارتباط و مسؤولي خدمات إلى الفرقة السابعة لتسهيل مهمة انتقال السلطة في الوقت المناسب.

ترتب على قيادة القوات المهاجمة مسؤولية المحافظة على ترابط صفوف القوات المهاجمة العاملة على جبهة واسعة ممتدة من الساحل اللبناني إلى الداخل السوري , لذا تم تعيين عدد من الضباط المجربين لقيادة تلك التشكيلات الهجومية , فكلف الجنرال ستيفنس للتعامل مع الجبهة الساحلية , و هذا الجنرال تدرج من ضابط ميليشيا سابق قليل الخبرة خدم في فرنسا ضمن سلاح الإشارة خلال الحرب العالمية الأولى , إلى قائد كتيبة عام 1935 , ثم انتدب لتشكيل سلاح الإشارة التابع للفرقة السادسة , و بعدها عام1940 لتشكيل و قيادة اللواء الواحد والعشرون التابع للفرقة السابعة بأمر من الجنرال لافاراك ليصبح بذلك اصغر ضابط يتولى قيادة لواء في الجيش الاسترالي.

و الضابط الثاني الذي تولى الجبهة الوسطى فكان الجنرال باكستر كوكس من اللواء الخامس و العشرون , و هذا اللواء كان في الأصل مهندسا معماريا خدم بصفة ملازم أول في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى , ثم أدى خدمته العسكرية بين الحربين متنقلا بين قطاعات الهندسة و المشاة , ثم انتقل عام 1940 إلى صفوف الميليشيا في غرب استراليا ليولى أخيرا مهمة تشكيل و قيادة الكتيبة السادسة عشر.

أما الضابط الثالث فكان الجنرال الهندي لي لويد من الفرقة الخامسة المكلفة التعامل مع الجبهة السورية , و هذا الضابط متمرس و ذو خبرة واسعة في القتال اكتسبها خلال خدمته في جبهتي الصحراء الغربية و سيناء مما هيئه جيدا للتعامل مع أي مواجهات عنيفة محتملة خلال هذا الهجوم.

و كان أكثر ما يخشاه الجنرال ستيفنس حين تقدمه على جبهة الساحل هو مبادرة القوات المعادية إلى تدمير الجسر الكائن على بعد بضعة أميال من رأس الناقورة حيث تمر الطريق على جرف صخري شاهق , كذلك تخوفه من تدمير الجسر القائم على نهر الليطاني على بعد 17 ميلا من الحدود , ما دفعه , تفاديا لقطع الطريق , لاتخاذ قرار استباقي بإرسال قوة من المشاة و المهندسين إلى الحيد البحري في الاسكندرون قرب الناقورة للعمل على منع تدمير الجسر , كذلك إنزال قوة من الكتيبة البريطانية بقيادة الكولونيل بيدر للمرابطة مع بزوغ فجر على الضفة المقابلة لجسر الليطاني و حمايته من التدمير.

و قد وجد الجنرال ستيفنس خلال دراسته لقطاعه من الجبهة انه مضطر حكما لسلوك طريق رئيسي واحد صالح لتحرك الآليات السريع هو الخط الساحلي , إضافة إلى طريقين آخرين جانبيين , احدهما شمال الحدود و آخر جنوبها يتقاربان إلى مسافة ألف ياردة قرب قرية المالكية على بعد عشرون ميلا من الساحل , و عليه استنتج انه إذا تمكن من الوصول و السيطرة على هذه البقعة , فسيتاح له التقدم و الالتفاف عبر بنت جبيل و تبنين إلى مدينة صور الكائنة شمال الاسكندرون متجاوزا الموقع المحتمل لقطع الطريق الساحلي , و مع معرفة ستيفنس أن الفيشيين قد أقاموا تحصينات على طول الخط الممتد من غور الأردن إلى الشاطئ , مرورا بعيترون و بنت جبيل و عين ابل و يارون و رميش و عيتا الشعب و راميه و الجرين و علما الشعب و اللبونة , فقد قرر السيطرة أولا على تلك المواقع ليتسنى له عند الحاجة تأمين الوصول من معبر ثاني إلى خط الساحل ليتابع بعدها تقدمه نحو بيروت , و عليه فقد قسّم قواته إلى قسمين , قوة أولى و هي الأقوى بقيادة المقدم ماكدونالد و مؤلفة من الكتيبة السادسة عشر و سريتين من المصفحات و سرب من ناقلات الجند من فرقة الفرسان ( أ ) التابعة للفرقة السادسة و ما يوازي نصف قوات المدفعية و المهندسين العاملين لديه , و يقع على عاتق هذه القوة التحرك عبر الأراضي الداخلية الوعرة نحو صور مرورا ببنت جبيل و تبنين , و قوة ثانية مؤلفة من الكتيبة الرابعة عشر العاملة بقيادة المقدم موتن وهي مدعمة أيضا بسلاح المصفحات و بعض القطع المدفعية و المهندسين و مهمتها السيطرة على المراكز الحدودية الساحلية و تفادي قطع الطريق الساحلي عند جسر الناقورة , و إذا تعذر ذلك توجب عليها القيام بحركة التفاف سريعة إلى تبنين و منها ثانية إلى الساحل متجاوزة مواقع قطع الطريق , إضافة إلى القوتين السابقتين تم تشكيل قوة من لخيالة القي على عاتقها مهمة التقدم عبر تبنين و صريفا إلى كفر صير على نهر الليطاني و السيطرة عليها و المرابطة على ضفتي النهر هناك , أخيرا كلف الأسطول البحري البريطاني تقديم الدعم للهجوم البري على طريق الساحل.

أما بالنسبة للمنطقة الوسطى , فقد كان هدف اللواء الخامس و العشرين العامل بقيادة الجنرال كوكس التقدم نحو قرية المطلة من ناحية بحيرة حولا , و نحو الحدود السورية من " روشبينا " , على أن تتم كافة التحركات بعيدا عن أعين مراكز العدو الحدودية , و عليه تقرر تجميع القوات على الطريق المؤدية إلى " دفنة " , بانتظار ساعة الصفر و انطلاق العمليات على أن تتم السيطرة أولا على المرتفعات المطلة على فلسطين الممتدة من شبعا إلى حاصبيا و مرجعيون وصولا إلى النبطية التحتا , ثم تقسم القوات المهاجمة إلى قسمين , قوة مؤلفة من كتيبة و بعض الآليات و المدفعية و الفرسان و المشاة , مهمتها سلوك ما سيعرف لاحقا باسم الطريق " أ " عبر بلدة حاصبيا , و قوة ثانية تسلك الطريق المسمى " ب " المار على ضفاف نهر الليطاني الشرقية وصولا إلى القرعون حيث تعبر النهر ثم تتوجه نحو زحلة للسيطرة عليها , علما أن هذه الطريق كانت ملغمة و محمية جيدا في محيط بلدة يحمر. و كانت الخطة الموضوعة تقضي أيضا بتقدم بعض القوات المدرعة نحو كفرمشكي لتطويق قوات العدو و السيطرة على معبر الطريق هناك , لتبدأ بعدها مباشرة المرحلة الثانية من الهجوم التي تقضي بمهاجمة طريق الشام و قطعها ثم الزحف لاحتلال مطار رياق.

و قد اعتمدت المرحلة الأولى من الهجوم على هذه الجبهة على تحرك القوات تحت جنح الظلام لاستغلال عنصر المفاجأة , و كان رهان قادة الهجوم أن تنهار و تتلاشى مقاومة العدو ما أن تتعرض مواقعهم للقصف , ليتسنى بعدها تلقائيا لقوات المقدم موناغان من الكتيبة الثالثة و الثلاثون المدعمة ببطارية مدفعية ميدان و مدفعية مضادة لدروع و بعض المهندسين السيطرة على الجبهة الممتدة من بلدة شبعا إلى الخيام بأقل خسائر ممكنة , و يتسنى للمقدم بورتر قائد الكتيبة الواحد و الثلاثون و المدعمة بقوات مدفعية مشابهة , السيطرة على الجبهة الممتدة من مرجعيون إلى النبطية التحتا , على أن يترك أمر السيطرة على الجبهة الممتدة من عديسة إلى بليدا وصولا للاتصال بالكتيبة الواحدة و العشرون لقوات من الشركس.

أما على الجبهة السورية الداخلية , فكانت المرحلة الأولى تقضي بان تتولى الفرقة الهندية الخامسة المحافظة أولا على خط سكة حديد الحجاز , ثم بعدها تتحرك لتشكيل خط دفاعي يمتد من درعا إلى الشيخ مسكين و عزرا لحماية التقدم المنتظر للقوات الفرنسية الحرة نحو دمشق , كما كانت الخطة تقضي بحماية القوات الجوية للقوات المهاجمة , و الانقضاض على مطارات العدو و محطات وقوده و قواته المتقدمة , علما أن تشكيلات القوات المدافعة لم تكن تقل عددا أو جهوزية عن القوات المهاجمة عدديا , مع أفضلية للقوات الفيشية المدربة جيدا و المجهزة بأفضل العتاد الحربي و المدعمة بقوات مدرعة قوية و حديثة يصعب مواجهتها , و عليه فان رهان قوات الجنرال ويلسن الهجومية المجزئة إلى ثلاث قوى متعادلة كان على أن يظهر المدافعون ضعفا و ترددا , و إلا فان كامل الهجوم سيكون معرضا للإخفاق.

| جلال يوسف عبد الله 22\6\2007 | موقع خيامكم

الفصل الثالث: اليوم الأول من الغزو

خريطة توضح مسارات تقدم اللواء الاسترالي الواحد والعشرون في الثامن من حزيران 1941 على الجبهة الساحلية
خريطة توضح مواقع انطلاق و خطط تحرك الجيوش المهاجمة والدفاعات المقابلة لها في جبهتي مرجعيون وبانياس
خريطة توضح مسار تقدم القوات الهندية على الجبهة السورية
مواقع تموضع القوات المهاجمة الهندية والاسترالية على جبهتي سوريا ولبنان بعد انقضاء اليوم الأول من الغزو
اليوم الأول.

في ليل 5 و 6 و 7 حزيران تقدمت القوات المهاجمة نحو مواقع قريبة من الحدود السورية, حيث رابطت طوال النهار متخفية, وقد كانت هذه المرة الأولى بتاريخ القوات البريطانية الذي تختبئ فيه , على الطريقة الألمانية , قرب حدود آمنة ومتهيئة للانقضاض المفاجئ على الأعداء.
و قد روى لاحقا احد الجنود المشاركين في الحملة قائلا:
صادف موقع مرابطة وحدتنا بين كتيبتين إحداهما من المشاة والأخرى من الأسلحة المضادة للدبابات, وكان يقع خلفنا مباشرة جدار تصوينة كان يستخدمه بعض التجار المحليين لعرض بضائعهم التي كانت تتنوع من البيض المسلوق إلى زجاجات النبيذ , و كان يحيط بالمكان بعض أشجار الزيتون على مسافات كانت كافية للسماح بمرور الآليات العسكرية بينها , و كانت تلك الأشجار قليلة الارتفاع نسبيا, لكن إلى حد كاف لحجب هياكل السيارات المتخفية خلفها والتي دأبنا على إخفاء آثار مرورها و حصر عبورها عبر بعض الممرات الترابية المستحدثة بينها.

وقد عسكر جنود الحملة قرب قرية " الراما " الفلسطينية , حيث استلقى بعضنا قبل بدء العمليات بحالة استرخاء تام على الأرض ذات التربة الحمراء , وقد تناثر الجنود فرادى أو على شكل مجموعات تحت الأشجار أو في ضلال الآليات كل مجموعة في منطقة تجمعها, و كان هواء الليل منعشا و لطيفا بحيث كانت البطانيات كافية للاستدفاء, وقد تلقى الجمع تعليمات صارمة بالتلاعب بشكل القبعات بطريقة تجعل منها غير معروفة و مخالفة للنموذج الاسترالي المعتاد , و هو ما أحدث موجة من الضحك والمزاح بيننا ناتج عن الأشكال المثيرة للسخرية التي نتجت عن تلك العملية , إلا أن ذلك لم يمنع إحساسنا الضمني بالكآبة الناتج عن اضطرارنا القسري لإخفاء هويتنا الاسترالية.
و قد كان يوم السابع من حزيران يوم استراحة لمعظمنا حيث كنا قد أنجزنا كافة استعداداتنا الشخصية للمعركة, وعليه فقد حاول معظمنا إخفاء توتره و قتل الوقت عن طريق ممارسة بعض النشاطات كلعب الورق أو الداما , أو القراءة و الكتابة , و بادر بعضنا لعقد حلقات ثرثرة وحوار, و البعض الآخر ارتدى سراويل قصيرة و قمصان قطنية و راح يتجول في المكان أو انطلق لزيارة أصدقائه و استطلاع أحوالهم , كما عقد البعض مراسم صلاة كنسية بسيطة .
و مع حلول الظلام , بادر جمع منا ممن عجزوا عن النوم لعقد اجتماع في احد القاطرات العسكرية حيث تدارسنا على طريقتنا سيناريوهات المعركة المنتظرة , فأطلق كل منا العنان لتنبؤاته العسكرية , و بينما عبر بعضنا عن اشمئزازه من الدوافع الاستعمارية للحرب , حاول البعض الآخر رفع معنوياتنا قائلا : " يكفي غدا أن نلوح بقبعاتنا ثم نرميها على أولئك الضفادع , لنحقق النصر ".

كان جنود الحملة مليئين الثقة بأنفسهم , و كان هاجسهم الوحيد إثبات أنهم , كزملائهم في الجيش الاسترالي , قادرين على القيام بواجبهم العسكري على أكمل وجه, و قد روى احد المؤرخين من اللواء السادس عشر قائلا : " كان لدى الجنود رغبة شديدة بتحقيق سجل عسكري مشرّف كأسلافهم من نفس اللواء ذوي السمعة المجيدة".
و في صباح 7 حزيران عقد الجنرال ستيفنس اجتماع أخير لقادة وحداته العسكرية , حيث أعلمهم باستحالة مشاركة لواء الكومندوس بالعمليات في 8 حزيران لسوء الأحوال الجوية .
وفي الساعة 9:30 مساء, وقبل أربع ساعات ونصف من الساعة صفر, عبرت وحدتي دراجات صغيرتين الحدود , واحدة من الكتيبة الرابعة عشر و الأخرى من الكتيبة السادسة الميدانية , و قد تولت مجموعة منها قطع أسلاك الهاتف قرب راس الناقورة حيث يوجد احد المخافر الفرنسية قرب الإسكندرون, بينما قامت المجموعة الثانية بمهاجمة جنود الموقع و نزعت حشوات ألغام الطريق التي كانت معدة للتفجير.
و قد قاد بعض الفلسطينيين واليهود الجنود الاستراليين إلى مزرعة حانيتا اليهودية حيث تناولوا الطعام ثم عبروا الحدود من ناحية وعرة غير محروسة مستغلين الضباب والطقس غائم و الظلام دامس, بعدها انفصلت مجموعة منهم بقيادة النقيب غولان و توجهت إلى شمال راس الناقورة, بينما توجهت مجموعة ثانية مؤلفة من الملازم كيفن والملازم آلن والملازم كودري وخمسة عشر جندي وثلاثة مرشدين من اليهود وعربي واحد نحو راس البياضة التي تبعد حوالي خمسة عشر ميلا عن الحدود بهدف نزع العبوات التي أعلموا بوجودها هناك حيث وصلوها حوالي الساعة الثالثة والنصف, وقد أبقى الملازم كيفن العريف واردلي و ثلاثة جنود آخرين هناك لإعاقة أي تقدم للعربات من ناحية الشمال ثم قاد بقية القوة جنوبا حيث قام خلسة بتفقد عدد من الجسور و العبارات للتأكد من خلوها من الألغام, ثم ترك كيفن مجددا الملازم آلن وثلاث جنود عند احد تلك الجسور ومضى مع باقي القوة جنوبا لمتابعة عمليات الاستكشاف.
وحوالي الخامسة صباحا, وحين وصل إلى شمال الاسكندرون تعرض كيفن و من معه لإطلاق نار من أحد المواقع الحصينة المبنية من الحجر الصخري, فقام بمهاجمته وسيطر عليه و اسر بعض جنوده في الوقت الذي وافاه فيه آلن مع عناصره للمساندة بعد سماعهم أصوات إطلاق الرصاص , بعدها اندلع قتال شرس مع القوات الفرنسية التي أخذت تتقاطر نحو المكان الواحدة بعد الأخرى , فهاجم كيفن أولا موقعا لمدفع رشاش كان متخفيا في احد البساتين فأسكته بواسطة قنبلة يدوية ألقاها الجندي هندرسن, واستولى في تلك المواجهة على مدفع هاون و على رشاش "هوتشكس", ثم تبادل النيران مع قوة فرنسية كانت قادمة على الطريق لمواجهة القوة الغازية , فأعطب لهم بعض الآليات, من بينها عربة مصفحة قصفها بواسطة مدفع الهاون الذي استولى عليه سابقا, فقتل سائقها واستسلم باقي العناصر, وأصيب للاستراليين في هذه المواجهات كلا المرشدين اليهوديين, بعدها قدم اثنا عشر خيال, لكن ما لبثوا أن ابتعدوا نحن التلال ما إن أطلق النار عليهم, وكان واردلي مرابطا مع ثلاث من معاونيه, اثنان منهم فلسطينيين, في مكان ما شمال المخفر وحوله لدعم الجنود هناك, بينما كانت باقي القوة منشغلة بمعالجة الموقع بين البساتين.
و حوالي الساعة السابعة صباحا , سمع دوي انفجار كبير لناحية الجنوب على الطريق الساحلي, وقد استنتجت كلا مجموعتي كيفن وواردلي, أن مسلك الطريق قد نسف و دمر في مكان ما عند الهضبة المحاذية لرأس الناقورة , و أن ما كان يسعون لتفاديه قد حصل فعلا .
في هذا الوقت , و بعد انفصالها عن كوفن , تابعت فصيلة النقيب غولن سيرها مستعينة بأربعة مرشدين من العرب الفلسطينيين حتى وصلت حوالي الساعة الواحدة صباحا إلى مسافة تبعد ميل واحد تقريبا من شمال الناقورة , حيث عثر بعض أفرادها على تمديدات لأسلاك هاتفية إلى جانب الطريق فبادروا إلى قطعها فورا , ثم أعاقوا السير على الطريق بواسطة بعض الصخور و الحجار , و في الساعة الرابعة و النصف و اثر وصول كتيبتهم إلى مشارف القرية تناهى لأسماعهم أصوات إطلاق رصاص, و بعدها بدقائق تمكن احد الجنود من اسر رجل فرنسي اعترف بأنه أرسل , بعد انقطاع الاتصالات الهاتفية , لنقل تحذيرا سريعا لقيادته بتعرضهم للهجوم , تلا ذلك محاصرة القوة لبعض رجال الجمارك الفرنسيين و خيال إفريقي قدموا جميعهم من الجنوب , بعدها تمكن رجال غولن من اعتقال خمسة و ستون رجلا و سيارة واحدة أرسل بواسطتها الرقيب دريد و ثلاثة جنود نحو الاسكندرونة , فتعرضوا لإطلاق النار ما أدى إلى إصابة دريد و الجندي كونستابل , و قد تزامن تحركهم ذلك مع تفجير الطريق العام و قطعه من قبل الفرنسيين , و كان مرد هذه الانتكاسة لمعلومات خاطئة نقلت لكوفن بأن الطريق ملغّم في موقع شمال الاسكندرون و ليس جنوبها .
بعدها أمر كوفن قواته بالتحرك نحو الشمال حيث تمكنت من تنظيف قسم من الطريق و أسر ثلاثون شخصا , كما تمكنت من السيطرة على كمية من البنادق و الأسلحة و ستة آليات بينهم سيارة مدرعة , إضافة إلى ثلاثون جوادا شاردا , ولم يقتل خلال تلك العمليات سوى جندي واحد هو العريف بكلر الذي أصيب خلال أعمال التمشيط في البساتين .
و حوالي الساعة الثانية صباحا بدأ التقدم الفعلي للجيوش المهاجمة و الذي كان يهدف بمراحله الأولى للسيطرة على المراكز الحدودية ثم الالتفاف غربا لتشكيل راس جسر يلتقي مع قوات النقيب مونتن التي ستتقدم بدورها على الخط الساحلي بدأ من الساعة الثالثة صباحا انطلاقا من مراكز الجمارك البريطانية الحدودية الكائنة جنوب الناقورة .
و بعد تقدم القوات المهاجمة لمسافة ميل واحد تقريبا , تصادم عنصرين منها , هما الجنديين ويلسن و كرسن , بخفيرين من الجنود الفرنسيين فقتلوهما , و حوالي الساعة الخامسة صباحا و على مسافة ميلين تقريبا من الناقورة تعرضت القوة مجددا لإطلاق نار من احد المراكز الفرنسية هناك , ما دفع بالملازم أيتون إلى نشر جنوده يمينا و يسارا و أبقى قوة منهم في وسط الطريق , و بعد تبادله النيران مع حامية الموقع الفرنسي التي بدا أنها تتسلح بمدفعين رشاشين و حوالي اثنا عشر بندقية , فقصفهم ببضع قنابل هاون , بعدها تمكنت المجموعة المرابطة في الوسط من التقدم و دحر عناصر الموقع إلى خارج القرية بعد قتل خمسة منهم و اسر اثنا عشر آخرين , كما تم طرد مجموعة من الفرسان السباهيين ( جنود السلطان ) الذين تعرضوا بالنار للقوات الاسترالية .
أما ستيفنس , الذي اخذ يتحرك بواسطة عربة عسكرية من موقع إلى آخر دون توقف أو راحة , فقد أمر فصيلة من جنوده بمواصلة التقدم و تفحص حالة الطريق , و حوالي الساعة السادسة و النصف , عبر الملازم رود , المكلف بهذه المهمة مدعما بستة مصفحات و مدفعين مضادين للدبابات و عددا من المهندسين , الناقورة بعد اشتباكه مع قوة من العدو كانت تتولى حماية الطريق , و بعد قصفهم بقذائف الهاون من مرابض ثبتت على عجل في محيط الشاطئ , تقدمت بضع مصفحات عن يمين الطريق إلى مسافات ثلاثمائة ياردة من العدو حيث تبادلت معهم إطلاق النيران الرشاشة و دار قتال عنيف تمكنت بعده القوات المهاجمة من دحر العدو الذي تقهقر اثر مقتل خمسة منه و جرح اثنين .
أما على الهضبة الشرقية فقد كانت الأوضاع اشد تعقيدا حين تاه الدليل اليهودي المرافق لفصيلة الملازم فارمر ما أدى إلى تأخر وصولها إلى اللبونة حتى الساعة الخامسة و النصف صباحا , أي بتأخر ثلاث ساعات تقريبا عن الموعد المحدد , و قد تصادمت الفصيلة لحظة وصولها مع دورية للعدو مؤلفة من ستة رجال , فتبادلت معها إطلاق النيران و حصل اشتباك بالسلاح الأبيض أدى إلى مقتل احد جنود العدو , ما دفع بباقي العناصر إلى الانسحاب , و بعد هذه الحادثة تمت السيطرة على اللبونة بدون أي مقاومة تذكر .
و في نفس الوقت اندلعت قرب قرية علما الشعب معركة حامية بين سرية النقيب نونان و حامية احد المخافر , صرع فيها للقوات المهاجمة جندي هو الرقيب لولي , و جرح آخر , إلا انه بحلول الساعة السابعة صباحا تسنى للقوة المهاجمة السيطرة بشكل تام على المراكز الثلاثة المتبقية للعدو في محيط القرية.
أما في القطاع الأوسط على بعد عشرون ميل تقريبا من الحدود , و بهدف حماية رأس الجسر الجاري تشكيله , أرسل العقيد ماكدونالد سريتين من مشاته لتطويق بنت جبيل , واحدة بقيادة الرائد كارو للسيطرة على عيترون , و الثانية بقيادة النقيب هورلي للسيطرة على يارون و عين ابل , و في نفس الوقت , كانت قوة مؤلفة من سرب من فوج المشاة السادس الاسترالي , و سيارتين مصفحتين من السلاح الملكي , و فصيلة من اللواء السادس عشر , و وحدة من سلاح المدفعية و المهندسين بقيادة الرائد بوت ,, تنتظر قرب المالكية انتهاء تحقق فريق استكشاف من قابلية سلوك الآليات من عيترون نحو صور و منها عبر الساحل نحو بيروت .
و بعد تأمين الطريق و إعطاء إشارة الانطلاق , نجح كارو سريعا بالسيطرة على عيترون بعد أسره أربعة رجال تم أخذهم على حين غرة في احد مراكز الشرطة , ثم واصل زحفه اتجاه بنت جبيل حيث حاصر مخفرا فرنسيا مجهزا بمدفع رشاش و سيطر عليه بعد استبسال العريف هولمز و خسارة جندي و جرح آخر .
و بوصول كارو إلى بنت جبيل , كان هورلي قد أكمل سيطرته على مخافر يارون و اتجه نحو بنت جبيل حيث نشبت معركة طاحنة تمكن بنتيجتها من قتل سبعة مقاتلين للعدو , سيطر بعدها على عين ابل التي وجدها خالية تماما من جنود العدو , و بذلك يكون قد تحقق أول اتصال فعلي لقوات الاستطلاع على الطريق التي تربط فلسطين عبر المالكية مع سوريا .
و في الساعة الرابعة صباحا , تقدمت قوة استطلاع تابعة لقوات بوت من عيترون و عبرت الحدود , و في السادسة و النصف تمكن الملازم مل من سلاح الفرسان الاسترالي , مدعما بثلاثة عشر آلية و فصيلة جند , من شق طريق رأس حربة من بنت جبيل نحو تبنين , وهي قرية رائعة الجمال فيها حصن تركي قديم , حيث تمكن هناك من القضاء على باقي قوات السباهي الذين نجوا من هورلي في بنت جبيل , و بعد أخذه فترة استراحة اتاح خلالها لرئيس البلدية إجراء اتصالات كانت ايجابية بزميله في صور بقصد تسهيل دخول القوات إلى المدينة , واصل تقدمه رغم بعض المناوشات التي اعترضته بين تبنين و الساحل , إلى أن وصلت طلائع قواته إلى ساحل صور حوالي الساعة الثانية , حيث شاهد قوات البحرية البريطانية ترابط خارج المرفأ و الطائرات الفرنسية تتولى قصفه .

وكانت القوات البحرية قد دنت من الشاطئ حوالي الساعة السابعة إلا ربع و شاهدت تدفق القوات و الشاحنات دون التمكن من تمييز هويتها , كما شاهدت تدمير طريق الاسكندرون حوالي الساعة السابعة صباحا , و بعد قصف المدمرة كمبرلي المواقع الفرنسية الساحلية قرب الليطاني لمدة تناهز النصف ساعة تقريبا , باشرت القوات البرية تحركها شمالا حيث تواجهت مع بعض قوات السباهي فأسرت بعضهم و فر البعض الآخر نحو التلال , ثم تواصل التقدم إلى أن توقف على الطريق المقطوع قرب مجرى الليطاني , و حين حاول بعض الجنود الترجل من آلياتهم لفتح الطريق تعرضوا لإطلاق نيران مدفعي كثيف من المواقع الفرنسية المرابطة على الضفة الشمالية للنهر , ما دفع بالقوات الملكية للتراجع تاركين خلفهم سيارتين معطوبتين .
بعدها وقعت سرية الملازم دانتز أيضا , التي كانت تتبع الآليات الملكية , تحت النيران , ما دفع أفرادها للجوء إلى واد قريب للاحتماء من القصف الذي تواصل عليهم , و قد تولى مدفعين عائدين للكتيبة الثانية من اللواء الرابع من مدفعية الميدان الرد على مصادر النيران من موقع قرب قرية البرغلية , و قد أدى القصف في النهاية إلى تعطيل كافة الآليات , ما دفع بدانتز لإرسال سائقه جوب لطلب النجدة , ثم ما لبث أن تبعه بنفسه تاركا العريف بريتن و ثلاثة رجال قرب آليتهم المعطلة , و قد تداور هؤلاء على حراسة موقعهم طوال الليل , و في المساء تقدمت دورية استطلاع إلى مسافة ثمانمائة ياردة من النهر حيث توصلت بعدها إلى خلو الضفة الجنوبية من أية قوات فرنسية .
و حين كانت القوات المهاجمة تضغط بقيادة ماكدونالد باتجاه الليطاني حيث الخطوط الدفاعية الرئيسية للعدو , كان القلق و الترقب يسيطر على ستيفنز بانتظار معرفته ما إذا كان الطريق نحو اسكندرون تم الإمساك به و تأمينه , و مع مرور الوقت دون اتصال أو أية معلومات , أعطى الأوامر لقواته بالتقدم و السيطرة على المخافر الحدودية للعدو دون تحريك القوات الآلية و المدرعة تحاشيا لإعاقة الطريق في حال تبين له أنها قد دمرت , و في الصباح الباكر أعطيت الأوامر للدبابات بالتقدم حيث قادها مسافة ميل واحد عبر الهضاب إلى الحفرة التي أحدثها الفرنسيين في الطريق و التي بلغ طولها مئة قدم و عمقها ثلاثون , و حوالي الساعة العاشرة إلا ربع صباحا وصل ستيفنس بسيارته إلى موقع تلك الحفرة , و ظهرا تم تأمين جر و سحب مدفع مضاد للدبابات بواسطة مجموعة من الرجال و شاحنة , بعدها تولى الملازم هابر من الفصيلة الميدانية مهمة ردم الحفرة بواسطة بعض مخلفات الصخور الناتجة عن تفجير الهضبة المجاورة , و لم يتسنى ردم الحفرة و فتح الطريق لسلوكها من قبل الآليات إلا بحلول الساعة الخامسة من بعد ظهر التاسع من حزيران بالتزامن مع عبورها من قبل فصيلة من المشاة سيرا على الأقدام .
أما على الهضبة الشرقية فقد تمكنت القوات الرئيسية التابعة لماكدونالد من الالتفاف و اللحاق بقوات بوت عبر بنت جبيل بعد حصول بعض التأخير جنوب تبنين بسبب قطع الطريق و وجود بعض حقول الألغام استغرقت من المهندسين أربعة ساعات لإزالتها , بعدها تمكنت القوات الاستطلاعية من تامين عبور الآليات و الوصول إلى ساحل صور حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر حيث التحقت بالكتيبة الثانية .
و قد تزامن دخول القوات إلى صور مع وصول ستيفنس إليها سيرا على الأقدام حيث تم الاحتفاء بالغزاة جماهيريا , في الوقت الذي كانت قوات أخرى تتقدم يبطئ نحو الأراضي الوعرة الكائنة بين تبنين و كفرصير .
و هكذا و بحلول نهاية اليوم الأول تكون القوات المهاجمة قد أتمت السيطرة على صور و حققت أول احتكاك مع خطوط العدو المتهيئ للقتال عند نهر الليطاني , ما يعني أن احتلال بيروت و القضاء على المقاومة فيها لن يكون بتلك السهولة التي كانت متوقعة .
أما على صعيد الجبهة الداخلية فكان من المقرر أن تنقسم قوات اللواء كوكس إلى تشكيلين قتاليين اثنين , الأول عليه التقدم مباشرة نحو رياق بعد أن يسلك ما أطلق عليه ترميزا باسم المسار " أ " , و الآخر بقيادة موناغان و يقع على عاتقه مهمة قطع طريق القنيطرة لمنع أي تقدم محتمل للعدو من ذلك المحور , ثم السيطرة على محاور حاصبيا و الخيام .
و إلى جانب كوكس كانت كتيبة المقدم بورتر المدعمة بسرية من الكتيبة " سي " و ستة بطاريات مدفعية من الفوج الميداني و أربعة مدفعية هاون و مدفعين مضادين للدروع و ثلاث مصفحات و ستة بطاريات مدفعية مقطورة , و كانت مهمتها السيطرة على الخط الممتد من مرجعيون إلى النبطية التحتا , على أن يشكل هذا الخط قاعدة انطلاق لما أطلق عليه اسم المسار " ب " الهادف للسيطرة على طريق بيروت دمشق .
كما تم تكليف قوة خاصة بالسيطرة على خط الحدود الممتد من عديسة حتى بليدا ثم نزولا حتى الجسر الرئيسي على الليطاني جنوب شرق مرجعيون ( الخردلي ) , على أن يلي ذلك محاولة تركيز قوة من الكتيبة الواحدة و العشرون على تلال حبوش .

و في الساعة الثانية صباحا , و تحت جنح الظلام , بدأ تحريك قوات المشاة التابعة لموناغان بعد تزويدها بمؤن تكفي ليومين و قبعات فولاذية و سراويل قصيرة .
و في حين كانت توقعات القادة أن تسارع القوات الفرنسية للاستسلام حين ترى قبعات فرنسية مقابلة, فان أوامر موناغان كانت تنص بعدم ارتداء تلك القبعات إلا عند الضرورة , كما قضت أوامره بان تعبر فصيلة بنيت الحدود و تتسلل عبر الهضاب و الأودية تحت جنح الظلام وصولا إلى قرية الفرديس و احتلالها , ثم قطع الطريق المحاذية لها لناحية الغرب , بعدها الالتفاف من خلف القوات العدوة المدافعة و المرابطة على مسافة اثنا عشر ميلا إلى الشمال من خط الحدود الكائن قرب قرية مستيتا , علما أن نجاح بينت و جهوده المبذولة لن تكون ذات فائدة محسوسة إلا في مرحلة لاحقة من المعركة .
أما على الجبهة السورية , و بعد ساعات من انطلاق العمليات , تمكن الرائد رايت سريعا من إنجاز مهمته القاضية باحتلال المراكز الحدودية من بانياس إلى المغر , و تفجير الجسر الكائن إلى جنوب شرق بانياس كإجراء احتياطي لمنع أي تقدم محتمل للقوات الفرنسية من القنيطرة , كما تمكن من السيطرة صباحا على بانياس .
أما مهمة السيطرة على المراكز الحدودية المنتشرة بين الغجر و عرب اللويزة فكانت من نصيب النقيب كوتن الذي تحرك حوالي الساعة الثانية صباحا من مواقعه في آبل القمح ليعبر بعد مسيرة نصف ساعة الحدود دون مواجهة أي مقاومة , إلى أن تصادم حوالي الساعة الثالثة صباحا مع حامية احد المخافر الفرنسية فخرّ له جندي صريع , بينما جرح للعدو ثلاثة و اسر منهم حوالي اثنان و عشرون جنديا من السنيغاليين .
و كانت الأوامر قد أعطيت أيضا لفصيلة الملازم كونور للسيطرة على جسر أبو زبلة , وهو الجسر الذي يصل طريق مرجعيون ببانياس عبر الحاصباني , كذلك استكشاف غيرها من النقاط الحساسة الأخرى , و قد قسم كونور فصيلته إلى أربع دوريات كلف كل منها بمهمة محددة , و أبقى على عاتقه مهمة السيطرة على الجسر و المحافظة عليه , و قد تمكن كونور من الوصول إلى الجسر حوالي الساعة الرابعة صباحا حيث قهر حاميته المؤلفة من اثنا عشر جنديا فرنسيا و سيطر عليه سليما , بعدها تحرك نحو الخيام حيث وجد بعض العوائق على الطريق , و حين أشار للنقيب فرغسون بالالتفاف و سلوك طريق الوادي غربا , تعرض هذا الأخير لوابل من الرصاص كان مصدره كل من الخيام و قرية الماري المحاذية مما أرغمه على التوقف و عدم متابعة المسير .
و في الحادية عشر و النصف صباحا , أصدر موناغان أوامره الصارمة لكوتون بالسيطرة على ثكنة الخيام التي تقع على هضبة عالية جنوب القرية , و بعد انطلاق الهجوم ظهرا , تمنّع الفرنسيين أولا عن إطلاق النيران لحين وصول المهاجمين إلى مسافة لا تزيد عن ثلاثمائة ياردة حين أصلوهم دفعة واحدة بكافة أنواع الأسلحة المتوفرة من مدافع ميدان و هاون و أسلحة الخفيفة ما أدى إلى تشتتهم و تبعثرهم لبعض الوقت بعد سقوط جريح منهم , ثم عاودت مجموعات كوتون التقدم إلى أن وصلت إلى مسافة لا تتعدى الخمسون ياردة من مربع مبنى الثكنة التي شاهدوا مثيلها مرارا في الأفلام الأمريكية , بعدها فتح الاستراليون النيران بشدة على مرابض المدفعية و الأسلحة المعادية إلى أن تمكنوا من إسكات نيران احد أبراجها , فانقض كونور عليه قاطعا الأسلاك الشائكة حوله بالغا جدار البرج حيث وافاه خمسة جنود تسلقوا جميعا الجدار , بعدها دخل كونور ركضا احد الغرف مطلقا النيران على شاغليها من سلاحه الرشاش , لكنه تعرض لرمايات رشاشة من احد المرابض الموجودة في زاوية مقابلة من الثكنة ما دفعه للاحتماء خلف احد الجدران حيث انضم إليه ثلاثة جنود هم الرقيب سويت ابل و العريف كمبل و الجندي وايت , الذي تبعه من فوق الجدار , و عاجلا انضم للمجموعة المستنزفة الذخيرة , موظف فرنسي مدني و ثلاثة من مرؤوسيه انشقوا جميعا عن رفاقهم طالبين الانضمام للديغوليين , في هذا الوقت كان القلق مخيما على كوتون الذي فقد الاتصال بكونور و لم يعد يعلم ما يجري داخل الثكنة إلى أن تناهى له صوته مناديا مصحوبا بأزيز الرصاص من خلال احد الفتحات , ليتم بعدها التعاون بينه و بين بعض الرجال في الخارج على إحداث ثغرة في احد لجدران سمحت بتسلله عائدا مع صحبه بعد قضائه حوالي خمسة ساعات داخله , بعدها قرر كوتون المهاجمة من خلال تلك الثغرة بعد توسيعها عن طريق قصفها بمدافع الميدان , إلا أن الفرنسيين البالغ عددهم حوالي المائة جندي شنوا هجوما ضاريا من كافة أنحاء الثكنة ما دفع به لسحب رجاله و وقف هجومه و تأجيله إلى صباح اليوم التالي .
في هذا الوقت كان على الكتيبة الثانية من اللواء الواحد و الثلاثون أن تتحرك مصحوبة بثلاث سرايا من المشاة نحو قرية الخربة و منها نحو كفر تبنيت عبر جسر الليطاني ( قضت الخطة أيضا أن تحاول دورية بامرة الرقيب دايفس أن تعبر الحدود في الليلة السابقة و تحاول منع تفجير أو تدمير الجسر ) , و كانت المواقع العسكرية الفرنسية في كل من الخربة و قلعة الشقيف ( شاتو بوفور ) تتمتع بتفوق واضح من الناحية الدفاعية في مقابل صعوبات جمة تعاني منها القوات المهاجمة التي كانت محكومة بالتحرك أما على منحدرات قاسية أو على أراض جرداء و مكشوفة تماما .
و حوالي الثانية صباحا عبرت مجموعة متقدمة من الجيش الاسترالي بقيادة النقيب هيوستن الأسلاك الحدودية الكائنة شمال قرية المطلة , و أسرت في احد مراكز الشرطة الحدودية جنديا نائما , بعدها تحركت في الظلمة على طول المرتفع المؤدي نحو الخربة , و هناك حاول احد ضباط الارتباط الفرنسيين المرافقين للحملة التقدم نحو القرية رافعا علما ابيضا عارضا الاستسلام على المدافعين من أبناء جلدته الفرنسيين إلا أن عرضه لقي الرفض ما دفعه للقفول عائدا , لكن قبل بلوغه خطوط الجيش الاسترالي أطلقت عليه النيران من خطوط العدو فسقط جريحا , تبع ذلك إطلاق نار كثيف من مدافع الميدان و الهاون و الأسلحة الخفيفة المتنوعة على القوات الاسترالية التي اندفعت مهاجمة , و قد استمر تقدم المهاجمين على رغم قصفهم بوابل من القذائف إلى أن بلغوا مسافة لا تتعدى مائتي ياردة من التحصينات التحت أرضية العسكرية الفرنسية , و قد جرح للاستراليين خلال هذا الهجوم الضابط ليونغتن نائب هيوستن , كما قتل الملازم كللي خلال محاولته عبور الأسلاك الشائكة المحيطة ببعض مواقع العدو , و مع حلول الفجر كان قد سقط لهم أيضا ثمانية إصابات جديدة بين قتيل و جريح , و قد ظهر جليا بنتيجة ذلك أن الاستمرار بالهجوم دون تأمين الغطاء الكاف للجنود سيؤدي حتما إلى إصابات كارثية في صفوفهم .
و على الجانب الغربي , تقدمت مجموعات النقيب برني دون أي مصاعب حتى الساعة الرابعة و النصف صباحا حين تمت إعاقتها و صدها من قبل القوات المدافعة , تلا ذلك إصابة ما يزيد عن ثلاثة عشر جنديا دون تحقيق أي تقدم إضافي , كما تعرض للإصابة النقيب براون الذي سلك بقواته طريق دير ميماس , فتم صده و إيقاع إصابات متتالية في صفوف قواته لتحركها على ارض مكشوفة , و قد حاولت بطاريات المدفعية الاسترالية التدخل لتامين انسحاب القوات المهاجمة إلى مواقع أكثر ملائمة دون أن يوقف ذلك تساقط القذائف عليهم .
و على مسافة ليست ببعيدة من الحدود , و مع انبلاج الفجر , كانت قوة من الجنود الفيشيين تامة الاستعداد و التجهيز و متخفية في احد الملاجئ المموّهة جيدا , تباغت مجموعة من القوات الاسترالية لحظة وصولها إلى موقعهم , و توقع في صفوفهم خسائر فادحة , و قد أعاقت هذه المفاجأة مخطط بورتر لاستخدام هذه المجموعة كعنصر دعم في هجوم مرتقب بالمدفعية ينطلق ابتداء من الساعة العاشرة صباحا .
و في العاشرة و النصف صباحا , حاولت ثلاث سيارات مصفحة تابعة لسلاح الفرسان السادس بقيادة الملازم لابثورن دعم قوات بورتر المتقدمة على الجبهة , لكنها بعد أن دكّت ثلاث تحصينات للعدو , استقطبت نيران كافة مراكزه الأخرى , ما أدى إلى إصابة آلية لابثورن إصابة مباشرة فقتل فيها على الفور مع كافة مساعديه , كما أصيبت الآلية الثانية و جرح فيها العريف هيكس جروحا خطيرة , أما المصفحة الثالثة , فقد قفلت منسحبة بعد أن تمكن الرقيب غروف من إنقاذ بعض الجنود الجرحى الذين سقطوا نتيجة لهذه المعركة .
بعدها , و اثر تعرضها لقصف مدفعي شديد , أرغمت قوات برني المتقدمة نحو واد الليطاني على التقهقر أربعمائة ياردة إلى الوراء , كما لم يتسنى لهيوستون الفرار من مواقعه التي تقدم إليها صباحا إلا بحلول الظلام.
و عليه , فان محصلة اليوم الأول من الغزو تكون الإخفاق في تحقيق أي مكاسب تذكر على الأرض باستثناء إدراكهم بان ما هم على وشك اختباره من قوة العدو لن يكون نزهة أبدا .

أما على الجبهة السورية , و في الساعة الثانية بعد منتصف الليل , تحرك لواء البريغادير لي لويد المؤلف من أربعة تشكيلات هجومية آلية سيارة , و قد عبر التشكيل الأول المؤلف من سلاح الرماة الملكي و بعض مدفعية الميدان و غيرهم من المجموعات المساندة حدود شرق الأردن تمام الساعة الرابعة فجرا ليبلغ بعدها قرية كفر نفخ حوالي الساعة الخامسة , ثم تقدمت هذه القوة سيرا على الأقدام باتجاه القنيطرة , و بعد مسير ساعة , تعرضت هذه القوة لإطلاق نار من تل أبو الندى الكائن على بعد ميلين جنوب غرب المدينة , فأرسل قائد القوة المهاجمة مفاوضين اثنين , بريطاني و فرنسي , للتباحث مع القوة المدافعة في وقف إطلاق النار و الاستسلام , و قد تكوّن لدى المفاوضين انطباع بان قائد القوة المدافعة , على عكس جنوده , لن يتوانى عن مقاومتهم , أو عن العودة للجنرال دانتز لاتخاذ أي قرار قد يخالف ذلك.
بعدها سعى المفاوضين لعقد هدنة ظاهرها السماح للمدنين بالخروج من المدينة , و باطنها كسب الوقت لتعزيز القوات المهاجمة و تثبيت مواقعها و نصب مدفعيتها.
و خلال ذلك , تجمع لدى المستطلعين معلومات تفيد بان حامية العدو تتكون من كتيبة من الجند السنغاليين و ستة آليات عسكرية مجهزة بمدافع رشاشة خفيفة, بعدها جاءهم نذير من ضابط فرنسي مفاده بان الأعمال العدائية ستبدأ ظهرا , و هذا ما تم بالفعل , و كان بنتيجتها أن تفوقت القوات المهاجمة على العدو و أحكمت سيطرتها على التل, وفي صباح اليوم التالي اكتشفت هذه القوات أن العدو قد انسحب ليلا من المدينة , و أن قوة بريطانية سيطرت عليها و أسرت ستة مجموعات من القوات الفرنسية من " ذوي البشرة البيضاء".
وقد أعطيت الأوامر لفصيلة من القناصة الهنود بقيادة النقيب آدم موري لمنع تدمير جسر شهاب للسكة الحديد (حاول لورنس العرب عام 1918 تدمير هذا الجسر خلال الحرب العالمية الأولى أثناء حملة الجنرال أللنبي دون أن يتكلل مسعاه بالنجاح) , و قد تمكن موري و احد مساعديه هافيلدر من الزحف تحت جنح الظلام إلى مركز الحراسة و صرع عناصره في حين تمكن البقية من الإطباق على حراس الجسر و السيطرة عليه سالما بعد تمكنهم من تعطيل العبوات التي جهز بها لنسفه.
في هذه الأثناء كانت السيطرة على " فيق " قد أنجزت دون أي مقاومة تذكر, كما تمكن تشكيلين عسكريين آخرين من تطويق درعا و باشرا مفاوضة المدافعين عنها على الاستسلام, وبعد أن تعرض بعض المفاوضين لإطلاق نار و فشل مساعيهم التفاوضية, اندفعت القوات مهاجمة حيث تمكنت بعد تمهيد مدفعي شديد, من دخول المدينة و السيطرة عليها.
توجه بعد ذلك احد التشكيلين لهنديين , مدعما ببعض المدفعية إلى " الشيخ مسكين " لاحتلالها , و بعد مقاومة ضعيفة و التعرض للقصف بالقنابل من إحدى الطائرات , نشبت معركة قاسية على أطراف المدينة استخدم فيها الأسلحة الرشاشة و المدفعية الثقيلة سيطرة بعدها القوات المهاجمة على مرتفع يشرف على المدينة من الناحية الغربية , ثم بحلول صباح التاسع من حزيران تحقق لهذه القوات السيطرة التامة على شيخ مسكين و عزرا التي أخلاها العدو خلال الليل, وفي العاشرة صباحا عبرت قوات فرنسا الحرة هذه المواقع باتجاه دمشق تاركة القوات الهندية خلفها بعد أن أدت هذه الأخيرة مهمتها على أكمل وجه و أسرها لثلاثون ضابطا و ثلاثمائة جندي.
و ما أن بدا الهجوم على سوريا و لبنان , حتى أذاع كل من الجنرال كاترو و السفير البريطاني في مصر السير ميلز لمبسون إعلانين منفردين توجها بهما لكل من الشعبين السوري و اللبناني , حيث تحدث كاترو باسم ديغول معلنا التزام فرنسا إنهاء زمن الانتداب و إعلان استقلال هذين البلدين مع الاستعداد لإبرام اتفاقيات تضمن ذلك , في حين أعلن لمبسون أن بريطانيا تضمن حصول لبنان و سوريا على استقلالهما فقط في حال انضمامهما إلى معسكر الحلفاء , حيث ستبادر فورا, في حال حصول ذلك, إلى رفع الحصار المضروب عليهما , و ستدخلهما في نطاق وحدة دول الكومنولث بما سيتيح لهما التمتع بميزات تجارية عديدة.

بذلك يكون اليوم الأول من الغزو قد انتهى عكس ما هو مأمول و مرتجى , فقد أتضح للمخططين العسكريين أن سوريا لن تسقط بسهولة , و أن الفيشيين الذين أتموا استعداداتهم لهذه المواجهة قد حشدوا جيشا طائلا مكونا من ثمانية عشر كتيبة قتالية عالية الاستعداد و التجهيز , بينما دخل الحلفاء المعركة بقوة لا تتجاوز تسعة كتائب استرالية و هندية و بريطانية , إضافة إلى ستة كتائب ديغولية مشكوك بكفاءتها , و بذلك تكون نظرية تشرشل " بالإخضاع عبر التلويح بالاجتياح العسكري " قد انقلبت عليه و تحولت إلى الانغماس بحرب ضارية غير مضمونة النتائج.

| جلال يوسف عبد الله 22\6\2007 | موقع خيامكم

الفصل الرابع: محاولة عبور الليطاني

في أصيل يوم الثامن من حزيران، واجه البريغادير ستيفنس، قائد الجبهة الساحلية، معضلة مشابهة لتلك التي عانى منها في اليوم السابق، فبعد انتهاء فوج الهندسة من إصلاح طريق الاسكندرون، كان عليه تجاوز عقبة أخرى مماثلة، وهي إنقاذ جسر الليطاني من التدمير.
وبالرغم من شدة الأنواء البحرية، تلقى ستيفنس أوامر صارمة بضرورة عبور الليطاني قبل الساعة الرابعة من فجر التاسع من حزيران مع تعليمات تقضي بإرساله أربع إشارات ضوئية في حال تحقيقه هدفه، وإلا فان قوات المغاوير ستتولى ذلك بدءا من الساعة الرابعة والنصف صباحا.
وكتدبير احتياطي، أصدر ستيفنس أوامره لمساعده لوتانت كولونيل ماكدونالد من الكتيبة السادسة عشر لتنظيم هجوم وقائي في الساعة الخامسة صباحا في حال فشل مهمة المغاوير، فبادر ماكدونالد إلى توزيع المهمات بين أفراد مجموعاته بحيث أوعز للكابتن جونسون مهمة إنقاذ الجسر بعد أن الحق به فصيل من القوارب الشراعية لاستخدامها عند الاقتضاء، كما أوكل لجونسون مهمة عبور النهر، وللمايجور كارو التقدم إلى محاذاة الشاطئ لتوفير غطاء ناري لقوات المغاوير لحظة تنفيذ عملية الإنزال.
لكن ما الذي حصل خلال عملية الإنزال؟

في صباح يوم السابع من حزيران، أبحرت السفينة الحاملة للجند " غلينجيل " وعلى متنها اثنا عشر ضابطا وأربعمائة جندي من ميناء بور سعيد، بمرافقة حامية من السفن الحربية، وبوصولها إلى مسافة أربعة أميال من الشواطئ اللبنانية، باشر طاقمها تحضير وملء قوارب الإنزال، إلا أن الخشية من غرق القوارب بسبب الأمواج العاتية التي تعالت مع بزوغ القمر دفعت بالقيادة البحرية لتأجيل العملية والعودة إلى بور سعيد.
وفي الساعة الثالثة والربع من صباح التاسع من حزيران، أبحرت السفينة " غلينجيل " مجددا برفقة طراد بحري ومدمرتين، تجاه موقع الإرساء مقابل الليطاني، حيث قسمت القوات المهاجمة إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى شكلت بقيادة المايجور كاييس طليعة الهجوم المقرر شمال الليطاني، والمجموعة الثانية بقيادة الكابتن مور وكانت مهمتها تثبيت وإحكام السيطرة على جبهة شمالي الليطاني، أما المجموعة الثالثة فمهمتها الدعم عند الاضطرار.
ولسوء حظ القوة المهاجمة، فان تراكم الكثبان الرملية عند مصب النهر أدى إلى حرف موقع الإنزال إلى مسافة ميل ونصف جنوب الليطاني حيث تراوح عرض مجرى النهر بين ثلاثين وأربعين ياردة، وكانت كلتا ضفتيه مغطاة بجروف صخرية مكسية بأشجار الحور، اما الطريق الساحلية المجاورة فكانت تلتف أسفل هضبة تبعد نحو ألف ياردة عن الشاطئ، ثم تعبر جسرا من القناطر الحجرية، لتتجه بعدها شمالا عبر سهول مزروعة بأشجار الفاكهة والذرة، وكان يشرف على تلك الطريق هضبة أخرى مرتفعة حوالي خمسمائة قدم أقام عليها الفيشيين دفاعات حصينة.
وقد خططت القوة المهاجمة فور إتمام إنزالها للتقدم تجاه الجسر على أن تتولى مجموعة منها مهاجمته والسيطرة عليه بينما تتولى القوة الباقية إسنادها، إلا انه وقبل لحظات من انطلاق الهجوم، أتاهم بلاغ من احد عناصر الاستطلاع أنبأهم فيه بان الجسر قد نسف ودمر تماما، ما أدى إلى إحباط الهجوم المقرر ودفعهم للتخطيط لعبور النهر بواسطة القوارب.
وبعدما اضطرت طليعة القوة المهاجمة إلى الانكفاء والاحتماء بسبب من وابل الرصاص أمطرتها به مجموعة من جنود العدو كانوا مرابطين بين بعض شواهد أضرحة مقبرة تقع في محاذاة ضفة النهر، وصلت قوارب العبور فقرر جونسون تسريع العملية لخشيته من تفاقم سرعة جريان النهر التي بلغت في حينه حوالي خمسة عقد، وعليه أصدر النقيب هرمن، مساعد جونسون المسؤول عن القوارب، ذو الجثة الضخمة والثقة العالية بالنفس، أوامره لبعض رجاله لجمع حبال القوارب وأسلاك الخطوط الهاتفية من الطريق المجاور وربطها ببعضها البعض لتشكل حبلا طويلا خاض به العريف هادّي، امهر سباحي الفرقة المهاجمة، غمار النهر واستطاع، بالرغم من إصابته الشديدة بشظية من إحدى القذائف التي انهمرت عليه، من الوصول إلى الضفة المقابلة حيث تمكن بصعوبة من شدّ وثاق الحبل إلى احد الجذوع، وفي حين هبّ لنجدته العريف داستين، طلب هرمن بعض المتطوعين للعبور في أول القوارب، فصعد على الفور إلى متنه العريف والش وثمانية رجاله من صحبه (الجندي باد غرفن، لن اوبراين، آل ريان، تشوك فاولر، بوبي ويلسن، بلو مولوني، تشامي غراي وفرانك موراتي) وجميعهم كانوا كباقي عناصر القوة، باستثناء قائدهم والرقيب المساعد، من كالغوري حيث ارتادوا نفس المدرسة، ولم يسبق لأي منهم أن اعتلى قارب أبدا في حياته، إلا أنهم في تلك اللحظة هبّوا إلى متنه جميعا كل منهم مع بندقيته وحمولته الثقيلة من الذخائر، وقد تمكن هؤلاء، بعد بذل جهد كبير، من إقناع قائدهم هرمن بالتخلي عن فكرة مرافقتهم لضيق المكان وخوفهم من غرق القارب بهم لثقل وزنه، ثم وما أن أصبحوا في خضمّ النهر حتى انطلق الرصاص يأزّ فوق رؤوسهم والقذائف المدفعية تنفجر حولهم، إلا أنهم تمكنوا في نهاية الأمر من عبور النهر دون وقوع أية إصابات ليباشروا بعدها على الفور عملية انتشار وانقضاض على مواقع الفرنسيين التي كانت تتخفى بين أكوام الأعشاب والخيزران.
وما أن تمكن بقية رجال سابلت من العبور حتى تساقطت القذائف على الضفة الجنوبية من النهر، ما أدى إلى مقتل جونسون وإصابة اثنين من قادة القوة المهاجمة وهم ميتشم وسيمنغتون، إضافة إلى هرمن الذي أصيب في أربعة أنحاء مختلفة من جسده، لكنه على الرغم من ذلك تابع قيامه بمهمته إلى أن أصيب مجددا.
وحوالي الساعة السادسة والنصف، كان سابلت الضابط الوحيد الذي نجى من الإصابة، وعليه وبعد أن تمكن من إتمام إنزال جماعته على الضفة الشمالية من النهر، اندفع مهاجما مخترقا عيدان الخيزران وبساتين الفاكهة مرغما العدو على التراجع وانتشر في مواقعه الجديدة مشكلا رأس جسر بعمق لا يقل عن أربعمائة ياردة.
وبعد تأخر لبعض الوقت بسبب ثقل الإصابات في صفوف الضباط وكثافة النيران الفرنسية العدوة، تمكن فصيل ثان من القوات بقيادة الرقيب فيليبس من عبور النهر، مما رفع عدد القوات التي عبرت النهر إلى حوالي خمسين عنصرا، بعدها جاء أمر من ماكدونالد لهورلي بالتقدم مهما كلف الأمر، ما أدى إلى مضاعفة محاولات العبور وتواصلها تحت وطأة القنابل والرصاص، فتمكن هورلي، مستعينا بقارب سابلت، من العبور بصحبة ستة من عناصره، تلاه بعدها ستة آخرون وهكذا حتى أصبح عدد العابرين سبعون جنديا، بعدها ظهر قرب الشاطئ مدمرتين فرنسيتين (غيبارد وفالمي) باشرتا على الفور قصف القوات الاسترالية جنوب وشمال النهر، وقد استمرتا على هذه الحال إلى أن بدأ فوج المدفعية الاسترالي بالرد عليهما، عندها أطلقتا بعض القذائف الدخانية الحاجبة ثم سارعتا إلى التواري عن الأنظار، وقد حاول أسطول الأدميرال كنغ الذي هبّ على وجه السرعة لتقديم النجدة العثور على هاتين المدمرتين دون جدوى، لذا أبقى أربعة مدمرات مرابطة قرب شاطئ النهر وتابع بحثه عنهما إلى أن وجدهما راسيتين مقابل ميناء صيدا، فانخرط معهما مباشرة بمعركة ضارية أدت لإصابة المدمرة الإنكليزية جانوس وفرار المدمرتين الفرنسيتين شمالا.
وفيما كان رجال سابلت، الذين سبق وتعرضوا لقصف مدفعي شديد من المدمرتين الفرنسيتين، يشتبكون مع المواقع الفرنسية المواجهة عند رأس الجسر الذي سيطروا عليه، طلب هورلي من احد معاونيه العودة إلى الضفة الأخرى من النهر لمقابلة ماكدونالد واحاطته علما بوضعهم العسكري طالبا منه دعما مدفعيا يتيح له التصدي لأي هجوم معاكس، في هذا الوقت تمكن رقيب الإشارة برايت من تمديد خط هاتفي عبر النهر على الرغم من شدة النيران المنهمرة عليه، في نفس الوقت رصد الكابتن غرانت موقع مراقبة للعدو مطل على النهر، فأمطره، بمساعدة لانس مورفي وثلاثة من جنوده، بوابل من النيران.
وفي الصباح الباكر، وبعد التمهيد للتقدم بواسطة قصف مدفعي مركز استمر لحوالي عشر دقائق، تمكن فصيلين تابعين لهورلي بقيادة كل من الملازمين اتكنسون والفيكس من عبور النهر بشكل خاطف وسريع ثم شنّا هجوما صاعقا فوق ارض مكشوفة ومموهة جيدا مخترقين مواقع العدو وتحصيناته، وقد قع لهما خلال هذا الهجوم عدة إصابات، منها تلك التي لحقت بالجندي كولس الذي نجح بقطع أسلاك اتصالات العدو قرب مواقعه المتقدمة، كما نجح كل من العريفين ويكد ودانكن من قطع خطوط الاتصال في قطاعهما أيضا، وبعد حوالي خمسة وعشرون دقيقة من انطلاق الهجوم تسنّى للمهاجمين إحكام السيطرة على كامل القطاع الغربي من الجبهة خصوصا تلك الواقعة على الكتف المشرف على النهر (تبين لاحقا أن الجنود الجزائريون كانوا قد قاموا بتلغيمه)، ونتج عن هذه المعركة ثلاثون قتيلا في صفوف العدو إضافة إلى اسر ثمانية وثلاثون منهم، كما أدى إلى وضع اليد على احد عشر مدفعا رشاشا، ولم يقع في صفوف القوات المهاجمة سوى ثلاثة جرحى فقط.
ومتشجعا بالنجاح الذي أحرزه، قرر هورلي مواصلة هجومه على باقي مواقع العدو خصوصا تلك التي لا تزال تتبادل النيران مع سابلت، لذا وبعد أن أمطرها بقصف مدفعي مركز لمدة وجيزة، انقضّ عليها بهجوم صاعق واحتلها موقعا في صفوفها اثنا عشر أسيرا، وقد سيطر خلال هذا الهجوم على مدفع خمسة وسبعون مليمتر ومدفعين رشاشين، وقد اعترف له احد الأسرى بان قوة من الكتيبة الثانية والعشرين الجزائرية تكمن لهم على التلة المحاذية، لذا وضع جنوده (الذين أصبحوا عمليا تحت إمرة رقيب أو عريف) بحالة جهوزية لصد أي هجوم معاكس.
في هذا الوقت، وخلال محاولة فرقة المغاوير التابعة لكاييس المرابطة على الشاطئ التقدم نحو النهر تعرضت لرشقات كثيفة من النيران، وما أن هرع كارو ورجاله لنجدتهم عبر انزالات بحرية بواسطة القوارب، حتى تعرضت بدورها لصليات من النيران أدت لإصابة القوة المساندة بخسائر فادحة قدّرت بحوالي خمسة وعشرون بالمائة من مجموع قوتها ما جعلها عاجزة عن التقدم والرسو على لشاطئ باستثناء واحد منها فقط، بعدها نجح كل من العريف دلوورث والجندي ارشيبالد من العبور بواسطة قاربيهما المليئين بالمغاوير والجنود الاستراليين، وعند منتصف النهار تمكنت هذه القوة من السيطرة على موقع فرنسي منيع كان يتحكم بالنهر، وتم خلال المواجهة أسر خمسة وثلاثون جنديا من جنود العدو، بعدها بقليل أفلحت مجموعة كاييس في إتاحة الفرصة لأحد الفصائل التابعة لكارو بالعبور، وحوالي الساعة الرابعة أرسل ستيفنس كابتن لونغوورث، وهو ضابط مراقبة متقدم، إلى كارو مع أوامر بضرورة مبادرته لتنفيذه هجوم فوري على مواقع العدو، مستعينا بإسناد من المدفعية، للسيطرة على الأراضي المرتفعة المطلة على الطريق شمالي النهر، ولكن حين وصوله إلى الضفة الجنوبية ومشاهدته مدى الإرهاق والتعب الذي حلّ برجال كارو، قرر العبور بنفسه إلى الضفة المقابلة للمساهمة في تدعيم وتعزيز القوات المرابطة هناك، وحين أصبح على المقلب الآخر من النهر، وجد أن كاييس لا يزال محافظا على رباطة جأشه على الرغم من موقفه الميداني الصعب والمواجهات المباشرة التي يخوضها مع العدو، في هذا الوقت كان رقيب الإشارة يحاول جاهدا الاتصال لاسلكيا بفوج المدفعية دون جدوى، بعدها تمكن كارو من نقل باقي قواته عبر النهر، وحوالي الساعة الخامسة والنصف نجح رقيب الإشارة التابع للونغوورث بإجراء اتصال بالقيادة حيث تبلغ انه يجري الإعداد لهجوم كبير يبدأ الساعة التاسعة والنصف مساء سيجري التمهيد له بعدة انزالات من قوات المغاوير شمال النهر، وبالفعل نفذت فرقة مغاوير الكومندور بدّر، الذي تشكل قوة كاييس جزأ منها، إنزالا على مسافة ميل ونصف شمال النهر، لكن جنود تلك القوة وقعوا فريسة نيران موقع فرنسي قريب، فخاضوا معهم تجربة قتال شرسة وقاسية كان من نتيجتها مقتل قائد قوة المغاوير بدّر واثنان من ضباطه، وفي حين تمت محاصرة إحدى المجموعات، حاول باقي العناصر الانسحاب جنوبا تجاه الليطاني في محاولة للانضمام للقوات الاسترالية المرابطة هناك.
في هذا الوقت كانت مجموعة ثانية من المغاوير بقيادة مور تنفذ إنزالا آخر على مسافة ميلين ونصف شمال الليطاني، لكنها وقعت بدورها في كمين قرب قرية كفر بدّا حيث خاض أفرادها معركة يائسة اضطروا بعدها للاستسلام قرب قرية العيتانيه.
و هكذا تكون قوات المغاوير العاثرة الحظ قد أخرجت من المعركة بسبب سوء التنسيق بين قياداتها حيث لم تتح المقابلة الوجيزة التي تمت بين ستيفنس وبدّر لدقائق معدودة في الناصرة الوقت الكاف لإتمام التنسيق بينهما مما جعل كل منهما يغادر إلى ارض المعركة بشعور من القلق وعدم الارتياح.
و قد أدت هذه التطورات لإحباط معنويات ستيفنس خصوصا حين لمس ضعف خطوط ربطه الميدانية مع نصف قواته العالقة شمال النهر، لذا أصدر أوامره لقواته بوجوب تحرير الطريق نحو الأراضي المرتفعة ابتداء من الساعة التاسعة والنصف، على أن يتولى مهندسوه في نفس الوقت بناء جسر من القوارب يتيح لباقي قواته عبور النهر ثم التحرك قدما حين تسمح لهم الفرصة بذلك.
في هذا الوقت كان كورلي يضغط إلى الأمام محاولا إحراز بعض التقدم، وحوالي الساعة التاسعة، تمكن مزيد من القوات التي انتقلت إمرتهم إلى الكابتن ماكنزي، بعد إصابة قائدهم هوبكنسون صباحا، من العبور إلى الضفة الأخرى، وفور وصولهم أعطيت الإشارة لهورلي بالتقدم والسيطرة على المواقع الفرنسية عند المرتفع الغربي، وقد بدأ هذا الأخير تحركه الفعلي حوالي الساعة السابعة والنصف لكنه جوبه بنيران غزيرة من رشاش ثقيل أوقع بين عناصره قتيل وجرح له آخر هو الملازم لانغريدج آمر إحدى الفصائل التابعة له، إلا أن هورلي وبمساندة من العريف سادلر انقضّ بنفسه على موقع الرشاش الفرنسي وسيطر عليه بعد أن اسر حاميته المؤلفة من ستة رجال.
و هكذا سيطر المهاجمون تحت جنح الظلام على أعلى المرتفعات الكائنة على مسافة خمسمائة ياردة جنوب ثكنة كبيرة للفرنسيين كائنة إلى غرب الطريق، وتمكنوا خلال تلك العملية من اسر سبعة عشر جنديا بما في ذلك سبعة ضباط، لكن لسوء الحظ فشل هورلي بتحقيق اتصال هاتفي بمكدونالد لإعلامه بآخر التطورات الميدانية، وحيث انه كان يعلم أن المواقع التي سيطر عليها ستكون وشيكا عرضة للقصف المدفعي دون أن يتوفر لديه وسيلة أخرى لإيقاف ذلك، فقد اضطر لسحب رجاله والتراجع إلى خلف الخطوط التي كان احتلها آملا العودة صباحا لبسط سيطرته عليها من جديد، بعدها حاول جاهدا إعلام قيادته بآخر المستجدات لميدانية إلا انه ابلغ بان الخطة الموضوعة سيتواصل تنفيذها وفقا لما هو مرسوما لها، مما خلف لديه شعورا بان ما أنجزه رجاله وما قدموه من تضحيات لن يكون موضع تقدير من قادته.
و بعد مضي بعض الوقت باشرت السفن البريطانية بقصف المرتفعات التي كان سبق لهورلي وبسط سيطرته عليها مما فرض عليه سحب رجاله إلى مواقع آمنة، وفي تمام التاسعة والنصف تساقط حوالي ستمائة وتسعون قذيفة مدفعية على المرتفعات المطلة على النهر، بعدها تقدمت قوات هوني نحو القطاع الغربي من الجبهة حيث سيطرت على المواقع التي سبق وأخليت صباحا، أما لناحية الشرق فان قوات المايجور ازاتشنس عبرت على موجات متواصلة يتألف كل منها من ستة رجال استخدمت كلها نفس القارب إلى حين أصبح عدد العابرين يوازي فصيلين مسلحين، حيث بادر هؤلاء لمهاجمة مواقع العدو مستخدمين المدفعية والبنادق الرشاشة، وتمكنوا في نهاية الأمر من اسر جميع الجنود الجزائريين المرابطين على خط الجبهة مما اتاح لهم الفرصة لإنقاذ حوالي عشرون عنصرا من المغاوير المحاصرين.
بعدها عثر المهاجمين في بعض المغائر الفينيقية المحفورة في الصخر على مسافة نحو ميل من النهر على كميات كبيرة من الطعام والأسلحة والذخائر الحربية.
في هذا الوقت كان المهندسون بقيادة الملازم وات قد أنجزوا خلال الليل إنشاء جسر على مسافة لا تزيد عن أربعمائة ياردة من الجسر الحجري المدمر بعد الاستعانة بثمانون جنديا من المشاة، وحوالي الساعة الخامسة صباحا من اليوم العاشر، تمكن الجنود والآليات من العبور بأعداد كبيرة على زوارق التجسير إلى الناحية الشمالية من النهر.
في العاشر من شهر حزيران أمر ستيفنس رجاله بمواصلة تقدمهم على الطريق الرئيسي بدعم من سلاح الفرسان بقيادة الملازم مل، كما أرسل قوة أخرى غربا لتمشيط وتنظيف المرتفعات المحاذية للطريق العام حيث وصلت هذه القوة إلى قرية صريفا ومن بعدها إلى كفرصير حيث دخلتها بعد مشادة مع بعض أهاليها، في هذا الوقت أرسل مل المتقدم شمالا بعض قواته نحو قرية أنصار حيث التقت ببعض العناصر من جند السلطان (سباهي) كانوا ينقلون بعض العتاد على البغال تلى ذلك تعرضهم لإطلاق نار من بعض العربات الفرنسية المصفحة والمجهزة بأسلحة مضادة للدبابات.
و في العاشرة صباحا وصلت ناقلات الجند إلى محاذاة الأبنية السكنية في قرية عدلون حيث تعرضت لإطلاق نار كثيف من رشاشات خفيفة، وشاهد الجنود بالعين المجردة أن مصادر النيران كانت من دبابتين مرابطتين هناك، وحين عالجهم مل ببعض قذائف الهاون دون تلقيه أي رد، تقدم إلى البلدة فوجد أن الفرنسيين أخلوها تاركين ورائهم أربع دبابات في حالة جيدة، بعدها تعرض بعض الجنود لإطلاق نار من ناحية الشاطئ، فتقدمت ناقلة جند للتعامل مع مواقع النيران لكنها أعطبت وقتل اثنان من طاقمها وجرح ثالث ووقع في الأسر، عندها قام الرقيب ستيوارت الذي يقود الناقلة الثانية بمناورة التفافية هاجم بعدها الموقع الفرنسي من لخلف بواسطة مدفع رشاش من نوع " فيكر " ما اضطر عناصر الحامية للفرار.
في هذا الحين التقى الملازم غلاسكو المتقدم نحو أنصار بحوالي خمسين جنديا ابيض البشرة من الفرنسيين قرب قرية كفر بدّا الواقعة على مسافة نصف ميل من الطريق العام، وبعد إطلاقه بعض الرشقات النارية عليهم، كفّ جنود العدو عن القتال حيث انسحب قسم منهم والقسم الباقي استسلم، وبعد وضعه الأسرى في عهدة مختار القرية، عاد غلاسكو وحاول ملاحقة باقي القوة لأسرها، لكنه تعذر عليه ملاحقتهم بسبب لجوئهم إلى بعض الهضاب العالية، بعدها تابع مسيره نحو أنصار حيث أعلمهم زعيم القرية أن الفرنسيين أخلوها قبل يومين.

وعلى الرغم من تراجع القوات الفرنسية شمالا، بقي عدد من المواقع يقاوم بشدة حتى الصباح بعد أن تمركز أفرادها في بعض المواقع الحصينة على التلال الشرقية بمحاذاة الطريق الساحلي، وأدت تلك المقاومة إلى إيقاع خسائر فادحة في صفوف القوات المهاجمة (كان من بين تلك الإصابات سابلت نفسه)، وكانت قوة العدو، المعززة بثلاثة عشر مدفع رشاش، مركزة في منطقة الواسطة، ما اضطر القوات المهاجمة للتخندق وانتظار القصف المدفعي الذي انهمر بعد فترة وجيزة عليها من مدفعية الميدان والسفن الحربية ما اضطر المدافعون للانسحاب، وبذلك يكون العدو قد أخلى تماما الطريق الساحلية وصولا حتى عدلون، مع احتفاظه بمواقعه في الأنصارية، وتكون القوات المهاجمة قد أتمت السيطرة غربا وصولا إلى قرية أنصار، في المقابل كان الخيالة البريطانيون قد بلغوا قرية كفرصير وبذلك تحقق الاتصال الأول بينهم وبين القوات الاسترالية المتقدمة عبر القاسمية.
و بنتيجة هذه المعركة، توصل قادة الجبهة الساحلية في الجيش الاسترالي لاستنتاج بأنهم، على الرغم من تدمير الجسر وفشل إنزال المغاوير والحواجز الدفاعية العسكرية والطبيعية التي واجهتهم عند خط الليطاني، فان تماسك أعصابهم وروح المبادرة التي تحلى بها قادتهم وانضباط ومسلكية الجنود وشجاعتهم والقصف المدفعي البحري المساند لهم وانهيار الروح المعنوية لدى جنود العدو كل ذلك مكنهم من إحداث خرق رئيسي كبير على هذه الجبهة وبالتالي تحقيق إنجاز عسكري مهم سيفخرون به لدى عودتهم إلى بلادهم.

أما في قطاع مرجعيون، فان اللواء الخامس والعشرين كان في مأزق حرج بسبب المقاومة الشرسة التي يواجهها، وعليه دعّم لافاراك كوكس بكامل قوات الاحتياط المتوفرة لديه مضافا إليها الكتيبة 2/33 وطلب منه أن يحاول في فجر التاسع من حزيران مهاجمة مرجعيون من ناحية الشرق والاستيلاء عليها.
و على الرغم من ضيق الوقت المتبقي لساعة الصفر فان نقل الكتائب المطلوبة وتنظيم الهجوم بدء على الفور، وعليه تجمعت الكتيبة 2/25 في منطقة دفنا، وفي ليل الثامن والتاسع من حزيران، تقدمت إحدى سراياها نحو المطلة، ثم تقدمت صباحا، بمعونة سريتين أخريين واكبتاها عن يمين الكتيبة 2/33، وصولا إلى مسافة ألف قدم أسفل هضبة ابل السقي.
في هذه الأثناء، أي في الصباح الباكر من التاسع من حزيران، اقتحمت سرية كوتون ثكنة الخيام بعد التمهيد لهجومها بقصف مدفعي مركز فوجدتها مهجورة وخالية تماما، فتابعت السرية زحفها نحو البلدة وصولا إلى شمالها حيث تم صدها ودفعها للتقهقر إلى الأطراف الجنوبية للبلدة بعد تعرضها لكمين غير متوقع من قبل قوات فرنسية كانت متربصة لها في حقول الحنطة خلف خطوطها الأمامية، وفي حين كانت الحرائق تندلع وأعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من ساحة المعركة، كانت الكتيبة 2/31 المساندة تتعرض بدورها لقصف مدفعي شديد ومواز مصدره قرية الخربة ومواقع أخرى مجاورة من ناحية الغرب ما أدى إلى شللها وتعطيلها عن الحركة طوال النهار.
في صباح التاسع من حزيران، بدأت ترد لقيادة بوتر أولى النتائج عن مهمة الرقيب دايفيس المكلف مهمة حماية جسر الليطاني الكائن جنوب غرب مرجعيون من التدمير، وكان دايفيس، مع أربعة من الجنود القناصة ومهندسين اثنين ومرشدين من الفلسطينيين، قد انطلقوا في مهمتهم هذه، منتصف ليل السابع من حزيران، من قرية المطلة، وبعد عبورهم مناطق السيطرة الفرنسية لنحو ثلاث ساعات، شاهدوا خطا هاتفيا عائدا للعدو فقطعوه، بعدها تسللوا مرتين على الأقل قرب تحصينات العدو ومخافره دون التنبه لهم، وحين مشارفتهم مسافة خمسمائة ياردة من الهدف المنشود، انطلق مسدس احد المرشدين خطأً ما أدى إلى إصابته بجرح في وركه، ولحسن الحظ لم يسمع الفرنسيين صوت تلك الرصاصة، وقد أصر الفلسطيني المصاب بعد تضميد جرحه على إتمام مهمته قائلا " هيا بنا لأريكم الجسر " ثم أشار بيده كمن يطعن قلبه بالحربة : " بعدها فقط يمكن أن أموت ".
و ما أن وصل أفراد المجموعة المتسللة، حوالي الرابعة والنصف من بعد الظهر، إلى جوار جسر صغير يبعد حوالي أربعمائة ياردة عن الجسر الرئيسي، حتى علا نباح كلب كان يدنو منهم بصحبة خفير، فانبطح أفراد المجموعة أرضا، بعدها قرر دايفيس محاولة مغافلة الحارس حين يصبح على بعد ياردات منه وصرعه دون إطلاق رصاص، إلا أن هذا الأخير اخذ، حين اقترب منهم، يصيح بصوت عال ثم امتشق بندقيته وثبتها على كتفه وصوب نحوهم في حركة دائرية متأرجحة وأطلق لنار، لكنه اخطأ الهدف، في نفس اللحظة رد عليه العريف هوبكينز وخمسة من رفاقه بالمثل، فترنح الجندي إلى جانب الطريق ومعه اثنين أخريين من رفاقه الذين هبا لنجدته، وتوارى الثلاثة داخل أخدود مجاور، بعدها مباشرة حصل تبادل قصير لإطلاق النار، تلا ذلك مهاجمة دايفيس ورجاله بالسلاح الأبيض لكوخ صغير كان يستخدم كموقع حماية للجسر من الناحية الشرقية من النهر حيث فاجئا في بابه جنديين فرنسيين هرعا بثياب النوم محاولين رفع الغطاء عن مدفع رشاش، فدفعاهما للاستسلام، ثم انطلق دايفيس مسرعا مع احد رجاله نحو الجهة المقابلة من النهر حيث سيطرا على غرفة حرس أخرى وأسرا جنديين آخرين بعد قذفهما بقنبلة يدوية، بعدها بحث دايفيس واثنين من مرافقيه المهندسين عن أسلاك التلغيم والحشوات المعدة لتفجير الجسر، فعثرا عليها وقطعا الأسلاك والقوا بها مع المتفجرات في النهر، ثم اصطحب دايفيس رجاله والأسرى الأربعة والمدفع الرشاش وخمسة بنادق كان استولى عليها نحو حافة هضبة عالية تشرف على الجسر من لناحية الغربية.
و في الوقت الذي بدأ فيه الهجوم الرئيسي لقوات الحلفاء، أي حوالي الساعة الخامسة، عمل دايفيس على تعزيز سيطرته على موقعه المشرف على النهر لكي يكون، في حال الحاجة إليه، نقطة ارتكاز لتدبير أي هجوم مستقبلي قد تقوم به كتيبته على الجسر الرئيسي، وقد تناهى له من موقعه على تلك الهضبة أصداء انفجار القذائف المدفعية وفرقعات الرصاص وهدير محركات الطائرات المشاركة في المعركة، كما لحظ في أسفل الوادي جموعا غفيرة من المدنيين المذعورين تهرع مبتعدة عن ساحة المعركة نحو الشمال، بينما كانت قوافل القوات الفرنسية تتقدم جنوبا، وقد حاول دايفيس، وهو جندي بالفطرة، مخادعة تلك القوات عن طريق إيهامهم بوفرة عدد رجاله المتحصنين على تلك الهضبة عن طريق تحريكهم بمناورة مدروسة من صخرة إلى صخرة ومن أكمة إلى أخرى بشكل ظاهر للعيان.
و حوالي السادسة والنصف، تقدم على الطريق رتل طويل من لآليات الفرنسية بلغ عدده سبعة وخمسون آلية، إلا أنهم ما لبثوا ان قفلوا فجأة عائدين، وحوالي السابعة والنصف، ثبّت الفرنسيين ثمانية رجال على الهضبة الشرقية المطلة على النهر بهدف الدفاع عن الجسر، ثم عزز هؤلاء بدفعات جديدة من الجنود، وفي الثالثة ظهرا، دمر الفرنسيون الجسر الصغير، وحوالي الرابعة نسفوا الجسر الرئيسي، بعدها بساعة شاهد دايفيس جنديا استراليا يتقدم متعثرا على الطريق المؤدي إلى موقعهم وهو يرتدي سترة واقية من الرصاص، فسارع دايفيس نحوه لمكالمته، فتبين له انه العريف فلتهام وهو من نفس وحدته العسكرية، وكان فلتهام قد أصيب في رأسه خلال المعركة التي جرت قرب الخربة في الليلة السابقة، ما أدى إلى شروده عن فرقته، فاعلمه دايفيس انه أضحى خلف خطوط العدو، وطلب منه محاولة العثور على معبر نهري ضحل ليعبره وينضم إليه، وبعد حلول الظلام انتقل دايفيس وصحبه من الجنود والأسرى إلى نقطة تبعد مسافة ثلاثة أرباع الميل أسفل الجسر، وفي اليوم التالي عبروا النهر متقدمين تجاه الجنوب متخذين الطريق الرئيسي مسارا لهم، وبعد سير وجيز شاهدوا مجددا فلتهام على الجهة المقابلة من النهر لكنه هذه المرة كان مصحوبا بخمسة جنود استراليين، فأوعز دايفيس لأحد رجاله بالتقدم وخوض غمام النهر سباحة ساحبا معه سلك هاتفيا طوله خمسين قدما سبق له أن فصله قبل ليلتين عن شبكة اتصالات العدو، وبعد أن شدّ الجندي السلك إلى جذع شجرة متينة، عبر فلتهام ورفاقه النهر مستعينين به، ثم روى لهم، وهو رابط الجأش هذه المرة، انه بعد أن أمضى ليلته السابقة على الضفة المقابلة من النهر عاجزا عن عبوره، طالعه حسن الحظ صباحا وعثر على طريق عودته إلى فرقته، بعدها استحصل من قائده على إذن لاصطحاب مجموعة من الجنود لمحاولة العثور على دايفيس والعودة به مع صحبه سالمين وهو ما تحقق بالفعل، بعدها سار الجميع بمحاذاة مجرى النهر عابرين منحدرا يتصل بهضبة دير ميماس شمالا حيث تعرضوا لبعض زخات الرصاص والقذائف المدفعية، ثم استطاعوا الالتفاف بعيدا عن مسرح المعارك الجارية وصولا إلى تقاطع طرق كان قد اتخذه الكولونيل بورتر مركزا قيادته.
أثبتت أحداث التاسع من حزيران صعوبة الموقف الذي يواجهه الجنرال كوكس، فكتائبه كانت تتقدم على ارض مكشوفة تحت ضوء بدر ساطع، وكان من الممكن عمليا لحفنة من ناقلات جنده الاندفاع بسهولة قدما، لكنها بذلك ستكون عرضة للتدمير من الدفاعات المعادية، أما على الجانب الآخر فكان لدى الفرنسيين قوات كبيرة مجهزة جيدا ومدعمة بالمدفعية ومعدة بإتقان لصد أي هجوم سواء من الوسط أو من الأطراف، وكانت هذه القوات موزعة على دشم صغيرة حصينة من الحجر الصخري مبنية بشكل يسمح لها بدقة تحديد مدى مرمى نيرانها، وبشكل يتيح لها إعاقة أي محاولة لإمداد طلائع القوات المهاجمة بالذخائر والغذاء.
و كان لافاراك قد اختبر فعالية قصفه المدفعي لثكنة الخيام، لذا أمر بنقل إمرة الفوج 2/6 من كوكس إلى باريمان، ثم جعل كلا الفوجين 2/6 و2/5 تحت إمرته المباشرة في محاولة لتهيئة قواته للزحف نحو بلدة مرجعيون وتأمين موطئ قدم له فيها قبل تنظيمه لهجومه الحاسم النهائي عليها.
و في العاشر من حزيران بدء التمهيد لاختبار قوة العدو، لذا، وبناء لاقتراح من باريمان، أمر لافاراك قوة مؤلفة من مصفحة من سلاح الفرسان وستة ناقلات جند بالتقدم صباحا تحت أمرة الملازم ميلارد نحو الخربة لاستدراج العدو للاشتباك، وكانت خطته تقضي بان يتقدم الملازم فلورانس في الوسط على طول لطريق المؤدي إلى قرية الخربة إلى أن يصل إلى مكان مناسب للتمركز والانتشار، بعدها يتقدم ميلارد بناقلاته عن يمينه على أن يؤمن له الرقيب غروف توجيه الدعم المدفعي في حال انكشافهم للعدو.
و بعد نجاح فلورانس بالتقدم إلى سفح الهضبة التي تربض عليها قرية الخربة دون أي مقاومة تذكر، تعرضت آليات ميلارد لنيران العدو، فأصيب له في الموجة الأولى من القذائف العريف اوسوي المسؤول عن أجهزة اللاسلكي مما حال دون متابعته القيام بمهمته، ما دفع بميلارد لرفع إشارة الانسحاب بيده نظرا لكثافة النيران التي اخذوا تعرضون لها، وبينما كان ميلارد يتقهقر إلى الوراء متبادلا إطلاق النار مع مواقع العدو بواسطة رشاش فيكر، أصيبت آليته بقذيفة مدفعية مباشرة وانفجرت، فأخلاها بسرعة وسعى للاتقاء خلف بعض الصخور المحاذية قليلة الارتفاع، في هذا الوقت حاول العريف لامب، سائق الآلية المصابة، الوصول إليها مجددا لإصلاح أجهزة الاتصال فيها وطلب الدعم، لكنه وجدها مدمرة تماما.
و بعد فترة وجيزة انهالت القذائف المدفعية الاسترالية على مواقع العدو المنتشرة على أطراف القليعة والخربة، فاستغل فلورانس ورجاله الظرف وسعوا لتقديم نجدتهم لميلارد بعد أن ركنوا آليتهم إلى جانب الطريق، وبعد أن قطع فلورانس مسافة مائة ياردة تقريبا راكضا وسط الطريق تجاه الآلية المشتعلة ملوحا بمسدسه ومناديا ركابها، وجدها خالية تماما، فقفل مسرعا عائدا إلى آليته، عندها بادر زميله الرقيب مارتن للبحث عنهم متقدما بآليته بحذر متسترا خلف بعض النتوء الصخرية لمسافة مائتي ياردة تقريبا إلى أن عثر عليهم مختبئين خلف كومة من الأحجار منهكين نظرا للقصف المستمر عليهم منذ ساعة ونصف تقريبا، فنقلهم جميعا بما فيهم العنصر المصاب إلى موقع أكثر أمانا، وقد أدت هذه الواقعة إلى إعطاب كافة آليات ميلارد باستثناء اثنتين منها، كما أدت إلى إصابة وجرح ثمانية عشر من رجاله، وظهرا عاود كوكس حث ميلارد على الالتحام مجددا مع العدو في محاولة للتمهيد لهجوم مشاته المخطط بدءه قرابة الساعة الثانية من صباح اليوم التالي، إلا أن هذا الأخير طالبه باعتاقه من هذه المهمة نظرا للخسائر الفادحة التي تعرض لها.

في بداية الغزو، أرسلت السرية 2/33 العاملة بإمرة النقيب بنيت نحو قرية الفرديس لاحتلالها والسيطرة عليها، إلا انه منذ ذلك التاريخ انقطعت أخبارها تماما عن قيادتها، كما انقطع عنها ما كان يحصل من تطورات ميدانية في نواحي الخيام ومرجعيون.
و كانت تلك القوة قد عانت من صعوبات جمة في العثور على مسارها المقرر نحو شبعا الذي لم تبلغه إلا مع طلائع الفجر، فبعد مسار طويل امتد طوال النهار عبر المرتفعات السورية والأودية أدرك بنيت أخيرا قرية الهبارية قبل مغيب النهار بقليل (كان مقدرا في الخطة الأساسية أن الزمن اللازم لبلوغ الهبارية هو أربع ساعات فقط، إلا أنها استغرقت فعليا أربع وعشرون ساعة تقريبا)، وفي خراج القرية التقى بنيت بعض المواطنين السوريين الذي سبق لهم السفر إلى أمريكا، وقد حذره هؤلاء من وجود عدد من الفرسان الفرنسيين في القرية ليلا، فأرسل بنيت بعض جنوده لاستطلاع الموقف، ثم بدء من الساعة الثامنة صباحا من يوم لتاسع من حزيران حرك قواته تجاه الفرديس للسيطرة عليها، على أن يتم بعدها توسيع رقعة انتشاره نحو لطريق العام الكائن غرب البلدة، لكن ما أن اقتربت تلك القوات من القرية، حتى تعرضت لإطلاق نار من مدفع رشاش تم تركيزه شمالها، فعمد بنيت لمواصلة تقدم قواته بحذر بعد أن أعاد تقسيمها إلى ثلاث فصائل حيث اصطحب معه فصيلين لمهاجمة البلدة، وأبقى على فصيل خلفي كانت مهمته حماية وتغطية تقدمهم من الهبارية، وعلى الرغم من استمرار تعرضه لرمايات بعيدة من الرشاشات الفرنسية، استطاع مواصلة تقدمه إلى أن أتم سيطرته على تلة تشرف على جانبي مفترق الطريق العام حيث شاهد من بعيد صفا من البغال محملة بالذخائر ومتجهة بصحبة بعض الجنود الفرنسيين نحو قرية ابل السقي، وفي اليوم التالي وبينما كان بانتظار تعزيزه بقوات إضافية، تعرض لهجوم من قوة فرنسية ناهز تعدادها كتيبة كاملة قدمت على عجل من حاصبيا وانتشرت سريعا ثم باشرت بتنظيم هجمات متلاحقة على مواقعه من ناحية الشمال، وقد تعرض بنيت خلال ذلك اليوم لثلاث محاولات هجومية متتالية على الأقل، منها واحدة تعرض لها عند العاشرة صباحا، وأخرى عند الرابعة بعد الظهر، وفي كل مرة كان الملازم كوب ذو الخبرة العالية بالقتال، ينجح بجر القوات المهاجمة إلى مسافات قريبة من مواقعه، ثم يعمد لإمطارهم بنيران أسلحته موقعا بهم العديد من القتلى والجرحى ما يدفعهم للتقهقر إلى مواقعهم الخلفية.
أما في المرة الثالثة، فقد واجه رجال بنيت حوالي خمسين خيالا انقضوا عليهم بشكل مفاجئ عبر التلال من ناحية حاصبيا فتمكنوا من الاقتراب إلى مسافة مائتي ياردة تقريبا من احد مواقعهم الكائن عند أطراف القرية الجنوبية حيث ترجلوا سريعا وباشروا هجوما ضاريا عليه، فاستبسل عناصر الموقع في لدفاع عن مركزهم ما أدى إلى هياج بعض الخيول ودفعها للجري تجاههم عبر الوادي.
و في صباح اليوم التالي، تعرضت قوات بنيت مجددا لهجومين آخرين من ناحية الطريق العام، توغل بعدها المهاجمون داخل القرية حيث قطعوا خطوط المياه واسروا ستة من رجاله المضمدي الجراح، بعدها أصبح وضع بنيت حرجا للغاية كونه أضحى محاطا بالعدو من ناحية الخلف حيث يرابط العدو على الطريق العام، ومن الأمام حيث ينتشر بين بيوت القرية، تلى ذلك تلقى بنيت عرضا من قائد القوة الفرنسية لمقابلته بواسطة مواطن سوري تقدم من مواقعه، فرد بنيت الرسالة طالبا من القائد الفرنسي الحضور بنفسه متعهدا له بالأمان، إلا انه لم يتلقى أي رد على عرضه ذلك.
و في اليوم الرابع، لم تتعرض قوات بنيت لأي هجوم، إلا أنها كانت عمليا محاصرة بالنيران من جهة، ومن دوريات الخيالة من جهة أخرى، وحوالي الثانية عشر إلا ربع ظهرا، اقترب رجل إفريقي على صهوة جواده نحو مواقعهم دون أن يدرك على ما يبدو ما كان يجري على الأرض، فتركه كوب حتى دنا منه ثم بادره بإطلاق الرصاص على حصانه، بعدها هرع إليه العريف مارشال محاولا أسره، فعاركه بالأيدي عراكا شديدا مصحوبا بحماس وتشجيع كبيرين من رفاقه الاستراليين، إلا انه عجز عن إخضاعه فابتعد عنه متيحا الفرصة للجندي نوريس لإردائه قتيلا.
في الثاني عشر من حزيران، أي بعد مرور أربعة أيام على انطلاقه مهمته، بدأ بنيت بإعادة تقييم ومراجعة موقفه، فهو تمكن من المحافظة على مواقعه المشرفة على الطريق العام لأربعة أيام متتالية دون تعزيزه بأية قوات إضافية، ودون أي يتكون لديه أي فكرة عما كان يجري في قيادته التي كان أخر اتصال أجراه معها من قرية الهبارية في الثامن من حزيران عير الأجهزة اللاسلكية، وكان جنوده قد أضحوا بحالة إنهاك تام دون أن يتوفر لديهم أي غذاء يقتاتون به سوى بعض قناني المياه والمعلبات التي زودهم بها في اليوم التالي لانطلاق مهمتهم، لذا اتخذ بنيت قراره بالتخلي عن مواقعه والعودة للالتحاق بقيادته، فأوعز لجنوده بالراحة حتى حلول الظلام بعد أن قسمهم إلى عدة مجموعات، ثم أصدر أوامره لمجموعتي كوب ودرواير بالانطلاق أولا، تلى ذلك مباشرة مجموعة الحماية المرابطة في الهبارية.
و بينما كان كل من كوب ودرواير يسلكان طريق العودة، انطلق مارشال بدوره من الهبارية متخذا له نفس المسار الذي كان قد سلكه سابقا خلال قدومه اليها، وكان بنيت وأفراد قيادته قد قرروا التريث قليلا لحين تأمين عبور باقي المجموعات على أن ينسحبوا بدورهم مع بزوغ ضوء القمر نحو راشيا الفخار والخريبة، وما أن أتم بنيت استعداداته للمغادرة، حتى فوجئ بدورية فرنسية تتخذ لها مواقعا على بعد ياردات قليلة منه، فاختبئ فورا مع رجاله ثم انسلوا بسكون وصمت بين التلال والصخور وصولا إلى مواقع قريبة من سفح راشيا الفخار حيث خيموا طوال الليل، ثم تابع بنيت سيره تحت جنح ظلام اليوم التالي إلى أن تمكن من الوصول إلى مركز قيادته حيث وافاه هناك باقي أفراد مجموعاته الذين سبق لهم الوصول خلال النهار، وبذلك يكون بنيت قد نجح بإعادة كافة رجاله سالمين باستثناء الجرحى الستة الذين سقطوا في الأسر في الفرديس، وقد استاء القائد موناغان استياء شديدا لضياع فرصته بالاستفادة من هؤلاء الرجال لسوء وسائل الاتصال بهم، لذا عمد لإعادة تكليف بنيت بتهيئة كتيبة جديدة أفضل إعدادا وتجهيزا من القوة السابقة.


وعلى الجبهة الصحراوية، تتبع الكولونيل كوليت اللواء الخامس الهندي نحو شيخ مسكين، ثم واصل تقدمه نحو السفوح البركانية الشرقية حيث وجد أن استخدام الخيول قد يكون مفيدا له أكثر من العربات الآلية، وفي العاشر من الشهر تمكن من بلوغ " نجحا " على " نهر العوجة " حيث اسر بعض الجنود، بعدها اصطدم مع بعض المشاة السنغاليين الذين كانوا مجهزين ببعض العربات المصفحة والدبابات فأرغموه على التراجع حوالي ستة أميال إلى الوراء، لكنه ما لبث أن تعرض في الحادي عشر من الشهر لهجوم جديد تمكن من إحباطه بواسطة مدفع مضاد للدروع.
و كانت طليعة القوات الفرنسية الحرة المؤلفة من قوات البحرية والسنغاليين قد تقدمت في التاسع من الشهر نحو شيخ مسكين بعد أن زودهم ايلويد بمدفع مضاد للطائرات وبطارية مدفعية لتعويض النقص في عتادهم، وفي الليل، سيطر لونغتلهوم على " خان دينون " و" دير علي " وأصبح على تماس مباشر مع المواقع الفيشيية، هناك انتظر طوال يومي العاشر والحادي عشر قدوم بعض التعزيزات من السنغاليين ثم هاجم " كزوي " التي يدافع عنها قوات مغاربية.
انزعج الجنرال دي فرديلاك من التقدم السريع للقوات الفرنسية الحرة نحو دمشق فقرر خوض معركته عند تخوم نهر العوجة، وعليه بدأ بإعداد ساحة معركته للمواجهة المنتظرة، فحرك إليها في التاسع من الشهر فوج القناصة السادس الإفريقي والفيلق 6/11 من المقاتلون الأجانب المدرع، وضم اليهما في الحادي عشر من الشهر فوج القناصة الإفريقي السابع والفيلق 1/6 من الجنود الأجانب ليكون قد تجمع لديه في الثاني عشر من الشهر ستة كتائب قتالية وفيلقين من الأجانب والأهم من ذلك غالبية الجنود المشاة والدبابات المتوفرة لجيشه ما بين جبل حرمون والصحراء إضافة إلى ثلاثة كتائب من التونسيين في جبل الدروز وقسم من فوج الخيالية الرابع والعشرون الذي استقدمه من ناحية طرابلس مع مجموعة من القوات الجزائرية مدعمة بسبعة بطاريات مدفعية للدفاع عن ناحية الليطاني، وفي العاشر من حزيران عاد دي فرديلاك وأرسل الكتيبة العاشرة من القوات الأجنبية إلى قطاع الصحراء ليكون قد أتم استعداداته للمعركة بقوات تمنحه أفضلية كبرى على خصومه، مع استمرار احتفاظه بقوات احتياطية مدرعة.

| المهندس جلال عبد الله 4\12\2007

الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان




الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان
الحرب العالمية الثانية: يوميات حملة الحلفاء على سوريا ولبنان.
عبور الليطاني Date: 12/03/2007

005

مشهد اخر لبلدة مرجعيون من الجهة الشمالية الشرقية

Date: 12/03/2007

006

رسم يدوي لمشهد المعركة رسمه جندي فرنسي كان مرابطا في احد المواقع العسكرية في الخربة، يظهر فيه العمليات العسكرية التي كانت دائرة على الجبهة

Date: 12/03/2007

007

خريطة محاور تقدم الحلفاء نحو دمشق - الجبهة السورية

Date: 12/03/2007

091

رسم زيتي لمدخل ثكنة الخيام

Date: 12/03/2007

194

مجموعة من الجنود الاستراليون يعبرون ساحة ثكنة الخيام أثناء اقتحامهم لها

Date: 12/03/2007

195

بطارية مدفعية أثناء العمليات العسكرية على جبهة الخربة مرجعيون

Date: 12/03/2007

196

قائد فوج البغالة في القوات الاسترالية

Date: 12/03/2007

199

مجموعة من الجنود الاستراليين أثناء اقتحام احدى الغرف في ثكنة الخيام

Date: 12/03/2007

200

مواقع قرب ثكنة الخيام تتعرض للقصف أثناء المعركة الجارية لاحتلاله

Date: 12/03/2007

201

فوج البغالة الاسترالي أثناء نقل بعض الاعتدة و الذخائر على جبهة الخيام

Date: 12/03/2007
Views: 99
203

مشهد لبعض الجنود الاستراليين أثناء مفاوضتهم حامية ثكنة الخيام لحملهم على الاستسلام

Date: 12/03/2007

205

مجموعة من الجنود الاستراليين أثناء تحميلهم لاحد البغال بالعتاد والذخيرة قرب ثكنة الخيام

Date: 12/03/2007

208

جنود استراليون أثناء اقتحام ثكنة الخيام

Date: 12/03/2007

000

رسم زيتي لمدفع تم تركيزه في ساحة ثكنة الخيام

Date: 12/03/2007

001

خريطة تظهر المحاور التي حاولت قوات الحلفاء العبور منها عند خط نهر الليطاني

Date: 12/03/2007

002

خريطة أخرى تظهر امتداد محاور الجبهة من لساحل حتى الخيام و ابل السقي

Date: 12/03/2007


003

أحد مرابض المدفعية الاسترالية خلال احد المواجهات الدائرة حول مرجعيون

Date: 12/03/2007
004

مشهد من الخارج لثكنة مرجعيون في حزيران 1941

Date: 12/03/2007
Views: 81
عبور الليطاني 01

Date: 12/03/2007
عبور الليطاني 02

Date: 12/03/2007

0 تعليقات::

إرسال تعليق