الخميس، 23 يونيو، 2011

«من يراهن على سقوط الأسد يفهم في السياسة بقدر ما أفهم في القنبلة الذرية».. بري: واشنطن تصوّب على ميقاتي.. لأنها تريد الحريري

من الواضح أن لبنان وُضع تحت «المجهر الدولي» بعد تشكيل الحكومة الجديدة التي يخضع سلوكها لمراقبة مشددة من عواصم القرار في العالم، لتبيان ما ستفعله حيال ثلاثة ملفات حساسة، هي: المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، القراران 1701 و1559، والوضع السوري.
وفي المقابل، يحاول الرئيس نجيب ميقاتي تدوير ما أمكن من الزوايا الحادة، مستفيدا من مواهبه وخبرته في «الوسطية»، لعله يتمكن من التوفيق بين ضرورات الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية وبين ما بات يُعرف بـ»التزامات لبنان الدولية» التي تبدو مفتوحة على أكثر من اجتهاد في تفسيرها.
هذا المناخ الضاغط الذي يحيط بالحكومة، كان مدار بحث أمس الأول في عين التينة بين الرئيس نبيه بري والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز الذي سأل رئيس المجلس عن قراءته لما آل إليه المشهد العام في سوريا، فأجابه معتبرا أن ما يحدث فيها ليس ثورة أو احتجاجات شعبية بالمعنى المتعارف عليه، أو على صورة ما جرى في مصر وتونس على سبيل المثال.

بدا وليامز غير مقتنع بنظرية بري، فما كان بالأخير إلا أن دعمها بـ»قوة إسناد» تحليلية، قائلا: ألم تلحظ أن التوتر في سوريا يُصدّر من الخارج إلى الداخل؟ لقد بدأت الأحداث في درعا الواقعة على الحدود مع الأردن، لكن سرعان ما تمت السيطرة عليها، فانتقلت إلى تلكلخ الكائنة على الحدود مع لبنان حيث جرى إخمادها أيضا، لتحط في جسر الشغور على الحدود مع تركيا.

التقط بري أنفاسه، ثم تابع: أعتقد انك تشاركني الرأي في أن الثورات الحقيقية هي التي تنطلق من العواصم والمدن الكبرى، ثم تتمدد نحو الأطراف، كما حصل في القاهرة وتونس وصنعاء وبنغازي. أما سيناريو الأحداث المتنقلة في سوريا فهو يسير عكس السير ويحمل بوضوح بصمات خارجية.

وإذ يبدي بري لزواره ارتياحه الكبير إلى الخطاب الأخير للرئيس بشار الأسد الذي وضع خطة قريبة وبعيدة المدى من أجل تحقيق الإصلاح الشامل في سوريا، يلفت الانتباه إلى أن ردود الفعل الأميركية والأوروبية على خطابه أثبتت أن المسألة بالنسبة إلى الغرب ليست مسألة إصلاحات بل خيارات. «لقد بات واضحا الآن، بالعين المجردة، أن الخارج يستهدف الخيارات السياسية للنظام السوري، ولا يهمه بعد ذلك إن طاله الإصلاح أم لا».

أما في ما خص لبنان، فإن رئيس المجلس يؤكد الثبات على الموقف الذي أطلقناه منذ بداية الأزمة، وهو أن أمن واستقرار بلدنا من أمن واستقرار سوريا، والعكس صحيح، وبالتالي من مصلحتنا أن يخرج الشعب والنظام في سوريا من الأزمة وقد انتصرا على المؤامرة الخارجية، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية الإصلاحات التي من شأنها أن تحصن الداخل وتقويه في مواجهة محاولات إخضاعه للابتزاز على قاعدة «تنازلوا عن ثوابتكم السياسية، نمنحكم الاستقرار».

ويهزأ بري من أوهام أصحاب الحسابات الخاطئة، معتبرا أن من يراهن على إسقاط النظام السوري يفهم في السياسة، بقدر ما أفهم أنا في القنبلة الذرية.

والشأن اللبناني كان حاضرا في النقاش بين وليامز وبري الذي لم يُخف مآخذه على المجتمع الدولي، بسبب مواقف بعض دوله من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. سأل رئيس المجلس ضيفه: «لوين رايحين»، ولماذا هذا الاستهداف للرئيس ميقاتي؟ هل هو إيراني.. هل هو سوري. هل يملك طائرات خاصة اقل من سواه. هل يختلف في شيء عن رجال الأعمال الآخرين؟ أم انه أقصر من غيره يا ترى؟ وخلص بري إلى الاستنتاج أن «المواقف الصادرة عن بعض الدوائر الدولية التي تستهدف ميقاتي توحي بان هناك من لا يريد سوى شخص واحد في رئاسة الحكومة».

خرج وليامز من مقر الرئاسة الثانية، من دون أن يروي غليل رئيس المجلس بردود مقنعة، فيما كان بري يواصل أمام زواره تظهير الصورة، كما يراها، مستهجنا ادعاء جهات خارجية أن حكومة ميقاتي هي حكومة حزب الله، لافتا الانتباه إلى أن الحزب دخل مجلس النواب منذ العام 1992، كما أن وزراءه شاركوا في حكومات الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس سعد الحريري، حتى أن محمد فنيش شاب شعره على مقاعد مجلس الوزراء، ولم يحصل أن اعتبرت واشنطن أنها حكومات حزب الله. فلماذا استفاقوا الآن كأنهم اكتشفوا اليوم فقط أن الحزب موجود في مؤسسات الدولة.

ويضيف بري: إذا كان قد تغير شيء ما بين الأمس واليوم، فهو أن حزب الله بدأ تجربته الوزارية بحقيبة من العيار الثقيل هي «الطاقة»، لينتهي به الأمر إلى حقيبتين متواضعتين نسبيا قياسا إلى ما حصل عليه في السابق. ومع ذلك، هناك من يصر على مقولة حكومة حزب الله. والحقيقة أن المستهدف منها بالدرجة الأولى هو الرئيس ميقاتي الذي، للغرابة، كان نفسه رئيسا للحكومة عام 2005 من دون أن يثير ذلك آنذاك حفيظة المعترضين حاليا.

ولا يلبث بري أن يغادر «رواق» التلميح إلى «شرفة» التصريح: الأميركيون كانوا يعتقدون أننا لن ننجح في تشكيل الحكومة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عدد من حلفائهم الأوروبيين، وقد سبق لي أن سمعت من سفراء غربيين في بيروت كلاما في هذا الاتجاه، لذلك ترك تأليف الحكومة وقع المفاجأة والصدمة في أكثر من مكان، داخليا وخارجيا.

وقبل أن يبرد كلام بري، يردف متابعا: من الواضح أن الأميركيين يصوبون على ميقاتي لأنهم كانوا يتطلعون إلى أن يقيم سواه في السرايا. بصراحة، إنهم يريدون فرض أحدهم رئيس حكومة علينا، ضاربين بعرض الحائط نتائج العملية الديموقراطية التي أوصلت ميقاتي إلى رئاسة الحكومة بفارق بضعة أصوات عن الرئيس سعد الحريري، علما بأنهم لا ينفكون عن إعطائنا دروسا في الديموقراطية، فأي مفارقة هذه.

ويرى رئيس المجلس أن واشنطن، بعدما أصبحت في مواجهة الأمر الواقع، تحاول أن تُلزم الحكومة الجديدة بأجندة سياسية معينة، عن طريق التهويل المتواصل بأنها تحت المراقبة لاختبار مدى التزامها بالمحكمة والقرارات الدولية، قبل أن يضاف سؤال آخر إلى المسابقة الأميركية وهو: كيف سيكون موقف لبنان من العقوبات الدولية التي تدفع الولايات المتحدة نحو فرضها على سوريا.

ويلاحظ بري أن فريق 14 آذار لم يصدق بعد، ولا يريد أن يصدق، انه خرج من الحكم، برغم أن ذلك طبيعي في إطار تداول السلطة التي آلت إلينا بفارق عدد من الأصوات، علما بأن الحلفاء الدوليين لهذا الفريق لا يجدون حرجا في أن يحكموا بأكثرية صوت واحد، متسائلا: هل رئاسة الحكومة في لبنان مطوّبة باسم أحدهم. هل هي من الأملاك الخاصة. «شو هالمسخرة».

ويستغرب رئيس المجلس أن يقود الرئيس سعد الحريري المعارضة من الخارج، إلا إذا كان المطلوب منا أن نذهب إلى باريس ونفتح فرعا لمجلس النواب هناك.

عماد مرمل - السفير 23 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق